Blog
فصل من رواية طلسمات لـ : جواد خاوري
في ذلك العام، على الرغم من قسوة الشتاء، كان الربيع مباركاً؛ إذ ارتوت الأرض بالكامل تحت انهيار الجليد واستعدت للزراعة. مع ذلك تأخرت الزراعة بسبب انشغال الناس بإصلاح الدمار الناتج عن انهيار الجليد.
جهّز نيكه، الذي صار صاحب المُلك، نفسه تماماً لكي لا يتعرض للسخرية من قبل هذا وذاك. فبعد أن أصلح أنقاض المنزل، ذهب إلى الحقل. كان له ثور واقترض آخر من خليفة ضامن وربط النير والحبل بعنقيهما وبدأ الحرث. غرق في عمله إلى درجة أنه عندما جاء أنور ابن سكينة لم يرغب في ترك الثورين والذهاب للاستفسار عن أحواله.
كان أنور من أهالي القرية ذاتها، وما إن صار راعياً حتى ظهر ورم في عنق والده وتوفي. بعد ذلك، كانت والدته سكينة هي التي تتولى رعايته هو وأخته. حتى تزوّجت سكينة وهرب أنور من البيت، حيث انتقل من قرية إلى قرية ومن ولاية إلى أخرى حتى وصل إلى كابل. وهناك أصبح خادماً في بيت مهندس، وتعلّم القراءة والكتابة بشكل أو بآخر. وبعد أن وصل تره كي إلى السلطة أصبح عضواً في الحرس الثوري ليعمل على نشر المثل العليا للثورة.
خاف منه الناس بعد أن رأوه من بعيد قائلين: «لا سمح الله إلا بالخير. ما الذي حدث حتى جاء عنصر حكومي؟!»، ولكن عندما عرفوا من هو، تنفّسوا الصعداء وعانقوه بفرح. أنور، الذي كان قد ارتدى طقماً جديداً وسرح شعره وجعله براقاً، لم يترك أي شك لأحد في أنه من رجال الحكومة حقاً. اندهش الناس بصنع الله متسائلين كيف وصل يتيم بلا أهل إلى النقطة التي يأكل فيها خبز الحكومة، وراحوا يحسدونه، وفي الوقت نفسه فكروا في أطفالهم الذين يرعون البقر والحمير.
عندما انتهوا من الاستفسار عن أحوال بعض، قال أنور: «هل تعلمون أن ثورة قد قامت هناك؟».
فتذكّر الناس زبدية ثريد الخبز بالزبادي، التي قَلَبها عنصر حكومي قبل مدة. فلهذا السبب أجابوا بالإيجاب. سأل خليفة ضامن، الذي كان يفكّر في زبدية ثريد الخبز بالزبادي: «هل الثورة مثل انهيار الجليد؟ ربما هي تماثل انهيار الجليد الذي سقط على قريتنا».
أجاب أنور: «لا، بل هي تشبه التنّور الذي يعطي الإنسان خبزاً ساخناً، فلا يبقى الغريب ولا البائس جائعين عند هذا التنّور. فعلينا نحن وأنتم، الذين لم نشبع في حياتنا قطّ، أن ندعم الثورة التي يقودها نور محمد تره كي».
كان كلام أنور باعثاً على الأمل إلى حدِّ أن الناس لم يكونوا يصدّقونه. والأهم من ذلك كله أنهم حاروا في أمر أنور؛ فكيف أصبحت له طلاقة اللسان هذه. أمّا نيكه، الذي أوقف الثورين أخيراً وجاء لزيارة أنور، فقال لنفسه إنّ الخبز الساخن لا يُشبع أحداً. وعندما جرّه أنور جانباً وقال له: «تعال وانضم إلى حزب الشعب»، لم يفهم ما يقصده، فأوضح له أنور قائلاً: «لقد حان الوقت لتأتي وتستفيد من إمكانات هذه الحكومة. لقد كنت سجيناً هنا عشر سنوات. هذه وثيقة تجعلك ذا منصب وذا قرية في آنٍ واحد؛ فيكفي أن تحرّك نفسك وتنطلق».
لم يشعر نيكه بالفرح على الإطلاق؛ إذ كان يرى أنّ أنور قد انخدع بالأجواء السائدة هناك، وبات يتفوه بالهراء. كان يودّ أن يفكّر في زراعته التي قد بدأها حديثاً. فجرّ نفسه إلى ظل الجدار على مضض، وقال لأنور الذي كان لا يزال واقفاً في مكانه: «لا تتّبع هذه الأقوال».
لم يضف أنور شيئاً آخر. فتح الكتيّب الذي كان ممسكاً به تحت إبطه، وقال للناس: «إن الحكومة تجرّد الأقطاعيين والأغوات من أراضيهم وتوزعها على الفقراء وعلى الذين لا أرض لهم؛ فتعالوا سجّلوا أسماءكم لكي تمتلكوا أرضاً إذا صار حظكم متساوياً».
سأل خليفة: «وماذا عنّا نحن الذين نمتلك أرضاً بحجم راحة يد؟».
أجاب أنور: «لا داعي للقلق».
فسجّل الجميع أسماءهم بالجملة، وسجّلوا حتى أسماء الغائبين، مثل ديدار الابن الأكبر لخليفة ضامن، الذي كان قد ذهب إلى إيران ليشتغل عاملاً يومياً. كما سُجِّل اسم الملا يعقوب مع أنه لم يكن بحاجة الى أرض. ثم أخرج أنور صورة من كتيّبه وعرضها على الناس قائلاً: «الرفيق تره كي».
نظر الناس إليها متحمّسين وسألوا: «هل هذا هو الملك الجديد؟».
في الليل، رغب خليفة ضامن في الاستماع إلى المذياع، فكانت أقوال أنور قد بعثت فيه الأمل إلى درجة أنه أراد الاستماع إلى عزف بهيج على الطنبور. وبحماسة اليوم الأول ذاته، أخرج المذياع من الصندوق الذي كان يحتفظ فيه بممتلكاته الشخصية. كان يعلم أن بطارية المذياع قد نفدت، لكنه مع ذلك ألصق الجهاز بأذنه. دوّى الصوت العذب لعازف الطنبور في أذن خليفة ضامن. وعلى الرغم من أنه فصل المذياع عن أذنه بعد مدة من الوقت، لم ينقطع صوت الطنبور، بل استمر طوال الليل.
في اليوم التالي، وضع مذياعه على ظهر حماره مع كيسين من الزبادي وذهب إلى سوق «بند كوسه» لشراء بطارية. وخلال الساعات الأربع، التي كان فيها على طريقه إلى السوق، حاول أن يتذكّر ويترنم نفسه الأشعار التي سبق أن سمعها من مذياعه. وعندما لم يتذكرها جيّداً، لم يحزن كثيراً، فقد كان على يقين بأنه عند شراء بطارية سيسمع مرة أخرى غناء عازف الطنبور وسيتذكّر كلماته؛ لكنه بعد أن اشترى البطاريّة وشغّل المذياع سمع شخصاً يتحدث عن الثورة مثل أنور. وفي الطريق أيضاً شغّل المذياع عدة مرات، لكن الحديث عن الثورة كان لا يزال يجري، فاقتنع بأن الثورة أمر مهمّ مهما كانت. لذلك حاول جاهداً أن يكتشف شيئاً عنها، لكنه لم يفهم شيئاً. وبعد أن وصل إلى المنزل واطمأنّ، شغّل جهازه مرة أخرى. وفي هذه المرة سمعهم يتحدثون عن توزيع الأراضي. وضع أذنه بالقرب من المذياع ليسمع بشكل أوضح. كان الأمر صحيحاً كما قال أنور، راحت الحكومة توزّع الأراضي على المحتاجين والفقراء، فتنفّس خليفة ضامن الصعداء.
بعد ذلك، كان يشغّل مذياعه كل ليلة، ويستمع إلى أخبار توزيع الأراضي. لكن عمليات توزيع الأراضي كانت تنفّذ دائماً في ولايات أخرى. وكان خليفة ضامن على يقين بأن دور ولايات الهزارية سيأتي يوماً ما. فعند ذاك سيسمع بالتأكيد أخبار ذلك من مذياعه. وعندما كان يفكّر في أنور الذي أصبح رجلاً ذا مصداقية، كان يزداد أمله. وكان يشكر الله بقلب متفائل لأن قوم الهزارة باتوا شركاء في أعمال الحكومة. وعندما كان المذياع يردّد شعاره كل ليلة: «عاشت الشعوب الكادحة! عاش الفلاحون الشرفاء! وإلى الأمام نحو العدالة والمساواة!»، يغمض خليفة عينيه ويرى الهزاريين وقد ارتدوا ملابس رسمية وحملوا كتيّبات وأقلاماً مثل أنور.