المدونة, موضوعات متنوعة

قصة بعنوان: «عندما تسعی لإثبات انحدارك من عائلة منهارة » من المجموعة القصصية العمى الأحمر ، لـ: عالية عطائي

عندما تسعی لإثبات انحدارك من عائلة منهارة

 

بعد ثلاثة أسابیع من وفاة أبي، ظهر ابن مروة مدّعیاً أنَّه أخونا! كان أسمرَ وقصیر القامة وسمیناً؛ تماماً كما كان أبي، ولدیه رسالة منه یوصي فيها شخص اسمه أنور بأن یُعطَى أربعة آلاف روبیة لابن مروة، وأن یأتي إلى إیران لاستلامها. كان تاریخ الوصیة یرجع إلى العام 2003، وفاروق أخونا من موالید 1983؛ أي بعد میلادي بسنتين، وأنا أول ذریّة أبي.

عندما دخل من الباب ظنناه من المعزین بوفاة أبي. لقد جاء من مسافة طویلة، ووصل متأخراً. جلس عند الباب كعلامة على تقدیمه العزاء، وقرأ الفاتحة، وبعد طرحه أسئلة مختصرة أعطی عمي الوحید، الذي ما زال علی قید الحیاة، الرسالةَ. روی قصته، ورجع لیجلس مستحیاً مطأطئ الرأس عند الباب.

اشتبكت أمور بیتنا المفجوع خلال دقائق؛ فواحد یأخذ بطاقته المدنیة، والثاني جوازه الباكستاني الذي یذكر فیه أنَّ مسقط رأسه هو دایكند في أفغانستان، وإذا بأخي يصرخ بأنَّ كفن أبي لم یجف بعد، وها قد ظهرت النسور! لكنني أنا كنت أتّبع باضطرابٍ أثراً لأبي في محیّا رجلٍ أحرقته الشمس، وهو الآن یدّعي أنَّه أخونا.

قالت لي ابنة خالتي، التي یبدو أنَّها قلقت علی حالي، ألّا أقلق أبداً من هذه المعمعة؛ لأنَّ كل هذا الكلام هراء، ویجب أن یثبت من خلال المختبر أنَّ فاروق فعلاً ابن أبي.

لم أكن قلقة علی شيء في الحقیقة. كنت أظن أن لا زوبعة یمكنها أن تضرب البیت أشد من الموت! وكان للموت في تلك الأیام قوة تذلل كلّ الفظائع حتی التي ذكرتها الآن. عند غیاب أبي لا أهمیة لمعرفة أولاده وبناته! وبینما كنت حائرةً في هذا الأمر كان الآخرون منشغلین بالحدیث عن سمعة المرحوم وإرثه وأبنائه. كنت أنظر إلى فاروق، الذي أخذ مصحفاً صغیراً من التي كانت علی المنضدة، وصار یتلو الآيات، وهو مطأطئ الرأس. عندها، وبعد ساعات من الأمر، خرجت أمي من غرفتها، وقالت بلا اهتمام للجمع المحدّق فيها:

 «كیف حال مروة؟ أما زالت علی قید الحیاة؟».

كانت أمي تعرف فاروق وأمّه. الصمت الذي خيَّم علی الجمع كان بمعنی أنَّ هنالك شخصاً یؤيد ادعاء فاروق. إذاً، كان فاروق أخي، فهززت رأسي من حیث كنت، وقلت بتلك الحالة المفجوعة:

 «أنا آسفة لحالك أیضاً؛ إذ إنَّك وصلت متأخراً بعد موت أبيك».

أزاحني أخي، وأخذ فاروق إلى الفناء، ورفع أحدٌ ما المصحف الملقَی علی الأرض.

دخل فاروق فجأة إلى حیاتنا في ذلك الیوم، مع أنَّ مروة كانت قد دخلت منذ سنین في حیاة أبي عندما كنت رضیعة. كانت خبازة، تقول أمي إنَّها امرأة ذات عینين فاتحتي اللون، ویدين قویتين لا تضاهیهما یدا أيّ امرأة خبازة آنذاك. لم یكن هنالك انطباق في التواریخ؛ میلاده كان في دایكند وشهادة المیلاد عند بدایة الحرب مع السوفيیت، وجوازه، وتاریخ لجوئه إلی باكستان. والذی قیل إنَّ الأمر طبیعي، ویمكن أن تكون كل هذه الأرقام غیر دقیقة، ولا سند لها، ولا استغراب منها؛ إذ كان لكل واحد منا عدة تواریخ ولادة مع جنسیات مختلفة وبطاقات هویة وجوازات. إذا كان الآخرون یصدقون أصلنا فنحن أنفسنا لم نكن نصدق ذلك! لكن على الرغم من عدم الاستناد إلى هذه الوثائق كنت أری رأي العین أنَّ لفاروق لونَ بشرة أبي وطوله ویديه، وهو ما لم یظهر عليَّ، وكان هذا الأمر كافیاً لعدم الاعتناء بتحذیر ابنة خالتي.

كانت مروة قد ولدت في دایكند، وهي ابنة لخطیب وعالمٍ، ویبدو أنَّها كانت تحفظ الكثیر من الأشعار والأغاني، وقد هداها وجهها وصوتها الجمیل إلی بیت أحد أعمامي في كابل حتی أصبحت خبازة العائلة، وهو الأمر الذي أوصلها إلی هرات. كان خبز البولاني من یدها لا مثیل له، ولم یكن أحد یضیف إلى الخبز، الذي خرج من تنور مروة، شيئاً، أو یأكل شیئاً آخر معه من لذته!

كانت تخبز مرتين في الیوم، وتلف وجهها بوشاح لكيلا یحرق اللهب بشرتها البيضاء الناعمة. كانت أمي تتوحم في تلك الأیام، فكانت مروة تضع خبزها جانباً عن الآخرين، وتضیف الزیت بمقدار معين وخاص لكيلا تصاب الحامل بالغثیان، وهكذا كانت تعرف أذواق الجمیع، ومنهم أبي بلا شك.

في أول لیلة لإقامة فاروق، وبعد هدوء الأوضاع، سألته أمي بهدوئها المعتاد:

«لمَ لم تأتِ مروة؟ أظن أنَّها الآن في السادسة والأربعین من عمرها، وما زالت شابة. هل ما زالت تغني؟».

كان اضطراب فاروق بجمعنا حواليه قد تجلى على وجهه؛ فقاطعت الكلام، وقلت اتركوه لیرتاح لأنَّه قطع مسافة طویلة من باكستان. كانت عائلتي مصابة بالرهبة بشكل طبیعي؛ ناهیك عن هذا الوقت بالذات، وموت أبي، ووصول وارث جدید بیننا.

سأله أخي الأكبر الذي كان هادئاً كصمت الصباح:

«لمَ جئت عن طريق البرّ؟ هل ما زال المنفذ الحدودي في میرجاوه متشدّداً كما في السابق؟».

كان یبدو أن لا أحد ینتظر رداً من فاروق؛ فدارت الرؤوس نحو خالتي التي قالت:

«لیست لدیه عینا أمّه الكبیرتان، عیناه صغیرتان لوزیتان كعیون المرحوم…».

فقاطعها عمي صارخاً:

«ما الذي تقولینه؟ لقد أخفت مروة أخي في التنور في ذلك اليوم الذي أُعلِن فيه عن أمرٍ بإلقاء القبض علی الجامعیین؛ إلّا إذا كانت قد أصبحت زوجته داخل ذلك التنور، وحملت منه. الله وحده العالم!».

تغیر مسار الحدیث بعد ابتسامة عمي الساخرة؛ إذ كان لعائلتنا أصول بتفاهة الطبع ما زادتها سنوات الحرب إلّا تفاهة! هرب شخص من أناس، وقُتل أحدهم علی ید جماعة، ولم یُقتل أحد على يد الجماعة، لكن الآخرين ادعوا أنَّه مقتول.. وهناك نوع من لعبة الافتقار إلى الهویة ما يجعل هذه الادعاءات تفتقد المعنى؛ على الرغم من أنَّ هذه الادعاءات جعلت لكل واحد من هؤلاء الناس درجة من السخافة، وعمي هذا الذي نجا من الموت قد تعدی كلّ حدود هذه السخافة!

كان فاروق یعلم بقدري عن قصة التنور؛ لكن أمي أوضحت الأمر، وقالت إنَّهم كانوا ملاحقین. كان كاكا رحمان، صدیق أبي الذي أصبح «الرفیق رحمان» بعد التحاقه بالحركة، قد وشی بأبي إلى رئیس الكلیة، وقامت مروة بإخفاء أبي في التنور لكيلا تعثر علیه دوریات الشیوعیین، وطال الأمر عدة ساعات فقط.

لم تهتم خالتي بكلام عمي أبداً، فأدارت وجهها نحوي، وأكملت:

«لا أحد یدر مبلغاً جیداً من الخبز في إیران مثل مروة! أنتِ لا تعلمین یا ابنتي؛ إذ كان أبوك یغدق عليها المال بلا حساب ولا كتاب».

كان یبدو أنَّ هذا الجمع یعرف مروة مع كلّ النكران الموجود، وكان لدیهم قدر من المعلومات التي تجعل مروة كشبح في حیاتهم كلهم، وهذا ما یتنافی مع رد فعلهم المبدئي. ومع دخول فاروق صار وصفهم المسهب بحقّ مآثر أبي في لیالي مجلس عزائه مستبدلاً بشوق وإثارة الكلام عن هذه الحكاية الممنوعة. ولا أقصد القصة بذاتها بل هوامشها، وأظن أنَّ فاروق كان یتحمل أفظع وضع في ذلك الحال! كنت أفكر في نفسي؛ أيّ مجریات تحدث في ذهن أحدٍ تجبره علی كسر صمت السنین، وعلى أن یضع نفسه ووالدته في فخ من التساؤلات؟! ألم یعلم أنَّه في أسوأ حالاته سیقولون إنَّ المرحوم قد أخطأ، وأن تلك المرأة ستبقی عرضة للاتهام؟! لكن یبدو أنَّ فاروق قد جاء لیأخذ حصته من السنین التي عاشها بلا أب، ويبدو أنَّه صبور أیضاً.

كانت خالتي تبدو كأنَّها جاءت لحلحلة هذا الأمر؛ فقالت بثقة عن كون مروة فتنة، وأضافت أنَّها كانت، بعد الانتهاء من أعمال البیت، تأتي إلى الرواق الذي كان الجمیع یجتمع فيه، وتغني هناك. قالت هذا ساخرةً من أمي الحزینة الجافلة، التي قالت إنَّ مروة كانت تعرف الشعر، وهي متعلمة.

في الأسبوع الثاني من إقامة فاروق، عرفنا أنَّه في العام الثاني من سيطرة طالبان على السلطة التحق والد مروة بتحالف الجبهة الشمالية لأفغانستان؛ كي ینقذ عائلته، لكنه لم یستطع الوصول إلى الشمال، وقد تمّ إعدامه كداعية مرتد في دایكند. مروة، التي كانت قد یئست من الكل، ذهبت مع ابنها المراهق إلى معقل طالبان؛ أي قندهار! وكان سبب الأمر، بحسب قول فاروق، أنَّها ظنَّت أنَّ أفضل طریقة لتجنّب التعرض للقتل هي أن تكون وسط الأنظار. قال هذا وهو یبدو أنه لم یفهم مثلنا سبب قیامها بالأمر؛ لأنَّ طالبان لم ترحم أبیها الذي انضمّ إليهم. هذا من ناحية. ومن ناحیة أخری، ألم تكن مروة مجرّد خبازة فحسب؟! فمن أین لها هذه المعرفة والاستراتیجیة للبقاء؟! كانت هذه الأسئلة تدور في الأذهان، لكن لا أهمیة للأمر. كان الجمع مهتماً بالمیراث وتوزیع الحصص!

كان فاروق قد أصبح واحداً منّا خلال الأسبوع الثاني من إقامته، وكانت سخریة خالتي مستمرة إلی جانب سكوت أمي! كان یقف في غرفة الضیوف عند وصول الضیوف من مكان بعید والأصدقاء وزملاء أبي، ولم یعرّفه أحدٌ على الآخرين، ولم ینطق هو بشيء أيضاً! لكن كانت له هيبة الحضور التي تمنع الآخرين من محاسبته، وأن یحسبوه ضیفاً لا صاحب البیت. كانت ابنة خالتي ما زالت تلاحق قضیة الاختبار الجیني؛ لكن لم یكن أحدٌ مستعداً بعدُ للذهاب إلى المختبر! كان الصمت بذلك الوضع ذا معنى خاص لكلّ واحد منا. ذهني المدمِّر، الذي فاجأه الموت، قد أصبح أكثر تدمیراً لذاته الآن. لم یكن لدي مانع على الإطلاق من كسر هیبة الجلیل المرحوم الذي تركني فجأة، وصار هذا الأمر كهجاء لهیبة أبٍ كبیر وعزیز بشهادة كل من عاشره. صارت خالتي، التي أصبحت خبیرة الآن بمعرفة «عملیات الخیانة»، تجد یومیاً اختلافاً بین مروة وابنها من ناحیة الجمال والشجاعة والفهم والفن و… حتی صارت تصل أحیاناً إلى استنتاج مفاده أنَّ فاروق لم یكن ابن أمه! هذا علی عكسي؛ إذ كنت أری اختلافاً طفیفاً بینه وبین أبي. قد أضیف صمت فاروق إلى صمت أمي، التي لم تقل شیئاً عن لزوم ذهابه برفقة أحد إخواني إلى المختبر. لم تأت مروة، خلال كل هذه السنین، ولم تطلب شیئاً منا إلّا تلك الرسالة التي تقول إنَّ أبي قد أرسل مالاً إليها. یبدو أنَّ المعلومات الوحیدة لمروة كانت تكمن في غیابها. عندما تفكر في أفغانستان والثقافة التي تروّج للجاریات وإظهار استعباد النساء كأمرٍ طبیعي؛ عندها یمكن التصدیق بأنَّ مروة قد قبلت مصیرها، ولم ترد الكلام عن الأمر. كانت خالتي، عندما ترید طمأنة أمي، تقول بثقة إنَّ فاروق ثمرة عقد مؤقت، ولا إرث له. لكن كانت هنالك أحاسیس تغلي في قلبي وهي: ماذا لو أنَّ امرأة بكلّ هذا الكمال كانت أكثر من زوجة مؤقتة؟ فصارت الكلمات تدور في ذهني:

 «حب وحبيب و….».

لكنها كانت كلمات مجردة من المعنى في تلك الجغرافیا، إلى حد أنها تجعلك لا تستند إليها. هنا الكلام عن الحرب والهروب والتنور وقندهار وباكستان… وهنالك بؤس مشهود یمنع حلّ طلاسم القصة إلّا من خلال الاختبار الجیني وهو مواجهة صریحة لمصیبة صریحة؛ لهذا كانت كلّ الأقاویل وما یُسمع عن مروة یضمحل عندما یتمّ الحدیث عن المختبر!

لكنْ، برأيي، إنَّ محاولة إثبات الانحدار من عائلة منهارة كانت سعیاً بلا جدوی، ولا تستحق المقاومة. بادرت بقصّ شعرات من أسفل خصلتي، ووضعتها في كیس بلاستیكي أسود، وأعطیته لفاروق، وقلت له:

«إما ألا تكون أنت ابنه، وإما ألا أكون أنا ابنته، فلا تهتمّ بإخواني، واذهب إلى المختبر».

لم أكن قد رأیت النتیجة من فعلتي الرمزیة بعد، أو ردة فعل فاروق، حتی وصل أنور، وهو الرجل المذكور في الرسالة، وعندها كشفت أمي عن ورقةٍ جعلت كلّ منطقنا العلمي والجیني وآمالنا محلاً للتساؤل. لم أعلم لِمَ لم یطرح أحدٌ سؤالاً عن أنور وتفاصیله وسط هذه اللعبة لتوزیع المیراث.

كان أنور یتكلم الفارسیة بصعوبة، وكنت أفهم لهجة البشتو خاصته بمشقّة، وأستوعب بعض الكلمات فحسب؛ لكن أمي وعمي یفهمان أغلبها. كان یبدو علیه أنَّه في الستینات من عمره، في عمر أبي نفسه تقریباً، وله سوار وساعة وضرس ذهبي، والأروع منها كلّها أقراط كبیرة من الذهب، ولم يتمكن المرء من تمييز أنَّه أفغاني أو باكستاني؛ تماماً كأبي الذي لم یكن باستطاعة أحد التمییز أهو إیراني أم أفغاني. لم یحضن فاروق، ولم یجلس معه، وفي ردّه على الجمل التي طرحها فاروق بالبشتو علیه، صرخ في وجهه كأنَّه كان یمقته، وكأن هناك بغضاً بینهما، وهو ما كان معلوماً من ردّة فعله! قال أنور إنَّ مروة قد دبّرت قصة التنور، وقد أُجبِرت علی أن تتزوّج «الرفیق رحمان»، وقال أیضاً إنَّ مروة الخبّازة كانت شیوعیة، وإنَّ رحمان هو والد فاروق.

بكی فاروق لأول مرة منذ وصوله، وقال إنَّه لیس ابن رحمان، ولا یقبل الانتساب إلى هذا الشخص أبداً، وإنهم قد كذبوا علیه! كان یبدو علی فاروق أنَّه مجهول بالنسبة إلى نفسه، وأنه یرید ألا یكون ابن رحمان بمعزل عن عدم معرفته لأبیه. كان فاروق یدعي أنَّ رحمان قد هرَّبهم إلی قندهار؛ لكن لأنور قصة أخری هي قصة مروة ورحمان، وأنَّ المال الذي أوصی به أبي ما هو إلا ترحّم وشفقة علی أصدقائه السابقین، وهو معروفٌ من قبل أبي بحقّ صدیقٍ تورط مع الحزب، وخسر دنیاه وآخرته.

عندما كان یدور الحدیث عن هجوم السوفیيت في بیتنا، تری كل شخص یروي ذكری من ذكریاته؛ من الذین عاصروا الحرب إلی الذین لم یولدوا في وقتها! یتحدثون عن الحرب والتشرد وسبعة وثمانين قبراً باقیةً من هجوم الجیش الأحمر أفجعت الكل، وهي فجیعة أشد من موت الأب.

لقد خُدِشت صورة مروة اللامعة، وما زال فاروق یدعي ألّا علم لدیه بماضي أمه الغریب وتعاونها مع الشیوعیین في هرات، وأجابني أنور، عندما طلبت منه أن یأتي بمروة إلی إیران، بقوله:

«مروة لیست علی قید الحیاة. ألم تخبرهم یا فاروق؟!».

في تلك اللیلة، وبعد ذهاب أنور، غطّ البیت مرة أخری في الصمت المعهود للبیوت المفجوعة، ولم یهتم أحد بما حلّ بمروة وفاروق، وقد اطمئن الجمیع إلى أنَّ نطفتهم لم تطل المرأة الخبازة التي علمنا أنَّها شیوعیة أیضاً، وأصبح فاروق ضیفاً لم یهتمّ أحد بتعاسته. بعد أربعین عاماً من الحرب، لا یطلب أحد دلیلاً للتعاسة والفقر، وإنَّما ما یهم هو حفظ ماء الوجه.

صمتت أمي باطمئنان، ورجعت لتأدیة دور الأرملة المفجوعة، وصار إخوتي یسخرون من الذهاب إلى المختبر، وكل واحد منهم یأتي بعذر، وأنَّ لدیه أعمالاً أهم من الاهتمام بأوهام هذا النازح. ها أنا واقفة أمام منصة الاستقبال في المختبر لاستلام النتیجة؛ لكنني لم أفهم فحواها التي كانت في ستّ صفحات؛ إذ كنا أعطینا تحالیل الدم إضافة إلى الشعر كي نطمئنّ أكثر، فأجاب الطبیب المتخصص بعد إطلاعه علی نتیجة التحالیل: 

«لا. هنالك اختلاف نسبته 75 في المئة، ولا یمكن أن تكونوا أنسباء».

كان اختلافنا بحدّ السمكة والإنسان! عندما خرجنا من المختبر في بیرجند أمسكت یده لأول مرة، وقلت:

«أحببتُ أن تكون أخي».

لم أعلم مدی صدق قولي؛ لكنني حقاً كنت أرید مواساته بعد الجفاء الذي رآه من هؤلاء القوم، وألّا أفكر في أوهامه وطمعه الذي اتهموه به، والخطة لسرقة المیراث و…

كان فاروق یتكلم الفارسیة، وكان هذا كفیلاً ببثّ الرجفة في جسمي عندما قال:

«لقد ماتت أمي في طفولتي أمام عیني».

كانت مروة قد قُتلت حین عبورها من البوابة المغناطیسیة، التي كانت تُعرف بالممر القذر، وقد استقبلت باكستان فاروق باعتباره طفلاً نازحاً. لقد كانت الحدود أو الممر القذر عبارة عن میدان مغناطیسي بفعل الكهرباء یجري بین مسارین من الأسلاك الشائكة كي یكهرب أيّ كائن یمرّ من هناك، وهكذا یمنعون الدخول غیر المصرح به. یبدو أنَّ باكستان في تلك السنین كانت الدولة الوحیدة التي قلّدت دول الشرق، وأقامت ممراً كهذا بینها وبین أفغانستان.

قال فاروق:

 «ركضت أمي نحو الأسلاك. كنا كثیرین، فركضت، وتبعتها، وكنت بعیداً عنها حین اشتبكت یداها بالأسلاك، وصارت ترجف بشدة، وسقطت. كانت تبدو علی ما یرام إلّا أنَّ جسمها ويديها جافة كالخشب».

تلك الیدان اللتان خبزتا لأبي… تعرّقت یدا فاروق في یدي. لم یكن رحمان أباً صالحاً له، وقد أصبح نازحاً في إحدى الدول التابعة للاتحاد السوفيیتي، وقد بقي فاروق في باكستان عند صدیق أبي ورحمان الذي هو أنور، صدیق قدیم كان یعمل سمساراً بالحدود بعد سقوط الشیوعیة. ومن كلامه كان واضحاً أنَّه حاول إقناع فاروق باتخاذ عائلة أخری، وكان فاروق مثلي یحلم بعیشة أخری له ولوالدته، عیشة تختلف عن المأساة التي علقنا بها وهي ممزوجة بحب أو هویة أفضل بعیداً عن كلّ هذا العفن الذي كان یلاحقنا كیلومترات بعیداً عن أفغانستان. لم أقل له إنَّ تاریخ میلاده في ورقة التحالیل هو 1986؛ أي بعد ثلاث سنوات من خروج أبي من أفغانستان، وهذه كذبة بجوازه. ما الفائدة من أن أزید همه؟! كنا مع اختلاف جیناتنا نحمل كروموسومات الهم نفسها، خلایا متبقیة من ألم لا یعرف رأسه من رجلیه؛ لكنه قد تكاثر في أرواحنا، ولا یمكن تشخیصه بأي مختبر إلّا مختبر وجودنا. أنا في إیران وهو في باكستان!

بینما كنا نسیر معاً في شارع بهشتي في بیرجند، كان فاروق یحكي عن یدي أمه المحروقتين عند الحدود، قمت بشراء قنینة ماء له، وقلت: «كفی یا أخي. ستنتهی الحرب في النهایة».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *