المدونة, موضوعات متنوعة

“الطاووس” لنيقولاي ليسكوف.. تشريح للتمزق الأخلاقي عند البشر.. قراءة: زينب محمد عبدالحميد

تدور أحداث رواية “الطاووس” لنيقولاي ليسكوف في فضاء اجتماعي مرصود بدقة، حيث تتقاطع البنية الطبقية القاسية، لتواجه نُبلًا مستترًا تحت قشرة خشنة. وتبرز الشخصية الأساسية بافلين كأحد النماذج الإنسانية الهامة التي صاغها ليسكوف، إذ يجمع الرجل بين آثار العبودية القديمة وبين محاولة يائسة لبناء كرامته الخاصة من خلال الطاعة والصرامة؛ ليرى في العدالة التي يحققها بيده رحمة للفقراء من بطش غيره من الظالمين.

في مستهل الرواية يُقدَّم بافلين بصفته الذراع الأيمن لصاحبة منزل قاسية لا تتردد في إيذاء مستأجريها بإزالة نوافذهم في عزّ الشتاء إن تأخروا في دفع الإيجار. ينفّذ بافلين هذه الأوامر الوحشية بدقةٍ، رغم احتقاره لسيدته. هُنا يصوغ ليسكوف شخصية تعاني نوعًا من الانقسام الداخلي بين ما يُملى عليها وما تُضمره في تمزق يتجلى في السلوك المزدوج لبافلين؛ فهو مخيف بوصفه تابعًا، لكنّه رحيم بوصفه إنسانًا.

يتبدّى الوجه الآخر لبافلين حين تشهد له الخالة أولجا بالصلاح؛ إذ تجد خلف صرامته شهامة لم تتوقعها، ثم تتأكد هذه الشهامة حين يشفق على فتاةٍ يتيمة صغيرة تدعى لوبا، ويربيها كابنة له. وتظهر ملامح تدبيره العقلاني حين يخطط لمستقبلها عبر تعليمها العمل اليدوي. لكن عالمه وتجربته يظهران انغلاقًا وخوفًا من العالم الأكبر، وتتجلى رؤيته هذه حين يجد أنه من المناسب للوبا أن توجز في تعليمها ثم تعمل بحرفة بسيطة. وهذا ما فعله حين تجنب أي محاولة لمجادلة واقعه واختار “حدودًا” تبدو ذات سلطة إلا أنها في النهاية تشي بتبعيته الكاملة لصاحبة المنزل.

يأخذنا ليسكوف إلى منعطف جديد حيث الرؤية الدونية المهيمنة على فكر بعض أفراد الطبقات المتشبثة بصورتها الاجتماعية الواهنة؛ فصاحبة المنزل تستخدم لوبا وتزج بها في طريق ابنها الطائش لتغدو عشيقته بدلًا من أن يبدّد أمواله على المومسات؛ إذ أن لوبا ستكون خيارًا اقتصاديًا “أقل تكلفة”. هنا يتحرك العمل نحو منطقة تهتك فيها الأخلاقيات، ويتلاشى الحدّ الفاصل بين الرعاية والاستغلال.

تنمو لوبا وتنجذب إلى صاحبة المنزل وابنها، وتزداد ازدراءً لمحسنها الفقير الذي ينفق كل مدخراته على متطلباتها. يمكن القول إن لوبا لم تر في بافلين زوجًا، لكن توهم النضج يجعلها تحاول السيطرة على زوجها /البواب بإهلاكه بمتطلبات زينتها. وفي هذا الفعل تحديدًا يضعنا ليسكوف أمام تباين آخر غير التباين الطبقي؛ إذ يصبح تطلع لوبا وخنوع بافلين شاهدًا على تحولات العصر ومغرياته.

تبلغ المأساة ذروتها حين يُرسل دوديا عشيق لوبا إلى المنفى بعد تورطه في سرقة بسيطة. وهنا تكشف الرواية عن قوة التحوّل الداخلي في بافلين، فالرجل الذي تزوج لوبا ليمنحها الحماية، يجد نفسه أمام حبّها القاطع لرجل آخر. وبدلًا من القسوة، يعمد إلى مسار أخلاقي غير متوقع، فيفكّر في ملاحقة دوديا وإجباره على الزواج من لوبا، ثم يعلن موته بطريقة رمزية ليفسح المجال لهما كي يعيشا تحت حماية قانونية جديدة. هذا الفعل يحوّل بافلين من مجرد تابع لسيدة المنزل إلى كائن يملك قدرة على التضحية، وإن كانت تضحيةً تُفكّك جذور وجوده نفسه.

هكذا تُغلق الرواية على معنى مركب يتجاوز حدود الحكاية؛ فالإنسان ليس محكومًا بماضيه الطبقي، ولا بملامحه الأولى، ولا بالاسم الذي يولد به. إنما يُعاد صنعه كلما اختبر ألمًا يُعيد ترتيب وعيه

تمثل لحظة تحوّل بافلين انكسارًا للقشرة الرمزية للاسم الأول، إذ يتحول اسم بافلين والذي يحمل معنى مباشر وهو “الطاووس” من كونه علامة على الزينة والمظهر الخارجي إلى عبء يُذكّر بالتناقض بين ما يبدو عليه الرجل وبين جوهره الحقيقي. وبافلين بموته الرمزي وتغيير اسمه، يختار الولادة الثانية. يغيّر بافلين اسمه إلى سبيريدون، وهو اسم يحمل في التقليد القديم دلالة الحماية الروحية والرفق. فالاسم الجديد ليس قناعًا رمزيًا، بل شهادة ولادة جديدة. وفي التقليد الأرثوذكسي الروسي، يمثل تغيير الاسم (خاصة في الرهبنة) انتقالًا رمزيًا من الهوية الاجتماعية إلى الهوية الروحية، وهو إعلان عن التخلي عن سُلطة العالم والانخراط في عهد الضمير والتوبة. ويتوافق هذا مع ما اختاره سبيريدون/ بافلين وتحول طبيعته الأخلاقية اللاحقة حين يتوارى عن الأنظار، ويرسل المال إلى لوبا من دون أن يطالب بحقّ أو يُذكّر بجميل.

أما لوبا نفسها، فتنتهي إلى مصير يعبّر عن انكسار داخلي، إذ يصبح دوديا – الذي زُيّفت وفاة بافلين من أجله – زوجًا بائسًا لا يمنحها سوى الخيبة. وبعد سلسلة من الفواجع تنتهي بموت دوديا، تقرر لوبا التحول جذريًا هي الأخرى، كما لو أنها الآن صارت بمعنى جديد ربيبة بافلين أو لنقل ربيبة حقيقية لسبيريدون الذي راح يدعم داخلها فكرة التسامح. تختار السيدة الرهبنة وهو قرار يقرؤه ليسكوف ضمن سياق التطهر عبر الألم. وفي هذا الإطار، تتخذ نهاية لوبا معنىً تراجيديًا، إذ تختار الانعزال الروحي بعد أن فشلت في معرفة قيمة من أحبّها واحتضنها.

إن قراءة تحوّل الاسم من بافلين إلى سبيريدون لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي للشخصية. فالرجل الذي عاش تابعًا لامرأة شرسة، والذي ورث عن العبودية القديمة خوف الطاعة، ينجح عبر تجربته في إعادة اختراع ذاته. تتحول الطاعة إلى رحمة، وتتحول السطوة الشكلية (الطاووس) إلى محبة صامتة تُشبه قداسة البسطاء في التراث الروسي. يختفي سبيريدون ليمنح الآخرين طريقًا، ويترك اسمه الأول خلفه كما يترك الإنسان جلده القديم.

هكذا تُغلق الرواية على معنى مركب يتجاوز حدود الحكاية؛ فالإنسان ليس محكومًا بماضيه الطبقي، ولا بملامحه الأولى، ولا بالاسم الذي يولد به. إنما يُعاد صنعه كلما اختبر ألمًا يُعيد ترتيب وعيه. ولعلّ هذا ما قصده شستوف في فلسفته عن التحول الوجودي، التي ترى أن الإنسان يمر بولادتين؛ مرة في عالم التجربة الحسية، وأخرى في ضميره الذي ينقذه من قيود هذا العالم. وهذا ما فعله بافلين/سبيريدون تمامًا.

من الجدير الإشارة إلى أن نيقولاي ليسكوف، من الشخصيات المثيرة في تاريخ الأدب الروسي الكلاسيكي، فقد أُلصِقت به تهمة باطلة في بداية نشاطه الأدبي عن تحريض السلطات ضد المعارضين، ما جعل دوائر الليبراليين والناشرين يضعون العراقيل في طريقه الأدبي. أفضت أيضًا استقلاليته الفكرية إلى أن يُرفض من دوائر السلطة والمعارضة على السواء، الأمر الذي عطّل شهرته الأدبية لبعض الوقت إلى أن فرضت جودة أعماله المتنوعة والقيّمة احترام القراء والنقاد، وقد وُصِف بأنه أصدق تعبير عن الروح الروسية في زمانه.

تُرجمت مؤخرًا أعمال عديدة له إلى العربية بترجمة يوسف نبيل ومنها (الطاووس – على حافة العالم – رجال الرب – السيدة ماكبث من مقاطعة متسينسك – طيور الليل – المحاربة)، ما شكل فرصة للاطلاع على علم روسي كلاسيكي خلاف الأسماء المعروفة في عالمنا العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *