المدونة, موضوعات متنوعة

فصل من رواية : منزل البروفيسور لـ: ويلا كاثر

كلُّ الأشياء المهمة جدًّا التي حصلت في حياته، كما كان يقول سانت بيتر في بعض الأحيان، قد تمّت بِمَحِضِ الصُّدفة. دراسته في فرنسا كانت بالصدفة. وحياته الزوجية كانت سعيدة إلى درجة كبيرة تبعًا لظروف لم يكن له ولزوجته أي علاقة بها. لقد كانوا شبابًا يتمتعون بمؤهلات جيدة، غارقين في الحب، لكن لم يكن بالإمكان أن يكونا سعيدين لولا أن ليليان ورثت دخلًا صغيرًا من والدها- حوالي 1600 دولار فقط في العام، لكن هذا المبلغ أحدث كل هذه المتغيرات في العالم.

إن قضاء بعض الفترات الفاصلة والمهمة بين الموظفين، جعله يدرك أن ليليان لا يمكنها العيش في ضيق، أو الخروج بمظهر غير لائق، والقيام بالأعمال المنزلية، كما تفعل زوجات بعض زملائه. ففي ظلّ هذه الظروف أصبحت شخصًا آخر، شخصًا لاذعًا.

كان توم أوتلاند بمثابة ضربة حظ لم يكن بإمكانه تخيُّلها؛ من مجيئه الغريب، قصته الغريبة، إخلاصه، وفاته المبكرة وشهرته بعد وفاته- كل هذا كان خياليّا. والخيالي أيضا، أن هذا الصبي المتشرِّد كان عليه أن يجمع ثروة لشخص غريب لم يسمع باسمه من قبل، لشخص “غريب مُسرف ومراوغ”. لطالما فكّر البروفيسور في تلك النغمة الجهورية الغريبة الصاعدة واللاذعة في طبقة الباريتون في قداس برامز، مستحضرًا الكلمات، “إنه يكدّس الثروات ولا يمكنه معرفة من سيبعثرها!” وقد بدا له أن حدّة هذا المقطع لا مبرّر لها حتى قرأها في ضوء تاريخ عائلته.

اعتقد سانت بيتر أنّ مسار القدر كان جيدًا معه. لم يرغب أن يعيش حياته مرة أخرى- فقد لا يحالفه الحظ الجيد مرة أخرى. لقد عاش رومنسيتين: واحدة في القلب، ملأت حياته لسنوات عديدة، والثانية في العقل-رومانسية المخيّلة. وحالما بدأ إشعاع الكون يتلاشى بالنسبة له، جاء أوتلاند وجدّد له شبابه.

وخلال أبحاث أوتلاند، هذه الفترة التي توقفا عن كونهما تلميذ وأستاذ، وعاد له شغفه من جديد في تجربة أشياء كان قد ضجر منها. كان عقل الصبي شعلة متّقدة من الذكاء الحاضر دائمًا، حيثما يوجد بيئة خصبة. تطلّب إيصال أفكاره الاطّلاع على وجهات نظر قديمة تغيّرت في ضوء الجهود الجديدة.

وإذا كانت كتابة المجلدات الأربعة الأخيرة من ” المغامرون الإسبان” قد تمت بطريقة أكثر بساطة وحتمية من المجلدات التي سبقها، فذلك يعود بشكل كبير إلى أوتلاند. فعندما بدأ سانت بيتر عمله لأول مرة، أدرك أنَّ العقبة الكبيرة هي فقدانه للصَّداقة في سنٍّ مبكِّرةٍ، وحقيقة أنه لم يقضِ شبابه في الرِّيف الجنوبيّ الغربيّ الرَّائع والمُبهر والذي كان مسرحًا لمغامرات مستكشفيه. وفي الوقت الذي وصل فيه إلى المجلد الثّالث، دخل إلى بيته صبيّ ونشأ هناك، صبيٌ ذو مخيلة، بمهارة وبصيرة اكتسبهما من تجربة غريبة للغاية؛ صبي يحمل في جعبته أسرارًا لا تبوح بها الممرات القديمة والحجارة والمجاري المائية سوى للمراهقين.

بعد عامين على تخرج توم، أخذوا نسخة من مخطوطة فراي غارسيس التي كتبها البروفيسور من المخطوطة الأصلية في إسبانيا، ونزلوا معًا إلى المنطقة الجنوبية الغربية. بحلول الخريف كانوا قد قطعوا على ظهور الخيل كل ميل من الطريق المذكور في المخطوط. كان بِإمكان توم أن يختار أي جملة من مذكرات غارسيس ويعثر على البقعة المحددة التي عبر فيها المُبشر نهر ريو كولورادو في أحد أيام الآحاد في عام 1775. استفاد من وجود قرى البيوبلو، فكلما صادف قرية، كان يستدل على المسار الذي من خلاله بلغ الكاهن هذا المكان وانتقل إلى المكان التالي.

في تلك الرحلة ذهبوا إلى الميسّة الزرقاء التي تحدث عنها توم، وتسلقوا سلم أشجار الصنوبر وصولاً إلى المدينة الجرفية، صعدوا إلى عش النسر، وهناك أخذوا دفتر يوميات توم من الخزانة الحجرية حيث أقفل عليه منذ سنوات خلَت، قبل أن يتوجه إلى واشنطن في مهمته الفاشلة.

في الصيف التالي، ذهب توم مع البروفيسور إلى المكسيك. خططا لقضاء صيف ثالث معًا في باريس، لكن الأمر لم ينجحْ أبدًا. تأخّر أوتلاند بسبب إجراءات الحصول على براءة اختراعه، ثم حلَّ أغسطس من عام 1914. في ذلك العام توقف الأب دوتشين، الكاهن التبشيري الذي كان معلّم توم، في هاملتون في طريق عودته إلى بلجيكا، مسرعًا لتقديم الخدمة لوطنه بكل ما يستطيع. بقي الرجل العجوز الصارم في هاملتون لأربعة أيام فقط، وفي أثناء ذلك رتّب أوتلاند أفكاره، عقد العزم، حزم أغراضه، وقال وداعًا، أبحر مع الأب دوتشين على متن الروشامبو.

وبقي البروفيسور سانت بيتر حتى الآن يتحسّر لأنه لم يحظَ بتلك العطلة في باريس مع توم أوتلاند. كان يرغب في زيارة أماكن محددة معه مرة أخرى: كالذهاب في أحد الصباحات الخريفية إلى حدائق لوكسمبورغ، عندما تكون كستناء الحصان الصفراء فاتحة ومرّة بعد المطر، للوقوف معه أمام النصب التذكاري لديلاكروا ومشاهدة سطوع الشمس على التماثيل البرونزية- وعلى الزمن، الذي يأخذ معه الشباب الذي ناضل ليمسك بقبضته-أو ليتصالح معه؟ وهذا ليس مهمًّا. ربما كان مهمًّا لتوم، ولم تُتَحْ له الفرصة، فقد حدثت كارثة كبيرة واحدة، اجتاحت كل الشباب وجميع القبضات، وتقريبًا الزمن نفسه.

ولنفترض أن توم كان أكثر تعقلّا، ولم يرحل مع معلمه القديم، تساءل سانت بيتر في بعض المرات عمّا كان سيحدث له؟ حالما يقع فريسة النجاح الدنيوي. لم يستطع أن يرى توم يبني منزل “أوتلاند”، أو أن يصبح مُلهمًا وشخصية عامة في هاملتون. ما هو التغيير الذي كان سيحدث في عينه الزرقاء، في يده الطَّويلة الجميلة ذات الإبهام الزنادي الخلفي، التي لم تتعامل أبدًا مع أشياء ليست مثالًا للأفكار؟ لا بدّ أنَّ يدًا مثل هذه اليد سيكون لها استخدامات أخرى لو كان على قيد الحياة. كان سيطلب منه زملاؤه العلماء، وزوجته، والمدينة والدولة واجباتٍ كثيرة، كان عليه أن يكتب آلاف الرسائل عديمة الجدوى، ويُعدّ الآلاف من الأعذار الكاذبة. كان يتعين عليه “إدارة” مبلغ كبير من المال، ليكون أداة في يد امرأة اعتادت منذ طفولتها أن تكون دائمًا أكثر تطلّبًا. لقد نجا من كلِّ ذلك. خلَقَ شيئًا جديدًا في العالم-وترك المكافآت والإيماءات التَّقليدية التي لا مَعنى لها للآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *