المدونة, موضوعات متنوعة

فصل من رواية | اثنان لـ: إيرين نيمروفسكي

عاد الربيع. وازداد قنوط أنطوان من هذا الدفء، من هذا الإشراق، ومن وعودالسعادة تلك التي يتنفّسها المرء في الجو. كان مستغرقاً في الندم وهو يفكّرفيما كان من الممكن حدوثه. كلّ ليلةٍ وهو يرى إيفلين حيّةً في منامه؛ كان يخشىاقتراب أحلامه إلى درجة رفض النوم، والبقاء مستيقظاً حتّى الساعات الأخيرةمن الليل مع كتابٍ أو عملٍ يحمله معه من المكتب. في بعض الأحيان لم يكنيخلدُ إلى الفراش حتّى؛ بل يظلّ جالساً على كرسيه، لا يخلعُ سوى سترته وياقةقميصه، وهكذا ينام، وعلى الفور تتجلّى أمامه الصورة نفسها. لم تكن ميّتة. كانت عائدةً من رحلةٍ طويلة. تبدو شاحبةً ومرهقةً وهزيلة؛ بتلك الملامح الباهتةالتي يمكن التعرّف عليها والمخصّصة للموتى المحبوبين في الأحلام؛ دائماً مايراها متّشحةً بالسواد وشاعرةً بالقلق؛ كما وتكون مستعجلة؛ ثمّة شخصٌ ينتظرها، يناديها. كانت تسمحُ له بمداعبتها، ولكن دون رغبة، مشيحةً وجهها، وكان يشعرُ بدفء شعرها المفعم بالحياة في يده. يرفع رأسها، ويرغب في أنيعانقها بشدّة، وعلى حين غرّةٍ يتذكّر أنّها ماتت. إلّا أنّه ما يزال غير متأكدٍ منذلك؛ كان الخيال والذكرى يتصارعان بداخله. حينئذٍ يبدأ قلبه بالخفقان بعنف.. يناديها.. لا تجيبُ مطلقاً. يمسكها بذراعيه فتوقظه شدّة آلامه. عندئذٍ يجدُ نفسهمرّةً أخرى جالساً قبالة مكتبه، والمصباح ما يزال مضاءً ومتجمّداً ويائساً ووحيداً.

دائماً ما بدا عليه أنّه غير عاطفيّ ومتبلّد الحس، سيّد نفسه ودقيقٌ في اختيارالكلمات. وفي الآونة الحالية، وخشيةً منهُ أن يكشف عن الجنون الذي يسكنه، أجبر نفسه على أن يكون أكثر تبلّداً وهدوءاً. من خلال هذه المسرحيّة القائمةعلى الأفعال وردود الأفعال الغريبة التي لا يمكن التنبّؤ بها، والتي تشكّلشخصيّتنا وتتحكّم في قدرنا، باتت حياته المهنيّة مسهّلةً بشكلٍ كبير من خلالهذه الحياة العاطفيّة السريّة، وكلّما كان أقرب إلى الانتحار والجنون، أعطىالآخرين من حوله انطباعاً بالقوّة والهدوء والتشدّد الذي يتطلّب الاحترام. فيالمنزل كان الطفلان يخافانه. كان يحبّهما؛ غير أنّ ضوضاء ألعابهما تزعجه، وضحكاتهما تتعبه، وبهاؤهما يهينه. في حضوره كانت الشجارات والنزواتتتوقّف.

في وقتٍ مبكرٍ من ذلك الصيف، غادر أنطوان وزوجته وطفلاه قاصدين بريتانياحيث استأجروا فيلّا. بمجرّد وصولهم أصيبَ كلّ من جيزيل وفرانسوابالشاهوق. هذه الفيلّا كانت صغيرة، والغرفُ مفصولةٌ بعضها عن بعض بقواطعخفيفةٍ؛ إلى درجة أنّ نوبات السعال وصيحات الأطفال لم تمنح الزوجين الراحةَ الليليّة المنشودة. كان الطقس الزاهي في باريس قد أخذ بالتغيّر مع حلولمنتصف يوليو. كانت تمطرُ باستمرار. في الليل، وما إن تهدأ نوبات السعاللدى الصغيرين حتّى توشك ماريان، بسمعها المتوتّر والغاضب، على سماعصوت الأمطار الغزيرة لتلك العواصف القصيرة المحمّلة بحبوب الرمل التيتضربُ مصاريع الأبواب. كان المطرُ يتساقطُ فوق الأسطح، فوق الحديقة وفوقالبحر. استسلمت ماريان لهذا القلق الكئيب والعبثيّ الذي يسيطرُ على الإنسانمع اقتراب الليل، والذي يبدو أقلّ تأثيراً على الصعيد الذهنيّ منه على صعيدالجسد المنهك والمهموم. تذكّرت جميع الأمراض التي أصابت الطفلين فيمامضىكانت تخشى كل المضاعفات المحتملة. شتمت الطقس.

قالت في سرّها: «كم كنتُ أنام جيّداً في مثل هذه الليالي قبل خمس سنواتٍ ليس أكثر، كم أحببتُ ذلكآه! كلّ شيءٍ في العالم حينها كان سهلاً وبسيطاً وغير ذي أهميّة…! كانت الرياح تهب، وكانت تأخذك إلى هناك أو إلى أيّ مكانٍ آخر، وفي كلّ مكانٍ كنّا نعتاد الحياة باختصار. باتت الحياة حاليًّامصنوعةً مُجرياتها، ومُنمقًة أحداثها، ومُتمَّمةٌ صورتها المزروعة في أذهانالآخرين، لذا ينبري القائمون على هذه الصورة لحماية الحياة التي يدافعونعنها من ضربات الأسقام، وسيء الأحلام، ومن شبح الموت ولكن لِمَ التفكير فيالموت؟ لِمَ الاضطراب المستمر؟ لِمَ؟».

وتابعت، وهي تشعرُ بألم نوبات السعال هذه في صدرها: «أووه! لو يتوقّفالموت لحظة! لو تهدأ الريح! يا رحمة اللهأريد أن أنامما زالا يسعلان».

وبعد المطر والريح سيعود الطفلان إلى النوم بسلام؛ غير أنّ الأمّ لن تجرؤ علىالتنفّس؛ كان ذلك تخوّفاً وانتظاراً وألماً تامّاً لديها.

«أحدهما يبكي. إنّه فرانسواإنّه فرانسوا على الدوام. إنّه الأكثر ضعفاً وتعرّضاً للخطر وحبّاً من قبلناكم يصبحُ المرءُ هشّاً بعد عشرين عاماً! إنّنامعرّضون للعديد من الجروح من جميع الجوانب. لم يكن الأمر كذلك من قبل. أحببتُ والدَي، أحببتُ شقيقاتي؛ غير أنّ حياتي كانت غريبةً عنهم، مختلفةً عنهم؛ إلّا أنّ هذا الرجل الذي يرقدُ بجانبي، والذي يحلمُ بفتاةٍ أخرى ويبكيعليها، لا أعتقدُ أنّني أستطيع تحمّل خسارته. ومع هذا أنا لا أشعر بالحبّ نحوه. حضوره ضروريّ بالنسبة إلي، لكنّه لم يعد يمنحني الفرح. وهكذا إنّ فعلالتنفّس، الذي من دونه لا نستطيع البقاء على قيد الحياة، لا يمكنه أن يمنحناالسعادة. واحسرتاه…! لا أنطوان ولا أنا سعيدان! كلّ زوجين يميلان إلى تكوينأسطورةٍ في عيونهما وعيون الآخرين عن الإخلاص والتفاهم والوفاق. وأناوأنطوان نقوم بالشيء نفسه! أسطورة وكذبة! نادراً ما نفهم بعضنا بعضاً. ومات الوفاق بيننا. لم نعد نعرف بعضنا بعضاً. هناك أوقاتٌ تودّ فيها إعادةاكتشاف تلك القوّة العمياء التي تدفعكَ للتخلّي عن أيّ اعتبارٍ للشفقة أو الخوفحينما ترغب في أن تصبح، كما كنتَ ذات يوم، عنيفاً وجريئاً وحرّاً في النهاية! لأنّني لم أعد حرّةً. لقد قيّدتُ نفسي، حبستُ نفسي!».

مع حلول الصباح نامت، وسعت في أحلامها إلى العثور على حلقات الماضي: ليلة عيد الفصح، رفقة أنطوان داخل النزل على ضفاف السين، خلال الأيّامالممطرة في الساحة الصغيرة، ولكن بدا لها أنّ صورتها، المتجلّية أمامها فيالحلم، أحياناً تكون ماريان في الماضي، وأحياناً صورة هشّة لإيفلين. أحياناً كانت هذه الأحلام المتضاربة تُمحى بصعوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *