المدونة, موضوعات متنوعة

اسمها الثانى حنجرة .. المسقط الروحى حكاية عائشة المرطة ، بقلم : إبراهيم فرغلي

المطربة الكويتية الكفيفة عائشة المرطة بطلة روائية

ميس العثمان تستعيد حضورها الفني الذي امتد في الخليج وأجواءها الغنائية الشعبية.

شهدت الرواية العربية في السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً باستلهام السير التخييلية لشخصيات كان لها أثر ثقافي واجتماعي عابر للحدود العربية. ويأتي ضمن هذا السياق عمل سردي حديث يتناول سيرة متخيلة للفنانة الكويتية الرائدة في الغناء الشعبي الخليجي عائشة المرطة، المعروفة بصوتها المميز وبحتها العذبة.

اختارت الكاتبة الكويتية ميس العثمان عائشة المرطة محوراً لعملها الصادر عن منشورات جدل، مستحضرة حضورها الفني الذي امتد في الخليج عبر أغنيات قدمت في أجواء فلكلورية نسائية تعبر عن الذاكرة الشعبية والاحتفاء بالغناء. ولم يقتصر حضورها على طبيعة صوتها وأغانيها، بل شمل أيضاً أناقتها وألوان أثوابها الصارخة وإكسسواراتها المميزة، إضافة إلى نظارتها السوداء التي ميزت إطلالتها منذ فقدان بصرها في طفولتها، كما ظهر ذلك في الحفلات والمناسبات الغنائية أو على شاشة التلفاز.

تحت عنوان “اسمها الثاني حنجرة… المسقط الروحي لحكاية عائشة المرطة” أصدرت الكاتبة الكويتية ميس العثمان نصاً سردياً وصفته بالملامسة السردية، وينتمي للسيرة المتخيلة، تناولت فيه تفاصيل حياة عائشة المرطة منذ طفولتها (ولدت في عام 1931)، ومروراً بمحطات مسيرتها الفنية والإنسانية وحتى وفاتها متأثرة بالمرض في عام 1978.

اتسم النص من بدايته بالحساسية الشديدة التي يتناول بها هذه الشخصية التي عاشت طفولة صعبة، إذ توفي والدها إبراهيم المرطة وهي طفلة، وأعقبته الأم، ثم فقدت بصرها، مما أدى أن تعيش جانباً من طفولتها في حال من الألم واليأس. ووزعت الكاتبة الأصوات السردية على ثلاثة رُواة: عائشة، وحنجرة، والكاتبة.

وبينما يتولى صوت الكاتبة “السرد” الذي يمثله صوت الراوي بشكل ما، لرسم السياق العام والأحداث، فإن صوت عائشة يأتي لتوضيح الحالة النفسية والعاطفية والهواجس الباطنية والأسئلة والمخاوف. أما الحنجرة فهي تمثل “الصوت – الوجود”، الذي يأتي موازياً لخواطر عائشة في بعض الأحيان، وشاهداً في أحيان أخرى، ورمزاً لفكرة الصوت الذي وصف بالعورة، فاختارت التحدي والإصرار ليكشف الصوت عن نفسه ويتجلى بأبدع صورة. فالحنجرة، وفق السياق السردي، هي البديل ومصدر الصوت الذي جعلت منه عائشة بطلاً يكشف عن حضورها في العالم، وعن قوتها وقدرتها على مواجهة التهميش والظروف الصعبة، بدءاً من فقدان بصرها في الطفولة، ومروراً بتعرضها لليتم، وانتقالها إلى بيت خالها النهام سالم المرطة، الذي منحها الرعاية وأصبح بديلاً للأب والأم معاً.

سرد حنون

وعلى رغم أن صوت الكاتبة يقتضي نوعاً من الحياد السردي فإنه حمل في غالب الأوقات لوناً من التعاطف، بحيث بدا صوتاً سردياً حنوناً، ليس فقط انتصاراً لسيرة امرأة اتسمت بالرقة والحساسية التي عبرت عنها أغنياتها، ولم تستسلم لإرادة المجتمع، بل وكأنه لون من ألوان تعايش طويل بلغ حد تماهي الكاتبة مع الشخصية.

ولعل هذا ما يمكن أن نستشفه من تأكيد العثمان أنها فكرت كثيراً في شخصية المرطة لسنوات طويلة تسبق الشروع في كتابة المشروع، وأن هذا الانشغال بلغ حداً تسبب في إصابتها هي أيضاً بالمرض خلال فترة من فترات القراءة والكتابة المخصصة لهذا النص.

لا يسعى السرد لإثارة الشفقة على مواضع ضعف المرأة، بل لإظهار أن وراء رقتها حنجرة دافعت عن وجودها منذ الطفولة، حين كانت ترتل القرآن بصوت وصفه الخال بأنه عذب وسلس كالمياه، أو “مويه” بالدارجة. ثم غنت لنفسها للشعور بالونس، ولاحقاً كفنانة وهبت هبة فريدة، وجدت في صوتها الجمهور تعبيراً صادقاً عن مشاعرهم وشجونهم. وأخيراً، كمرأة لم تستسلم للمعوقات الاجتماعية ومحاولات قمع صوتها باسم الأعراف والأخلاق، بل واجهتها بصلابة حتى أصبح صوتها مرآة لهوية المجتمع ومشاعر إنسانية عامة.

يتجلى ذلك في شغف الفنانة المصرية أيقونة الطرب أم كلثوم بصوت عائشة المرطة أثناء زيارتها للكويت، وإعلان إعجابها بها، ودعوتها لمصر، وتعاونها معها في أداء إحدى أغنياتها باللهجة الكويتية، وهي “علامك يا القاضي زعلان”.

اختيار ميس العثمان للأصوات السردية الثلاثة منح العمل مساحة للتعمق نفسياً وفكرياً، بعيداً من الانسياق لحكاية تقليدية للسير التخييلية، وأتاح التعبير عن هواجس امرأة ترى العالم بقلبها أو بصيرتها، لكنها مع ذلك نجحت في خلق جمال حسي وبصري عبر دقة اختيار ألوان أثوابها وأكسسواراتها.

غير أنه ثمة أصوات أخرى تظهر في بعض الفصول، وبينها صوت فاطمة، مساعدتها المصرية التي كانت تقريباً ملاكها الحارس، أو ظلها وعينها أحياناً. السيدة المصرية التي تتولى مساعدتها في شؤون اللبس والطعام وغيره في حياتها اليومية وفي حفلاتها الغنائية. ولا يظهر صوتها إلا باللهجة المصرية. وصوت راشد، الحبيب والزوج، الذي عاش صراعاً دائماً بين انحيازه لقلبه المؤمن بها، وخضوعه لصوت المجتمع المطالب بانضمامه إلى الجوقة الرافضة لـ”الصوت العورة”. وتتقاطع مع هذا الصوت أصوات ثانوية تظهر بين حين وآخر لتستكمل ملامح المشهد وتعمق دلالاته.

البعد النفسي

كشف السرد عن البعد النفسي لامرأة أصرت على أداء أدوارها جميعاً بإخلاص، كإنسانة حولت فقدان البصر من محنة إلى بصيرة، وكرست وجودها عبر صوت صار علامة فارقة، وكعاشقة ارتبطت برجل أحبها وأحبته، لكنها واجهت انحيازه لمجتمع يدين صوت المرأة بوصفه عورة، حتى غدا صوتاً إعلامياً ومعترفاً به شعبياً ورسمياً، ثم كأم أولت تربية ابنها وابنتها عناية تامة وفق ما تؤمن به.

نقلا عن اندبندت عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *