Blog
” حصلتُ على شهادة في الفلسفة”
نوره بابعير
حينما حصلتُ على شهادة الفلسفة، لم أكن أستلم ورقة اعتمادٍ أكاديمي فحسب، بل كنت أفتح بابًا جديدًا في داخلي. تلك الفلسفة التي كانت تتسع في مساحات العقل، تُلحّ بالأسئلة وهي تدرك الحراك الذي يفيض من بحورها، كانت تدرك الأعماق المخبأة خلف أضوائها. حينما يفتش الإنسان عن عقلٍ نَيِّر، يجد نفسه أمام مرآة الفلسفة؛ يدخل في دهشة الأفكار، والتحليل، والتخييل الذاتي، والانتباه، والتنبؤات التي تسعى إلى تكوين المعنى بالمفهوم المُقَرَّب. لذلك كنت أدرك أن النمو العقلي يبدأ من وجود الفلسفة في المعنى، وأن لكل شيء أسلوبًا فلسفيًا يقود الوعي إلى وجهته.
ومع هذا الإدراك، يتضح أن الفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا ولا معرفة مؤجلة للحياة، بل هي اختيار واعٍ للتطور. حين يقدّم الإنسان لنفسه شيئًا من هذا العلم، فإنه لا يضيف معلومة إلى مخزونه العقلي بقدر ما يعيد تشكيل طريقة تفكيره. الفلسفة تعلّمنا كيف نسأل قبل أن نُسلّم، وكيف نُفكك المسلّمات التي اعتدنا عليها، وكيف نرى ما وراء الظاهر دون أن نفقد اتزاننا أمام التعقيد.
اختيار الفلسفة هو اختيار للوعي؛ وعيٌ بالذات، وبالعالم، وبالعلاقات التي تشكّل وجودنا. إنها تدفع الإنسان إلى مراجعة أفكاره، وتمنحه شجاعة إعادة النظر، وتحرّره من الأحكام الجاهزة. ومع كل سؤال فلسفي، يحدث تطور خفيّ في الداخل؛ يتسع الأفق، ويصبح العقل أكثر مرونة، وتغدو الفكرة مجالًا للتأمل لا للصراع.
وحين يتطور الإنسان فلسفيًا، ينعكس ذلك على حياته كلها. يصبح أكثر قدرة على الفهم لا على الإدانة، وعلى التحليل لا على الانفعال، وعلى اختيار مواقفه بوعي لا بردّة فعل. الفلسفة لا تغيّر ما نراه فقط، بل تغيّر الكيفية التي نرى بها، وتمنحنا أدوات للتمييز بين ما يُقال وما يُفكَّر فيه، بين الحقيقة والرأي، وبين المعنى والفراغ.
إن تقديم الإنسان للفلسفة لنفسه هو فعل شجاعة معرفية؛ لأن هذا العلم لا يمنح إجابات نهائية، بل يضعك في مسار دائم من التساؤل والنمو. لكنه مسار يقود إلى نضجٍ أعمق، وإلى وعيٍ أكثر صفاءً، وإلى قدرة على العيش بفهمٍ أوسع للذات والعالم. وهكذا، تصبح الفلسفة ليست شهادة تُعلّق، بل تجربة عقلية تُعاش، وخيارًا للتطور المستمر، ونقطة انطلاق نحو إنسانٍ أكثر وعيًا بذاته وبمعنى وجوده