Blog
لماذا نُفرِط في الاستهلاك؟ ترجمة: محمد الدندن
تفيدُ الدراسة أنّ شُرودَ الذهن أثناء ممارسة الأنشطة اليومية الممتعة، قد يسبّبُ تقليلَ مشاعر الرضا والسرور لدى الفرد، وقد يؤدي إلى التعويضِ المُفرِط عمّا فقدَهُ المرء من تلك المشاعر.
واشنطن– وفقاً لبحث نشرَتهُ الجمعية الأمريكية لعلم النّفس، فإنّك لو كنتَ تميل لعمل أشياءَ غير ضروريةٍ أثناء تناول وجبة العَشاء، فقد تقعُ لاحقاً في خطرِ الشّراهة في استهلاكِ المُتَع اليوميّة؛ لأنّ شُرودَ الذّهن قد يتسبّب في تقليص شعورك بالمتعة.
بحثَتْ الدّراسة في كيفيّة تأثير شرود الذّهن في “الاستهلاك اللّذي” أو في شراء واستخدام المُنتجات والخدمات؛ ذلك لأنّها تَهبُنا شُعوراً بالارتياح وليس بالضرورة لأنّنا نحتاج تلك الأشياء.
قال المؤلّفْ ورئيسُ الدّراسة، ستيفن لي مورفي، الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة جينت: ” قد يحظى الإنسان بلذّة كبرى بواحدة أو أكثر من تلك المُتَع اليوميّة في أيّ يوم، لكنَّ عامّةَ الناس يستهلكون سِلَعاً ذات مُتع حسيّة، أكثرَ ممّا يرغبون أو يستفيدون”.
ويرى د.مورفي، أنّ شُرودَ الذّهن قد يكون أحد الأسباب للإفراط في الاستهلاك. تُشيرُ الأبحاث إلى أنّ شرود أذهان الناس عند انخراطِهم في عملٍ مُمتع، سيمنحُهم قدْراً أقلّ من الشعور بالمُتعة، في حين أنّ مُتعتهم ستكون أكبر لو كانوا متيقّظي الذّهن. ويُمكنُ أن يؤدي ذلك التّشتُّت إلى مشاعرِ السّخَط والاستياء، وقد يدفعُ الناس أيضاً للإفراط في الاستهلاك؛ تعويضاً عن تِلك المُتعة النّاقصة.
وقد نُشرت هذه الدّراسة في مجلّة “الشّخصيّة وعلم النّفس الاجتماعي”.
لفَهمِ تأثير التّشتّت في الإستهلاك المُفرِط بدرجة أكبر، فقد أجرى الباحثون في البداية تجربةً شملت 122 مشاركاً (معظمهم من الإناث وتتراوح أعمارهم إجمالاً بين 18 و24 عامًا) وقد أُبلِغُوا أنّ يتوقّعوا مِقدار المتعة التي سوف يحظون بها، قبل أن يأكلوا وجبة الغداء. بعد ذلك، طُلب منهم أن يتناولوا غدائهم، ولكن ضِمن تلك الشروط الثّلاثة: الأكل مع عدم وجود عُنصر تشتيت، أوالأكل مع وجود عُنصر تشتيت مُتوسّط الشدّة (مشاهدة مقطع فيديو)، أو الأكل مع وجود عُنصر تشتيت عالي الشّدة (لعبة تَتريس1). وبعد انتهاء المشاركين من تناول وجبة الغداء، أبلَغوا أصحابَ الدّراسة بمِقدار استمتاعهم الفعلي ورضاهم بالطّعام، بل ورغبتِهم بمزيدٍ من اللّذة والكمّية من الطعام الذي أكلوه.
(Tetris)1- لعبة فيديو روسيّة، لصفّ القِطع مربّعة الشكل.
تَتريس. (بالإنجليزية: Tetris)؛ و(بالروسية: Тетрис)هي لعبة فيديو من نوع الألغاز
توجد اللعبة تقريبا على كل أجهزة الألعاب وأنظمة تشغيل الحواسيب ( المصدر: ويكيبيديا)
وبعد ذلك، طلَبَ أصحابُ الدراسة من المشاركين، في نفس اليوم، أن يقدّموا تقريراً أثناء تناول وجباتِهم الخفيفة، تماماً كما فعلوا أثناء تجربة وجبة الغداء الرئيسية. أفاد المشاركون الذين أكلوا الغداء أثناء التّشتّت، بأنّهم شعروا بمتعة ورضا أقل قدرا، وارتبَط ذلك باستهلاك وجبات خفيفة بكَثرةٍ بعد تناوُلِهم وجبة الغداء، إضافةً إلى رغبتهِم المُشتعلة لإشباعِ مشاعِر اللّذة إلى أقصى حد.
ويعتقد الباحثون أنّ هذا التّأثير المُشار إليه، والذي يُطلقون عليه مصطلح “التّعويض اللّذي”، لا يقتصرُ على تناول الطعام فحسب، بل ينطوي على أنشطة أخرى. فمثلاً، من يتشتّتُ أثناء مشاهدةِ فيلم ما أو ممارسة لعبة ما، قد يُصبح أكثرَ عُرضةً للإنخراطِ في نشاط إضافي (مثلَ استعمالِ تطبيقاتِ التواصل الإجتماعي) ليُعوّضَ عن مُتعتِه التي نقَصَتْ من نشاطِه الرئيسي.
واصلَ الباحثون أيضًا متابعة 220 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 18 و71 عامًا (أكثرهم من الإناث أيضاً) لمدة أسبوع؛ للبحثِ في هذا التّأثير الأكثر شمولا، إلى ما هو أبعد من قضية تناول الطّعام فحسب. قام المشاركون في هذه الفترة بتعبئة سبعة استبيانات قصيرة، في كل يوم، عبر هواتفهم الذكية فيما يتعلق باستِهلاكهم اللّذي، وتشتيتِ انتباهِهِم، ومدى رِضاهُم. وإضافةً إلى النّتيجة السابقة في تجربة تناول الطّعام، فإنّ الباحثين قد استنتَجوا أنّ الأشخاص المُشتّتين أثناء الاستهلاك، غالباً ما يشعُرونَ بمتعةٍ أقلّ عند استهلاكِهِم، خلافا لما كانوا يأمَلون، وشعروا كذلك برِضاً أقل وبِحاجَةٍ مُلحّةٍ للحصول على المزيدِ من مشاعر المُتعة واللّذة.
وقال د.مورفي: “إنّ الإفراط في استهلاك الأشياء، غالبا ما ينشأ نتيجةً لضعفِ السّيطرة على شهوات النّفس، بيدَ أنّ نتائج الدراسة أشارت إلى أنّ الإفراط في الاستهلاك قد ينشأ بسبب النّزعة البشرية للوصول إلى درجة مُعيّنة من المتعة في ممارسة عملٍ ما. وعندما يغدو التّشتُّت عائقاً في بلوغ تلك الدّرجة من المتعة، فغالباً سنسعى للتّعويضِ عنها من خلال استهلاك المزيدِ من الأشياء”.
يعتزم مورفي وزملاؤه إجراء العديد من الأبحاث؛ للوصول لنتائج متكرّرة، تؤكّدُ على وجود تأثير التّعويض اللّذّي عند الناس. وإذا أكّدَتْ أبحاثٌ أخرى ذلك التأثير، فإنّ فريق البحث سيُطبّق تدخّلات علاجية على الناس لمساعدتهم في التّركيز بدرجة أكبر عندما يستهلِكون الأشياء؛ وذلك لمحاولة تقليل احتمالية الإفراط في الاستهلاك. وقال مورفي: “من خلال فهم المسبّبات الرئيسية للإفراط في الاستهلاك اللّذي، يمكننا وضع استراتيجيات تساعد في الحد من نشوئِه”.
المقال: المُتع المُخيّبة للآمال: نحو تفسير ذاتيّ التّنظيم للإفراط في التّعويض اللّذي والإفراط في الاستهلاك، بقلم د.ستيفين لي مورفي، جامعة جينيت، ود.فلور فان مير، ود.لوتي فان ديلين، ود.هينك فان ستينبيرجين، جامعة لايدن، ود.ويلهلم فوفمان، جامعة رور روكوم. مجلة الشّخصية وعلم النّفس الاجتماعي، نُشرت على الإنترنت في 16 مايو 2024.
رابط المصدر:
https://www.apa.org/news/press/releases/2024/05/why-do-we-overindulge