المدونة, موضوعات متنوعة

فصل من كتاب بشر وتروس بعنوان: [ نحو السلطة عبر التجريد ] لـ: إرنستو ساباتو

نحو السلطة عبر التجريد

منح المال والعقل السلطةَ العلمانية للإنسان؛ ليس رغماً عن التجريد بل بفضله.

إن فكرة اتصال السلطة بالقوة الجسدية والمادة مُعتقد من لا يمتلكون خيالاً، فالهراوة عندهم أكثر فعالية من اللوغاريتم، وسبيكة الذهب أقيم من الكمبيالات، لكن سيطرة الإنسان في الحقيقة تضاعفت من اللحظة التي بدأ يستخدم فيها اللوغاريتمات والكمبيالات بدلاً من الهراوات وسبائك الذهب.

يعزز أي قانون علمي من سيطرته حين يتسع لحقائق أكثر؛ أي حين يُعمَّم، لكنه حين يُعمَّم يغدو أكثر تجريدية؛ لأن المحدَّد يختلط مع الخاص. نظرية آينشتاين أقوى من نظرية نيوتن؛ لأنها قائمة على أرض أكثر رحابة، ولهذا السبب هي أيضاً أكثر تجريدية. إنْ تعلق الأمر باكتشاف نيوتن، فلا تزال الإشارة إلى قصص التفاح أمراً ممكناً -حتى وإن كانت مختلقة- أما نظرية آينشتاين، فلا شيء للشعب ليقوله، فموتراتها وخطوطها الجيوزيدية شديدة البعد فعلاً عن بدهياته المحددة، ولا يُمكنه أن يهتم تقريباً إلا بكمان() صاحبها أو بشَعره.

يحدث الأمر نفسه مع الاقتصاد: كلما تطورت الرأسمالية، ازداد عنفوان أدواتها، وبالمثل طابعها التجريدي. هكذا، تغدو قوة سمسار البورصة، الذي يضارب في حبوب لم يرها قط، أكبر إلى حدّ اللانهائية من المزارع الذي يحصدها.

لا يجب أن نندهش من ارتباط الرأسمالية بالتجريد؛ لأنها لا تولد من الصناعة، وإنما من التجارة؛ لا من الحِرَفي -لأنه في الأصل عنصر روتيني وواقع وثابت- وإنما من التاجر المغامر بسعة خياله وكثرة حركته. تُنتج الصناعة أغراضاً محددة، لكن التجارة تتبادل هذه الأشياء، وجرثومة التجريد موجودة دائمة في التبادل؛ لأنه أحد أشكال الممارسة الاستعارية التي تنزع إلى تعريف الكيانات المختلفة عبر تجريدها من خصائصها المحددة. يمارس الإنسان، الذي يستبدل شوالاً من الطحين بنعجة، نشاطاً غاية في التجريد. ليس مهمّاً أن تغدو الحاجات المادية التي دفعته إلى ممارسة هذا التبادل مُحددة، مثل الجوع أو العطش أو الحاجة إلى التوالد، فما يحسم الأمر هنا هو أن هذا التبادل ممكن فقط عبر فعل قائم على التجريد؛ على مساواة حسابية بين النعجة وشوال الطحين، وأن كلا الغرضين يخضع إلى مبادلة. ليس على الرغم من اختلافاتهما، بل بسببها.

في النهاية، تتغلب اللوغاريتمات على الهراوة، وينتهي المطاف بسيطرة التجريدي على المحدَّد. ليست الآلات ما أطلق العنان للسلطة الرأسمالية، بل إن الرأسمالية النقدية هي ما أخضع الصناعة إلى سلطتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *