فصل من كتاب ( سيرتي لـ: أنتوني ترولوب

رغم أنني لا أعتزم في هذه الصفحات العودة إلى أصل آل ترولوب بأسرهم، لا بد من كتابة بضع كلمات عن والدتي، ويعود ذلك إلى أن واجب البر بالوالدين يدفعني إلى ذِكرها، وأن والدتي صنعتْ لنفسها اسماً مهمّاً في أدب زمانها، ومن جانبٍ آخر كذلك؛ أنّ في حياتها المهنية ظروفاً جديرة بالذكر. كانت ابنة القسّ ويليام ميلتون، قسّ قرية هكفيلد في هامبشاير، الذي كان زميلاً في نيو كوليدج، وكذلك والدي. كانت في الثلاثين من عمرها عندما تزوجت والدي عام ١٨٠٩، وقبل ست أو سبع سنوات مضت، وقعتْ في يدي مجموعة من رسائل الحب التي أرسلتها إليه بطريقةٍ فريدة للغاية؛ حيث وُجِدتْ في منزل شخصٍ غريب أرسلها إلي بلطف كبير. مرَّ على هذه الرسائل قُرابة ستين عاماً منذ ذلك الحين، كتبتْ عدداً منها قبل زواجهما، والقسم الآخر بعد الزواج، على مدى -ربما- عام.

لم أقرأ في أي روايةٍ رسائلية لصموئيل ريتشاردسون أو الأستاذة فرانسيس بورني رسائلَ في غاية العذوبة، جميلة، ومفعمة بمشاعر نبيلة في الوقت ذاته، لكن أعجوبة هذه الرسائل كانت في الفرق الغريب الذي تُضفيهِ على رسائل الحب في يومنا هذا؛ إذ كانت كلها مكتوبة على ورق مربّع الشكل، ومطوية ومختومة، ومرسلة إلى والدي بكل حب. إلا أن اللغة في كُلِّ رسالةٍ -رغم أنها بلغتْ حد الرومانسية-كانت مُنتقاةً ببراعة ونضج، دون تغيير المقطع اللفظي في نظر العين الناقدة. ففي يومنا هذا، أيّ فتاة تنتقي الكلمات التي ستخاطب بها حبيبها، أو تسعى لسحره بطلاوة الحديث؟ لقد كانت تحب توظيف القليل من الألفاظ العامية، وتجد متعةً بالغةً بترف التعرف الكامل على كيان جديد وغريب. وكان ثمة مغزى في ذلك، مغزىً محببٌ لأفكارنا، لكنني أخشى أن هذه المرحلة من الحياة لا تُفضي إلى شغف الشعر بين فتياتنا؛ غير أن والدتي كانت كاتبة في النثر الأدبي، وتجد متعتها في الهِجاء، وهكذا، تشبث بها الإحساس الشعري على الدوام.

في السنوات العشر الأولى من حياتها الزوجية أصبحت أمّاً لستة أطفال؛ توفي أربعة منهم بسبب مرض السل بأعمار مختلفة. تزوجتْ أختي الكبرى وأنجبت أطفالاً، وما يزال أحدهم على قيد الحياة؛ لكنها كانت واحدة من الأربعة الذين تبعوا بعضهم بعضاً وماتوا على فترات خلال حياة والدتي. ولم يبقَ لها غيري أنا وأخي توم؛ لنواجه نحن الثلاثة مصير كتابة كُتبٍ أكثر من أي وقت مضى، قد تكتبهُ عائلة واحدة. رفعتْ أختي المتزوجة الرقم بكتابة قصة قصيرة عن كنيسة عليا مجهولة الهوية أسمتها تشوليرتون. ومنذ تاريخ زواجهما حتى عام ١٨٢٧ -عندما سافرت والدتي إلى أمريكا- أخذتْ شؤون والدي تتدهور في العالم باستمرار. كانت تحب المجتمع؛ الأمر الذي عكس على شخصيتها دوراً ليبرالياً إلى حد ما، وجعلها تبدي نوبة كراهيةٍ نحو الطغاة؛ انبثقتْ من أخطاء قتلة الملوك المحتملين وفاقة المنفيين الوطنيين؛ حتى إن الماركيز الإيطالي، الذي فرَّ بثيابٍ مستعملة من براثن أرشيدوق كان راغباً في إبادته، أو البروليتاريّ الفرنسي الذي يفكر -بطريقةٍ غير مباشرة- في التضحية بنفسهِ في سبيل قضية الحرية، كان موضع ترحيبٍ دائم في الضيافة المتواضعة لمنزلها. وبعد عدة سنوات، حين أبدى ماركيز من طبقة أخرى لطفاً معها، أصبحتْ مؤيدةً شرسة للمحافظين، ورأتْ أن الأرشيدوقات جميلات. وهكذا، طالما كانت معتقداتها السياسية شأناً من شؤون القلب، كما كانت في الحقيقة قناعاتها كلها. وعليهِ، أحسبُ أنها -بعد التفكير في الأسباب- أظنها لا تعرف شيئاً. كانت ذات قلب سليم النيّة من النواحي كلها، ورغبتها في فعل الخير لكلّ من حولها شاملة جداً، وقوة تضحيتها كبيرةً للغاية؛ إلى درجة أنها تحصل على الحق عادةً، مع أنها تفتقر إلى المنطق؛ ولكن لا بد من التسليم بأنها كانت امرأةً عاطفية. أتذكر كتبها جيداً، وبإمكاني رؤيتها تؤدي أنشطتها. كانت تُحب الشاعرين دانتي وسبنسر، لكنها أيضاً كانت تُفرط في مديح من تثني عليهِ السيدات في ذلك الوقت. أبهرتها الشهرة والمشهورون، فذرفت الدموع على ظلم اللورد بايرون. كانت من بين أولئك الذين يتلقفون الروايات بنهمٍ عند صدورها؛ مثل روايات السّير والتر سكوت غير المعروف آنذاك. ومن بين أولئك الذين ما يزالون يتحدثون عن انتصارات الآنسة ماريا إدجوورث، كانت على درايةٍ بالأدب في تلك الفترة، وبشعراء الماضي. أما بالنسبة إلى قراءات أخرى، فلا إخالها أتقنت الكثير. أعدُّ حياتها -مع أنها كانت تُخيم عليها في الفترة الأخيرة متاعب جمة- مُريحةً، منغمسةً بالترف، ولا معنى لها؛ حتى أبعدتها شؤون والدي وتطلعاتها الخاصة إلى أمريكا. كانت تحظى بأصدقاء أعزاء بين الأدباء، أتذكر منهم ماتياس، هنري ميلمان، الآنسة لاندون؛ لكنها، حتى بعد مضي فترة طويلة من نصف حياتها، لم تكتب سطراً واحداً جاهزاً للنشر. سافرت إلى أمريكا عام ١٨٢٧، بعد أن أثارتها -إلى حدٍ ما-الأفكار الاجتماعية والشيوعية لسيدة أتذكرها بوضوح تدعى الآنسة رايت، والتي أعتقد أنها كانت أول المُحاضرات الأمريكيات من النساء. ورغم ذلك، كانت رغبتها الرئيسة هي إنشاء عمل لأخي هنري، وربما كان العمل على ذلك هو مدعاة أخرى لتفكيك بيتها الإنكليزي دون الاعتراض على ثرواتها المنهارة أمام العالم بأسره. في سينسيناتي بولاية أوهايو، قامت ببناء بازار، وأحسب أنها خسرت الأموال كلها؛ التي ربما تم الشروع فيها في تلك المضاربة. لا أظن أن الأمر دام كثيراً، كما لا بد أن آخرين عانوا كذلك؛ لكنها أمعنت النظر في من حولها، إلى أبناء عمومتها الأمريكيين، وقررتْ أن تكتب كتاباً عنهم. جلبت هذا الكتاب معها في عام ١٨٣١، ونَشرَتهُ في أوائل عام١٨٣٢. كان عمرها خمسين عاماً آنذاك. وعند نشرها هذا الكتاب كانت تُدرك أنه إذا ما لم تنجح في كسب المال، فلن يكون ثمة مال لأيِّ فرد من أفراد الأسرة. لم تكن قد كسبتْ شلناً واحداً في حياتها من قبل، وتلقتْ على الفور مبلغاً كبيراً تقريباً من الناشرين، وإذا لم تخني ذاكرتي مبلغاً بقيمة أربعمئة جنيه إسترليني في غضون أشهر قليلة؛ ولأكثر من عشرين عاماً أخذتْ منذ ذلك الوقت حتى وفاتها تتلقى إيرادات كبيرة من خلال كتاباتها. لقد كان عمراً متأخراً لبدء مثل هذه المهنة. كان كتاب «الأصول المحلية للأمريكيين» أول سلسلة من كتب الرحلات، وربما كان الأفضل من بين السلسلة، والأشهر بلا ريب. ولن يكون من المبالغة أن نقول إنه كان ذا تأثير جوهريّ على سلوك الأميريكيين في ذلك الوقت، وإن ذلك التأثير حظي بتقدير كامل من قِبَلهم. ولا جرم أنه ما من شاهد كان أقل كفاءة من أي وقت مضى ليحكم على آفاق الشباب أو حتى على سعادتهم.

ما كان لأحد أن يتكيف بطبيعته على نحو أسوأ مع مهمة المعرفة؛ ما إذا كانت الأمة في طريقها إلى الازدهار؛ إذ أيّاً كان ما تراه، إنها تحكم عليه -كما تفعل معظم النساء- من وجهة نظرها، وإذا كان الشيء قبيحاً في عينيها، فيجب أن يكون قبيحاً في أعين الآخرين، وإذا كان قبيحاً، فلا بد أن يكون سيئاً.

ماذا لو كان لدى الناس الكثير من الطعام ليأكلوه، والكثير من الملابس لارتدائها، وهم يدوسون الموائد بأقدامهم، ولا يحترمون أفضل ما يملكون؟ كان الأمريكيون يعاملونها بخشونة وفظاظة وابتذال، ولقد أخبرتهم بذلك. أما تلك الأفكار الشيوعية والاجتماعية، التي ظنتها عظيمة في غرفة الجلوس خاصتها، فقد تبعثرتْ مع الرياح. كانت مجلدات الكتب التي كتبتها حادة اللهجة للغاية؛ لكنّها كتبتها على نحوٍ ذكي جداً؛ الأمر الذي أنقذ العائلة من الفقر. وهكذا بدأ الكتاب يتبع الكتاب مباشرةً؛ كتبتْ في البداية روايتين، ومن ثم كتاباً عن بلجيكا وألمانيا الغربية. وأعادتْ تأثيث المنزل الذي أسميته مزرعة أورلي، وأحاطتنا مرة أخرى بوسائل راحة بسيطة.

يكاد يكون من المستحيل التحدث بشيءٍ من المبالغة عن المرح والتعب في العمل الدؤوب الذي شكَّل شخصيتها. كان التعب شيئاً منفصلاً احتفظتْ بهِ لنفسها، وليس هناك داعٍ لأن يلاحظه أي شخص يعيش معها. كانت تجلس إلى مكتبها عند الرابعة صباحاً، تُنهي عملها قبل أن يبدأ العالم في الاستيقاظ. ورغم أن كل ما يتعلق بالبهجة والمرح كان من نصيب الآخرين؛ لكن في وسعها الرقص بأرجل الآخرين، وأن تتناول الطعام والشراب تماشياً مع أذواق الآخرين، وأن تشعر بالفخر لرؤيتها فتاةً ترتدي ثياباً فاخرة مبهرجة. يمكن لكل أم أن تفعل ذلك لبناتها؛ لكنها في وسعها أن تشعر بذلك تجاه أي فتاة يُعجِبها مظهرها وصوتها وأخلاقها. حتى عندما تكون منهمكةً في العمل، كانت ضَحِكات من تُحبهم مصدر بهجة لها. كان في قلبها الكثير.. الكثير.. لتعاني. ففي بعض الأحايين، يصبح العمل شاقاً عليها، وكان مطلوباً منها إنجازهُ، وهي مسرفة، تحب الحصول على المال لإنفاقه، ولكن من بين جميع الأشخاص الذين عرفتهم كانت الأكثر بهجة، أو -على أقل تقدير- الأكثر قدرة على الفرح. واصلنا هذه الحياة المتجددة في هارو لما يقرب من عامين، وكنت ما أزال في المدرسة خلالها، وفي نهايتها بلغتُ من العمر تسعة عشر عاماً تقريباً، عندئذٍ حلَّتْ كارثة كبيرة. حين كان والدي بصحةٍ جيدة، يعيش حياة بائسة بين الرهبان والراهبات، كان ما يزال يحتفظ بالجواد والعربة. وفي أحد أيام مارس ١٨٣٤، وتماماً كما قد تقرر أن عليَّ مغادرة المدرسة عوضاً عن البقاء حتى منتصف الصيف مثلما كان مُقرراً. استدعاني في الصباح الباكر لإيصالهِ إلى لندن. لقد كان مريضاً، ولا بد أنَّ مرضهُ كان شديداً إلى درجة أن يرضخ لأي شخص يمكنه إيصاله. وما إن انطلقنا حتى أخبرني أن عليَّ إيصاله إلى متن باخرة تُبحر إلى أوستند/بلجيكا، وهذا ما فعلته؛ لقد أوصلته عبر المدينة إلى المرسى. لم يكن من طبيعته أن يكون صريحاً، وحتى نهاية الرحلة لم يخبرني عن سبب سفرهِ إلى أوستند. كنتُ قد سمعتُ من قبل شيئاً من قبيل الرحيل بسرعة خارج البلاد ولكن لماذا كان عليه أن يرحل أولاً، وأن يسافر بهذهِ الطريقة المفاجئة؟! لم أعرف جواباً -على الأقل- حتى قفلتُ عائداً بالعربة إلى المنزل، ولمحتُ أن المنزل والأثاث أصبحا في عهدة ضباط العمدة. أوقفني البستاني الذي كان يعمل عندنا في الأيام السابقة وأنا أقود العربة على الطريق، ونبهني، بالإيماءات والإشارات والهمسات؛ إلى أن الحاجات برمتها – أي الجواد وطقم الجواد والعربة- سيجعلون منها جائزة إذا واصلتُ تقدُّمي على بعد بضع ياردات أكثر. لم أعرف السبب وراء ضرورة ألَّا يتحول الجواد وطقم الجواد والعربة إلى جائزة! لم يقدم هذا الجزء الصغير من الأعمال المضللة التي أنجزتها بنفسي، وتكللتْ بالنجاح أيَّ خدمةٍ خاصة لأيّ فردٍ من العائلة. قُدتُ العربة إلى القرية، وبعتُ المعدات كاملة إلى تاجر الحديد والأدوات المعدنية مقابل سبعة عشر جنيهاً؛ الثمن الذي ادعى أنَّه قيمة هذه المعدات. وقد امتدحني البستاني كثيراً؛ إذ بدا يعتقد أن الكثير من الناس أُنقذوا من النار بهذا التصرف. وأنا أحسب أن الرابح الوحيد من كل ذلك كان تاجر الحديد والأدوات المعدنية. وحين عدتُ الى المنزل، كان مشهد الأسى جارياً على قدمٍ وساق، ولم يكن يخلو من روح الدعابة؛ فوالدتي، بالرغم من متاعبها، وجدتْ وسيلةً للحفاظ على عدد محدد من الحاجيات العزيزة على قلبها. لم تكن حاجاتٍ فخمة لأن بهرجةَ المنازل في تلك الأيام لم تكن فاخرةً كما هي اليوم، ولكن كان هناك بعض الخزف الصيني، وقليل من الزجاجيات وبعض الكتب، ومخزون معين من أدوات الفضة المنزلية. كانت هذه الحاجات، وأشياء أخرى من هذا القبيل، تُنقَل خلسة إلى مسكن صديقنا العقيد غرانت من خلال شق بين حدائقنا. وكانت أختاي -بعمر السادسة عشرة والسابعة عشرة آنذاك- وبنات آل غرانت اللواتي كن أصغر سناً، هن اللصوص في هذهِ العملية. وكان من دواعي سروري المشاركة في مثل هذه العمليات وفي أي مشروع، وهكذا خدعنا الدائنين، فيما بيننا، وفي حدود قدراتنا، وسط اللعنات، ولكن بالابتعاد المتسم بحس الدعابة عن العنف الفردي من الرجال المسؤولين عن الممتلكات. ما أزال أمتلك بعض الكتب التي سرقناها بهذهِ الطريقة. ولبضعة أيام، عاشت العائلة كلها تحت سقف العقيد المضياف، تعتني بنا وتعمل على راحتنا زوجتهُ، أَحبُ النساء إليهِ. ثم تبعنا أبي إلى بلجيكا واستقررنا في بيت كبير خارج أسوار مدينة بروج. ومن وقتها حتى وفاة والدي، كان كل شيء يكتمل بالمال الذي تكسبه والدتي. فعادت مرة أخرى إلى تأثيث المنزل، وكان هذا المنزل الثالث الذي عملتْ على تأهيله منذ عودتها من أمريكا قبل عامين ونصف.

مضى ستّة أفراد منّا إلى هذا النفي الجديد. غادر أخي هنري كامبريدج وكان مريضاً، وأختي الصغرى مريضة، ومع أننا بالكاد يخبر بعضنا الآخر بأننا نواجه الأمر الواقع، بدأنا نشعر بذلك الشيطان المُدمِّر، مرض السل، يعيش بيننا. كان والدي كسير القلب بقدر ما كانتْ صحتهُ معتلة، لكنه ما فتئ يعمل على سجلاته الكنسيّة كلما يجلس إلى مكتبهِ. في حين كنتُ أنا وأختي الكبرى بصحةٍ جيدة؛ لكنني كنتُ عالةً، بائساً، كسولاً، إنساناً في قمة اليأس، وشاباً أخرق بعمر التاسعة عشرة؛ دون أدنى فكرة عن مهنة، أو حِرفةٍ، أو تجارة. علاوةً على ذلك، أتذكر أنني كنت سعيداً إلى حد ما؛ لأنه كانت هناك فتيات جميلات في بروج بإمكاني أن أتخيل أنني واقعٌ في حالة حب معهن، ثم أنني ابتعدتُ عن الشقاء الحقيقي للمدرسة. ولكن فيما يتعلق بحياتي المستقبلية، لم يكن لديَّ طموحٌ حتى.

ثم أخذ ينتابني شعور بين الفينة والأخرى؛ إذ يعزّ عليَّ رؤية والدتي مضطرة إلى فعل الكثير من أجلنا، وأننا نقف مكتوفي الأيدي بينما هي مجبرة على العمل باستمرار، ولكن ربما صار لزاماً علينا أن نفكر أكثر في الأمر لو أنها لم تضطر إلى العمل كما هي حالة الحياة المعترف بها لسيدة كبيرة في الخامسة والخمسين. ثم، أخذ الحزن يأخذ مكانه في المنزل بيننا شيئاً فشيئاً، وأصبح أخي عاجزاً. وأكدوا تلك الكلمة المروعة، التي ظلت أبشع كلمة بالنسبة إلينا من بين جميع الكلمات ولعدة سنوات. وهكذا باتت رئتاه هشتين، وكان كل ما يحتاجه شيئاً من العناية الخاصة بوصفها ضرورة مؤقتة، والسبب مرض السل! قال ذلك طبيب من بروج، وكنا نعلم أنه على حق. ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، باتت مهنة والدتي الأبرز هي التمريض. كان ثمة رجلان مريضان في المنزل، وكانت يداها هي التي ترعاهما. وبلا شك، واصلتْ عملها في كتابة الروايات.

كنا قد اعتدنا على معرفة أن الروايات ستكون مُتاحة قريباً على فتراتٍ زمنية محددة، وطالما كانت قريبةً. حجزت قوارير الطبيب وزجاجات الحبر أماكن متساوية في غرف أمي. لقد كتبتُ العديد من الروايات في ظل العديد من الظروف؛ لكنني أشك شكاً كبيراً في قدرتي على كتابة رواية واحدة عندما يكون قلبي بجانب سرير ولدي الذي يحتضر! لم أرَ نظيراً يوماً لقدرتها على تقسيم نفسها إلى قسمين، والحفاظ على ذكائها كما هو، ذكاءً نقياً من متاعب العالم، ومؤهلاً للواجب الذي كان عليها القيام بهِ. لا أرى أنَّ كتابة رواية هي مهمة من الصعوبة بمكان على رجل إنجازها، لكنها مهمة تتطلب روحاً تعيش حالةً من الاطمئنان والراحة إلى حد ما. فالكتابة بروحٍ مضطربة قتلت السير والتر سكوت. مرت والدتي بكل ذلك دون أن يضيرها شيء؛ على الرغم من أنها أدت عمل ممرضةٍ نهارية وممرضة ليلية لأسرة معتلة؛ لأنه سرعان ما مات ثلاثة منهم. خلال تلك الفترة جاءني عرض من جهة ما بدخول الخدمة في فوج سلاح الفرسان النمساوي وهكذا كان قدري على ما يبدو؛ أن أكون جندياً. لكن يجب أن أتعلّم الألمانية والفرنسية أولاً؛ لغتين لا أعرف عنهما شيئاً تقريباً! وكان ينبغي الالتحاق بالخدمة في ذلك العام لإتمامها دون مصاريف، فقمتُ بواجبات مرشدٍ تقليدي في مدرسةٍ كان يرعاها وليام دروري في بروكسل حينئذٍ. كان السيد دروري أحد الأساتذة في هارو حين دخلتُ المدرسة في السابعة من عمري هناك، وهو اليوم -حتى بعد مضي ثلاثة وخمسين عاماً- يرأس القداديس بصفتهِ قسّاً في ذلك المكان.

سافرتُ إلى بروكسل، وقلبي يغوص في داخلي من التفكير في أن هناك من أودعَ بين يدي مهمة تعليم ثلاثين صبياً! ولايسعني إلا أن أرجو أن يذهب هؤلاء الأولاد إلى هناك لتعلم اللغة الفرنسية، وأن آباءهم ليسوا متخصصين بما يتعلق بتحصيلهم الدراسي الكلاسيكي. أتذكر في مرتين، أرسلوني لاصطحاب التلاميذ في نزهة، ولكن بعد المحاولة الثانية قالت السيدة دروري إن ملابس الأولاد لن تصمد أمام أي تجارب أخرى من هذا النوع. لا أذكر أي تعليم تعلمته من لغات أخرى، ولكن لما كنت لم أمضِ سوى ستة أسابيع في هذا المنصب، فربما لم تكن دروس الاستئناف قد بدأت بعد. وفي نهاية الأسابيع الستة وصلتني رسالة عُرِضَ عليَّ فيها وظيفةٌ مكتبية في مكتب البريد العام، فقبلتها.

ومن بين أعز صديقات أمي ممن كان المرء يُعول عليها، السيدة فريلنغ؛ زوجة كلايتون فريلنغ، الذي كان والدهُ السير فرانسيس فريلنغ، يُدير مكتب البريد آنذاك. كانت قد سمعت بمنصبي البائس، فرَجَتْ والد زوجها كي يجد لي وظيفةً في مكتبه، فأسرعتُ عائداً من بروكسل إلى بروج في طريقي إلى لندن، ووجدتُ أن عدد المصابين في عائلتي قد ازداد؛ فأختي الصغرى، إميلي، التي عندما غادرت المنزل كان وضعها الصحي على المحك، كانت متوعكة، ولكن بلغة الأمل الكاذب المدرك للحقيقة؛ إلا أنه يكذب خوفاً على أصحاب القلوب الضعيفة، فوصفتها على أنها متوعكة؛ غير أنَّ مرضها كان شديداً ومصيرها محتوماً. كنتُ أعرف ذلك عن كليهما؛ مع أنني لم أسمع ذلك بالمعنى الصريح للكلمة، ولم أتحدث به لأحد، كان والدي مريضاً للغاية، مريضاً حتى الموت؛ مع أنني لم أكن مُدركاً، فقررتْ أمي إرسال أختي الكبرى إلى إنكلترا، معتقدة أن العيش قرب هذا القدر الكبير من المرض قد يكون مؤذياً لها. حدث كل ذلك في أواخر خريف عام ١٨٣٤، في الربيع الذي وصلنا فيه إلى بروج. بعد ذلك تُرِكتْ والدتي وحيدةً في منزل كبير خارج المدينة، مع سيدتين بلجيكيتين عاملتين؛ لترعى هؤلاء المرضى المحتضرين -زوجها وأطفالها- ولتكتب روايات لإعالة الأسرة! وقد كتبتْ أفضل رواياتها في هذه الفترة من حياتها المهنية. سأعود في الفصل التالي إلى بداية عملي في مكتب البريد. قبل عيد الميلاد مباشرة مات أخي ودُفِن في بروج، وفي فبراير التالي توفي والدي، ودُفِن إلى جانبه، وماتت معهُ تلك المهمة المضجرة التي كان يؤديها، والتي لا يسعني إلا أن آمل أنها كانت مصدرَ عزاءٍ لهُ خففتْ من وطأة أيامهِ الأخيرة. أحياناً أنظر إلى الماضي، ولساعات أُفكِرُ ملياً في مصيره الوخيم؛ فقد كان رجلاً متعلماً تعليماً رائعاً، يؤدي أدواراً مميزة، ولديه قدرة هائلة على العمل، ويتمتع بقوة بدنية تفوق بكثير متوسط قوة الرجال. لم يكن من المدمنين على الرذائل والملذات، وكان محباً بطبيعته، حريصاً على رفاهية أطفاله، وُلد وهو يملك ثروات متوسطة المستوى؛ حتى يمكن القول عندما بدأتْ حياتهُ، إنه كان يملك كل شيء تحت قدميه. لكن سارت الأمور كلها على نحوٍ خاطئ معه، وكأن لمسة يدهِ تزرع الفشل. فشرع في مشروعٍ ميئوس منهُ يتلوه المشروع الآخر، وأنفق كل ما في حوزتهِ من مال في ذلك الوقت. بَيْدَ أن أسوأ لعنة حلتْ عليهِ كانت مزاجه سريع الانفعال! إلى الحد الذي عجز معه حتى أولئك الذين أحبهم أكثر من غيرهم عن تحملهِ. كنا جميعاً مبتعدين عنه، ومع ذلك أحسبُ أنه كان سيضحي بدماء قلبه من أجلنا فرداً فرداً. كانت حياته مأساةً تراجيدية طويلة الأمد، كما رأيتها. بعد وفاته انتقلت أمي إلى إنكلترا، فاستأجرتْ وأثثت منزلاً صغيراً في هادلي؛ بالقرب من بارنت. كنتُ آنذاك موظفاً في مكتب البريد في لندن، أتذكر بوضوح كيف كانت تُضفي بهجةً على المكان بطهيها وجبات عشاء صغيرة، ورقصات بسيطة، ونُزهات قريبة، في حين كانت هي نفسها تتوجه إلى العمل كل صباح قبل وقتٍ طويل من مغادرة الآخرين أسرّتهم، لكنها لم تمكث في هادلي أكثر من سنة؛ حيث سافرت إلى لندن، وأخذت منزلاً وأثّثتْه من جديد. ثم تزوجتْ أختي الناجية وانتقلتْ إلى كمبرلاند، وسرعان ماتبعتها أمي. وفي هذه المرة، قامت بما هو أكثر من مجرد استئجار منزل! لقد اشترت قطعة أرض صغيرة -حقلاً من ثلاثة أفدنة قرب البلدة- وبنت لها مسكناً. حصل ذلك عام ١٨٤١ حسبما أذكر، وهي بذلك قد أنشأتْ وأعادتْ تشييد حياتها ست مرات خلال عشر سنوات؛ لكنها وجدتْ المناخ في كمبرلاند قاسياً للغاية. انتقلتْ في عام ١٨٤٤ إلى فلورنسا؛ حيث بقيت حتى وفاتها في عام ١٨٦٣. واستمرتْ في الكتابة حتى عام ١٨٥٦؛ حين بلغت ستاً وسبعين عاماً من العمر، وكتبتْ خلال ذلك ١١٤مُجلداً؛ كتبتْ أولهُ بعمر الخمسين فحسب. تُقدم حياتها المهنية تشجيعاً كبيراً لأولئك الذين لم ينطلقوا في حياتهم ويحققوا طموحاتهم مبكراً، لكنهم ما يزالون يطمحون لإنجاز شيءٍ قبل أن يغادروا هذا العالم. كانت امرأة غير أنانية، مُحِبة، وفي غاية المثابرة والدأب، لها قدرةٌ كبيرة على التفكه ولها مواهب جمة. وكانت تتمتع كذلك بقدرٍ كبيرٍ من الطاقات الإبداعية الخلاقة وحس الدعابة، والشعور الصادق في الحب، لكنها لم تكن واعية الرؤية ولا دقيقة، وفي محاولاتها لوصف الأخلاق والآداب وحتى الحقائق، لم تتجنب مزالق المبالغة.

لماذا نُفرِط في الاستهلاك؟ ترجمة: محمد الدندن

تفيدُ الدراسة أنّ شُرودَ الذهن أثناء ممارسة الأنشطة اليومية الممتعة، قد يسبّبُ تقليلَ مشاعر الرضا والسرور لدى الفرد، وقد يؤدي إلى التعويضِ المُفرِط عمّا فقدَهُ المرء من تلك المشاعر.

واشنطن– وفقاً لبحث نشرَتهُ الجمعية الأمريكية لعلم النّفس، فإنّك لو كنتَ تميل لعمل أشياءَ غير ضروريةٍ أثناء تناول وجبة العَشاء، فقد تقعُ لاحقاً في خطرِ الشّراهة في استهلاكِ المُتَع اليوميّة؛ لأنّ شُرودَ الذّهن قد يتسبّب في تقليص شعورك بالمتعة.

بحثَتْ الدّراسة في كيفيّة تأثير شرود الذّهن في “الاستهلاك اللّذي” أو في شراء واستخدام المُنتجات والخدمات؛ ذلك لأنّها تَهبُنا شُعوراً بالارتياح وليس بالضرورة لأنّنا نحتاج تلك الأشياء.

قال المؤلّفْ ورئيسُ الدّراسة، ستيفن لي مورفي، الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة جينت: ” قد يحظى الإنسان بلذّة كبرى بواحدة أو أكثر من تلك المُتَع اليوميّة في أيّ يوم، لكنَّ عامّةَ الناس يستهلكون سِلَعاً ذات مُتع حسيّة، أكثرَ ممّا يرغبون أو يستفيدون”.

ويرى د.مورفي، أنّ شُرودَ الذّهن قد يكون أحد الأسباب للإفراط في الاستهلاك. تُشيرُ الأبحاث إلى أنّ شرود أذهان الناس عند انخراطِهم في عملٍ مُمتع، سيمنحُهم قدْراً أقلّ من الشعور بالمُتعة، في حين أنّ مُتعتهم ستكون أكبر لو كانوا متيقّظي الذّهن. ويُمكنُ أن يؤدي ذلك التّشتُّت إلى مشاعرِ السّخَط والاستياء، وقد يدفعُ الناس أيضاً للإفراط في الاستهلاك؛ تعويضاً عن تِلك المُتعة النّاقصة.

وقد نُشرت هذه الدّراسة في مجلّة “الشّخصيّة وعلم النّفس الاجتماعي”.                              

لفَهمِ تأثير التّشتّت في الإستهلاك المُفرِط بدرجة أكبر، فقد أجرى الباحثون في البداية تجربةً شملت 122 مشاركاً (معظمهم من الإناث وتتراوح أعمارهم إجمالاً بين 18 و24 عامًا) وقد أُبلِغُوا أنّ يتوقّعوا مِقدار المتعة التي سوف يحظون بها، قبل أن يأكلوا وجبة الغداء. بعد ذلك، طُلب منهم أن يتناولوا غدائهم، ولكن ضِمن تلك الشروط الثّلاثة: الأكل مع عدم وجود عُنصر تشتيت، أوالأكل مع وجود عُنصر تشتيت مُتوسّط الشدّة (مشاهدة مقطع فيديو)، أو الأكل مع وجود عُنصر تشتيت عالي الشّدة (لعبة تَتريس1). وبعد انتهاء المشاركين من تناول وجبة الغداء، أبلَغوا أصحابَ الدّراسة بمِقدار استمتاعهم الفعلي ورضاهم بالطّعام، بل ورغبتِهم بمزيدٍ من اللّذة والكمّية من الطعام الذي أكلوه.

 (Tetris)1- لعبة فيديو روسيّة، لصفّ القِطع مربّعة الشكل.

 تَتريس.  (بالإنجليزية: Tetris)‏؛ و(بالروسية: Тетрис)هي لعبة فيديو من نوع الألغاز

توجد اللعبة تقريبا على كل أجهزة الألعاب وأنظمة تشغيل الحواسيب ( المصدر: ويكيبيديا)

وبعد ذلك، طلَبَ أصحابُ الدراسة من المشاركين، في نفس اليوم، أن يقدّموا تقريراً أثناء تناول وجباتِهم الخفيفة، تماماً كما فعلوا أثناء تجربة وجبة الغداء الرئيسية. أفاد المشاركون الذين أكلوا الغداء أثناء التّشتّت، بأنّهم شعروا بمتعة ورضا أقل قدرا، وارتبَط ذلك باستهلاك وجبات خفيفة بكَثرةٍ بعد تناوُلِهم وجبة الغداء، إضافةً إلى رغبتهِم المُشتعلة لإشباعِ مشاعِر اللّذة إلى أقصى حد.

ويعتقد الباحثون أنّ هذا التّأثير المُشار إليه، والذي يُطلقون عليه  مصطلح “التّعويض اللّذي”، لا يقتصرُ على تناول الطعام فحسب، بل ينطوي على أنشطة أخرى. فمثلاً، من يتشتّتُ أثناء مشاهدةِ فيلم ما أو ممارسة لعبة ما، قد يُصبح أكثرَ عُرضةً للإنخراطِ في نشاط إضافي (مثلَ استعمالِ تطبيقاتِ التواصل الإجتماعي) ليُعوّضَ عن مُتعتِه التي نقَصَتْ من نشاطِه الرئيسي.

واصلَ الباحثون أيضًا متابعة 220 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 18 و71 عامًا (أكثرهم من الإناث أيضاً) لمدة أسبوع؛ للبحثِ في هذا التّأثير الأكثر شمولا، إلى ما هو أبعد من قضية تناول الطّعام فحسب. قام المشاركون في هذه الفترة بتعبئة سبعة استبيانات قصيرة، في كل يوم، عبر هواتفهم الذكية فيما يتعلق باستِهلاكهم اللّذي، وتشتيتِ انتباهِهِم، ومدى رِضاهُم. وإضافةً إلى النّتيجة السابقة في تجربة تناول الطّعام، فإنّ الباحثين قد استنتَجوا أنّ الأشخاص المُشتّتين أثناء الاستهلاك، غالباً ما يشعُرونَ بمتعةٍ أقلّ عند استهلاكِهِم، خلافا لما كانوا يأمَلون، وشعروا كذلك برِضاً أقل وبِحاجَةٍ مُلحّةٍ للحصول على المزيدِ من مشاعر المُتعة واللّذة.

وقال د.مورفي: “إنّ الإفراط في استهلاك الأشياء، غالبا ما ينشأ نتيجةً لضعفِ السّيطرة على شهوات النّفس، بيدَ أنّ نتائج الدراسة أشارت إلى أنّ الإفراط في الاستهلاك قد ينشأ بسبب النّزعة البشرية للوصول إلى درجة مُعيّنة من المتعة في ممارسة عملٍ ما. وعندما يغدو التّشتُّت عائقاً في بلوغ تلك الدّرجة من المتعة، فغالباً سنسعى للتّعويضِ عنها من خلال استهلاك المزيدِ من الأشياء”.

يعتزم مورفي وزملاؤه إجراء العديد من الأبحاث؛ للوصول لنتائج متكرّرة، تؤكّدُ على وجود تأثير التّعويض اللّذّي عند الناس. وإذا أكّدَتْ أبحاثٌ أخرى ذلك التأثير، فإنّ فريق البحث سيُطبّق تدخّلات علاجية على الناس لمساعدتهم في التّركيز بدرجة أكبر عندما يستهلِكون الأشياء؛ وذلك لمحاولة تقليل احتمالية الإفراط في الاستهلاك.        وقال مورفي: “من خلال فهم المسبّبات الرئيسية للإفراط في الاستهلاك اللّذي، يمكننا وضع استراتيجيات تساعد في الحد من نشوئِه”.

المقال: المُتع المُخيّبة للآمال: نحو تفسير ذاتيّ التّنظيم للإفراط في التّعويض اللّذي والإفراط في الاستهلاك، بقلم د.ستيفين لي مورفي، جامعة جينيت، ود.فلور فان مير، ود.لوتي فان ديلين، ود.هينك فان ستينبيرجين، جامعة لايدن، ود.ويلهلم فوفمان، جامعة رور روكوم. مجلة الشّخصية وعلم النّفس الاجتماعي، نُشرت على الإنترنت في 16 مايو 2024.                                                                                     

 

رابط المصدر:

https://www.apa.org/news/press/releases/2024/05/why-do-we-overindulge

 

إعصار الحياة رحلة طبيب بين القيود والإبداع في غرفة الطوارئ

“إعصار الحياة: رحلة طبيب بين القيود والإبداع في غرفة الطوارئ”

يشاركنا جي باروخ خمسة أفكار من كتابه إعصار الحياة

1. الناس هم قصصهم، وليسوا بيانات بوجوه.

في منطقة الكوارث السردية داخل غرفة الطوارئ، تركيزي الأساسي هو التأكد من أن القصة التي يرويها المريض هي نفسها التي أسمعها. ففي بيئة سريعة الإيقاع ومليئة بالتحديات والقيود، من السهل أن يُختزل الإنسان إلى ملف طبي. لكن كل مريض يستحق أن يُسمَع صوته.

المريض يواجه مهمة صعبة: أن يصيغ قصة شخصية عميقة ويثق بطبيبٍ لم يلتقِ به من قبل. ولا يمكنني أن أعتني بمرضاي إن لم أعتنِ بقصصهم الفريدة.

وصفت الباحثة السردية كاثرين مونتغمري هذا التحدي بعبارة بليغة:

“الأطباء يسعون إلى إتقان خرائط المرض، لكن كل مريض، وكل حالة مرض، هي أرض مجهولة.”

في الطب، تساعد الأدلة البحثية على اتخاذ القرارات، لكن الوصول إلى جوهر معاناة المريض أو حاجاته يتطلب الإصغاء لأعراضه الظاهرة والانتباه أيضًا لأعبائه الاجتماعية والنفسية غير المرئية.

القصص العظيمة تتمحور حول شخصيات مثيرة، ذات رغبات وتوقعات، تواجه عوائق ومشكلات. والمريض هو الكاتب والبطل في قصة عميقة عن معنى الحياة. وغالبًا ما تتعقد مشكلات الجسد بسبب مشكلات أخرى: كالعلاقات، والمال، والصحة النفسية، والإدمان، والوحدة.

قال عالم النفس جيروم برونر:

“السرد هو دعوة للبحث عن المشكلة، لا درس في حلّها. إنه معنيّ بالمحنة، بالطريق أكثر من الغاية التي تؤدي إليها.”

وقد يقودني هذا الطريق إلى أراضٍ غير معروفة، لكن على الطبيب أن يكون مستعدًا للسير فيها.

فالأصل اللغوي لكلمة طوارئ يعود إلى اللاتينية ويعني ما يُجلب إلى الضوء.

كل مريض يأتي إلى الطوارئ لأسباب مختلفة، لكن لدى كل واحد منهم قصة تحتاج لأن تُروى.

2. الشكّ هو حليفنا.

الشكّ حاضر في كل تفاصيل الطب، من التشخيص إلى التواصل.

لكنّ الشعور بعدم اليقين ليس مريحًا، وللتخلص منه نسعى إلى جمع مزيد من البيانات، أي إلى مزيد من الفحوص. لكنني تعلمت من مريضتي جيل ل. أن كثرة البيانات لا تعني بالضرورة زيادة اليقين.

“إذا لم نرحّب بالشك، سنضيّق نوع المشكلات التي نبحث عنها، ونحصر ما نصغي إليه، ونُعلي فقط من شأن ما يدعم أفكارنا المسبقة.”

جاءت جيل ل. في ليلة سبت تشكو من ألم في الصدر وضيق في التنفس، فبحثت عن علامات نوبة قلبية أو جلطة رئوية. كنت طبيبًا شابًا، مجتهدًا، مهذبًا، لكن خيالي محدود. ركزت على “ما هو المرض؟” دون أن أسأل “لماذا جاءت حقًا؟”

وفي النهاية أخبرتني أنها ضحية عنف أسري، وأنها تلك الليلة بلغت حدّ الانهيار ولم تجد ملاذًا سوى غرفة الطوارئ.

تُظهر الدراسات أن الأطباء الذين لا يحتملون الشكّ يفرطون في الفحوص، ويتجنبون الاعتراف بعدم اليقين أمام مرضاهم، ما يسبب لهم ضيقًا نفسيًا.

قال الشاعر مارك دوتي:

“ليس من السهل تذكّر أن الشكّ، في أي عملية بحث، هو حليفنا.”

التصالح مع الشكّ يعني تغيير علاقتنا به: لا يجب تجاهله أو إنكاره أو حصر التفكير في أسئلة ذات إجابات جاهزة. علينا أن نستفيد من الشكّ كمؤشر يدعونا للتعمق أكثر.

 

3. علاج الشكّ هو “اللا-معرفة”.

التعايش مع الشكّ يتعزز بقبول قيمة “اللا-معرفة”. استعرت هذه الفكرة من الكاتب دونالد بارتلم في مقاله الشهير “اللا-معرفة”، حيث وصف الكتابة والفنون بوصفها عملية مواجهةٍ مع ما لا نعرفه.

المشكلات أساسية لفكرة اللا-معرفة، فبدون مشكلات لا يكون هناك إبداع.

لكن في الطب، يُكافأ الطبيب على امتلاكه الإجابات، لا على اعترافه بجهله.

ولذا تصبح اللا-معرفة عضلة تحتاج تدريبًا مستمرًا كي لا تضعف.

نحن من نختار المعلومات التي نراها، لا العكس.

فلماذا ركزتُ مثلًا على ألم الصدر وضيق التنفس في قصة جيل ل. وتجاهلتُ تفاصيل أخرى؟

عندما علِقتُ في التفكير، شعرت بالإحباط. في الطب، الوقوع في “الجمود” يُعدّ فشلًا، لكن في منطق اللا-معرفة هو فرصة للتفكير المختلف.

“التعايش مع الشكّ واللا-معرفة صعب في بيئة تكافئ من يملك الإجابات، لا من يملك الشجاعة للاعتراف بعدمها.”

اللحظة التي ندرك فيها أن شيئًا ما غير صحيح، هي لحظة نحتاج فيها إلى تغيير زاوية الرؤية.

عندما أشعر بالارتباك في قصة أكتبها، أتعلم أن أتراجع وأسأل:

كيف وصلت إلى هنا؟ وأين مكمن التوتر؟ وماذا أجهل؟

هذه الأسئلة هي مدخل لإعادة التفكير، شرط أن تتبناها بيئة عمل تشجع على مواجهة المشكلات لا إخفائها.

 

4. أفضل علاج لن ينجح مع القصة الخاطئة.

بصفتي طبيب طوارئ، فأنا مستمع محترف لقصص يرويها أناس مضغوطون في لحظات صعبة.

لكن القصص التي نسمعها ليست دائمًا مكتملة أو دقيقة؛ إنها غالبًا مسودات أولى. وكثير من الإخفاقات الطبية أو التواصلية سببها ببساطة أننا فهمنا القصة خطأ.

تخيل أنك مريض: خائف، متعب، تحاول أن تُفهم الطبيب ما تشعر به…

ليس من السهل صياغة تجربة مؤلمة أو محرجة ومشاركتها مع غريب.

الكتابة تجعلنا ننتبه ليس فقط لما يُقال، بل لما لا يُقال — لتلك الصمتات والت evasions التي تخفي ما هو أهم.

كما قالت آنا ديفير سميث:

“يمكننا أن نتعلم الكثير عن شخصٍ ما في اللحظة التي تخونه فيها اللغة.”

أدمغتنا تميل إلى ملء الفجوات بحثًا عن التناسق السردي، فننسج من بيانات ناقصة قصة متكاملة — لكنها ليست بالضرورة القصة الحقيقية.

الطب الحديث، بانبهاره بالتكنولوجيا، ينسى قوة القصة.

لكن التكنولوجيا لا تُخبرنا متى يكون سؤالنا خاطئًا أو تفكيرنا منحرفًا.

وأفضل علاج في العالم لن يجدي إذا استند إلى القصة الخطأ.

5. طريقة استجابتنا للقيود تكشف الكثير عنا.

قال لي أستاذ طب مرموق بعد محاضرة ألقيتها في جامعته:

“أنت طبيب طوارئ، لا وقت لديك لسماع القصص.”

وكان محقًا من ناحية: فهناك قيود حقيقية — الوقت، الانقطاعات، نقص المعلومات، الزحام، والإرهاق النفسي.

وهناك قيود خفية أيضًا: تراجع التعاطف، وضغط نظام صحي يبدو أحيانًا وكأنه نسي أن المرضى هم الأساس.

لكنني أجبته: هذه القيود بالذات سبب يدعونا لاستخدام كل الأدوات الممكنة، بما فيها القصص.

فالقصص تكشف كيف يتعامل الناس مع العقبات في حياتهم، كيف ينهزمون أو يتغلبون عليها، وكيف يشقّون طريقهم في عالمنا المشترك.

“القصص نوافذ للتفاعل الاجتماعي، تُوصلنا عاطفيًا بتجربة الآخر.”

لقد أظهرت الجائحة أن الاستعداد الحقيقي يتطلب المرونة والإبداع، والرغبة في فهم تجارب الآخرين غير المألوفة.

وهذا لا يحدث إلا إذا اعترفنا بقيود تفكيرنا نحن أولًا.

يجب أن نخفض دفاعاتنا، ونتسلح بالشجاعة، وندعو الآخرين إلى عالمنا — ولو بخطوات صغيرة.

وعندما يفتح الآخرون بابهم قليلًا، علينا أن نملك الشجاعة للاقتراب أيضًا.

طريقة استجابتنا للقيود تكشف من نحن حقًا.

بعد ثلاثة عقود من عملي كطبيب ومُنصتٍ محترف، أدركت أن أهم ما في الأمر هو التواضع.

فهمُ إنسانٍ آخر ليس أمرًا سهلًا، لكنه ممكن وضروري.

قد لا نكون مثاليين، لكن مجرد المحاولة تصنع فرقًا.

 

ملاحظة:

جاي باروخ هو طبيب طوارئ ممارس وأستاذ طب الطوارئ في كلية الطب “ألبرت” بجامعة براون، حيث يشرف على برنامج العلوم الإنسانية الطبية والأخلاقيات الحيوية.

“الطاووس” لنيقولاي ليسكوف.. تشريح للتمزق الأخلاقي عند البشر.. قراءة: زينب محمد عبدالحميد

تدور أحداث رواية “الطاووس” لنيقولاي ليسكوف في فضاء اجتماعي مرصود بدقة، حيث تتقاطع البنية الطبقية القاسية، لتواجه نُبلًا مستترًا تحت قشرة خشنة. وتبرز الشخصية الأساسية بافلين كأحد النماذج الإنسانية الهامة التي صاغها ليسكوف، إذ يجمع الرجل بين آثار العبودية القديمة وبين محاولة يائسة لبناء كرامته الخاصة من خلال الطاعة والصرامة؛ ليرى في العدالة التي يحققها بيده رحمة للفقراء من بطش غيره من الظالمين.

في مستهل الرواية يُقدَّم بافلين بصفته الذراع الأيمن لصاحبة منزل قاسية لا تتردد في إيذاء مستأجريها بإزالة نوافذهم في عزّ الشتاء إن تأخروا في دفع الإيجار. ينفّذ بافلين هذه الأوامر الوحشية بدقةٍ، رغم احتقاره لسيدته. هُنا يصوغ ليسكوف شخصية تعاني نوعًا من الانقسام الداخلي بين ما يُملى عليها وما تُضمره في تمزق يتجلى في السلوك المزدوج لبافلين؛ فهو مخيف بوصفه تابعًا، لكنّه رحيم بوصفه إنسانًا.

يتبدّى الوجه الآخر لبافلين حين تشهد له الخالة أولجا بالصلاح؛ إذ تجد خلف صرامته شهامة لم تتوقعها، ثم تتأكد هذه الشهامة حين يشفق على فتاةٍ يتيمة صغيرة تدعى لوبا، ويربيها كابنة له. وتظهر ملامح تدبيره العقلاني حين يخطط لمستقبلها عبر تعليمها العمل اليدوي. لكن عالمه وتجربته يظهران انغلاقًا وخوفًا من العالم الأكبر، وتتجلى رؤيته هذه حين يجد أنه من المناسب للوبا أن توجز في تعليمها ثم تعمل بحرفة بسيطة. وهذا ما فعله حين تجنب أي محاولة لمجادلة واقعه واختار “حدودًا” تبدو ذات سلطة إلا أنها في النهاية تشي بتبعيته الكاملة لصاحبة المنزل.

يأخذنا ليسكوف إلى منعطف جديد حيث الرؤية الدونية المهيمنة على فكر بعض أفراد الطبقات المتشبثة بصورتها الاجتماعية الواهنة؛ فصاحبة المنزل تستخدم لوبا وتزج بها في طريق ابنها الطائش لتغدو عشيقته بدلًا من أن يبدّد أمواله على المومسات؛ إذ أن لوبا ستكون خيارًا اقتصاديًا “أقل تكلفة”. هنا يتحرك العمل نحو منطقة تهتك فيها الأخلاقيات، ويتلاشى الحدّ الفاصل بين الرعاية والاستغلال.

تنمو لوبا وتنجذب إلى صاحبة المنزل وابنها، وتزداد ازدراءً لمحسنها الفقير الذي ينفق كل مدخراته على متطلباتها. يمكن القول إن لوبا لم تر في بافلين زوجًا، لكن توهم النضج يجعلها تحاول السيطرة على زوجها /البواب بإهلاكه بمتطلبات زينتها. وفي هذا الفعل تحديدًا يضعنا ليسكوف أمام تباين آخر غير التباين الطبقي؛ إذ يصبح تطلع لوبا وخنوع بافلين شاهدًا على تحولات العصر ومغرياته.

تبلغ المأساة ذروتها حين يُرسل دوديا عشيق لوبا إلى المنفى بعد تورطه في سرقة بسيطة. وهنا تكشف الرواية عن قوة التحوّل الداخلي في بافلين، فالرجل الذي تزوج لوبا ليمنحها الحماية، يجد نفسه أمام حبّها القاطع لرجل آخر. وبدلًا من القسوة، يعمد إلى مسار أخلاقي غير متوقع، فيفكّر في ملاحقة دوديا وإجباره على الزواج من لوبا، ثم يعلن موته بطريقة رمزية ليفسح المجال لهما كي يعيشا تحت حماية قانونية جديدة. هذا الفعل يحوّل بافلين من مجرد تابع لسيدة المنزل إلى كائن يملك قدرة على التضحية، وإن كانت تضحيةً تُفكّك جذور وجوده نفسه.

هكذا تُغلق الرواية على معنى مركب يتجاوز حدود الحكاية؛ فالإنسان ليس محكومًا بماضيه الطبقي، ولا بملامحه الأولى، ولا بالاسم الذي يولد به. إنما يُعاد صنعه كلما اختبر ألمًا يُعيد ترتيب وعيه

تمثل لحظة تحوّل بافلين انكسارًا للقشرة الرمزية للاسم الأول، إذ يتحول اسم بافلين والذي يحمل معنى مباشر وهو “الطاووس” من كونه علامة على الزينة والمظهر الخارجي إلى عبء يُذكّر بالتناقض بين ما يبدو عليه الرجل وبين جوهره الحقيقي. وبافلين بموته الرمزي وتغيير اسمه، يختار الولادة الثانية. يغيّر بافلين اسمه إلى سبيريدون، وهو اسم يحمل في التقليد القديم دلالة الحماية الروحية والرفق. فالاسم الجديد ليس قناعًا رمزيًا، بل شهادة ولادة جديدة. وفي التقليد الأرثوذكسي الروسي، يمثل تغيير الاسم (خاصة في الرهبنة) انتقالًا رمزيًا من الهوية الاجتماعية إلى الهوية الروحية، وهو إعلان عن التخلي عن سُلطة العالم والانخراط في عهد الضمير والتوبة. ويتوافق هذا مع ما اختاره سبيريدون/ بافلين وتحول طبيعته الأخلاقية اللاحقة حين يتوارى عن الأنظار، ويرسل المال إلى لوبا من دون أن يطالب بحقّ أو يُذكّر بجميل.

أما لوبا نفسها، فتنتهي إلى مصير يعبّر عن انكسار داخلي، إذ يصبح دوديا – الذي زُيّفت وفاة بافلين من أجله – زوجًا بائسًا لا يمنحها سوى الخيبة. وبعد سلسلة من الفواجع تنتهي بموت دوديا، تقرر لوبا التحول جذريًا هي الأخرى، كما لو أنها الآن صارت بمعنى جديد ربيبة بافلين أو لنقل ربيبة حقيقية لسبيريدون الذي راح يدعم داخلها فكرة التسامح. تختار السيدة الرهبنة وهو قرار يقرؤه ليسكوف ضمن سياق التطهر عبر الألم. وفي هذا الإطار، تتخذ نهاية لوبا معنىً تراجيديًا، إذ تختار الانعزال الروحي بعد أن فشلت في معرفة قيمة من أحبّها واحتضنها.

إن قراءة تحوّل الاسم من بافلين إلى سبيريدون لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي للشخصية. فالرجل الذي عاش تابعًا لامرأة شرسة، والذي ورث عن العبودية القديمة خوف الطاعة، ينجح عبر تجربته في إعادة اختراع ذاته. تتحول الطاعة إلى رحمة، وتتحول السطوة الشكلية (الطاووس) إلى محبة صامتة تُشبه قداسة البسطاء في التراث الروسي. يختفي سبيريدون ليمنح الآخرين طريقًا، ويترك اسمه الأول خلفه كما يترك الإنسان جلده القديم.

هكذا تُغلق الرواية على معنى مركب يتجاوز حدود الحكاية؛ فالإنسان ليس محكومًا بماضيه الطبقي، ولا بملامحه الأولى، ولا بالاسم الذي يولد به. إنما يُعاد صنعه كلما اختبر ألمًا يُعيد ترتيب وعيه. ولعلّ هذا ما قصده شستوف في فلسفته عن التحول الوجودي، التي ترى أن الإنسان يمر بولادتين؛ مرة في عالم التجربة الحسية، وأخرى في ضميره الذي ينقذه من قيود هذا العالم. وهذا ما فعله بافلين/سبيريدون تمامًا.

من الجدير الإشارة إلى أن نيقولاي ليسكوف، من الشخصيات المثيرة في تاريخ الأدب الروسي الكلاسيكي، فقد أُلصِقت به تهمة باطلة في بداية نشاطه الأدبي عن تحريض السلطات ضد المعارضين، ما جعل دوائر الليبراليين والناشرين يضعون العراقيل في طريقه الأدبي. أفضت أيضًا استقلاليته الفكرية إلى أن يُرفض من دوائر السلطة والمعارضة على السواء، الأمر الذي عطّل شهرته الأدبية لبعض الوقت إلى أن فرضت جودة أعماله المتنوعة والقيّمة احترام القراء والنقاد، وقد وُصِف بأنه أصدق تعبير عن الروح الروسية في زمانه.

تُرجمت مؤخرًا أعمال عديدة له إلى العربية بترجمة يوسف نبيل ومنها (الطاووس – على حافة العالم – رجال الرب – السيدة ماكبث من مقاطعة متسينسك – طيور الليل – المحاربة)، ما شكل فرصة للاطلاع على علم روسي كلاسيكي خلاف الأسماء المعروفة في عالمنا العربي.

هل ما زال لنا أن نقرأ ترولوب؟ .. ترجمة : زينب بني سعد

لويز وينبرغ “هل ما زال لنا أن نقرأ ترولوب؟”

في صحبة ترولوب من جديد

ترجمة : زينب بني سعد

شرعتُ القراءة لترولوب من جديد، فإذا بي أجد نفسي مضطرًة للدفاع عنه، ومعه عن نفسي أيضًا. حتى أصدقائي الذين يقرأونه يشاركونني هذا الحذر الغامض، كأنّ في قراءته شيئًا يستدعي التبرير. أمّا أولئك الذين لم يطرقوا عالمه بعد، فينظرون إلينا بدهشةٍ رقيقة، متسائلين: ما الذي يدفعنا إلى القراءة له؟. ذلك السؤال الأول – هل ما زال لنا أن نقرأ ترولوب؟- يبدو، كما يعلم الجميع، أنه نشأ لأن ترولوب نفسه، نسف سمعته بيده في سيرته الذاتية. تلك العادات المنظَّمة في العمل! وتلك الأرباح المدوّنة بدقّة، حتى آخر شلن وبنس! لقد جعل من نفسه، في نظر الفيكتوريين، كاتبًا تجاريًا مأجورًا من كتّاب “شارع گراب” اللندنيّ.

لكننا اليوم تجاوزنا تلك الأوهام الرومانسية التي حملها الفيكتوريون، إذ ظنّوا أن السمة الحقيقية للحياة الفنية هي الفوضى والطيش البوهيمي. في المقابل، أصدرت دار نشر جامعة أكسفورد مؤخرًا، طبعات فاخرة جديدة من روايات باريستشاير والبرلمانيات، إلى جانب نسخٍ أنيقة بغلافٍ ورقي لتلك الأعمال وغيرها من مؤلفات ترولوب. لا شك أن هناك من يشتريها. تتدفّق اليوم سيرٌ ذاتية جديدة عن ترولوب من كل صوب. ومع ذلك – كما كان ترولوب نفسه يحب أن يفتتح جمله بعبارة “ومع ذلك” أو حتى “لكن مع ذلك” – ثمة خللٌ عميق ما يزال يعتري سمعته إلى هذا اليوم. فهناكَ قرّاء لا يكتفون بعدم القراءة لترولوب، بل يرفضون قراءته رفضًا قاطعًا. وأكثر من يصرّ على ذلك هم الإنكليز أنفسهم. ففي نظرهم، لا يقرأ ترولوب إلا أناسٌ “فظيعون” – وأكاد أراهم في خيالي عمّاتًا عزباوات وضبّاطًا متقاعدين. أظنّ أن شعورهم هذا نابع من أن ترولوب، في مخيّلتهم الثقافية، كاتبًا من “الطبقة الوسطى” ثقافيًّا. ويُدرَج في هذا التصنيف مع غيلبرت وسوليفان، اللذين لا يجمعهما به شيء سوى روعتهما التي لا يُقدّرها الناس حقّ قدرها. والمفارقة أن هذا الكاتب الإنكليزي الصميم، بات ذوقًا أمريكيًا خالصًا. فمهما كان أولئك “الناس الفظيعون” الذين يقرؤون ترولوب، فنحن الأمريكيين قد انضممنا إليهم. ولأكون صريحة، أظن أننا نحن بالفعل، أولئك الناس الفظيعون. ناقشتُ كل هذا في لندن مع شابة تعمل في مجال النشر، قالت لي:

“انظري، إنَّ ترولوب بمثابة ديكنز من الدرجة الثانية. وإن كنا نريد هذا النوع من الأدب، لقرأنا الأصل، شكرًا جزيلًا.”

وأطلق رفاقها تلك الهمهمات الإنكليزية القصيرة التي تعبّر عن الموافقة. ثم أضافت:

“وعلى أي حال، قد سئم الجميع من ديكنز أصلًا.”

لا أدري لِمَ قرنت تلك الشابة بين ترولوب وديكنز. ربما كانت تقصد أن ديكنز كاتب “من الطبقة الوسطى” هو الآخر، أو لعلها – كما يفعل الذين لم يقرأوا ترولوب عادة – كانت تفكر في ميله إلى اختيار أسماءٍ ذات دلالات لافتة وشبه ساخرة. لكنّ الجمع بين ترولوب وديكنز خطأٌ بيّن، ليس فقط لأن أشخاصًا مثلي لا يمكن أن يفكروا أصلًا في مشروعٍ لإعادة قراءة ديكنز (فنحن، مثل صديقتي الإنكليزية، قد سئمنا من ديكنز). بل لأن الكاتبين في الجوهر لا يجمعهما الكثير. ديكنز، في نهاية المطاف، كان صاحب رسالة اجتماعية إصلاحية، يسعى إلى تليين قسوة قلوبنا تجاه من يُسمَّون اليوم بـ “المشرّدين” أو “الطبقة الدنيا” أو “العمال الفقراء”.  كان يريد أن نرى كم يمكن لأولئك الناس، المتّسخي الثياب، أن يكونوا محبوبين في حقيقتهم، وكم قد تبدو عيوبهم المنفرة جذّابة، حين نراها بعين التعاطف، وكم يمكن للطبقة الوسطى ومؤسّساتها أن تكون قاسية على النساء والأطفال الضعفاء الذين لا يملكون سوى هشاشتهم. أما ترولوب، فلم يكن معنيًّا بشيءٍ من هذا كله. بل كان في ردٍّ صريحٍ على ديكنز – الذي سمّاه هو نفسه “السيد عاطفة” – حين أعلن في روايته “راعي المأوى” أن شخصياته ستكون في آنٍ واحدٍ، محبّبةً وأنانية، جذّابةً وفاسدة، مثل الناس في الحياة الواقعية تمامًا. وبطبيعة الحال، يعترف ترولوب في الموضع نفسه – وبصراحةٍ لا تخلو من المودّة – بأنه يُحب ديكنز. فهو يُبدي إعجابًا مدهشًا بشخصيات ديكنز الثانوية، التي “تحيا؛ نعم، تحيا، وستظل تحيا”، حتى يغدو اسم الممرّضة في الذاكرة الشعبية مرادفًا لـ السيدة غامب نفسها. ولا شك أن ديكنز، من حينٍ إلى آخر، يتجاوز برنامجه الأخلاقي والاجتماعي المرسوم، ولا سيما في روائع مثل “آمال عظيمة”. لكن ترولوب لم يكن يمتلك ذلك البريق العبقري الآسر الذي مكّن ديكنز من أن يمنحنا شخصيات مثل مس هاڤيشام وإستيلا. فهاتان الشخصيتان، رغم خلودهما الأدبي، تَبدوان في نظر ترولوب شديدتي الإغراب، مبالغتين في سطوعهما، بحيث لا يمكن أن يولدهما خياله الواقعيّ الهادئ. لم يكن ترولوب يمتلك ذلك الوهج المسرحي الذي يلمع في أعمال ديكنز. أما صديقتي الإنكليزية، التي وصفت ترولوب بالعبارة القاتلة: كاتب من الدرجة الثانية، فقد كانت تعبّر بذلك عن الشعور السائد بأن ترولوب لا يمثل شيء من “الأدب” بالمعنى الرفيع للكلمة، وأن أدبه ليس “فنًّا عظيمًا”. فهو، وإن كان فريدًا في قدرته على الإمتاع، يبدو – في نظرهم – خفيف الوزن بعض الشيء، يفتقر إلى الجلال والسمو. أظنّ أن هنري جيمس، وهو كاتبي المفضّل الآخر، قال يومًا عن توماس هاردي بإنه – ومهما كانت عيوبه – كان قادرًا على أن يلمس الوتر التراجيدي ويضبط نغمة المأساة. أما ترولوب، فلم يلمس ذلك الوتر قط. إذ وصفه جيمس بأنه “سيّد العاديّ”. ومع ذلك، لا يعني هذا أن صفحات ترولوب تخلو تمامًا من العتمة أو المأساة؛ فحين نفكّر في نهاية ملموت في رواية “العالم الذي نحيا به اليوم” أو في الخراب الكامل الذي أصاب حياة السيدة لورا في روايات “ڤينياس فين”، ندرك أن ظلال الألم والحسرة تتسرّب إلى عالمه بين حينٍ وآخر.

وهناك أيضًا، زلات تثير القلق وتحبس الأنفاس: الوثيقة المزورة في رواية “العالم الذي نحيا به اليوم”، والوصية المزورة في “مزرعة أورلي”،  أو “ماسات ليزي يوستاس” المسروقة. ومع ذلك، فإن هذه الظلال لا تبدو إلا وكأنها تتساقط برفق تحت عين ترولوب الهادئة المتعاطفة، فهو ليس من أولئك الذين يغوصون في المأساة الكبرى. والأمر الطريف أنني لست متأكدة مما إذا كان هنري جيمس نفسه قد نجح يومًا في مسّ الوتر التراجيدي. إذ يشترك ترولوب وجيمس في مساحة واسعة من الاهتمامات. ولا أعني بذلك فقط أن كلا الكاتبين منشغل بمخاطر العالم الخارجي على الناس العزلاء: فعند ترولوب، التهديد يأتي من الجديد في العالم؛ أما عند جيمس، فيأتي من القديم. بل إن ثمة مادة متطابقة بشكل يثير الدهشة تجذبهما: فكلاهما يعرف كيف يحوّل شخصية المغامرة القارية الزائرة وأخيها الفنان البوهيمي إلى مادة سردية شيقة – جيمس في روايته “الأوروبيون” وترولوب في جزء من “أبراج باريستشاير” – وقد سبق ترولوب جيمس في هذا الأسلوب بحوالي عشرين عامًا. لكن الأهم، والأعظم، ما يمنحه هذان الكاتبان المختلفان في طبيعتهما للقراء، هو رفيق السرد الحميم. هذا الرفيق شخصية ممتعة إلى أقصى حد: رشيق، مصقول، ومطّلع على العالم، وفي الوقت نفسه ودي، وفضولي، وثرثار. وهذا الرفيق يعرف كيف يضبط نغمة الفكاهة بطريقة بديعة. لكن كتب ترولوب، على عكس كتب جيمس، لا تتجه نحو ذروة الألم العاطفي بين الشخصيات، ولا نحو كشف مثير للريبة. فجيمس يمتلك عنصر الجلال، حتى دون أن يلمس الوتر التراجيدي، وحتى إذا تجاهلنا نظرياته الجمالية وأسلوبه المترف في الكتابة. وليس من المستغرب أن يقطع الناس الطريق، للحج إلى منزل جيمس في راي وينادوه بـ “المعلم”. لكن ما من أحد قد يتصرف بالمثل تجاه ترولوب؛ فهو يفتقر إلى كل ما في جيمس من غموض وسحر.

