Blog
إعصار الحياة رحلة طبيب بين القيود والإبداع في غرفة الطوارئ
“إعصار الحياة: رحلة طبيب بين القيود والإبداع في غرفة الطوارئ”
يشاركنا جي باروخ خمسة أفكار من كتابه إعصار الحياة
1. الناس هم قصصهم، وليسوا بيانات بوجوه.
في منطقة الكوارث السردية داخل غرفة الطوارئ، تركيزي الأساسي هو التأكد من أن القصة التي يرويها المريض هي نفسها التي أسمعها. ففي بيئة سريعة الإيقاع ومليئة بالتحديات والقيود، من السهل أن يُختزل الإنسان إلى ملف طبي. لكن كل مريض يستحق أن يُسمَع صوته.
المريض يواجه مهمة صعبة: أن يصيغ قصة شخصية عميقة ويثق بطبيبٍ لم يلتقِ به من قبل. ولا يمكنني أن أعتني بمرضاي إن لم أعتنِ بقصصهم الفريدة.
وصفت الباحثة السردية كاثرين مونتغمري هذا التحدي بعبارة بليغة:
“الأطباء يسعون إلى إتقان خرائط المرض، لكن كل مريض، وكل حالة مرض، هي أرض مجهولة.”
في الطب، تساعد الأدلة البحثية على اتخاذ القرارات، لكن الوصول إلى جوهر معاناة المريض أو حاجاته يتطلب الإصغاء لأعراضه الظاهرة والانتباه أيضًا لأعبائه الاجتماعية والنفسية غير المرئية.
القصص العظيمة تتمحور حول شخصيات مثيرة، ذات رغبات وتوقعات، تواجه عوائق ومشكلات. والمريض هو الكاتب والبطل في قصة عميقة عن معنى الحياة. وغالبًا ما تتعقد مشكلات الجسد بسبب مشكلات أخرى: كالعلاقات، والمال، والصحة النفسية، والإدمان، والوحدة.
قال عالم النفس جيروم برونر:
“السرد هو دعوة للبحث عن المشكلة، لا درس في حلّها. إنه معنيّ بالمحنة، بالطريق أكثر من الغاية التي تؤدي إليها.”
وقد يقودني هذا الطريق إلى أراضٍ غير معروفة، لكن على الطبيب أن يكون مستعدًا للسير فيها.
فالأصل اللغوي لكلمة طوارئ يعود إلى اللاتينية ويعني ما يُجلب إلى الضوء.
كل مريض يأتي إلى الطوارئ لأسباب مختلفة، لكن لدى كل واحد منهم قصة تحتاج لأن تُروى.
2. الشكّ هو حليفنا.
الشكّ حاضر في كل تفاصيل الطب، من التشخيص إلى التواصل.
لكنّ الشعور بعدم اليقين ليس مريحًا، وللتخلص منه نسعى إلى جمع مزيد من البيانات، أي إلى مزيد من الفحوص. لكنني تعلمت من مريضتي جيل ل. أن كثرة البيانات لا تعني بالضرورة زيادة اليقين.
“إذا لم نرحّب بالشك، سنضيّق نوع المشكلات التي نبحث عنها، ونحصر ما نصغي إليه، ونُعلي فقط من شأن ما يدعم أفكارنا المسبقة.”
جاءت جيل ل. في ليلة سبت تشكو من ألم في الصدر وضيق في التنفس، فبحثت عن علامات نوبة قلبية أو جلطة رئوية. كنت طبيبًا شابًا، مجتهدًا، مهذبًا، لكن خيالي محدود. ركزت على “ما هو المرض؟” دون أن أسأل “لماذا جاءت حقًا؟”
وفي النهاية أخبرتني أنها ضحية عنف أسري، وأنها تلك الليلة بلغت حدّ الانهيار ولم تجد ملاذًا سوى غرفة الطوارئ.
تُظهر الدراسات أن الأطباء الذين لا يحتملون الشكّ يفرطون في الفحوص، ويتجنبون الاعتراف بعدم اليقين أمام مرضاهم، ما يسبب لهم ضيقًا نفسيًا.
قال الشاعر مارك دوتي:
“ليس من السهل تذكّر أن الشكّ، في أي عملية بحث، هو حليفنا.”
التصالح مع الشكّ يعني تغيير علاقتنا به: لا يجب تجاهله أو إنكاره أو حصر التفكير في أسئلة ذات إجابات جاهزة. علينا أن نستفيد من الشكّ كمؤشر يدعونا للتعمق أكثر.
3. علاج الشكّ هو “اللا-معرفة”.
التعايش مع الشكّ يتعزز بقبول قيمة “اللا-معرفة”. استعرت هذه الفكرة من الكاتب دونالد بارتلم في مقاله الشهير “اللا-معرفة”، حيث وصف الكتابة والفنون بوصفها عملية مواجهةٍ مع ما لا نعرفه.
المشكلات أساسية لفكرة اللا-معرفة، فبدون مشكلات لا يكون هناك إبداع.
لكن في الطب، يُكافأ الطبيب على امتلاكه الإجابات، لا على اعترافه بجهله.
ولذا تصبح اللا-معرفة عضلة تحتاج تدريبًا مستمرًا كي لا تضعف.
نحن من نختار المعلومات التي نراها، لا العكس.
فلماذا ركزتُ مثلًا على ألم الصدر وضيق التنفس في قصة جيل ل. وتجاهلتُ تفاصيل أخرى؟
عندما علِقتُ في التفكير، شعرت بالإحباط. في الطب، الوقوع في “الجمود” يُعدّ فشلًا، لكن في منطق اللا-معرفة هو فرصة للتفكير المختلف.
“التعايش مع الشكّ واللا-معرفة صعب في بيئة تكافئ من يملك الإجابات، لا من يملك الشجاعة للاعتراف بعدمها.”
اللحظة التي ندرك فيها أن شيئًا ما غير صحيح، هي لحظة نحتاج فيها إلى تغيير زاوية الرؤية.
عندما أشعر بالارتباك في قصة أكتبها، أتعلم أن أتراجع وأسأل:
كيف وصلت إلى هنا؟ وأين مكمن التوتر؟ وماذا أجهل؟
هذه الأسئلة هي مدخل لإعادة التفكير، شرط أن تتبناها بيئة عمل تشجع على مواجهة المشكلات لا إخفائها.
4. أفضل علاج لن ينجح مع القصة الخاطئة.
بصفتي طبيب طوارئ، فأنا مستمع محترف لقصص يرويها أناس مضغوطون في لحظات صعبة.
لكن القصص التي نسمعها ليست دائمًا مكتملة أو دقيقة؛ إنها غالبًا مسودات أولى. وكثير من الإخفاقات الطبية أو التواصلية سببها ببساطة أننا فهمنا القصة خطأ.
تخيل أنك مريض: خائف، متعب، تحاول أن تُفهم الطبيب ما تشعر به…
ليس من السهل صياغة تجربة مؤلمة أو محرجة ومشاركتها مع غريب.
الكتابة تجعلنا ننتبه ليس فقط لما يُقال، بل لما لا يُقال — لتلك الصمتات والت evasions التي تخفي ما هو أهم.
كما قالت آنا ديفير سميث:
“يمكننا أن نتعلم الكثير عن شخصٍ ما في اللحظة التي تخونه فيها اللغة.”
أدمغتنا تميل إلى ملء الفجوات بحثًا عن التناسق السردي، فننسج من بيانات ناقصة قصة متكاملة — لكنها ليست بالضرورة القصة الحقيقية.
الطب الحديث، بانبهاره بالتكنولوجيا، ينسى قوة القصة.
لكن التكنولوجيا لا تُخبرنا متى يكون سؤالنا خاطئًا أو تفكيرنا منحرفًا.
وأفضل علاج في العالم لن يجدي إذا استند إلى القصة الخطأ.
5. طريقة استجابتنا للقيود تكشف الكثير عنا.
قال لي أستاذ طب مرموق بعد محاضرة ألقيتها في جامعته:
“أنت طبيب طوارئ، لا وقت لديك لسماع القصص.”
وكان محقًا من ناحية: فهناك قيود حقيقية — الوقت، الانقطاعات، نقص المعلومات، الزحام، والإرهاق النفسي.
وهناك قيود خفية أيضًا: تراجع التعاطف، وضغط نظام صحي يبدو أحيانًا وكأنه نسي أن المرضى هم الأساس.
لكنني أجبته: هذه القيود بالذات سبب يدعونا لاستخدام كل الأدوات الممكنة، بما فيها القصص.
فالقصص تكشف كيف يتعامل الناس مع العقبات في حياتهم، كيف ينهزمون أو يتغلبون عليها، وكيف يشقّون طريقهم في عالمنا المشترك.
“القصص نوافذ للتفاعل الاجتماعي، تُوصلنا عاطفيًا بتجربة الآخر.”
لقد أظهرت الجائحة أن الاستعداد الحقيقي يتطلب المرونة والإبداع، والرغبة في فهم تجارب الآخرين غير المألوفة.
وهذا لا يحدث إلا إذا اعترفنا بقيود تفكيرنا نحن أولًا.
يجب أن نخفض دفاعاتنا، ونتسلح بالشجاعة، وندعو الآخرين إلى عالمنا — ولو بخطوات صغيرة.
وعندما يفتح الآخرون بابهم قليلًا، علينا أن نملك الشجاعة للاقتراب أيضًا.
طريقة استجابتنا للقيود تكشف من نحن حقًا.
بعد ثلاثة عقود من عملي كطبيب ومُنصتٍ محترف، أدركت أن أهم ما في الأمر هو التواضع.
فهمُ إنسانٍ آخر ليس أمرًا سهلًا، لكنه ممكن وضروري.
قد لا نكون مثاليين، لكن مجرد المحاولة تصنع فرقًا.
ملاحظة:
جاي باروخ هو طبيب طوارئ ممارس وأستاذ طب الطوارئ في كلية الطب “ألبرت” بجامعة براون، حيث يشرف على برنامج العلوم الإنسانية الطبية والأخلاقيات الحيوية.