Blog
فصل من كتاب | ماذا علينا أن نفعل؟ لـ: ليو تولستوي
مصارحة الذات
رأيت أنّ سبب الآلام والحياة الفاسدة التي يعيشها الناس هو أنّ بعض الناس عبيدٌ عند آخرين، لذلك وصلت إلى هذا الاستنتاج البسيط: إذا أردت مساعدة الناس فعليّ، أولاً، التوقف عن التسبّب في بؤسهم؛ أي أن أتوقف عن المشاركة في استعبادهم. ما جذبني إلى استعباد الناس هو أنني اعتدت، منذ طفولتي، ألا أقوم بأيّ شيء، واعتدت الاستفادة من جهود الآخرين، وعشت وما زلت أعيش في مجتمع ليس معتاداً على استعباد الآخرين فحسب، بل يبرر استعباده لهم أيضاً بمغالطات مثيرة وغير مثيرة للانتباه.
وصلت إلى النتيجة الآتية: كي لا أتسبّب في إفساد الآخرين، وإلحاق الأذى بهم، عليّ أن أقلل، قدر ما أستطيع، من استخدامي جهودَ الآخرين، وأن أعمل قدر ما أستطيع.
هذه النتيجة التي سلكتُ مساراً طويلاً حتى وصلت إليها، وصل إليها الصينيون قبل آلاف السنين؛ حيث تقول العبارة المأثورة: إذا كان هناك شخص خامل وكسول، فهناك شخص آخر يموت من الجوع في المقابل.
وصلت إلى هذه النتيجة الطبيعية والبسيطة وهي إذا كنتُ مشفقاً على الحصان المنهك الذي أركبه، فعليّ أولاً أن أنزل عن ظهره، وأن أتابع رحلتي ماشياً.
هذه الإجابة، التي تمنحنا شعوراً أخلاقياً كاملاً بالرضا، خزعت عينيّ وعيوننا جميعاً، ونحن لا نراها، وننظر إلى الجوانب.
ونحن نبحث عن شفائنا من أمراضنا الاجتماعية، نبحث في كلّ الجهات؛ في الجهات الحكومية وغير الحكومية، وفي العلوم، وفي الخرافات الساذجة، لكننا لا نرى ما يوخز عين كلّ واحدٍ منا.
نملأ مصارفنا بالقذارات، ونريد أن يتحمل الآخرون عنّا عبء تنظيفها، ونتظاهر بأننا نتألم كثيراً من أجلهم، ونبتدع كلّ الحيل الممكنة، ونترك أبسطها وأسهلها، وهي أن ننظفها بأنفسنا.
من يشعر بصدقٍ بآلام المحيطين به، عليه أن يلجأ إلى أبسط وأسهل طريقة ممكنة لمعالجة الشرور من حوله، ولمعرفة شرعية حياته، وهي تتلخص في ما قاله يوحنا المعمدان عندما سألوه: ماذا نفعل، وهو القول الذي أكده المسيح: لا تمتلك ثوبين، ولا تمتلك المال؛ أي لا تستعن بجهود الآخرين، ولكي تتمكّن من فعل هذا، عليك أن تفعل كلّ شيء بنفسك.
هكذا بكلّ بساطة ووضوح، لكن هذه البساطة وهذا الوضوح لا يتوافران إلا عندما تكون المتطلبات بسيطة، ويكون الشخص متمتعاً بالحيوية، ولم يفسده الكسل والخمول. أعيش في القرية، وأستلقي بجانب المدفأة، وآمُرُ جاري المديون بأن يقطع الحطب، ويشعل المدفأة. واضح جداً أنني أتكاسل، وأشغل جاري عن عمله، وسأشعرُ بالخزي وبالملل أيضاً من استلقائي من دون عمل. وإذا كانت عضلاتي قوية، وكنت معتاداً على العمل، فسوف أقوم بتقطيع الحطب بنفسي.
لكنّ العبودية بكلّ أشكالها وُجدت منذ زمن بعيد، وتولّد، بناءً عليها، الكثير من المتطلبات المصطنعة، التي يشترك الكثير من الناس، في مستويات مختلفة، في أنهم اعتادوا عليها. وهكذا تسببت الأجيال القديمة في إفساد الناس وعوّدتهم على الدلال، من خلال هذه الغوايات المعقدة والحجج في صوابية الرفاه والكسل الذي يعيشون فيه، وأقنعتهم بأنه ليس من السهل على الشخص، الذي يتصدر قمة الهرم في قائمة الكسالى، أن يشعر بالخزي أكثر من ذلك الفلاح الذي يجبر جاره على تقطيع الخشب.
يصعب على من هم في قمة هذا الهرم أن يفهموا ما الذي عليهم أن يفعلوه. عندما يجب عليهم أن يهبطوا إلى الأسفل يجدون أنّهم مُثقلون بكمٍّ هائل من الوهم في تلك القمة التي يتربعون عليها، ولذا إن هذه الحقيقية البسيطة والواضحة تبدو لهم غريبة جداً.
يبدو الأمر -لا شك- غريباً ومضحكاً لمن لديه عشرات الخدم والطباخين والحوذيين، وعشرات اللوحات والآلات الموسيقية. هذه أبسط وأوّل ردة فعل طبيعية، لا أقول إيجابية، بالنسبة إلى الإنسان وليس الحيوان؛ أن يقطع بنفسه الحطب الذي يشعل به مدفأته ويطبخ به، وأن ينظف حذاءه أو نعله الذي لوثه دون أن يحرص على إبقائه نظيفاً، وأن يجلب الماء الذي يستخدمه لنظافته الشخصية، أو أن يصرّف بنفسه الماء الملوث الذي استحمّ فيه.
بالإضافة إلى بُعدِهم عن الحقيقة، هناك سببٌ آخر يمنع الناس من رؤية واجبهم، الذي يتمثل في خدمتهم لأنفسهم، وهو أكثر بساطة وقرباً من طبيعتهم وفطرتهم، هذا السبب هو حالة التعقيد وتداخل الظروف والمصالح المتصلة بعضها مع بعض التي يعيش فيها الغني.
صحيح أنّ مصالحهم متشابكة، لكن، من دون عناء كبير، ضمير كلّ واحد منهم سوف يميّز بين النشاط والكسل. ليس الضمير هو الذي يميّز بين العمل والكسل فحسب، بل السجل المالي كذلك. من يسرف في صرف المال سيعتمد، بكل تأكيد، على الآخرين لإنجاز أعماله، وكلّما قلّل من صرفه اعتمد على نفسه أكثر.
إن ترفي سببٌ لإعالة أسرٍ كثيرة. أين سيذهب خادمي إذا سرحته؟ إذا كنا سنقوم بكلّ واجباتنا بأنفسنا: نلبس ونقطع الحطب، فماذا عن توزيع العمل، والصناعة، والمؤسسات الاجتماعية، وأخيراً، أكثر الكلمات فظاعة: الحضارة والعلم والفن؟