على أي حال، لعل كل هذا مجرد تفاصيل جانبية. فأنا بدأت أشك في أن السبب الحقيقي وراء اعتبار قراءة ترولوب أمرًا “غير مقبولٍ أو لائق” في عصرنا الحالي، يكمن في أنه ليس متوافقًا مع المقاييس السياسية الحديثة. أليسَ الحضور الأكثر هيمنة في أعمال ترولوب، والذي يطل على صفحات رواياته جميعها تقريبًا، هو شخصية النبيل الإنكليزي؟ فسؤال “ما هو النبيل الإنكليزي؟” يلهب تفكير ترولوب بلا انقطاع، وشخصياته لا تستطيع الوفاء بهذا المثل إلا بشكل ناقص في ألف موضع. ولا أحد يرغب في أن يُرى وهو يقرأ مثل هذا الأدب بدافع الفضول البريء. قد لا ترغب صديقتي الإنكليزية الشابة في أن يُكتشف أنها تقرأ كتابًا من كتب ترولوب أكثر مما ترغب أن يُكتشف أنها تقرأ كتابًا عن آداب السلوك. والأمر الأكثر إحراجًا، هو أن ترولوب نفسه، موظف مدني – موظف في مكتب البريد تحديدًا – منشغل بتفاصيل النبلاء والدوقات بطريقة قد تبدو سخيفة اليوم. كيف لنا نحن المؤمنين بالمساواة والمتفائلين، أن نعترف بانجذابنا لأيٍّ من هذا الفضول؟ وما لا يُطاق حقيقةً، هو أن ترولوب دائمًا ما يتحدث عن العرق والنسب والدم والتنشئة الاجتماعية، وكأنها محور الكون بأسره.

إنَّ ترولوب في الحقيقة، معقد للغاية بحيث لا يمكن لأسباب سطحية أن تنفرنا منه. فهو، أولًا وقبل كل شيء، ليبراليّ بالمعنى الحقيقي، وليس مجرد ليبراليّ من الطراز التقليدي. ففي “راعي المأوى”، كان راتب السيد هاردينغ محدّد وفق ما أقرّه التقليد، لكنه يظل عاجزًا عن تبريره لنفسه، لأنه يُستمد من صندوق مخصص لفائدة أولئك الذين تحت رعايته. يدرك ترولوب جوهر الأمور حين يكون الاعتياد محل شك، ويرى أن بعض الأحكام الإنكليزية المسبقة، أو السياسات الثابتة، قد تكون سيئة أو سخيفة. ومع ذلك، فهو يميل إلى  الأساليب القديمة، وبوجه عام لا يسعى إلى تغييرها. فراتب السيد هاردينغ، في الحقيقة، لا ينبغي أن يكون أقل بكثير مما هو عليه، ولا يمكن لأولئك الذين تحت رعايته أن يستفيدوا من شلن إضافي واحد أكثر مما خصّص لهم. وعندما يستقيل السيد هاردينغ، لا يكون أثر ذلك سوى حرمان المسنين الذين تحت رعايته من قرب صديق اعتادوا الاعتماد عليه. ففي عالم ترولوب – ولنعترف بذلك – التغيير يكاد يكون دائمًا للأسوأ. رغم ذلك، يجرؤ ترولوب على السخرية من الطرق القديمة بأسلوبٍ رقيق. ففي أبراج باريستشاير، يقدم لنا شخصية الآنسة ثورن من آل أولاثورن، الأخت العزباء للمالك الريفي، المتمسّكة بعاداتها القديمة بإصرار لا يلين. تتوقع الآنسة ثورن من ضيوف الحفلات أن يشاركوا في لعبة قرون وسطى طريفة، تتضمن أن يُغطّى اللاعبون بأكياس الطحين، فتغضب حين يرفض الجميع المشاركة.

صحيحٌ أنَّ ترولوب يكنّ فخرًا للعِرق، فالفتى الإنكليزي الأشقر هو محبوب ترولوب المدلل، ومع ذلك، تظهر في أعماله نساء داكنات البشرة، قريباتٍ من الطراز الفرنسي، يتبين فيما بعد أنَّ بعضهنّ إنكليزيات، مثل ليزي يوستاس والسينيورا نيروني في “أبراج باريستشاير”، وبعضهن لطيف جدًا، مثل ماري ملموت في رواية “العالم الذي نحيا به اليوم” وواحدة منهن تصل إلى مرتبة الروعة الكاملة – مدام ماكس غوزلر في الروايات البرلمانية.

كما يمتلك ترولوب الجرأة الفكرية على ما قد يُعد مستحيلاً؛ فهو يسمح للتعليم والمعرفة أن تتفوق على الدم والنسب، بل ويقرن الزواج بما قد يخرق الأعراف التقليدية. ففي رواية “الدكتور ثورن”، يقدم لنا بطلة رومانسية، رغم رقتها وتهذيبها، إلا أنها من أصل متواضع وابنة غير شرعية. أما في رواية “أبناء الدوق” يضطر بلانتاجانت باليزر، أعظم الليبراليين في عالم ترولوب، إلى تزويج كل من أبنائه، لشخصيات لطيفة وذات فضائل عالية، كان طوال الرواية يعتقد أنها بعيدة المنال. ندرك في النهاية أن فكرة “النبيل الإنكليزي ” التي أولع بها ترولوب ليست هاجسَ متكبّرٍ أرستقراطي، بل هي في جوهرها نزعةٌ ماكرة نحو المساواة. ففي روايةٍ تلو الأخرى، نراه يصوّر شخصياته وهي تدافع عن أصدقائها أو أحبّتها من ذوي المراتب الأدنى أو الأنساب المتواضعة، قائلة: “إن كان رجلًا نبيلاً – أو كانت سيدة بحق – فأي فرقٍ يصنع الأصل أو المقام؟”

وفي نهاية المطاف، يظل قلم ترولوب ودودًا رحبًا ومتسامحًا، يفيض روحًا من السكينة الإنسانية والاعتدال الأخلاقي. ومن هنا، لا ينبغي أن يكون في قراءة ترولوب ما يُستنكَر. لكن هذا يقودني إلى تساؤل آخر: ما الذي يجعل قراءته مجزية إلى هذا الحد؟ لماذا لا يزال حاضرًا على رفوف المكتبات دون انقطاع؟ ولماذا، في هذه اللحظة تحديدًا، هناك قرّاء في شتّى أنحاء العالم يستغرقون في صحبته، متلفّعين بدفء كلماته؟ وبطبيعة الحال، نقرأ ترولوب – كما نقرأ جين أوستن – من أجل كوميديا المجتمع؛ ذلك الفنّ الذي أتقنه ببراعة لا تُجارى. غير أنّ في ترولوب ما يتجاوز أوستن؛ ولا أعني بذلك أنه أعظم منها، بل أنه أوسع أفقًا وأغزر عالَمًا. فعالم ترولوب أكثرَ ذكوريةً، وأكثر حركةً وقلقًا من عالم جين أوستن. إنه عالم المضاربات المالية، وسكك الحديد الحديثة العهد، وتقلّب الإدارات، ومشروعات الإصلاح، والشكّ في رجال الدين الراسخين في مؤسساتهم. يكتب ترولوب قصص حبّ كما تفعل أوستن، لكنّ شخوصه يعيشون تحت وطأة ضغوطٍ هائلة. إنّه واقعيّ حتى العظم. فالرجل في روايات ترولوب، إذا أثقلته الحاجة – كما يحدث في معظم الأحيان – لا يختفي كما يفعل نظراؤه عند جين أوستن أو هنري جيمس، لا يُنفى إلى مستعمرة نائية، ولا يُلقى به في مكتبٍ بائسٍ في المدينة ليجرب حظّه. بل يبرم بعضهم صفقاتٍ حقيقية في مشروعات سككٍ وهميّة، ويعقدون اجتماعاتٍ فعلية لمجالس إدارةٍ زائفة، ويقترضون في مشاهد مؤلمة أموالًا حقيقية من أشخاصٍ طيّبين حدّ السذاجة في قلب لندن المالية. قال هنري جيمس ذات مرة إنّ كلَّ شيءٍ يحدث في حفلات العشاء. أما في روايات جين أوستن، فالأحداث تقع أيضًا في الحفلات الراقصة والنُّزهات وحدائق المنازل وغرف الاستقبال. وأظنّكم تأذنون لي بالقول إنّ هذه الفضاءات ذات طابعٍ أنثوي إلى حدٍّ بعيد. لكنّ الأمور في عالم ترولوب تجري على نحوٍ مختلف؛ فهي تحدث في نوادي الرجال – من النوع الراقي مثل نادي الإصلاح، ومن النوع المشكوك فيه مثل نادي بيرغاردن الذي لا يمكن نسيانه – كما تقع في المكاتب المغبرّة في المدينة، وفي أروقة المحاكم، وفي مساكن العزّاب، بل وتحت قبة مجلس العموم ذاته.

ثم انظروا إلى عالم ترولوب، إلى ما تزخر به رواياته من شخصيّات! فعنده تنضمّ إلى أولئك المتأنّقين من الطبقة الوسطى الذين وصفتهم جين أوستن في باث، وإلى نبلائها المتعالين المعتدّين بأنسابهم، طائفةٌ جديدة من الوجوه: تجّار رحلاتٍ يبيعون أثاثًا معدنيًّا فظيعًا، ومضاربون ماليّون نصّابون على مستوى عالمي، وصحفيون متنفّذون شعبويّون، وأعضاء في حكومة صاحبة الجلالة. ولا بدّ من الاعتراف بأنّ ترولوب، حتى في أروع رواياته، يمنحنا أحيانًا بطلاتٍ مملّات – حكيماتٍ وصالحاتٍ نعم، ولكن مملّات. ومع ذلك، يعوّض هذا الخلل بفيضٍ من النساء المدهشات، اللواتي لا يمكن نسيانهنّ. فهناك الفتاة الصاخبة ڤيولا إفنغهام التي تقتحم سلسلة “الروايات البرلمانية” في ڤينيس فين، وليزي يُستاس الذكية الفطِنة على نحوٍ عفويّ، والليدي كارْبري المستقلة في “العالم الذي نحيا فيه اليوم”، والليدي لورا الطموحة التي تهيم بحبّ ڤينيس، والسيدة براودي المتسلّطة، الأسقف الحقيقي لمدينة بارچستر. ثمّ هناك السنيورة نيروني المفعمة بالإغراء، التي تفوح منها هالة من “العطر” تكفي لأن تُغري من يقف بقربها أن يمدّ يده إليها. وهناك أيضًا النساء الحكيمات العارفات بالعالم، الناضجات بحقّ، مثل مدام ماكس، وفي المقابل، النساء الساذجات البريئات، غير العالمات، اللواتي لا ينضجن أبدًا، مثل الليدي غلين. جميعُ هؤلاء الأشخاص يمتلكون في عالم ترولوب واقعيةً نابضةً بالحياة. ففي رواياته، كما أراد لها، لا نجد أشرارًا خُلّصًا ولا قدّيسين مطلقين؛ بل بشرًا متناقضين، يجتمع فيهم النبل والضعف كما هو الحال فينا جميعًا. حين يُرفع الستار عن أبراج بارچستر، نرى رئيس الشمامسة غرانتلي واقفًا ينتظر موت أبيه الأسقف، وفي قلبه مزيجٌ من الحبّ الحقيقي والحزن العميق والاحترام البنوي الصادق. ومع ذلك، وفي اللحظة نفسها، يتمنّى – في أعماق نفسه – لو أن أباه يُسْرِع إلى الموت، إذ إنّ الحكومة إن سقطت قبل أن يرحل الأب، فسيضيع على غرانتلي أمله في أن يُعيَّن خلفًا له في الأسقفية. ومع هذا، يجعلنا ترولوب نغفر له، بل نتعاطف معه؛ إذ يُقنعنا بأنّ طموحه الدنيوي مفهومٌ إنسانيّ، وبأنّ حبَّه وحزنه واحترامه لأبيه صادقٌ لا غبار عليه. ثم، تأمّلوا الليدي كارْبري في رواية “العالم الذي نحيا فيه اليوم”، وهي تنسج خيوط مكرها لتظفر بمراجعاتٍ مشيدةٍ بكتابها الزائف الطابع، “ملكات الجريمة”. ثلاثةُ محرّرين عند قدميها، وهي مستعدة لأن تُقدِّم… لا كلَّ ما عندها، ولكن ما يكفي لتغويهم تمامًا. وهي تفعل ذلك فعلًا – تسحرهم جميعًا، وتسحرنا نحن أيضًا. فما العجب؟ إنّ ترولوب ابنُ أمّه بحقّ؛ فـفرانسِس ترولوب قد عاشت من قَلَمها، ورسمت لنا، في كتابها “العادات المنزلية للأمريكيين”، صورةً ما تزال تُقرأ إلى اليوم. لقد أدرك ترولوب أنّ النساء المستقلّات ذوات المواهب المتواضعة عليهنّ أن يشققن طريقهنّ في عالمٍ لا يرحم، وأنّ حِيَلَهُنَّ الصغيرة، مهما بدت براقة أو محسوبة، تُخفي وراءها شجاعةً تستحقّ الإعجاب، لا السخرية – ولهذا يجعلنا نبتسم لهنّ، بإعزازٍ لا استهزاء. سألني أحد الأصدقاء مؤخرًا سؤالًا بالغ الطرافة:

ماذا لو تناول ترولوب القصة التي كانت تشغل الرأي العام آنذاك- قضية فشل زوي بيرد في نيل ترشيحها لمنصب المدّعي العام في إدارة كلينتون الجديدة؟ كيف كان سيتعامل ترولوب مع ما سُمِّيَ بـ”انتهاكها” لقوانين الهجرة التي كانت ستتولى تطبيقها؟

أظنّ أن ترولوب كان ليدع حياتها تتحطّم أمام أعيننا، وليُهيِّئ نصرًا مدوّيًا لأولئك الكاشفين عن الفضائح في صحيفة جوبيتر “المشتري” – تجسيده الروائي لصحيفة التايمز – تمامًا كما فعل في رواية “راعي المأوى”.

لكنّ القارئ، في النهاية، كان سيدرك أن ترولوب يرى في هذا الانهيار الصاخب نوعًا من الوعظ الأخلاقي الفارغ والعبث الممجوج، كما رأى الأمر ذاته في مصير السيد هاردينغ “راعي المأوى”. وفي رواية “الدكتور ثورن”، نجد شخصيةً ثانوية هي المحامي رومر، يعمل لصالح المحافظين في انتخابات المقاطعة. يشتكي إلى السيد رومر صاحبُ حانةٍ محبّ للشراب، يمتلك نفوذًا انتخابيًا، من أنّ فاتورته – ويُرجَّح أنّها ثمن البيرة – لم تُسدَّد بعد الانتخابات الأخيرة. يشير رومر بهدوء إلى أنّ الامتناع عن الدفع كان نتيجة خلاف على الحساب، ولكن صاحب الحانة يصرّ على موقفه أيَّما إصرار قائلًا:

“يحبّ الرجل أن تُسدَّد فاتورته الصغيرة”.

عندها، وبروح طيّبة، يدفع رومر الفاتورة، ويبدو كل شيء على ما يرام. ولكن، عندما تنتصر القوى المحافظة، يكتشف الليبراليون تساهل رومر مع صاحب الحانة، فتثور صحيفة “المشتري” مدوّية، معلنةً أنّ رومر قد اشترى الانتخابات. فتغدو الحياة في إنكلترا مستحيلة على رومر، ويجد له أصدقاؤه ملاذًا بعيدًا في هونغ كونغ. والأسوأ من ذلك، أنّ المتعصّبين البرلمانيين يطالبون باستدعائه من هونغ كونغ ليواجه العار والدمار الكاملين. كل هذا، رغم أنّ ترولوب يشير بذكاء إلى أنّ جميع أعضاء البرلمان حينها قد جلسوا في مقاعدهم بعد أن دفعوا من أموالهم ما يعادل – بل أكثر- مما دفعه رومر ليحصل على منصبه ويحتفظ به. إنّ قصة السيد رومر، في جوهرها، تشبه كثيرًا قصة السيد هاردينغ في “راعي المأوى”. ومن هنا، أرى أنّ ترولوب كان سيُهلك زوي بيرد، لكنه لن يقف إلى جانب أولئك الذين يُدمّرونها بانتصارهم. قد أكون مخطئةً، لكن في “مزرعة أورلي” ترتكب الليدي ميسون زلةً أشدّ خطورةً من زلة بيرد، وكل ذلك من أجل خير أولادها، وبحقٍّ عادل لهم. تُبرَّأ في المحكمة، لكن ترولوب يرى أنّ العملية القانونية مجرد خدعة محتقرة. ورغم البراءة، ورغم تعاطفه ومحبته لها، يجعلها تتحمّل عقوبةً شديدة، لدرجة أنّ تضحياتها بنفسها، لا يراها سخيفة أو وعظية، بل يقدّرها مع أسى ويعتبرها لازمة. ومع ذلك، يبدو لي أنّ ترولوب الأخلاقي المتألم في “مزرعة أورلي ” أقلّ إقناعًا وأقلّ تمثيلًا لذاته الحقيقية مقارنةً بـ ترولوب المشكك اللاذع، الماكر في مقاربة مصائر هاردينغ ورومر.

يمتاز ترولوب بالسعة والشمول في تصوره الأدبي. تتطوّر شخصياته عبر مدى زمني طويل، وكتب ضخمة، وأحيانًا نصف دزينة أو أكثر من الكتب، متشابكة في علاقاتها المعقدة، ممتدةً إلى الأجداد وحتى الجذور الأسرية الأبعد. ولفهم اتساع رؤيته الأدبية، يجب أن نُدرك أنّ روايات “باريستشاير” و”الروايات البرلمانية” ليست مجموعتين منفصلتين كما نجدهما اليوم في النسخ المجلدة. بل هما ككل متكامل أكثر بكثير من مجرد مجموعتين منفصلتين. فتصبح كتب الكهنوت في باريستشاير جزءًا من الروايات البرلمانية، وتتشابك الروايات البرلمانية بدورها مع أحداث باريستشاير. فهناك، في باريستشاير، يقف سكاتشدَر، إمبراطور السكك الحديدية، والمدمن على الشراب، كرمز للبرلمان. ويلتقي بطل الروايات البرلمانية الخجول، أو قُلْ اللا-بطل، بلانتاجانيت باليزر بحبه الأول في جزءٍ من أجزاء باريستشاير، البيت الصغير في ألّينغتون – حُب لما قبل غلينكورا، الذي لم يُذكر إلا ضمن إشارات عابرة في الروايات البرلمانية.

أما في “دوق أومنيوم”، ذلك العجوز المتأنق الفاسق، فيتولى الرئاسة في قلعة جاتروم في كلا السلسلتين: في “الدكتور ثورن” كما في “ڤينيس فين”، وحتى خارج هاتين السلسلتين، في “العالم الذي نحيا فيه اليوم”. قد يكون تطور هذه الشخصيات متسرعًا أحيانًا، إذ يقتل ترولوب بعضهم بين كتاب وآخر، فقط لكي يفسح المجال لشخصية جديدة. والكتب نفسها ليست متسلسلة بالمعنى التقليدي؛ فالشخصيات تتسلل إلى الكتاب التالي، لكنه ليس عالمها بعد الآن، بل قصة شخص آخر. يُتابع ترولوب عشرات الشخصيات بدقة، وحتى ضمن حدود كتاب واحد، فيشعر القارئ بعظمة الفكر الذي استطاع ابتكار هذه العوالم، ونسجها بعناية لتصبح عوالم ضمن عوالم. وهذا، بلا شك، ليس مجرد “كوميديا اجتماعية”؛ بل هو كوميديا الإنسان بكل تناقضاته. أحيانًا يكون التأثير مذهلًا، وكأنّه من عالم آخر. ففي “البيت الصغير في ألّينغتون”، عندما نسمع لأول مرة عن الليدي غلينكورا، يقتصر الأمر على خبرٍ وحيد: أنّ بلانتاجانيت باليزر مخطوب لها. وعندما نلتقي بها لاحقًا في رواية “هل تستطيعين مسامحتها؟”، فهي ليست البطلة الرئيسة للعنوان، بل شخصية ثانوية عابرة. ولكن فجأة، يستقبلها ترولوب كما لو كانت صديقةٌ عزيزةٌ قديمة، فيمنح القارئ شعورًا بأنّه يحتفظ بمودة قديمة تجاهها، وكأن كل أحداث قصتها في الكتب الخمسة القادمة مألوفة له قبل أن يكتبها. ويقشعر بدنك عند هذه التحية الأولى للليدي غلين، تمامًا كما يقشعر بدن المرء عند سماع البوق الفرنسي وهو يرحّب بكلارا في الحركة الأخيرة من السيمفونية الأولى لبراهامز. وباستثناء رواية “راعي المأوى”، الجوهرة المتقنة، فإنّ هذه الكتب ليست كتبًا صغيرة ومرتبة بعناية، بل هي فسيحة وفوضوية بطريقتها الخاصة. ولكن عندما يُخبرك ترولوب بصراحة منذ البداية أنّ البطلة ستتزوّج بالبطل، فإنه واثق تمامًا من أنّك ستستمتع برحلته الأدبية مهما حدث. وفي هذه الكتب الواسعة، هناك مجال لكل أنواع المتع، وأهمها مشهد ترولوب المميز لمطاردة الثعالب. ففي منتصف معظم كتبه، بل في أفضلها من الروايات البرلمانية، نجد مشهد صيد متقنًا، حيًّا ومتحركًا. خلال هذه المطاردة، تتحرك الأحداث، وتتغير حياة الشخصيات، ومع ذلك تشعر وكأنك كنت في الميدان بنفسك، تصوب البندقية، وتلاحق الثعلب بين التلال. ولا أعني بذلك فقط أنّك تدخل إلى المناظر الطبيعية الإنكليزية على طريقة الفنان كونستابل، التي ينسجها ترولوب ببراعة فائقة، رغم أنّك تفعل ذلك أيضًا، بل إنّك تشعر بكل حواسّك، تشعر بالهواء العليل، برائحة العشب، بصخب الكلاب والخيول، وبنغمة المغامرة التي تملأ المكان. هناك رحلة مطاردة الثعلب على طريقة ترولوب، تبدأ من اللحظة التي تنتظر فيها على صهوة جوادك، متلهفًا لحدوث شيء ما (وما يحدث غالبًا هو تناول الغداء على ظهر الحصان)، وتمتد إلى اللحظة التي يُكتشف فيها الثعلب، فتتبع عن كثب رئيس الصيادين وتنطلق نحو المغامرة والخطر. الميدان مليء بالحياة: هناك الكلاب النابحة، والمتسكعون والمتواكلون على الآخرين، ورجال المقاطعة البارزون، والنساء الحازمات اللاتي يعرفن جيدًا ما يفعلن، والرياضيون الحكماء الذين يعرفون متى لا ينبغي السماح للحصان بالقفز فوق السور، والمخادعون الذين يختصرون الطريق ليصلوا إلى الثعلب دون أن يواجهوا أي خطر حقيقي. وتُعدّ مطاردات الثعالب هذهِ، واحدة من الجواهر النادرة للأدب الإنكليزي. يكمن أسلوب ترولوب الفريد في أنه، وسط صفحاتٍ ممتلئة بالحوار المليء بالسخرية والتوتر، يفتح لنا المونولوجات الداخلية الرائعة لشخصياته. فهو مهتم بما قد يفعله الناس في موقف معين، وطريقته الخاصة -التي يمكن وصفها بأنها “افتح صفحة عشوائية وستجدها”- هي أن يغوص في وعي الشخصية، ويسمح لنا بمراجعة الموقف من منظورها الخاص. وعادةً ما تكون هذه المواقف موترة ومشحونة بالتوتر، وهذا ما يجعل السؤال عن زوي بيرد مناسبًا تمامًا. في “العالم الذي نحيا به اليوم”، نجد عشاء ميلموت للإمبراطور الصيني موصوفًا عبر صفحات متتابعة من الحوار الهزلي الذكي؛ ثم، في لحظة يأسه، يخوض ميلموت مونولوجًا داخليًا غارقًا في التأمل، والاستياء، والوهم الذاتي، لكنه في الوقت نفسه، مدركٌ لواقعه، وهو يراقب المشهد ويتأمل مستقبله. هذه هي تراتيب ترولوب الأصيلة بكل ما تحمله من براعة فنية وتمثيل نفسيّ دقيق. إن التحولات الأنيقة في الحبكة تُحوّل مخاوف الشخصيات وتحليلاتهم الداخلية إلى تجربة حية للقارئ. ففي قصة زوي بيرد، كان ترولوب سيمنحنا نافذة على مونولوجها الداخلي: هل تتقدم لشغل المنصب الوزاري؟ هل تكشف عن هفوة صغيرة لفريق كلينتون؟ أم هل تنسحب؟ كل خيار من هذه الخيارات يُحلَّل ويُدار داخليًا بطريقة تتيح للقارئ فهم الصراع النفسي في كل خطوة. وفي عائلة السيد سكاربورو أو ألماس إيستاس، يتجلّى براعة ترولوب في استكشاف تأثير التغييرات على حياة شخصياته الداخلية: وصايا سكاربورو المتغيرة، أو مكان ألماس إيستاس المتنقل. تجادل الشخصيات نفسها حول كيفية نشوء الأمور، وحول خياراتها المتاحة؛ تستسلم أم تصمد أمام نقائصها، تبرّر أو ترفض التبريرات، بحيث تصبح كل لحظة من تصرفاتها نافذة إلى تناقضها الإنساني المستمر. وعندما تتحدث الشخصيات أو تكتب رسالة، قد يُحرِّك كل خيطٍ من هذه الخيوط الداخلية كلماتها، مما يجعل تصرفاتها المتقلبة كتابًا مفتوحًا أمام أعيننا. أفضل المشاهد لدى ترولوب هي تلك التي تتلاقى فيها الشخصيات في مواقف مشحونة بالتوتر، تتصارع، وتكشف عن نفسها- إن لم يكن لبعضها بعضًا، فلبعضنا نحن القراء. وكما يحب السيد سكاربورو المخادع أن يفاخر بزهوٍ مستحق:

“إنها خير من أي عرض مسرحي.”

وها أنا ذا، مرة أخرى أسير صوب سحر ترولوب الذي يأسرني. وبداخلي شعور طفيف بالحزن عند الشروع في إعادة قراءته، فحتى أعظم المتع الأدبية تصل إلى نهايتها، سواء شئنا ذلك أم أبينا. لكن ما يبعث على الاطمئنان هو أنّ مع هذا الكاتب السخيّ بلا حدود، النهاية لا تزال بعيدة جدًا، ومتعته لا تزال ممتدة أمامنا.

حِيلة مُثبَتة لتهدِئة القَلقْ سريعًا .. ترجمة : محمد الدّندن

حِيلة مُثبَتة لتهدِئة القَلقْ سريعًا
طريقة تفكيرٍ صغيرة تعينُك على استعادة السيطرة على القلقْ أيّاً كان عُمرُك        
بقلم د.جيفري برنستين – ترجمة: محمد الـدّنـدن 
     يجتاحُكَ شعورُ القلق كعاصفةٍ هوجاء، تجعلك عاجزاً وعالقاً في دوّامة من الأفكار المُبعثرة. ولكن ماذا لو كان هنالك حيلةٌ سهلة، تُغيّرُ نظرتَك للأشياء وتُهدِّئ الضوضاء التي تعبث بمشاعرك؟ هي بالطّبع ليست سِحراً، بل تحوّلٌ في نمطِ التّفكير، وتلك الطّريقة مُتأصّلة في ما يُسمّى: العلاج باليقظة الذهنيّة والعلاج السلوكي المعرفي. تدعى تلك الحيلة بـ ” تسمِية الخوف”، وهي حيلةٌ فعّالة عند تطبيقِها على جميع مواقف الحياة وعلى كُلّ الناس، في شتّى الفئات العُمريّة.
عندما تطلقُ اسماً على شعور الخوف، فإنّك تُبعِدُه من حيّز مشاعِرك المُشتّتة إلى خارج حُدود نفسك؛ وبذلك تستطيع تقييم ذلك الخوف واعتراضه، ثمّ التّقليلَ من حدّتِه بعد أنْ لاحظتَه.
إليكم طريقة تطبيق هذه الحيلة، في ميدان الحياة:  
                                                                              
لِيام، 8 سنوات: مواجهة وحوش ما قبل الّنوم. 
كان ليام يرتعب بشدّة عند وقتِ النّوم، وكلُّ صوتٍ يسمعُه من أرجاء البيت، يخلُقُ في خيالِه صورةً مُرعبة لوحوشٍ تختبئ تحت سريره، مما يجعله يعيش في دوّامة من الخوف. ومع محاولاتِ أهله الحثيثة لتهدئة روعِه، إلاّ أنّ القلق بات مسيطراً عليه.
وذاتَ ليلة، سألتهُ أمُّه: ليام، ما اسمُ ذلك الوحشِ الذي تسمعُ صوتَه باستمرار؟ 
همس إليها: الشّبح!
قالت له: حسناً، “دعنا نكتب ملاحظة في ورقة للشّبح، نُخبره فيها أنّك تحتاج إلى الراحة في هذه اللّيلة، وأنّ عليهِ أن يخرُج من الغرفة”.
اخرَجَ ليام ورقة ووضعَها بجانب سريره. وعندما قام بتسمية وتحديد خوفِه، أصبحتْ إدارة الخوف لديه أسهل مما سبق. وبعد مدّةٍ من الزّمن، انخفضَ مستوى القلق لدى ليام، وصار ينام نوماً هنيئا.
2-صوفيا، 27 عاما: التخلّص من التّوتّر في مقرّ العمل. 
   أحبّتْ صوفيا وظيفتها، لكنّها كانت شديدة الخوف من اجتماعات طاقم العمل. ودائماً ما باتت تشعر بالقلق إمّا من قول الشيء الخطأ أو من التعرّض للنّقد من زملائها. كان القلق يهاجمُها بوحشيّة في اللّيالي التي تسبق الاجتماعات؛ ممّا جعلها محرومة من النّوم.
وضِمنَ إطار خُطّتها العلاجية، طلبتْ المعالِجة النّفسية من صوفيا أن تُطلِقَ اسماً على القلق الذي تشعرُ به.
سألَتْها المُعالِجة: “ما الاسم الذي تودّين أنْ تسمّي هذا القلق به ؟
عزمَت صوفيا على أن تُسمّيه: ” القاضية جودي“، وكُلّما كانت تسمعُ ذلك الصّوتَ النّاقِد في نفسِها، باتت تقول ” أوه، ها هي القاضية جودي تظهرُ مجدّدا وتُحاول أنْ تُخيفني، ولكنّها ليستْ مُديرتي في العمل”.                                                                
منَحَ هذا النّهج المُمتع مساحةً شعورية لدى صوفيا؛ لتتحدّى خوفَها. ولأنّها دائما ما كانت تُذّكر نفْسَها بأنّ أفكارها ليست حقيقة، أصبحَ حضورُها لاجتماعاتِ العمل أقلّ خوفاً من ذي قبل.       
3.مارْك، 52 عاما: التّغلّب على الرّهاب الإجتماعي
دائماً ما ينتاب مارك شعور بالخجَلْ في المناسبات الاجتماعية. كان يشعر بالتّوتر أو الإحراج إزاء عدم وجود ما يتحدّث عنه من أمور وقضايا في الحياة. وقبل موعد الاجتماع السنوي للعائلة، قرّر أن يُجرّب تطبيق حيلة التّسمية!
سأل مارك نفسه: ما اسمُ هذا الخوف؟
مازَح نفسَه مُجيبا: “ستيف الصّامت“.
وعندَ موعِد الاجتماع العائلي، وكُلّما أحسّ مارك أنّ مشاعر القلق تتسلّل بداخِلِه، بدأ يقول في نفسه: “هيي أنت! رأيتُك يا ستِيف الصّامت، ولن تنطلي عليّ ألاعيبُك”. إنّ تطبيقَهُ لطريقة تسمية الخوف، جعلَهُ أكثرَ قدرة على إدارة مشاعِره. وعندما انقضتْ تلك اللّيلة، أدركَ مارك حجمَ سعادته بما صنَع، خِلافاً لما كان يتوقّع من نفسه.
وبالمداومة على استعمال هذه الطريقة، ستُدرك أنّ لهذا التغيير الطّفيف أثراً في تفكيرك، مما سيُساعدك في مواجهة مصاعب الحياة بثقةٍ وسكينة أكبر.
السببُ في نجاحِ هذه الحِيلة
عندما تقوم بتسمية القلق الذي ينتابُك، فإنّك تجعله خارجاً عن دائرة نفسِك، وتحوّلُه من شعورٍ مُرهِق وغامِض، إلى شيءٍ مُحدّد وقابلٍ للتّعامُل معه في يُسر. تسمح لك هذه المساحة، أن تُعيد تقييم المواقف العصيبة تقييماً منطقيّا. وتكشف لنا الأبحاث في مجال العلاج السلوكي المعرفي بأنّ تسمِيةَ المشاعر تُقلّل من وطأة تأثيرها على الناس، وتعزّزُ من إدارة المشاعر لديهِم.
عندما يجتاحُكَ شعورُ القلق في المرّة القادمة، اسأل نفسَك: “ما الاسم الذي سأطلِقُه على هذا الشعور المخيف؟” سمّه باسمِ دُعابة ما، أو باسمٍ من خيالِك، أو حتى باسمِ لقبٍ مشهور!

 

نُشرت الدراسة في 19 يناير 2025



القرية التي لم تمت: هويّة الماء بين تخييل ياماثاريس وتأمّلات باشلار – بقلم حسن بن أبي سهيل

القرية التي لم تمت: هويّة الماء بين تخييل ياماثاريس وتأمّلات باشلار.

القرية التي غابت تحت الماء لم تغب عنّا، نعيش بعيدًا عنها، لكنّنا نحملها في كلّ شيء“. (خوليو ياماثاريس- طرائق مختلفة للنّظر إلى الماء).

حين يغمر الماء قريةً بأكملها، فإنّه لا يبتلع فقط الأحجار والبيوت والممرّات، بل يُغرق في جوفه ما لا يُرى ولا يُقال: الذّكريات، الأصوات، أنفاس الطّفولة، مشاعر الفقد الأولى، وأجساد الغائبين التي لم تودَّع كما يجب. في رواية طرائق مختلفة للنّظر إلى الماء، يتقدّم خوليو ياماثاريس من هذا الغرق لا بوصفه حدثًا هندسيًّا طارئًا فرضه مشروع سدّ مائي، بل بوصفه انكسارًا هويّاتيًّا ممتدًّا عبر أربعة أجيال، انكسارًا لم تلتئم شروخه حتّى مع مرور الزّمن. الخزّان ليس مجرّد مساحة مائيّة بديلة عن القرية المطمورة، بل هو مرآة عملاقة تطفو على سطحها حيوات كاملة لم تعد تُرى، لكنّ أثرها لا يزال يحاصر الشّخصيّات في لغتها، وذاكرتها، وصمتها المبلّل.

هذه المياه التي تغمر المكان، هي في جوهرها ما وصفه غاستون باشلار بـ “الماء الحالم”، ذاك الذي لا يُشبه في صفاته الماء الفيزيائيّ، بل الماء الحيّ الذي يُقيم في أعماق المخيّلة، ويستثير الصّور الغائرة في النّفس، ويفتح في الوعي فجوات غير مرئيّة تسمح لذكريّات الطّفولة، وأشباح الفقد، أن تخرج من صمتها. باشلار لا يتعامل مع الماء كعنصرٍ محايد، بل كمجال تأمليّ، وكمادّة رمزيّة تمارس فعلها على الذّات من الدّاخل، وتعيد تشكيل علاقتها بالزّمن والحنين.

وعند هذا التّقاطع بين النّصّ الرّوائيّ والنّصّ الفلسفيّ، يبدأ هذا التّأمّل. ليس بوصف الماء مشهدًا طبيعيًّا مشتركًا بين ياماثاريس وباشلار، بل لأنّه يتحوّل في كليهما إلى بنية تخييليّة فاعلة، بل إلى فاعل وجوديّ يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الدّاخل والخارج، وبين التّذكّر والنّسيان. فكل شخصيّة في الرّواية ترى الماء بطريقتها الخاصّة، لكن ما يجمع بينها جميعًا هو أنّ الماء لم يكن يومًا صامتًا. هو الذي يحمل ما لم يقال، ويُرجع صدى الغياب، ويعيد إلى السّطح ما طُمر في الأعماق.

يقول أحدهم: “أفنيت عمري في العمل من أجل العودة”، والعودة هنا لا تعني استعادة جغرافيا القرية، بل استعادة الذّات التي تُركت هناك، معلّقة بين ضفّتين، تنتظر أن يُعاد لها اسمها، وهويتها، وموتاها. لكنّها عودة مستحيلة، لأن الماء حين يغمر الأرض، لا يُرجعها كما كانت، بل يجعل منها صورة طيفية، لا تقبل الاستعادة ولا النّسيان. وهذه المفارقة هي ما يستثير باشلار حين يتأمّل الماء بوصفه مرآة لا تعكس فقط ما نضعه أمامها، بل ما نخفيه عنها.

باشلار، وهو يحاول تفكيك علاقة الإنسان بالماء، لا يكتفي بتصنيفه كمادّة طبيعيّة، بل يراه جوهرًا نفسيًّا محضًا، خزّانًا للصور التي لا يطيقها الوعي، لكن المخيلة تلبث أن تستدعيها. في أحد مقاطعه الفاتنة، يتحدث عن “الزّمن الذي لا يُقاس بالسّاعات، بل بالصّور”، عن الزّمن الذي يتّخذ من الماء وسادةً وملاذًا. فالماء لا يحمل فقط انعكاس الأشياء، بل تاريخها غير المحكيّ.

وفي الرّواية، حين تُقال الجملة: “لم تدهشني رغبة جدّي في العودة إلى هنا، إلى هذا الوادي الغارق تحت المياه، المياه التي لا تزال تطفو على سطحها ذكرياته، أحلامه كلها وتطلّعاته كلّها”، فإنّنا لا نكون بإزاء وصف استعاريّ، بل أمام توصيف باشلاريّ دقيق. الماء هنا لا يطمس، بل يصون. لا يمحو، بل يراكم. إنّه خزينة هادئة للغائب، شاهد أخرس على ما لا يُقال. الماء إذن لا يتحدّث، لكنّه لا يكفّ عن التّذكير، ولا يتلفّظ، لكنّه يُبقي كلّ شيء حيًّا في صمت.

في تضاعيف الرّواية، شخصيّات تحاول أن تنسى، أن تصمت، أن تمضي. لكنّ الذّكرى تشبّ فوق الماء كما تنبثق أعشاب قعرٍ خفيّ. دومينغو، الذي قضى حياته دون أن يذكر القرية، يمارس ما يسمّيه باشلار “النّسيان الصّامت”، ذلك النّسيان الذي لا يُلغي الذّاكرة، بل يضعها في حالة كمون. لكنّ الشّخصيّات الأخرى، وعلى رأسها الحفيدة، تظلّ مُحاصرة بما لا يُنسى، متألّمة كلّما حاولت النّسيان، حيث تسرد: “بل إنّها بقدر ما كنت أبذل من الجهد لنسيانها، كانت تلح عليّ فيزيدني التّذكّر ألمًا. باشلار كان يعرّف أنّ النّسيان في حضور الماء ليس فِعلًا ناجزًا، بل صراعًا لا نهائيًّا. فالماء لا يسمح بالدّفن، بل يتيح للصّور أن تُحفظ في قعره السّاكن، فيجعل من كلّ محاولة للنّسيان استدعاءً أعمق لما طُمر. الماء، في ظاهره، هادئ. لكنّ القاع يضجّ بما لم يُحكَ.

حين تمتدّ الأيدي النائمة خارج الأسرة لتلامس الماء المتسلّل إلى الكوخ، لا يكون هذا الفعل مجرّد حركة عابرة، بل انفتاحًا على حسّيةٍ دفينة وصفها غاستون باشلار بـ “المياه العاشقة”. فالماء هنا لا يُدرك كعنصر خارجيّ يبلّل الجسد فحسب، بل كتيّار داخليّ يتسرّب إلى الحواس، ويعيد تشكيل العلاقة بين الجسد والذّاكرة. إنّه لا يلامَس فقط، بل يُستَشعر كصدى لمشاعر دفينة: دفء الطّفولة، قلق الغياب، رعشة الحنين، أو برد الفقد. هذا التّلامس الطّفيف يستدعي صورًا كامنة، ويوقظ في الذّات ما ظنّته قد نام إلى الأبد. فالقرية التي غمرها الماء لم تُغرق مساكنها وحسب، بل أغرقت قاطنيها شعوريًّا، حتّى صار التّلامس مع الماء تذكيرًا دائمًا بما كان. في تصوّر باشلاريّ عميق، لا يكون الماء طوفانًا عنيفًا، بل لغة صامتة تتسلّل إلى الأجساد المطمئنّة لتعيد إحياء سؤال الهويّة: من نكون بعد كلّ هذا الغرق؟

في أحد المقاطع اللّافتة، تنظر إحدى الشّخصيّات إلى الخزّان وتقول: “نعم هو يذكرنا بأمر مأساويّ، لكنّه في الوقت نفسه يعد من المشاهد الطبيعيّة الرّائعة”. هذا التّوتّر بين الجمال والمأساة هو ما يُعلي باشلار من شأنه. فالماء –إذا ما نظرنا إليه من خلال الحواس والذّاكرة – يصير جمالًا جريحًا. هو في ذاته كائن فاتن، لكن حين يُغرق الذّكريات، يصير جماله مشوبًا بالحزن. هذا التّداخل هو ما يجعله أكثر العناصر قدرة على إثارة الرّعشة، لا لأنّ فيه خطرًا، بل لأنّ فيه حياةً لم تكتمل، وموتًا لم يُنتهَ منه. الخزان، في الرّواية، ليس مكانًا للبكاء فقط، بل للنّظر، للتّأمّل، للرّؤية المشروطة بالغياب. هو – كما في تصوّر باشلار – نقطة تماسّ بين ما كان، وما لن يعود، وما لا نعرف أن كنّا نريده أن يعود.

الغربة التي تعيشها شخصيات رواية ياماثاريس لا تنبع من الفقد وحده، بل من اتّساع الهوّة بين ما كان وما صار. فالمكان الجديد، رغم ما يوفّره من مأوى، لا يمنحهم شعور الانتماء، بل يُكرّس إحساسًا مستمرًّا بالتّيه. تقول إحدى الشّخصيّات: “يا له من إحساس مؤلم! فأن تشعر بالغربة في كلّ مكان، وأن ينتابك هذا الإحساس يوميًّا هو بلا شكّ أمر مؤلم، مهما حاولت الاعتياد عليه”. هذا القول يلتقط بعمق ما يراه غاستون باشلار في الماء: إنّه ليس فقط حاضنًا للذّكريّات، بل هو نفسه فضاء للاغتراب. فالماء لا يسمح بالثّبات، ولا يحتفظ بالشّكل؛ هو عنصر لا يُقيم فيه شيء طويلًا، ولا يترك الأشياء كما كانت. من هنا، يغدو خزّان الماء في الرّواية أكثر من مجرّد بُنية مائيّة، بل مجالًا وجوديًّا أغرق جذور الشّخصيّات قبل أن يغرق قريتهم، ونفى هويّتهم إلى قاع لا يُرى. لم يكن المنفى مكانيًّا فحسب، بل وجدانيًا، إذ كلّما مرّ الزّمن، ازدادت الجذور تصلّبًا في الأعماق، وتحوّلت إلى شظايا هويّة ممزّقة بين ما يطفو على السّطح وما رُدم في العمق.

ما تنجزه رواية طرائق مختلفة للنظر إلى الماء هو أكثر من استعادة لأثر النّفي القسريّ. إنّها تحويل للماء من خلفيّة روائيّة إلى شخصيّة ضمن السّرد، من عنصر خارجيّ إلى كيان حميميّ يتغلغل في اللّغة والشّعور والحدث. وباستحضار تصوّرات غاستون باشلار في الماء والأحلام، ندرك أنّ ما غمر القرية لم يكن ماءً فقط، بل لغة كاملة من الذّكريات، من الغربة، من الحنين، ومن الأحلام التي لم تُعش بعد.

الماء في هذا السّياق هو مرآة لا تعكس، بل تُغرق. هو سرديّة موازية، تتقاطع مع السّرد الأصليّ، وتعيد صياغة الفقد لا كحدث، بل كحالة دائمة. الماء لا يحكي، لكنّه يُذكّر. لا يبكي، لكنّه يُبلّل كل جملة، كلّ ذاكرة، وكلّ جسد ظلّ يفتّش عن قرية غمرها الصمت، لا ليُنهيها، بل ليجعل منها صورةً لا تموت. ما تكشفه هذه الرواية، من خلال عدسة باشلاريّة دقيقة، هو أنّ الهويّة ليست ثابتًا يُكتب، بل قاعًا غامضًا من الصّور التي ندفنها في الأعماق، والتي يعود الماء، في كلّ لحظة، ليهزّها، ويوقظها، ويعيدها إلى السّطح من جديد.

حسن بن أبي سهيل

أصناف الكتّاب في رأس شوبنهاور

أصناف الكتّاب في رأس شوبنهاور

من يكتب للحمقى، يضمن دائمًا جمهورًا واسعًا

  • ثمّة ثلاثة أصناف من الكتّاب:

الأول يكتب من غير تفكير، والثاني يفكّر أثناء الكتابة، والثالث يفكّر قبل أن يكتب.

الصنف الأول يحظى بأكثر القرّاء عددًا، وأوسع شهرةً، لأن كتابته سهلة المأخذ سريعة الزوال. أمّا الصنف الثاني فيكتب لأن الكتابة وسيلته إلى التفكير، فهو ينسج كتابه كما تنسج العنكبوت خيوطها، بجهدٍ وصبرٍ، غير أنّ ما يصنعه كثيرًا ما يكون محكومًا بحدود ما يصادفه لا بما يبتكره. أمّا الصنف الثالث، النادر في كل عصر، فهو الذي يفكّر مليًّا قبل أن يخطّ قلمه حرفًا، ويكتب لأن لديه ما يستحق أن يُقال. هؤلاء وحدهم الكتّاب العظام، وأعمالهم هي التي تخلّد في الزمن.

يمكن تشبيه كتابة الصنف الأول بوجبةٍ أُعدّت على عجل؛ والثانية بوجبةٍ طُهيت بعناية؛ أمّا الثالثة فهي كطعامٍ صُنع من مكوّنات مختارة وبذوقٍ فنيّ رفيع.

ما يقدّمه النوع الأول أشبه برغوة البيرة أو زَبَد البحر، يختفي لحظة ظهوره. وما يقدّمه الثاني قد يعيش زمنًا قصيرًا، وربما يصبح موضة مؤقتة. أمّا ما يقدّمه الثالث فهو الذي يدوم إلى الأبد.

  • وضوح الفكر وجمال التركيب

فنّ التأليف الحقيقي يقوم على أن تُرتّب الأفكار بحيث يلتقطها القارئ بسهولة من غير أن تفقد عمقها.

ولهذا فإن الوضوح هو القانون الأول في الكتابة، والقانون الثاني هو الوضوح أيضًا.

فلا وضوح بلا ترتيبٍ للأفكار ولا تسلسلٍ منطقيٍّ في عرضها.

الكاتب الواعي وحده هو من يجمع الكلمات بوعيٍ تامّ لمعانيها، ويختارها بعناية مقصودة. لذلك، فإن كتابته تشبه لوحةً رسمها فنانٌ بريشته، لا طبعةً نُفّذت بقالبٍ جاهز.

فالكاتب العادي يبني فقراته كما يبني الإنسان جدارًا من حجارةٍ وجدها مصادفةً على الطريق؛ أمّا الكاتب الحقّ فيقطع حجارة معناه من المحجر بيده، وينحتها لتلائم بناء فكرته بدقّةٍ وإتقان.

  • مراتب الكتّاب

الكتّاب من الطبقة الأولى يُجلّون أفكار الإنسانية ويجعلونها أوضح،

أما كتّاب الطبقة الثانية فيجعلونها غامضةً وملتبسة،

في حين أن كتّاب الطبقة الثالثة يطمسونها تمامًا.

قلّةٌ من الكتّاب يبنون كتبهم كما تُبنى الكاتدرائيات، وكثرةٌ يشيّدونها كما تُبنى الأكشاك في الأسواق.

الكاتب العظيم لا يكتب لعصره وحده، بل لكل الأزمنة. لذلك يتجاوز زمنه وغالبًا ما يُساء فهمه من معاصريه.

إنّ أعمال العبقرية مرايا تعكس الفكر الإنساني، غير أنّ الجموع لا تحتمل أن ترى وجوهها الحقيقية فيها.

  • بين الكاتب والمجرّد من الفكرة

الفرق بين الكاتب الحقيقي والكاتب المتكسّب أنّ الثاني يكتب ليكسب رزقه أو مجده، أمّا الأول فيكتب لأنّ لديه ما يجب أن يُقال.

للكاتب التافه الأسلوب كلّ شيء؛ أمّا للكاتب الأصيل فالفكر هو كلّ شيء.

فالأسلوب عند الأوّل ثوبٌ يختبئ خلفه خواء المعنى، أمّا عند الثاني فهو رداءٌ شفيفٌ يشفّ عن الفكر دون أن يحجبه.

  • جوهر الكتابة

قيمة الكاتب لا تكمن في ما يقوله، بل في ما يفكّر فيه، وفي عمق تفكيره.

إن فنّ الكتابة ليس سوى فنّ إيصال الفكر بوضوحٍ وجمالٍ.

وليس وفرة الأفكار ما يصنع الكتاب العظيم، بل وحدتها وتماسكها الداخلي.

العباقرة الحقيقيون يفكّرون لأنفسهم ويكتبون لأنفسهم، بينما يكتب الآخرون للناس ويفكّرون كما يفكّر الناس.

العبقرية مرآة تعكس العالم كما هو، أمّا الموهبة فهي عدسةٌ تكبّره فحسب.

  • الأدب كذاكرة الإنسانية

إنّ فنّ الأدب ليس سوى فنّ التفكير من خلال اللغة.

الكتب هي ذاكرة الإنسانية؛ بها يتكلّم الموتى إلى الأحياء، ومن خلالها يظلّ أنبل ما في الإنسان حيًّا بعد فنائه.

فليتساءل كلّ من يرغب في الكتابة:

هل عندي ما أقول لم يقله العالم من قبل؟

إن لم يكن، فليكتفِ بالقراءة والتفكير.

  • خاتمة

بهذا المعنى، يرى شوبنهاور أنّ الكتابة ليست فعلًا لغويًا بل فعل وعيٍ فكريٍّ وفنيٍّ في آنٍ واحد؛ هي تمرينٌ على النظر في جوهر الأشياء، وصياغة المعنى في صورةٍ تحتمل الخلود. فالكاتب العظيم هو من ينقل الفكر الإنساني من العابر إلى الأبديّ، ومن اللغة إلى الروح.

آرثر شوبنهاور

ترجمة: إعداد خاص عن النسخة الإنجليزية المترجمة  1981

بقلم:  T. Bailey Saunders

إرنستو ساباتو يتساءل: هل هي أزمة الفن أم فن الأزمة؟

هل هي أزمة الفن أم فن الأزمة؟

تحدث في هذه اللحظة الفارقة من التاريخ ظاهرة شديدة الغرابة: يُتهم الفن بأنّه يعاني من أزمة، وبأنه تجرد من إنسانيته، وبأنه نسف كل الجسور التي تربطه بعالم الإنسان. في حين أن الأمر على عكس ذلك تماماً، فإن ما يعدّ فناً في أزمة هو، بعبارة أكثر دقة، فن الأزمة، ولكن ما حدث أنّ الأمر نشأ نتيجة مغالطة. يرى أورتيجا، على سبيل المثال، أن تجريد الفن من إنسانيته مثبت كنتيجة الانفصال القائم بين الفنان وجمهوره. من دون أن يدرك أن الأمر قد يكون عكس ذلك تماماً؛ أن الجمهور وليس الفنان هو من تجرّد من إنسانيته. من الواضح أن الإنسانية شيء والجماهير العريضة شيء آخر مختلف تماماً؛ تلك المجموعة من الكائنات التي تخلت عن كونها بشراً لكي تتحول إلى أشياء مصنوعة بصورة متكررة، مقولبة وفقاً لتعليم نمطي، معلبة داخل مصانع ومكاتب، يُرجُّون يومياً على الإيقاع الموحد للأخبار التي تبثها محطات إلكترونية منحرفة ومكبلة بوساطة صناعة القصص المصورة والمسلسلات الإذاعية وعناوين الصحف والتماثيل التذكارية في البازارات. في حين أنّ الفنان هو الوحيد بامتياز، الذي استطاع للمفارقة الاحتفاظ بأروع خصال الجنس البشري، بفضل عدم مقدرته على التكيف، وبفضل تمرده، وجنونه. ما أهمية أن يبالغ أحياناً، ويقطع إحدى أذنيه؟ سيظل مع ذلك أكثر قرباً للإنسان الحقيقي من كاتب رصين في أرشيف وزارة. صحيح أن الفنان، المحاصر واليائس، ينتهي به الأمر بالفرار إلى أفريقيا، إلى فراديس الكحول أو المورفين، وإلى الموت ذاته؛ فهل كلّ هذا يدل على أنه هو الذي تجرد من إنسانيته؟

“إذا اعتلت حياتنا أحياناً (كتب جوجان إلى ستريندبرغ) فإن فننا يجب أن يكون كذلك أيضاً؛ وبوسعنا استعادة عافيته بالبدء من جديد، سواء كأبرياء أمكمتوحشين… تكمن علتكم في حضارتكم”.

ليس الفن سبب الأزمة بل المفهوم البرجوازي المتداعي “للواقع”، الاعتقاد الساذج في الواقع الخارجي. يُعدّ ضرباً من العبث الحكم على لوحة لفان جوخ وفقاً لذلك المنظور. في حين أنه بالرغم من حدوث ذلك (وبصورة متكررة!) لا يمكن استنتاج سوى ما يستنتج: أنّ اللوحات تصوّر نوعاً من اللاواقعية، وشخصيات وأشياء تنتمي إلى بقعة شبحية، نتاج مخيلة شخص ذهبت المعاناة والعزلة بعقله.

يقدم فنّ كلّ عصر رؤية للعالم، ومفهوم تلك الحقبة للواقع الحقيقي، ويستند ذلك المفهوم، وتلك الرؤية، إلى ميتافيزيقا وروح خاصة بها. بالنسبة إلى المصريين، على سبيل المثال، الذين اهتموا بحياة الخلود، لم يكن من الممكن أن يمثل هذا العالم الفاني ما هو حقيقي فعلياً؛ ومن هنا جاءت قداسة تماثيلهم الضخمة، وهندسيتها التي تعد دليلاً على الخلود، مع التجرد لأقصى مدى من العناصر الطبيعانية والفانية؛ هندسية تخضع لمفهوم عميق، وليست كما اعتقد البعض بصورة سطحية تنم عن قصور تشكيلي، لأنهم كانوا طبيعانيين بمنتهى الدقة حين نحتوا أو رسموا عبيداً بلا قيمة. عندما ننتقل إلى حضارة دنيوية مثل حضارة بركليس اليونانية، تقدم الفنون أعمالاً طبيعية، إلى درجة أنّ الآلهة ذاتها تصوّرعلى هيئة “واقعية”، ومن ثم، فإنه بالنسبة إلى هذا النمط من الثقافة الفانية، المعنية بصورة أساسية بالحياة الدنيا، الواقعُ الأساسي والواقعُ”الحقيقي” هو العالم الأرضي. يظهر من جديد مصاحباً للمسيحية، وللأسباب نفسها، فنٌّ مقدس مغاير للفضاء الذي يحتوينا والزمن الذي نحياه. ومع اقتحام الحضارة البرجوازية، ومع طبقة من المنتفعين، لا تعتقد إلا في هذا العالم وقيمه المادية فحسب، يعود الفن للطبيعانية من جديد. ونشهد الآن مع أفولها ردّ فعل الفنانين العنيف ضد الحضارة البرجوازية ورؤيتها المثالية للعالم. تكشف بتعصب وعدم اتساق، في كثير من الأحيان، أنّ ذلك المفهوم عن الواقع وصل إلى نهايته، ولم يعد يعبّر عن الهواجس العميقة لدى الجنس البشري.

كانت الموضوعية والطبيعانية في الرواية سمات إضافية (ومتناقضة في حالة الرواية) لتلك الروح البرجوازية. بلغت تلك النزعة الجمالية وتلك الفلسفة السردية ذروتها مع فلوبير وبلزاك وزولا بصفة خاصة، إلى درجة أنّه بفضلها بلغنا مكانة تتيح لنا معرفة أفكار ورذائل العصر، وحتى نوع المفروشات المعتاد استخدامه أيضاً. وصل الحال مع زولا، الذي تمادى مع هذا التقليد إلى حدّالعبث، إلى إعداد مذكرات عن شخصياته دوّن بها من لون عيونهم إلى أسلوبهم في ارتداء الثياب حسب فصول العام. كما أهدر جوركي، إلى حد ما، مواهبه الرائعة كروائي بامتثاله لتلك النزعة الجمالية البرجوازية (التي أعتقد أنها بروليتارية)، وطالما أكد أنه لوصف حارس أحد المخازن يجب دراسة مئةلانتقاء الملامح المشتركة بينهم، منهج في العلوم، يتيح الحصول على السمات العالمية بإزالة السمات الفردية؛ وهو السبيل إلى الجوهر، وليس إلى الوجود.وإذا كان جوركي قد نجا بصورة شبه مستديمة من كارثة تصوير شخصيات نموذجية مجردة بدلاً من نماذج حية، فكان ذلك رغماً عن جمالياته، وليس من أجلها؛ بدافع من غريزته الروائية، وليس من منطلق فلسفته الحمقاء.

قبل عقود من استسلام جوركي لهذا المفهوم، كان ديستويفسكي قد حطمه وفتح بوابات الأدب المعاصر كلها في “رسائل من تحت الأرض”؛ فلم يتمرد فحسب على سطحية الواقع الموضوعي لدى البرجوازي، بل عندما توغل في الأغوار السحيقة المظلمة للذات، وجد أن حميمية الإنسان لا علاقة لها بالعقل، أو المنطق، أو بالعلم، أو بالتقنية البليغة.

سيشمل هذا التحول نحو الذات العميقة كل الأعمال الأدبية الكبرى اللاحقة: سواء في رحابة أعمال مارسيل بروست أم الأعمال الموضوعية ظاهرياً عند فرانز كافكا.

ومع ذلك، أكد فلاديمير وايدلي في مقاله المعروف أننا نشهد عصر أفول الرواية؛لأن فنان اليوم “عاجز تماماً عن الامتثال للمخيلة الإبداعية”، مهووس كعهده بذاته الشخصية؛ وفيما يختص بكبار الروائيين في القرن التاسع عشر، يقول:”أولئك الكتاب، أمثال بلزاك، صنعوا عالماً، وقدموا مخلوقات حية من الخارج، أما أولئك الروائيون، مثل تولستوي، فقد أعطوا انطباعاً بأنهم الرب ذاته، أما كتّاب القرن العشرين فإنهم عاجزون عن إبراز ذاتهم، واقعون تحت تأثير التنويم المغناطيسي لمآسيهم ومخاوفهم، ومستوحدون للأبد في عالم من الأشباح”.

الحقيقة المستحيلة: قراءة في التحقيق لخوان خوسيه ساير

 

الحقيقة المستحيلة: قراءة في التحقيق لخوان خوسيه ساير

بقلم: م. كاندلاريا دي أولموس فيليز

“من يعبث بالكلمات لن يمتلك سوى الكلمات…”

تزفيتان تودوروف، العمر الصعب، في أجناس الخطاب

1. حبكة

التحقيق

لم تحظَ رواية التحقيق (1994) بالكثير من الاهتمام النقدي، وهي نص غير مألوف في مجمل أعمال ساير. فالإيقاع السردي الوصفي البطيء الذي اعتاد عليه قرّاؤه يفسح هنا المجال أمام متطلبات الرواية البوليسية، وهو جنس لم يتعامل معه الكاتب كثيرًا. حتى لو لم تصل الرواية إلى مستوى إدراجها ضمن “الأمثلة الكلاسيكية” للرواية البوليسية، فإنها على الأقل تستعير عدداً من تقاليدها لتنظيم مادتها السردية.

الفصل الأول يعرض قضية غريبة شغلت باريس لتسعة أشهر: سلسلة جرائم قتل استهدفت نساءً مسنّات يعشن بمفردهن. رغم جهود الشرطة، لم يتمكن مورفان ولا زميله لوتريه من كشف القاتل. في الوقت نفسه، يواجه القارئ مشكلة مماثلة: حتى الفصل الثاني، لا يعرف من يتحدث ومن يروي. هذه الاستراتيجية تجعل القارئ بدوره “محققًا”، يبحث ليس فقط عن القاتل، بل أيضًا عن هوية الراوي ولمن يوجه خطابه.

يتضح في الفصل الثاني أن الراوي هو بيشون، الذي يعود إلى الأرجنتين بعد عشرين عامًا في المنفى، ويقضي مساءً مع أصدقائه توماطيس وسولدي. خلال زيارتهم لابنة الكاتب واشنطن نورييغا، يعثرون على دَكتيلوغرام لرواية مجهولة العنوان في الخيام اليونانية. يبدأ الأصدقاء بالبحث عن هوية مؤلفها وزمن كتابتها.

أما الفصل الثالث فيعود فيه صوت بيشون لاستكمال الحكاية البوليسية: القاتل – وفق روايته – ليس سوى مورفان نفسه. غير أن توماطيس يعيد بناء الأحداث بطريقة مختلفة، تُدين لوتريه. وهكذا ينتهي القارئ أمام حلّين متعارضين، أي بلا حلّ.

باختصار، الرواية ليست سوى محادثة طويلة بين ثلاثة أصدقاء على العشاء، يتنقلون بين لغز الجرائم في باريس ولغز المخطوطة المجهولة. وكلاهما يتعلق بسؤال الهوية: من كتب الرواية؟ من ارتكب الجرائم؟ النتيجة النهائية: الحقيقة تظل احتمالية، مجرّد “نسخ” أو “إصدارات” سردية.

2. شهادة بيشون غاراي

يحاول بيشون أن يثبت أنه “شاهد”، فيصرّح:

لكن “شهادته” تتجاوز موقع الشاهد المحايد، إذ يروي تفاصيل عن أفكار ومشاعر مورفان لا يمكن لشاهد خارجي معرفتها. شهادته ليست نقلاً مباشراً بل مزيجاً من الصحافة والراديو والسينما والأدب. وهكذا، يفشل السرد “التوثيقي” ويذوب في تعدد الروايات. كل “نسخة” تولد أخرى، بحيث يصبح السرد عملية مفتوحة لا تصل إلى حقيقة واحدة.

3. نسخة بيشون: مورفان ولوتريه

يقدم بيشون صورة متناقضة عن الشرطيين:

  • مورفان: شرطي مثالي، حياته الخاصة تعيسة، لكنه عقلاني ومهووس بالحقيقة.
  • لوتريه: أقرب إلى الشرطي الخشن في الرواية البوليسية السوداء، يعتمد على العنف أكثر من المنطق.

كلاهما يمثل نموذجاً من تقاليد الرواية البوليسية (الإنجليزية الكلاسيكية مقابل الأمريكية السوداء). لكنهما في الوقت ذاته وجهان لعملة واحدة، وكل واحد منهما “نسخة” من الآخر.مع ذلك، سرعان ما ينقلب السرد: ربما القاتل هو مورفان نفسه. وربما لوتريه. وفي النهاية، لا أحد يعرف. الحقيقة الشخصية مثل الحقيقة الجنائية: عصية على القبض.

4. انقلاب توماطيس: التلاعب بالنوع البوليسي

يتدخل توماطيس ليقترح رواية أخرى: مورفان لم يكن القاتل، بل لوتريه هو المذنب. هذه “اللا-شهادة” تقوّض الرواية البوليسية التقليدية التي تعد قراءها بحلّ نهائي يعيد النظام للعالم. عند ساير، كل نهاية ليست سوى بداية “نسخة” أخرى. النتيجة: الرواية البوليسية تتفكك من الداخل، وتتحول إلى تأمل في معنى “الخيال” نفسه.

5. الشهادة المستحيلة للجندي العجوز

أما في المخطوطة المجهولة (في الخيام اليونانية)، فنجد ثنائية أخرى:

  • الجندي العجوز: حاضر في الأحداث لكنه لا يعرف شيئًا عنها.
  • الجندي الشاب: لم يشارك لكنه يعرف “الروايات” المتداولة في اليونان.

الأول يملك “تجربة بلا معرفة”، والثاني “معرفة بلا تجربة”. كلاهما يبرز استحالة تقديم شهادة كاملة عن الحقيقة. وما يبقى في النهاية هو الروايات، النسخ المتعددة، أي “الخيال” باعتباره الشكل الوحيد الممكن للمعرفة.

6. الاستنتاجات

تطرح التحقيق بوضوح موضوعًا محوريًا في أعمال ساير: الصراع بين الحقيقة والخيال. الرواية تستخدم “النسخة” (version) بثلاثة مستويات:

  • كتصنيف أدبي (الرواية البوليسية).
  • كأداة بنائية (تعدد الأصوات والحلول).
  • كتصور فلسفي عن الذات والحقيقة.

النتيجة أن البحث عن الحقيقة يظهر كمسعى مستحيل، لكن هذا الاستحالة بالذات هي ما يجعل السرد ممكناً. فـ”الخيال” عند ساير ليس خداعاً بل نوعًا من “الأنثروبولوجيا التأملية”، وسيلة لفهم الإنسان عبر الاحتمالات والفرضيات، لا عبر “الحقيقة المطلقة”.