فصل من كتاب : مكتبة شكسبير الباريسية بعنوان : مكتبة خاصة بي

لطالما أردت أن أفتتح مكتبة، وبمرور الوقت تحولت هذه الرغبة إلى هوس. حلمت بافتتاح مكتبة فرنسية على أن تكون فرعًا لمكتبة مونييه، وتتخذ من نيويورك مقرا لها . أردت أن أساعد الكتاب الفرنسيين الذين أقدرهم كثيرًا لكي يزداد عدد قرائهم في بلادي. ولكنني أدركت، لاحقا، أن مدخرات أمي الضئيلة، والتي أرادت أن تجازف بها لصالح مشروعي، لا تكفي لتغطية تكاليف فتح محل في نيويورك. وكان مؤسفًا حينها، أن أتخلى عن تلك الفكرة المدهشة.

ظننت أن أدريان مونييه سوف تحبط من انهيار مخططنا لفرع من مكتبتها في بلادي. ولكنها، على عكس ما توقعت، كانت مبتهجة. لذا، تحولت الفكرة في لمح البصر إلى مكتبة أميركية في باريس. بإمكان رأس المال الذي أملكه الذهاب بي بعيدًا في باريس؛ كانت الإيجارات منخفضة وكذلك تكاليف المعيشة آنذاك.

أخذت بكل هذه المميزات في الحسبان، وبالإضافة إلى أنني مغرمة بباريس، وأعترف أن ذلك لم يكن باعثًا صغيرًا على الاستقرار ولكي أصبح باريسية. هناك أيضًا عامل أدريان التي تملك خبرة أربعة أعوام في بيع الكتب. إذ افتتحت مكتبها وسط أجواء الحرب وحافظت

على استمرارية مكتبها. وعدتني أدريان بتوجيهي في خطواتي الأولى، ومساعدتي من خلال إرسال العديد من الزبائن إلي. كان الفرنسيون – حسب ما علمت- متحمسين للاطلاع على الجيل الجديد من كتابنا الأميركيين، وبدا لي أن مكتبة أميركية صغيرة على الضفة الغربية من السين سوف تكون موضع ترحيب من قبلهم.

كانت الصعوبة تكمن في إيجاد محل شاغر في باريس، ربما كنتُ سأضطر إلى الانتظار لوقت أطول للعثور على ما أريد لو لم تنتبه أدريان إلى وجود محل للإيجار في شارع دوبيتران الصغير، يقع في زاوية من شارع الأوديون. وجدت أدريان الوقت لمساعدتي في تحضيراتي على الرغم من انشغالها بمكتبها، ومنشوراتها، وكتاباتها الخاصة. هرعنا إلى شارع دوبیتران، حيث حمل المحل العنوان رقم 8 من أصل 10 محال هي مجمل عقارات ذلك الشارع الصغير والمرتفع، وجدنا شيش النافذة مفتوحًا، وفي الأعلى كانت ثمة لافتة مكتوب عليها: «محل للإيجار».

قالت أدريان إنَّ المحل كان مصبَغةً في وقت ما، وأشارت إلى كلمتي «سميكة» و«رقيقة ما يعني أن المصبغة كانت تستقبل البياضات السميكة والرقيقة معًا. وقفت أدريان التي كانت ممتلئة الجسم نوعًا ما، تحت كلمة «سميكة»، وطلبت مني الوقوف تحت كلمة «رقيقة»، وقالت «هكذا نحن».

توصلنا إلى مسؤولة المبنى امرأة عجوز تغطي رأسها بالدانتيل الأسود، تقطن مكانًا أشبه بالقفص بين طابقين، كحال مسؤولي المباني في تلك البيوت الباريسية القديمة، وبدورها أخذتنا في جولة لترينا المحل من الداخل، الذي قرَّرتُ دونَ تردُّد أنه محلي أنا. كان المحل يتكون من غرفتين، يفصلهما باب زجاجي، وسلَّم يفضي إلى الغرفة الخلفية، أما الغرفة الأمامية فحوت موقد المصبغة وأمام الموقد مكواة.

رسم ليون بول فارغ ذات مرة الموقد كما بدا في الماضي ومن أمامه

آلات الكي، بدا على الأغلب أن المكان مألوف لديه بسبب عاملة المصبغة الجميلة التي كانت تكوي البياضات. ووقع على الرسم باسم لیون بویل فارغ» كنوع من التلاعب اللغوي مع كلمة موقد بالفرنسية
.poêle

تذكرت أدريان – وهي تنظر إلى الباب الزجاجي- أنها رأت المكان من قبل. ففي طفولتها، رافقت والدتها للمصبغة ذاتها. وبينما كانت النسوة منشغلات، تسلّت الفتاة الصغيرة أدريان بأرجحة الباب، وبطبيعة الحال تهشم الزجاج، وتذكرت الصفعة التي تلقتها من والدتها فور عودتها للمنزل.

أبهجني كل شيء: المحل، ومسؤولة المبنى «الأم غاروست» كما أسماها الجميع، والمطبخ الصغير المتفرع من الغرفة الخلفية، وباب أدريان الزجاجي، ناهيك عن الإيجار المنخفض. على الرغم من ذلك فكرت مليا بالموضوع، حتى الأم غاروست طلبت مهلة للتفكير بي ليوم أو اثنين، وفق الأعراف الفرنسية الأصيلة.

استقبلت والدتي في وقت قصير برقية مني، كتبت ببساطة: «سأفتتح مكتبة في باريس، أرسلي المال من فضلك. فأرسلت لي كل مدخراتها.

ماذا بإمكانِ الفلسفة أن تفعل حين تداهمنا الكوارث؟ بقلم: فدوى العبود

هل ضلّت الفلسفة طريقها حين سُجنت بين أروقة الجامعات؟ ألم تولد في شوارع أثينا على لسان سقراط الذي قال: “كانت أمي قابلة تولّد النفوس وأنا أولّد العقول”.
وما سبيل السعادة إن كان لها سبيل! هل يعقل أن نسلك الطريق من آخره أو بتعبير آخر، هل من الضرورة حتى نكون سعداء “أن نقضي زمنًا أطول في المقابر”، كما يرغب هايدغر في استمرارٍ لتقاليد سقراط الذي يعتقد أنه لكي “نتفلسف يجب أن نتعلم كيف نموت”.
لكن، دعونا من الموت وتعالوا لنرى حجم الكوارث التي علقنا بها كما يعلق الهامستر في دولاب يدور. كيف نتعامل مع العالم وهل تساعدنا الفلسفة؟ ولماذا نحتاجها أساسًا؟
لعلّ أنسب ما نفتتح به مقالنا هو البدء من النهاية، من خاتمة كتاب “البرج المقلوب: الوجه العملي للفلسفة” (دار جدل)، للناقد والباحث العراقي كه يلان محمد؛ وهو دعوة اختصرتها السطور الأخيرة التي انتهت بخطاب الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو أمام الأكاديمية السويدية عندما قال: “يشعر كلّ جيل بلا شك بأنّه مدعو إلى إصلاح العالم وإعادة تشكيله. يعلم جيلي أنه لن يصلح العالم، لكن مهمّته ربما تكون أكبر، إذ عليه منع العالم من تدمير نفسه”.
تبدو المهمة ثقيلة وفق هذا المنحى، فأن تأخذ الفلسفة على عاتقها ذلك، يستوجب أكثر مما يقدر عليه الإيضاح الذي نتوخاه هنا.
وهو ما حاول المؤلف عبر فصول الكتاب الثلاثة: “البرج المقلوب”، “الممرّ الفلسفيّ”، و”كهف الفلسفة” تفسيره، كاشفًا عن مدى تغلغلها في الحياة اليومية، مستعرضًا حياة الفلاسفة انطلاقًا من معلم أثينا سقراط الذي كان يُمطر أهلها بالأسئلة، إلى أبيقور الذي أراد تخليص الإنسان من معاناة العقل ورأى في الفلاسفة “أطباءَ للروح”، وصولًا إلى سينيكا وفلاسفة الحداثة؛ في محاولة لفهم حاجتنا لها لتخفيف حدّة القلق واحتواء المتناقضات التي نشعر بها والعثور على عزاء في عالم لا عزاء فيه.
وقبل هذا وذاك يحاول الإجابة عن السؤال الأصعب: هل ماتت الفلسفة في الواقع المعاصر؟
سيتكفل كتاب المفكر المغربي سعيد ناشيد “التداوي بالفلسفة” بجزء من المهمة، إذ بيّن “أهمية الفلسفة في تعزيز الإرادة لمواجهة أشدّ ظروف الحياة قسوة”، كما انتقد دارسي الفلسفة “ضحايا النصوص” الذين يتوهمون أنهم يمتلكون المعرفة. ويدور الكتاب في الفلك الرواقيّ الذي يرى “أن الأشياء لا تسوء، إنما تسوء الأفكار حول الأشياء”. وعلى امتداده يعود المؤلف مرّةً تلو أخرى إلى نيتشه “باعتبار أن عملية التفكير لدى فيلسوف المطرقة لا تتم بمعزل عن فاعلية الجسد”.
فالفلسفة لها دور كبير في الابتعاد عما يسميه سبينوزا “الأهواء الحزينة” أو ما يعدّه نيتشه “غرائز الانحطاط”، وهو ما يزيد الشعور بالإيجابية والسعادة لدى المرء ليتجاوز ذلك قدرتها على أن تحوّل واقعنا لتصبح وسيلة للتحكم بالذات.
يتجاوز المؤلف السؤال عن حاجتنا للفلسفة، إلى البحث فيما إذا كان بإمكانها أن تصبح مصدرًا للطمأنينة. فمشاكل الإنسان هي في رأسه، في تفكيره، “لذا من الأفضل بالنسبة له بدلًا من محاولة التحكم بالخارج، أن يتحكم في عالمه الداخليّ”.
وفق هذا تصبح الفلسفة ضرورة وتفقد وظيفتها إذ فشلت في تخفيف معاناة العقل. فالخطوة الأولى هي التفريق بحسب ناشيد بين غرائز السمو “الجرأة، التفوق، تحقيق الذات”، وغرائز الانحطاط “الضغينة، الخوف، الانتقام”؛ الأولى تدعم إرادة الحياة بينما الثانية معادية للحياة.
ولكن هل يتحقق ذلك من دون أمن عقلي؟
وما مقياس صحّة العقل؟
يحدد المؤلف علامات هذه الصحة، ولعلّ أهمها نشاطه المستقل والتحرر من الوصاية، والتخفّف من الشعارات الخلاصيّة، فتنفّس العقل خارج الأسيجة الشائكة يستدعي الاهتمام بالمجال الفلسفي، وعودة الفلسفة إلى عالمها اليوميّ والحياة العاديّة بعيدًا عن التعقيد المفاهيميّ. فوصفة السعادة هي “إصلاح العقل وغربلته من الأفكار الخاطئة وأبرزها الجهل” الذي يعادل عند سقراط “الشقاء والبؤس”، والخوف “وهو مصدر التعاسة لدى أبيقور”، وعند سبينوزا “تمنع الأهواء الحزينة القدرة على التمتع بالحياة”.
يتمحور القسم الأول حول رؤية بعض المفكرين للسعادة والعيش: سعيد ناشيد، لوك فيري، الرواقيّة، والأبيقوريّة، في عودة دائمة لإنقاذ العقل عبر الدعوة للبساطة والخفّة، “إذ إن الاستمتاع بالحياة يتطلب خفّة اللّاعب أو الراقص، وتتمثل غاية الفلسفة العمليّة في تحقيق هذه الخفّة”؛ عبر التحرّر من الحنين والخوف من الموت، “كل ذلك يستدعي الاهتمام بالحسّ الجماليّ، حتى لا يلمّ الجفاف والقسوة بالمشاعر”. وهو يناقش السعادة من منظور لوك فيري في كتابه “مقامات السعادة” ويربطها بالمعرفة والتخلص من الانفعالات، كما ينتقد السعادة التي ترتبط بالحسيّات في العصر الاستهلاكي والنظرة النفعيّة التي تراها في اللذّة فقط. لذلك يرفض فيري خيار التخلّي عن العالم الخارجي بحجّة هشاشة ما تستمدّ منه السعادة، ويلوذ بالأبيقوريين الذين حثوا على عدم تعقيد الحياة فاختبار صعوبتها “يريح الإنسان أكثر من الركون للوهم”.
يبدو الكتاب مناورة فلسفية ذكيّة لمواجهة الألم والشقاء ومسبّباته في عالمنا القائم على التسليع والتشيّؤ، “فالحصول على السعادة يحدث لحظة إدراك مكر الأخيرة وعدم ديمومتها”، والحلّ هنا “عدم ارتفاع سقف التوقعات حول ما يقع خارج ذاتك، وإلّا بتّ تابعًا لغيرك” لأنّ الخيبة تكبر أكثر كلما كان الأمل معقودًا على الخارج أو بتعبير نيتشه “لا شيء يساعدني، لا بدّ أن أساعد نفسي وإلّا فأنا منتهٍ”.

“الاستمتاع بالحياة يتطلب خفّة اللّاعب أو الراقص، وتتمثل غاية الفلسفة العمليّة في تحقيق هذه الخفّة، عبر التحرّر من الحنين والخوف من الموت”

يؤكد المؤلف على أهمية الفلسفة في التخلص من الرغبات والأوهام، ويُفرد مساحة كبيرة لأبيقور ورؤيته التي تقوم على “التمييز بين رغبات باطلة ورغبات طبيعيّة”.
ويستعرض مسيرة فلاسفة ارتبطت معاناتهم بفلسفتهم، كالإغريقي إبكتيتوس الذي عانى من قساوة العبودية، وكانت أمه “أمةً” ولم يعرف والده، والذي أصبح من أهم الفلاسفة الرواقيين وفلسفتهم التي تقوم على القيم الذاتيّة التي تحمي المرء من الإحباط وبعدها عن التنظير والاستعراض وارتباطها بالحياة، “إذا كنت في وليمة فلا تقل كيف ينبغي الأكل، بل كُل كما ينبغي”، وفي هذه الرؤية لا تنفصل الفلسفة عن الحياة وتقوم على الخبرة الذاتية وتُعيد طرح السؤال الذي طرحه فريدريك لونوار “عمّا إذا كان بوسعنا أن نؤسس لحكمة تستند لقوة الفرح؟”.
في القسم الثاني من الكتاب “الممرّ الفلسفي” ينتقد المؤلف التجريد الفلسفي بكونه مضرًّا بالفلسفة، ويحدّ من فاعليتها، كما أن تحويل الفلسفة إلى عقيدة يؤذيها إذ الهدف من الفلسفة حسب آلان باديو “تقويض الخطاب التسلّطي بخطاب حجاجي فالنقد هو جوهر عملية التفلسف”. ويعرض التجارب الشخصية التي تصبح مختبرًا لمقولات الفيلسوف أو بتعبير نيتشه “من لا يستطيع التفكير إلّا إذا كان الكتاب في يده، فهو يخسر استقلاليته في التفكير”؛ ويفرد مساحة للوجوديّة عبر أهم فلاسفتها متتبّعًا جذورها التي تعود للرواقيّة والأبيقوريّة، والتي ترى الإنسان مسؤولًا عن حريته واختياره، “فلا يوجد مسار مرصوف يهدي الإنسان إلى خلاصه، بل يجب عليه اختراع مساره دائمًا”.
يُعتبر الكتاب رحلة في مناخات “الرواقيّة، الأبيقوريّة، الوجوديّة، أرسطو، ولوك فيري، وبرغسون، وجون ديوي، سقراط، ونيتشه”، هذه الفلسفات الكبرى التي نشأت في جوٍّ من المرح، وكان الشارع هو “المكان الأمثل لمناظرات فكرية إبان اللحظة السقراطية”، فقد اقترنت الفلسفة بالمشي عند أرسطو و”المرح في حديقة أبيقور” كما أن المقاهي في العصر الحديث هي “منصة للحوارات الفلسفيّة كأمكنة رمزية”.
وتحت عنوان “سقراط معاصرًا” يدخل المؤلف في حوار مع الفيلسوف الذي تفرّد في بساطته وبصيرته بحقيقة ما هو جوهري في المسعى الفلسفي؛ وهو يتخيّله ماشيًا في حديقة من حدائق عالمنا الحالي، يناقش الحروب والأوبئة والذعر الذي يهيمن على الإنسان، متحدّثًا عن ضيق أفق الناس، وعن الوباء الاستهلاكيّ حيث “الحياة التي لا يتم فحصها ونقدها لا تستحقّ أن تعاش”؛ شارحًا شروط التفلسف وسمات “صاحب المشروع الفلسفي، والذي يجب أن يكون فاعلًا ومواكبًا لتحديّات عصره”، ويسأل المؤلّف سقراط عن سبب فشل الفلسفة في تقديم وصفة للتداوي؛ فيكون الجواب المستلهم من حياة سقراط: “ما يجب أن تنصرف إليه هو ما الذي يمكنك أن تعمله لنفسك بدون أن تتجاهل غيرك”.
كما يبحث المؤلف في حياة “ديوجين الكلبي، إمبيدوقليس، إبكتيتوس، ديكارت”، وغيرهم، متسائلًا عن المناعة النفسيّة التي تحلّى بها هؤلاء مقابل النكبات التي ألمّت بهم.
وهو يفرد لنيتشه مساحة كبيرة، والذي اخترق مناطق جديدة من التفكير وغير مطروقة في الاشتغال المعرفيّ؛ فلا يعني التفلسف “الانكفاء على الفضاءات المحددة والتنسّم خارج أوكسجين الشارع”؛ ويعرض لحياة الفيلسوف الروماني سينيكا الذي تصالح مع الحياة ومع التقدم في العمر “فالفاكهة تكون ألذّ عندما يقترب الموسم من الانتهاء”.
يتساءل المؤلّف عن العلاقة بين المثال الديني والإنسان وعن قصور النظرة الاختزاليّة والتراشق بين الأديان، ويرى أن نفي الدين عن الحياة لا طائل منه إذ إنه ملازم للحياة الروحيّة كما أن “زيادة الوعي بالفناء -حسب أرنست بيكر- تقود للبحث عن الدفاعات التي تدعم إنكار حالة الموت” ولطالما اعتُبرت الفلسفة مضادّة للدين.
يعود المؤلف إلى سعيد ناشيد ورؤيته التي ترى ضرورة “إعادة الاعتبار للتصوّف الفلسفيّ” وهو لا يتجاهل تجذّر الدين في اللّاوعي، “واستحالة أن تحلّ أكاديمية أفلاطون محلّ المعابد، لذا فإيجاد حل للتطرّف الديني لا يكون إلّا بما يسميه إريك فروم ‘الدين الإنساني القائم على الخبرة الشخصيّة التي تحفظ للإنسان كرامته وشعوره وحريته'”. ويعتبر البحث عن المعنى سرّ التقاطع بين المذهب الديني والقول الفلسفي، الأول حاجة داخليّة، والثاني رغبة عقلية وقد يتعارضان خصوصًا أنّ “الإيمان العقائديّ قد يقع خارج الإيمان الحرّ أو بتعبير كانط فالإيمان الحرّ يقوم على القيمة الأخلاقيّة لا الثواب والعقاب”.
يُستدعى كانط لتوضيح التقارب بين الفلسفة وبين الصوفيّة “إذ يهتم الخطان بالجانب السلوكي والجوهري للدين”، ونقطة اللقاء أن التديّن الحقيقيّ منفتح وبعيد عن الانغلاق؛ وأثناء بحث الإنسان عن المعنى يحدث أن ينجرّ للمحاكاة وسهولة الاستسلام للإغراءات؛ وقد يعتبر التفكير مضيعة للوقت أو بتعبير آلان دو بوتون إن “الحياة ذات المعنى لا تكون إلّا من نصيب قديسين وفنانين أو باحثين ومستكشفين”. لكن الخلاص تعبّر عنه رسالة نيتشه إلى أخته “إذ رغبتِ في تحصيل راحة البال والسعادة فعليكِ بالإيمان، أمّا إذا رغبتِ بأن تكوني من مريدي الحقيقة فعند ذاك عليكِ بالبحث”.
يقوم كتاب “البرج المقلوب” للباحث والناقد العراقي كه يلان محمد على الفكرة التي تقول “بأن الفهم الفعلي للفيلسوف، لا يتم إلّا بالنظر إلى مغامراته الحياتيّة الذاتيّة فالسؤال عن الفلسفة العملية يعني السؤال عن الذات والسعادة ودروسًا في التعامل مع الواقع والخصوم وفرصة بناء كيان وجودي متوازن”، وفي هذا الخصوص ينصح ميشيل أونفري بألّا نستخف بالخصوم، إذا أتاحت لنا انتقاداتهم معرفة أفضل عن ذواتنا.
يحاور المؤلف في هذا الكتاب نيتشه ويستعيد الحكمة النيتشوية الماثلة في الضحك والرقص ويكتب “أن تكون نيتشويًّا يعني أولًا أن تغدو نفسك” ويقرُّ مع ألبير كامو أن “فساد العالم القديم بدأ بمقتل سقراط”، فالروحية السقراطيّة “تعني التساهل تجاه الآخرين والصرامة تجاه الذات”، لتصبح الفلسفة عزاءً بالمعنى الرواقيّ، ووجودًا بالمعنى الوجوديّ، و”الحياة الجيدة -بتعبير سينيكا- هي هبة الفلسفة”، ومن خلال الإيمان بأن بمقدور الفلسفة أن تحررنا بإرجاعنا إلى ذواتنا. أو بتعبير فولتير في “كانديد”: “عليك أن تعنى بزراعة حديقتك”. والدروب في كل هذه الفلسفات تحيلنا إلى أسئلة كانط الثلاثة: “ما الذي أعرفه، ما الذي أعمله، وما الذي أرجوه”؟

فصل من رواية طلسمات لـ : جواد خاوري

في ذلك العام، على الرغم من قسوة الشتاء، كان الربيع مباركاً؛ إذ ارتوت الأرض بالكامل تحت انهيار الجليد واستعدت للزراعة. مع ذلك تأخرت الزراعة بسبب انشغال الناس بإصلاح الدمار الناتج عن انهيار الجليد.
جهّز نيكه، الذي صار صاحب المُلك، نفسه تماماً لكي لا يتعرض للسخرية من قبل هذا وذاك. فبعد أن أصلح أنقاض المنزل، ذهب إلى الحقل. كان له ثور واقترض آخر من خليفة ضامن وربط النير والحبل بعنقيهما وبدأ الحرث. غرق في عمله إلى درجة أنه عندما جاء أنور ابن سكينة لم يرغب في ترك الثورين والذهاب للاستفسار عن أحواله.
كان أنور من أهالي القرية ذاتها، وما إن صار راعياً حتى ظهر ورم في عنق والده وتوفي. بعد ذلك، كانت والدته سكينة هي التي تتولى رعايته هو وأخته. حتى تزوّجت سكينة وهرب أنور من البيت، حيث انتقل من قرية إلى قرية ومن ولاية إلى أخرى حتى وصل إلى كابل. وهناك أصبح خادماً في بيت مهندس، وتعلّم القراءة والكتابة بشكل أو بآخر. وبعد أن وصل تره كي إلى السلطة أصبح عضواً في الحرس الثوري ليعمل على نشر المثل العليا للثورة.
خاف منه الناس بعد أن رأوه من بعيد قائلين: «لا سمح الله إلا بالخير. ما الذي حدث حتى جاء عنصر حكومي؟!»، ولكن عندما عرفوا من هو، تنفّسوا الصعداء وعانقوه بفرح. أنور، الذي كان قد ارتدى طقماً جديداً وسرح شعره وجعله براقاً، لم يترك أي شك لأحد في أنه من رجال الحكومة حقاً. اندهش الناس بصنع الله متسائلين كيف وصل يتيم بلا أهل إلى النقطة التي يأكل فيها خبز الحكومة، وراحوا يحسدونه، وفي الوقت نفسه فكروا في أطفالهم الذين يرعون البقر والحمير.
عندما انتهوا من الاستفسار عن أحوال بعض، قال أنور: «هل تعلمون أن ثورة قد قامت هناك؟».
فتذكّر الناس زبدية ثريد الخبز بالزبادي، التي قَلَبها عنصر حكومي قبل مدة. فلهذا السبب أجابوا بالإيجاب. سأل خليفة ضامن، الذي كان يفكّر في زبدية ثريد الخبز بالزبادي: «هل الثورة مثل انهيار الجليد؟ ربما هي تماثل انهيار الجليد الذي سقط على قريتنا».
أجاب أنور: «لا، بل هي تشبه التنّور الذي يعطي الإنسان خبزاً ساخناً، فلا يبقى الغريب ولا البائس جائعين عند هذا التنّور. فعلينا نحن وأنتم، الذين لم نشبع في حياتنا قطّ، أن ندعم الثورة التي يقودها نور محمد تره كي».
كان كلام أنور باعثاً على الأمل إلى حدِّ أن الناس لم يكونوا يصدّقونه. والأهم من ذلك كله أنهم حاروا في أمر أنور؛ فكيف أصبحت له طلاقة اللسان هذه. أمّا نيكه، الذي أوقف الثورين أخيراً وجاء لزيارة أنور، فقال لنفسه إنّ الخبز الساخن لا يُشبع أحداً. وعندما جرّه أنور جانباً وقال له: «تعال وانضم إلى حزب الشعب»، لم يفهم ما يقصده، فأوضح له أنور قائلاً: «لقد حان الوقت لتأتي وتستفيد من إمكانات هذه الحكومة. لقد كنت سجيناً هنا عشر سنوات. هذه وثيقة تجعلك ذا منصب وذا قرية في آنٍ واحد؛ فيكفي أن تحرّك نفسك وتنطلق».
لم يشعر نيكه بالفرح على الإطلاق؛ إذ كان يرى أنّ أنور قد انخدع بالأجواء السائدة هناك، وبات يتفوه بالهراء. كان يودّ أن يفكّر في زراعته التي قد بدأها حديثاً. فجرّ نفسه إلى ظل الجدار على مضض، وقال لأنور الذي كان لا يزال واقفاً في مكانه: «لا تتّبع هذه الأقوال».
لم يضف أنور شيئاً آخر. فتح الكتيّب الذي كان ممسكاً به تحت إبطه، وقال للناس: «إن الحكومة تجرّد الأقطاعيين والأغوات من أراضيهم وتوزعها على الفقراء وعلى الذين لا أرض لهم؛ فتعالوا سجّلوا أسماءكم لكي تمتلكوا أرضاً إذا صار حظكم متساوياً».
سأل خليفة: «وماذا عنّا نحن الذين نمتلك أرضاً بحجم راحة يد؟».
أجاب أنور: «لا داعي للقلق».
فسجّل الجميع أسماءهم بالجملة، وسجّلوا حتى أسماء الغائبين، مثل ديدار الابن الأكبر لخليفة ضامن، الذي كان قد ذهب إلى إيران ليشتغل عاملاً يومياً. كما سُجِّل اسم الملا يعقوب مع أنه لم يكن بحاجة الى أرض. ثم أخرج أنور صورة من كتيّبه وعرضها على الناس قائلاً: «الرفيق تره كي».
نظر الناس إليها متحمّسين وسألوا: «هل هذا هو الملك الجديد؟».

في الليل، رغب خليفة ضامن في الاستماع إلى المذياع، فكانت أقوال أنور قد بعثت فيه الأمل إلى درجة أنه أراد الاستماع إلى عزف بهيج على الطنبور. وبحماسة اليوم الأول ذاته، أخرج المذياع من الصندوق الذي كان يحتفظ فيه بممتلكاته الشخصية. كان يعلم أن بطارية المذياع قد نفدت، لكنه مع ذلك ألصق الجهاز بأذنه. دوّى الصوت العذب لعازف الطنبور في أذن خليفة ضامن. وعلى الرغم من أنه فصل المذياع عن أذنه بعد مدة من الوقت، لم ينقطع صوت الطنبور، بل استمر طوال الليل.
في اليوم التالي، وضع مذياعه على ظهر حماره مع كيسين من الزبادي وذهب إلى سوق «بند كوسه» لشراء بطارية. وخلال الساعات الأربع، التي كان فيها على طريقه إلى السوق، حاول أن يتذكّر ويترنم نفسه الأشعار التي سبق أن سمعها من مذياعه. وعندما لم يتذكرها جيّداً، لم يحزن كثيراً، فقد كان على يقين بأنه عند شراء بطارية سيسمع مرة أخرى غناء عازف الطنبور وسيتذكّر كلماته؛ لكنه بعد أن اشترى البطاريّة وشغّل المذياع سمع شخصاً يتحدث عن الثورة مثل أنور. وفي الطريق أيضاً شغّل المذياع عدة مرات، لكن الحديث عن الثورة كان لا يزال يجري، فاقتنع بأن الثورة أمر مهمّ مهما كانت. لذلك حاول جاهداً أن يكتشف شيئاً عنها، لكنه لم يفهم شيئاً. وبعد أن وصل إلى المنزل واطمأنّ، شغّل جهازه مرة أخرى. وفي هذه المرة سمعهم يتحدثون عن توزيع الأراضي. وضع أذنه بالقرب من المذياع ليسمع بشكل أوضح. كان الأمر صحيحاً كما قال أنور، راحت الحكومة توزّع الأراضي على المحتاجين والفقراء، فتنفّس خليفة ضامن الصعداء.
بعد ذلك، كان يشغّل مذياعه كل ليلة، ويستمع إلى أخبار توزيع الأراضي. لكن عمليات توزيع الأراضي كانت تنفّذ دائماً في ولايات أخرى. وكان خليفة ضامن على يقين بأن دور ولايات الهزارية سيأتي يوماً ما. فعند ذاك سيسمع بالتأكيد أخبار ذلك من مذياعه. وعندما كان يفكّر في أنور الذي أصبح رجلاً ذا مصداقية، كان يزداد أمله. وكان يشكر الله بقلب متفائل لأن قوم الهزارة باتوا شركاء في أعمال الحكومة. وعندما كان المذياع يردّد شعاره كل ليلة: «عاشت الشعوب الكادحة! عاش الفلاحون الشرفاء! وإلى الأمام نحو العدالة والمساواة!»، يغمض خليفة عينيه ويرى الهزاريين وقد ارتدوا ملابس رسمية وحملوا كتيّبات وأقلاماً مثل أنور.

فصل من كتاب بشر وتروس بعنوان: [ نحو السلطة عبر التجريد ] لـ: إرنستو ساباتو

نحو السلطة عبر التجريد

منح المال والعقل السلطةَ العلمانية للإنسان؛ ليس رغماً عن التجريد بل بفضله.

إن فكرة اتصال السلطة بالقوة الجسدية والمادة مُعتقد من لا يمتلكون خيالاً، فالهراوة عندهم أكثر فعالية من اللوغاريتم، وسبيكة الذهب أقيم من الكمبيالات، لكن سيطرة الإنسان في الحقيقة تضاعفت من اللحظة التي بدأ يستخدم فيها اللوغاريتمات والكمبيالات بدلاً من الهراوات وسبائك الذهب.

يعزز أي قانون علمي من سيطرته حين يتسع لحقائق أكثر؛ أي حين يُعمَّم، لكنه حين يُعمَّم يغدو أكثر تجريدية؛ لأن المحدَّد يختلط مع الخاص. نظرية آينشتاين أقوى من نظرية نيوتن؛ لأنها قائمة على أرض أكثر رحابة، ولهذا السبب هي أيضاً أكثر تجريدية. إنْ تعلق الأمر باكتشاف نيوتن، فلا تزال الإشارة إلى قصص التفاح أمراً ممكناً -حتى وإن كانت مختلقة- أما نظرية آينشتاين، فلا شيء للشعب ليقوله، فموتراتها وخطوطها الجيوزيدية شديدة البعد فعلاً عن بدهياته المحددة، ولا يُمكنه أن يهتم تقريباً إلا بكمان() صاحبها أو بشَعره.

يحدث الأمر نفسه مع الاقتصاد: كلما تطورت الرأسمالية، ازداد عنفوان أدواتها، وبالمثل طابعها التجريدي. هكذا، تغدو قوة سمسار البورصة، الذي يضارب في حبوب لم يرها قط، أكبر إلى حدّ اللانهائية من المزارع الذي يحصدها.

لا يجب أن نندهش من ارتباط الرأسمالية بالتجريد؛ لأنها لا تولد من الصناعة، وإنما من التجارة؛ لا من الحِرَفي -لأنه في الأصل عنصر روتيني وواقع وثابت- وإنما من التاجر المغامر بسعة خياله وكثرة حركته. تُنتج الصناعة أغراضاً محددة، لكن التجارة تتبادل هذه الأشياء، وجرثومة التجريد موجودة دائمة في التبادل؛ لأنه أحد أشكال الممارسة الاستعارية التي تنزع إلى تعريف الكيانات المختلفة عبر تجريدها من خصائصها المحددة. يمارس الإنسان، الذي يستبدل شوالاً من الطحين بنعجة، نشاطاً غاية في التجريد. ليس مهمّاً أن تغدو الحاجات المادية التي دفعته إلى ممارسة هذا التبادل مُحددة، مثل الجوع أو العطش أو الحاجة إلى التوالد، فما يحسم الأمر هنا هو أن هذا التبادل ممكن فقط عبر فعل قائم على التجريد؛ على مساواة حسابية بين النعجة وشوال الطحين، وأن كلا الغرضين يخضع إلى مبادلة. ليس على الرغم من اختلافاتهما، بل بسببها.

في النهاية، تتغلب اللوغاريتمات على الهراوة، وينتهي المطاف بسيطرة التجريدي على المحدَّد. ليست الآلات ما أطلق العنان للسلطة الرأسمالية، بل إن الرأسمالية النقدية هي ما أخضع الصناعة إلى سلطتها.

فصل من رواية : منزل البروفيسور لـ: ويلا كاثر

كلُّ الأشياء المهمة جدًّا التي حصلت في حياته، كما كان يقول سانت بيتر في بعض الأحيان، قد تمّت بِمَحِضِ الصُّدفة. دراسته في فرنسا كانت بالصدفة. وحياته الزوجية كانت سعيدة إلى درجة كبيرة تبعًا لظروف لم يكن له ولزوجته أي علاقة بها. لقد كانوا شبابًا يتمتعون بمؤهلات جيدة، غارقين في الحب، لكن لم يكن بالإمكان أن يكونا سعيدين لولا أن ليليان ورثت دخلًا صغيرًا من والدها- حوالي 1600 دولار فقط في العام، لكن هذا المبلغ أحدث كل هذه المتغيرات في العالم.

إن قضاء بعض الفترات الفاصلة والمهمة بين الموظفين، جعله يدرك أن ليليان لا يمكنها العيش في ضيق، أو الخروج بمظهر غير لائق، والقيام بالأعمال المنزلية، كما تفعل زوجات بعض زملائه. ففي ظلّ هذه الظروف أصبحت شخصًا آخر، شخصًا لاذعًا.

كان توم أوتلاند بمثابة ضربة حظ لم يكن بإمكانه تخيُّلها؛ من مجيئه الغريب، قصته الغريبة، إخلاصه، وفاته المبكرة وشهرته بعد وفاته- كل هذا كان خياليّا. والخيالي أيضا، أن هذا الصبي المتشرِّد كان عليه أن يجمع ثروة لشخص غريب لم يسمع باسمه من قبل، لشخص “غريب مُسرف ومراوغ”. لطالما فكّر البروفيسور في تلك النغمة الجهورية الغريبة الصاعدة واللاذعة في طبقة الباريتون في قداس برامز، مستحضرًا الكلمات، “إنه يكدّس الثروات ولا يمكنه معرفة من سيبعثرها!” وقد بدا له أن حدّة هذا المقطع لا مبرّر لها حتى قرأها في ضوء تاريخ عائلته.

اعتقد سانت بيتر أنّ مسار القدر كان جيدًا معه. لم يرغب أن يعيش حياته مرة أخرى- فقد لا يحالفه الحظ الجيد مرة أخرى. لقد عاش رومنسيتين: واحدة في القلب، ملأت حياته لسنوات عديدة، والثانية في العقل-رومانسية المخيّلة. وحالما بدأ إشعاع الكون يتلاشى بالنسبة له، جاء أوتلاند وجدّد له شبابه.

وخلال أبحاث أوتلاند، هذه الفترة التي توقفا عن كونهما تلميذ وأستاذ، وعاد له شغفه من جديد في تجربة أشياء كان قد ضجر منها. كان عقل الصبي شعلة متّقدة من الذكاء الحاضر دائمًا، حيثما يوجد بيئة خصبة. تطلّب إيصال أفكاره الاطّلاع على وجهات نظر قديمة تغيّرت في ضوء الجهود الجديدة.

وإذا كانت كتابة المجلدات الأربعة الأخيرة من ” المغامرون الإسبان” قد تمت بطريقة أكثر بساطة وحتمية من المجلدات التي سبقها، فذلك يعود بشكل كبير إلى أوتلاند. فعندما بدأ سانت بيتر عمله لأول مرة، أدرك أنَّ العقبة الكبيرة هي فقدانه للصَّداقة في سنٍّ مبكِّرةٍ، وحقيقة أنه لم يقضِ شبابه في الرِّيف الجنوبيّ الغربيّ الرَّائع والمُبهر والذي كان مسرحًا لمغامرات مستكشفيه. وفي الوقت الذي وصل فيه إلى المجلد الثّالث، دخل إلى بيته صبيّ ونشأ هناك، صبيٌ ذو مخيلة، بمهارة وبصيرة اكتسبهما من تجربة غريبة للغاية؛ صبي يحمل في جعبته أسرارًا لا تبوح بها الممرات القديمة والحجارة والمجاري المائية سوى للمراهقين.

بعد عامين على تخرج توم، أخذوا نسخة من مخطوطة فراي غارسيس التي كتبها البروفيسور من المخطوطة الأصلية في إسبانيا، ونزلوا معًا إلى المنطقة الجنوبية الغربية. بحلول الخريف كانوا قد قطعوا على ظهور الخيل كل ميل من الطريق المذكور في المخطوط. كان بِإمكان توم أن يختار أي جملة من مذكرات غارسيس ويعثر على البقعة المحددة التي عبر فيها المُبشر نهر ريو كولورادو في أحد أيام الآحاد في عام 1775. استفاد من وجود قرى البيوبلو، فكلما صادف قرية، كان يستدل على المسار الذي من خلاله بلغ الكاهن هذا المكان وانتقل إلى المكان التالي.

في تلك الرحلة ذهبوا إلى الميسّة الزرقاء التي تحدث عنها توم، وتسلقوا سلم أشجار الصنوبر وصولاً إلى المدينة الجرفية، صعدوا إلى عش النسر، وهناك أخذوا دفتر يوميات توم من الخزانة الحجرية حيث أقفل عليه منذ سنوات خلَت، قبل أن يتوجه إلى واشنطن في مهمته الفاشلة.

في الصيف التالي، ذهب توم مع البروفيسور إلى المكسيك. خططا لقضاء صيف ثالث معًا في باريس، لكن الأمر لم ينجحْ أبدًا. تأخّر أوتلاند بسبب إجراءات الحصول على براءة اختراعه، ثم حلَّ أغسطس من عام 1914. في ذلك العام توقف الأب دوتشين، الكاهن التبشيري الذي كان معلّم توم، في هاملتون في طريق عودته إلى بلجيكا، مسرعًا لتقديم الخدمة لوطنه بكل ما يستطيع. بقي الرجل العجوز الصارم في هاملتون لأربعة أيام فقط، وفي أثناء ذلك رتّب أوتلاند أفكاره، عقد العزم، حزم أغراضه، وقال وداعًا، أبحر مع الأب دوتشين على متن الروشامبو.

وبقي البروفيسور سانت بيتر حتى الآن يتحسّر لأنه لم يحظَ بتلك العطلة في باريس مع توم أوتلاند. كان يرغب في زيارة أماكن محددة معه مرة أخرى: كالذهاب في أحد الصباحات الخريفية إلى حدائق لوكسمبورغ، عندما تكون كستناء الحصان الصفراء فاتحة ومرّة بعد المطر، للوقوف معه أمام النصب التذكاري لديلاكروا ومشاهدة سطوع الشمس على التماثيل البرونزية- وعلى الزمن، الذي يأخذ معه الشباب الذي ناضل ليمسك بقبضته-أو ليتصالح معه؟ وهذا ليس مهمًّا. ربما كان مهمًّا لتوم، ولم تُتَحْ له الفرصة، فقد حدثت كارثة كبيرة واحدة، اجتاحت كل الشباب وجميع القبضات، وتقريبًا الزمن نفسه.

ولنفترض أن توم كان أكثر تعقلّا، ولم يرحل مع معلمه القديم، تساءل سانت بيتر في بعض المرات عمّا كان سيحدث له؟ حالما يقع فريسة النجاح الدنيوي. لم يستطع أن يرى توم يبني منزل “أوتلاند”، أو أن يصبح مُلهمًا وشخصية عامة في هاملتون. ما هو التغيير الذي كان سيحدث في عينه الزرقاء، في يده الطَّويلة الجميلة ذات الإبهام الزنادي الخلفي، التي لم تتعامل أبدًا مع أشياء ليست مثالًا للأفكار؟ لا بدّ أنَّ يدًا مثل هذه اليد سيكون لها استخدامات أخرى لو كان على قيد الحياة. كان سيطلب منه زملاؤه العلماء، وزوجته، والمدينة والدولة واجباتٍ كثيرة، كان عليه أن يكتب آلاف الرسائل عديمة الجدوى، ويُعدّ الآلاف من الأعذار الكاذبة. كان يتعين عليه “إدارة” مبلغ كبير من المال، ليكون أداة في يد امرأة اعتادت منذ طفولتها أن تكون دائمًا أكثر تطلّبًا. لقد نجا من كلِّ ذلك. خلَقَ شيئًا جديدًا في العالم-وترك المكافآت والإيماءات التَّقليدية التي لا مَعنى لها للآخرين.

قصة بعنوان: «عندما تسعی لإثبات انحدارك من عائلة منهارة » من المجموعة القصصية العمى الأحمر ، لـ: عالية عطائي

عندما تسعی لإثبات انحدارك من عائلة منهارة

 

بعد ثلاثة أسابیع من وفاة أبي، ظهر ابن مروة مدّعیاً أنَّه أخونا! كان أسمرَ وقصیر القامة وسمیناً؛ تماماً كما كان أبي، ولدیه رسالة منه یوصي فيها شخص اسمه أنور بأن یُعطَى أربعة آلاف روبیة لابن مروة، وأن یأتي إلى إیران لاستلامها. كان تاریخ الوصیة یرجع إلى العام 2003، وفاروق أخونا من موالید 1983؛ أي بعد میلادي بسنتين، وأنا أول ذریّة أبي.

عندما دخل من الباب ظنناه من المعزین بوفاة أبي. لقد جاء من مسافة طویلة، ووصل متأخراً. جلس عند الباب كعلامة على تقدیمه العزاء، وقرأ الفاتحة، وبعد طرحه أسئلة مختصرة أعطی عمي الوحید، الذي ما زال علی قید الحیاة، الرسالةَ. روی قصته، ورجع لیجلس مستحیاً مطأطئ الرأس عند الباب.

اشتبكت أمور بیتنا المفجوع خلال دقائق؛ فواحد یأخذ بطاقته المدنیة، والثاني جوازه الباكستاني الذي یذكر فیه أنَّ مسقط رأسه هو دایكند في أفغانستان، وإذا بأخي يصرخ بأنَّ كفن أبي لم یجف بعد، وها قد ظهرت النسور! لكنني أنا كنت أتّبع باضطرابٍ أثراً لأبي في محیّا رجلٍ أحرقته الشمس، وهو الآن یدّعي أنَّه أخونا.

قالت لي ابنة خالتي، التي یبدو أنَّها قلقت علی حالي، ألّا أقلق أبداً من هذه المعمعة؛ لأنَّ كل هذا الكلام هراء، ویجب أن یثبت من خلال المختبر أنَّ فاروق فعلاً ابن أبي.

لم أكن قلقة علی شيء في الحقیقة. كنت أظن أن لا زوبعة یمكنها أن تضرب البیت أشد من الموت! وكان للموت في تلك الأیام قوة تذلل كلّ الفظائع حتی التي ذكرتها الآن. عند غیاب أبي لا أهمیة لمعرفة أولاده وبناته! وبینما كنت حائرةً في هذا الأمر كان الآخرون منشغلین بالحدیث عن سمعة المرحوم وإرثه وأبنائه. كنت أنظر إلى فاروق، الذي أخذ مصحفاً صغیراً من التي كانت علی المنضدة، وصار یتلو الآيات، وهو مطأطئ الرأس. عندها، وبعد ساعات من الأمر، خرجت أمي من غرفتها، وقالت بلا اهتمام للجمع المحدّق فيها:

 «كیف حال مروة؟ أما زالت علی قید الحیاة؟».

كانت أمي تعرف فاروق وأمّه. الصمت الذي خيَّم علی الجمع كان بمعنی أنَّ هنالك شخصاً یؤيد ادعاء فاروق. إذاً، كان فاروق أخي، فهززت رأسي من حیث كنت، وقلت بتلك الحالة المفجوعة:

 «أنا آسفة لحالك أیضاً؛ إذ إنَّك وصلت متأخراً بعد موت أبيك».

أزاحني أخي، وأخذ فاروق إلى الفناء، ورفع أحدٌ ما المصحف الملقَی علی الأرض.

دخل فاروق فجأة إلى حیاتنا في ذلك الیوم، مع أنَّ مروة كانت قد دخلت منذ سنین في حیاة أبي عندما كنت رضیعة. كانت خبازة، تقول أمي إنَّها امرأة ذات عینين فاتحتي اللون، ویدين قویتين لا تضاهیهما یدا أيّ امرأة خبازة آنذاك. لم یكن هنالك انطباق في التواریخ؛ میلاده كان في دایكند وشهادة المیلاد عند بدایة الحرب مع السوفيیت، وجوازه، وتاریخ لجوئه إلی باكستان. والذی قیل إنَّ الأمر طبیعي، ویمكن أن تكون كل هذه الأرقام غیر دقیقة، ولا سند لها، ولا استغراب منها؛ إذ كان لكل واحد منا عدة تواریخ ولادة مع جنسیات مختلفة وبطاقات هویة وجوازات. إذا كان الآخرون یصدقون أصلنا فنحن أنفسنا لم نكن نصدق ذلك! لكن على الرغم من عدم الاستناد إلى هذه الوثائق كنت أری رأي العین أنَّ لفاروق لونَ بشرة أبي وطوله ویديه، وهو ما لم یظهر عليَّ، وكان هذا الأمر كافیاً لعدم الاعتناء بتحذیر ابنة خالتي.

كانت مروة قد ولدت في دایكند، وهي ابنة لخطیب وعالمٍ، ویبدو أنَّها كانت تحفظ الكثیر من الأشعار والأغاني، وقد هداها وجهها وصوتها الجمیل إلی بیت أحد أعمامي في كابل حتی أصبحت خبازة العائلة، وهو الأمر الذي أوصلها إلی هرات. كان خبز البولاني من یدها لا مثیل له، ولم یكن أحد یضیف إلى الخبز، الذي خرج من تنور مروة، شيئاً، أو یأكل شیئاً آخر معه من لذته!

كانت تخبز مرتين في الیوم، وتلف وجهها بوشاح لكيلا یحرق اللهب بشرتها البيضاء الناعمة. كانت أمي تتوحم في تلك الأیام، فكانت مروة تضع خبزها جانباً عن الآخرين، وتضیف الزیت بمقدار معين وخاص لكيلا تصاب الحامل بالغثیان، وهكذا كانت تعرف أذواق الجمیع، ومنهم أبي بلا شك.

في أول لیلة لإقامة فاروق، وبعد هدوء الأوضاع، سألته أمي بهدوئها المعتاد:

«لمَ لم تأتِ مروة؟ أظن أنَّها الآن في السادسة والأربعین من عمرها، وما زالت شابة. هل ما زالت تغني؟».

كان اضطراب فاروق بجمعنا حواليه قد تجلى على وجهه؛ فقاطعت الكلام، وقلت اتركوه لیرتاح لأنَّه قطع مسافة طویلة من باكستان. كانت عائلتي مصابة بالرهبة بشكل طبیعي؛ ناهیك عن هذا الوقت بالذات، وموت أبي، ووصول وارث جدید بیننا.

سأله أخي الأكبر الذي كان هادئاً كصمت الصباح:

«لمَ جئت عن طريق البرّ؟ هل ما زال المنفذ الحدودي في میرجاوه متشدّداً كما في السابق؟».

كان یبدو أن لا أحد ینتظر رداً من فاروق؛ فدارت الرؤوس نحو خالتي التي قالت:

«لیست لدیه عینا أمّه الكبیرتان، عیناه صغیرتان لوزیتان كعیون المرحوم…».

فقاطعها عمي صارخاً:

«ما الذي تقولینه؟ لقد أخفت مروة أخي في التنور في ذلك اليوم الذي أُعلِن فيه عن أمرٍ بإلقاء القبض علی الجامعیین؛ إلّا إذا كانت قد أصبحت زوجته داخل ذلك التنور، وحملت منه. الله وحده العالم!».

تغیر مسار الحدیث بعد ابتسامة عمي الساخرة؛ إذ كان لعائلتنا أصول بتفاهة الطبع ما زادتها سنوات الحرب إلّا تفاهة! هرب شخص من أناس، وقُتل أحدهم علی ید جماعة، ولم یُقتل أحد على يد الجماعة، لكن الآخرين ادعوا أنَّه مقتول.. وهناك نوع من لعبة الافتقار إلى الهویة ما يجعل هذه الادعاءات تفتقد المعنى؛ على الرغم من أنَّ هذه الادعاءات جعلت لكل واحد من هؤلاء الناس درجة من السخافة، وعمي هذا الذي نجا من الموت قد تعدی كلّ حدود هذه السخافة!

كان فاروق یعلم بقدري عن قصة التنور؛ لكن أمي أوضحت الأمر، وقالت إنَّهم كانوا ملاحقین. كان كاكا رحمان، صدیق أبي الذي أصبح «الرفیق رحمان» بعد التحاقه بالحركة، قد وشی بأبي إلى رئیس الكلیة، وقامت مروة بإخفاء أبي في التنور لكيلا تعثر علیه دوریات الشیوعیین، وطال الأمر عدة ساعات فقط.

لم تهتم خالتي بكلام عمي أبداً، فأدارت وجهها نحوي، وأكملت:

«لا أحد یدر مبلغاً جیداً من الخبز في إیران مثل مروة! أنتِ لا تعلمین یا ابنتي؛ إذ كان أبوك یغدق عليها المال بلا حساب ولا كتاب».

كان یبدو أنَّ هذا الجمع یعرف مروة مع كلّ النكران الموجود، وكان لدیهم قدر من المعلومات التي تجعل مروة كشبح في حیاتهم كلهم، وهذا ما یتنافی مع رد فعلهم المبدئي. ومع دخول فاروق صار وصفهم المسهب بحقّ مآثر أبي في لیالي مجلس عزائه مستبدلاً بشوق وإثارة الكلام عن هذه الحكاية الممنوعة. ولا أقصد القصة بذاتها بل هوامشها، وأظن أنَّ فاروق كان یتحمل أفظع وضع في ذلك الحال! كنت أفكر في نفسي؛ أيّ مجریات تحدث في ذهن أحدٍ تجبره علی كسر صمت السنین، وعلى أن یضع نفسه ووالدته في فخ من التساؤلات؟! ألم یعلم أنَّه في أسوأ حالاته سیقولون إنَّ المرحوم قد أخطأ، وأن تلك المرأة ستبقی عرضة للاتهام؟! لكن یبدو أنَّ فاروق قد جاء لیأخذ حصته من السنین التي عاشها بلا أب، ويبدو أنَّه صبور أیضاً.

كانت خالتي تبدو كأنَّها جاءت لحلحلة هذا الأمر؛ فقالت بثقة عن كون مروة فتنة، وأضافت أنَّها كانت، بعد الانتهاء من أعمال البیت، تأتي إلى الرواق الذي كان الجمیع یجتمع فيه، وتغني هناك. قالت هذا ساخرةً من أمي الحزینة الجافلة، التي قالت إنَّ مروة كانت تعرف الشعر، وهي متعلمة.

في الأسبوع الثاني من إقامة فاروق، عرفنا أنَّه في العام الثاني من سيطرة طالبان على السلطة التحق والد مروة بتحالف الجبهة الشمالية لأفغانستان؛ كي ینقذ عائلته، لكنه لم یستطع الوصول إلى الشمال، وقد تمّ إعدامه كداعية مرتد في دایكند. مروة، التي كانت قد یئست من الكل، ذهبت مع ابنها المراهق إلى معقل طالبان؛ أي قندهار! وكان سبب الأمر، بحسب قول فاروق، أنَّها ظنَّت أنَّ أفضل طریقة لتجنّب التعرض للقتل هي أن تكون وسط الأنظار. قال هذا وهو یبدو أنه لم یفهم مثلنا سبب قیامها بالأمر؛ لأنَّ طالبان لم ترحم أبیها الذي انضمّ إليهم. هذا من ناحية. ومن ناحیة أخری، ألم تكن مروة مجرّد خبازة فحسب؟! فمن أین لها هذه المعرفة والاستراتیجیة للبقاء؟! كانت هذه الأسئلة تدور في الأذهان، لكن لا أهمیة للأمر. كان الجمع مهتماً بالمیراث وتوزیع الحصص!

كان فاروق قد أصبح واحداً منّا خلال الأسبوع الثاني من إقامته، وكانت سخریة خالتي مستمرة إلی جانب سكوت أمي! كان یقف في غرفة الضیوف عند وصول الضیوف من مكان بعید والأصدقاء وزملاء أبي، ولم یعرّفه أحدٌ على الآخرين، ولم ینطق هو بشيء أيضاً! لكن كانت له هيبة الحضور التي تمنع الآخرين من محاسبته، وأن یحسبوه ضیفاً لا صاحب البیت. كانت ابنة خالتي ما زالت تلاحق قضیة الاختبار الجیني؛ لكن لم یكن أحدٌ مستعداً بعدُ للذهاب إلى المختبر! كان الصمت بذلك الوضع ذا معنى خاص لكلّ واحد منا. ذهني المدمِّر، الذي فاجأه الموت، قد أصبح أكثر تدمیراً لذاته الآن. لم یكن لدي مانع على الإطلاق من كسر هیبة الجلیل المرحوم الذي تركني فجأة، وصار هذا الأمر كهجاء لهیبة أبٍ كبیر وعزیز بشهادة كل من عاشره. صارت خالتي، التي أصبحت خبیرة الآن بمعرفة «عملیات الخیانة»، تجد یومیاً اختلافاً بین مروة وابنها من ناحیة الجمال والشجاعة والفهم والفن و… حتی صارت تصل أحیاناً إلى استنتاج مفاده أنَّ فاروق لم یكن ابن أمه! هذا علی عكسي؛ إذ كنت أری اختلافاً طفیفاً بینه وبین أبي. قد أضیف صمت فاروق إلى صمت أمي، التي لم تقل شیئاً عن لزوم ذهابه برفقة أحد إخواني إلى المختبر. لم تأت مروة، خلال كل هذه السنین، ولم تطلب شیئاً منا إلّا تلك الرسالة التي تقول إنَّ أبي قد أرسل مالاً إليها. یبدو أنَّ المعلومات الوحیدة لمروة كانت تكمن في غیابها. عندما تفكر في أفغانستان والثقافة التي تروّج للجاریات وإظهار استعباد النساء كأمرٍ طبیعي؛ عندها یمكن التصدیق بأنَّ مروة قد قبلت مصیرها، ولم ترد الكلام عن الأمر. كانت خالتي، عندما ترید طمأنة أمي، تقول بثقة إنَّ فاروق ثمرة عقد مؤقت، ولا إرث له. لكن كانت هنالك أحاسیس تغلي في قلبي وهي: ماذا لو أنَّ امرأة بكلّ هذا الكمال كانت أكثر من زوجة مؤقتة؟ فصارت الكلمات تدور في ذهني:

 «حب وحبيب و….».

لكنها كانت كلمات مجردة من المعنى في تلك الجغرافیا، إلى حد أنها تجعلك لا تستند إليها. هنا الكلام عن الحرب والهروب والتنور وقندهار وباكستان… وهنالك بؤس مشهود یمنع حلّ طلاسم القصة إلّا من خلال الاختبار الجیني وهو مواجهة صریحة لمصیبة صریحة؛ لهذا كانت كلّ الأقاویل وما یُسمع عن مروة یضمحل عندما یتمّ الحدیث عن المختبر!

لكنْ، برأيي، إنَّ محاولة إثبات الانحدار من عائلة منهارة كانت سعیاً بلا جدوی، ولا تستحق المقاومة. بادرت بقصّ شعرات من أسفل خصلتي، ووضعتها في كیس بلاستیكي أسود، وأعطیته لفاروق، وقلت له:

«إما ألا تكون أنت ابنه، وإما ألا أكون أنا ابنته، فلا تهتمّ بإخواني، واذهب إلى المختبر».

لم أكن قد رأیت النتیجة من فعلتي الرمزیة بعد، أو ردة فعل فاروق، حتی وصل أنور، وهو الرجل المذكور في الرسالة، وعندها كشفت أمي عن ورقةٍ جعلت كلّ منطقنا العلمي والجیني وآمالنا محلاً للتساؤل. لم أعلم لِمَ لم یطرح أحدٌ سؤالاً عن أنور وتفاصیله وسط هذه اللعبة لتوزیع المیراث.

كان أنور یتكلم الفارسیة بصعوبة، وكنت أفهم لهجة البشتو خاصته بمشقّة، وأستوعب بعض الكلمات فحسب؛ لكن أمي وعمي یفهمان أغلبها. كان یبدو علیه أنَّه في الستینات من عمره، في عمر أبي نفسه تقریباً، وله سوار وساعة وضرس ذهبي، والأروع منها كلّها أقراط كبیرة من الذهب، ولم يتمكن المرء من تمييز أنَّه أفغاني أو باكستاني؛ تماماً كأبي الذي لم یكن باستطاعة أحد التمییز أهو إیراني أم أفغاني. لم یحضن فاروق، ولم یجلس معه، وفي ردّه على الجمل التي طرحها فاروق بالبشتو علیه، صرخ في وجهه كأنَّه كان یمقته، وكأن هناك بغضاً بینهما، وهو ما كان معلوماً من ردّة فعله! قال أنور إنَّ مروة قد دبّرت قصة التنور، وقد أُجبِرت علی أن تتزوّج «الرفیق رحمان»، وقال أیضاً إنَّ مروة الخبّازة كانت شیوعیة، وإنَّ رحمان هو والد فاروق.

بكی فاروق لأول مرة منذ وصوله، وقال إنَّه لیس ابن رحمان، ولا یقبل الانتساب إلى هذا الشخص أبداً، وإنهم قد كذبوا علیه! كان یبدو علی فاروق أنَّه مجهول بالنسبة إلى نفسه، وأنه یرید ألا یكون ابن رحمان بمعزل عن عدم معرفته لأبیه. كان فاروق یدعي أنَّ رحمان قد هرَّبهم إلی قندهار؛ لكن لأنور قصة أخری هي قصة مروة ورحمان، وأنَّ المال الذي أوصی به أبي ما هو إلا ترحّم وشفقة علی أصدقائه السابقین، وهو معروفٌ من قبل أبي بحقّ صدیقٍ تورط مع الحزب، وخسر دنیاه وآخرته.

عندما كان یدور الحدیث عن هجوم السوفیيت في بیتنا، تری كل شخص یروي ذكری من ذكریاته؛ من الذین عاصروا الحرب إلی الذین لم یولدوا في وقتها! یتحدثون عن الحرب والتشرد وسبعة وثمانين قبراً باقیةً من هجوم الجیش الأحمر أفجعت الكل، وهي فجیعة أشد من موت الأب.

لقد خُدِشت صورة مروة اللامعة، وما زال فاروق یدعي ألّا علم لدیه بماضي أمه الغریب وتعاونها مع الشیوعیین في هرات، وأجابني أنور، عندما طلبت منه أن یأتي بمروة إلی إیران، بقوله:

«مروة لیست علی قید الحیاة. ألم تخبرهم یا فاروق؟!».

في تلك اللیلة، وبعد ذهاب أنور، غطّ البیت مرة أخری في الصمت المعهود للبیوت المفجوعة، ولم یهتم أحد بما حلّ بمروة وفاروق، وقد اطمئن الجمیع إلى أنَّ نطفتهم لم تطل المرأة الخبازة التي علمنا أنَّها شیوعیة أیضاً، وأصبح فاروق ضیفاً لم یهتمّ أحد بتعاسته. بعد أربعین عاماً من الحرب، لا یطلب أحد دلیلاً للتعاسة والفقر، وإنَّما ما یهم هو حفظ ماء الوجه.

صمتت أمي باطمئنان، ورجعت لتأدیة دور الأرملة المفجوعة، وصار إخوتي یسخرون من الذهاب إلى المختبر، وكل واحد منهم یأتي بعذر، وأنَّ لدیه أعمالاً أهم من الاهتمام بأوهام هذا النازح. ها أنا واقفة أمام منصة الاستقبال في المختبر لاستلام النتیجة؛ لكنني لم أفهم فحواها التي كانت في ستّ صفحات؛ إذ كنا أعطینا تحالیل الدم إضافة إلى الشعر كي نطمئنّ أكثر، فأجاب الطبیب المتخصص بعد إطلاعه علی نتیجة التحالیل: 

«لا. هنالك اختلاف نسبته 75 في المئة، ولا یمكن أن تكونوا أنسباء».

كان اختلافنا بحدّ السمكة والإنسان! عندما خرجنا من المختبر في بیرجند أمسكت یده لأول مرة، وقلت:

«أحببتُ أن تكون أخي».

لم أعلم مدی صدق قولي؛ لكنني حقاً كنت أرید مواساته بعد الجفاء الذي رآه من هؤلاء القوم، وألّا أفكر في أوهامه وطمعه الذي اتهموه به، والخطة لسرقة المیراث و…

كان فاروق یتكلم الفارسیة، وكان هذا كفیلاً ببثّ الرجفة في جسمي عندما قال:

«لقد ماتت أمي في طفولتي أمام عیني».

كانت مروة قد قُتلت حین عبورها من البوابة المغناطیسیة، التي كانت تُعرف بالممر القذر، وقد استقبلت باكستان فاروق باعتباره طفلاً نازحاً. لقد كانت الحدود أو الممر القذر عبارة عن میدان مغناطیسي بفعل الكهرباء یجري بین مسارین من الأسلاك الشائكة كي یكهرب أيّ كائن یمرّ من هناك، وهكذا یمنعون الدخول غیر المصرح به. یبدو أنَّ باكستان في تلك السنین كانت الدولة الوحیدة التي قلّدت دول الشرق، وأقامت ممراً كهذا بینها وبین أفغانستان.

قال فاروق:

 «ركضت أمي نحو الأسلاك. كنا كثیرین، فركضت، وتبعتها، وكنت بعیداً عنها حین اشتبكت یداها بالأسلاك، وصارت ترجف بشدة، وسقطت. كانت تبدو علی ما یرام إلّا أنَّ جسمها ويديها جافة كالخشب».

تلك الیدان اللتان خبزتا لأبي… تعرّقت یدا فاروق في یدي. لم یكن رحمان أباً صالحاً له، وقد أصبح نازحاً في إحدى الدول التابعة للاتحاد السوفيیتي، وقد بقي فاروق في باكستان عند صدیق أبي ورحمان الذي هو أنور، صدیق قدیم كان یعمل سمساراً بالحدود بعد سقوط الشیوعیة. ومن كلامه كان واضحاً أنَّه حاول إقناع فاروق باتخاذ عائلة أخری، وكان فاروق مثلي یحلم بعیشة أخری له ولوالدته، عیشة تختلف عن المأساة التي علقنا بها وهي ممزوجة بحب أو هویة أفضل بعیداً عن كلّ هذا العفن الذي كان یلاحقنا كیلومترات بعیداً عن أفغانستان. لم أقل له إنَّ تاریخ میلاده في ورقة التحالیل هو 1986؛ أي بعد ثلاث سنوات من خروج أبي من أفغانستان، وهذه كذبة بجوازه. ما الفائدة من أن أزید همه؟! كنا مع اختلاف جیناتنا نحمل كروموسومات الهم نفسها، خلایا متبقیة من ألم لا یعرف رأسه من رجلیه؛ لكنه قد تكاثر في أرواحنا، ولا یمكن تشخیصه بأي مختبر إلّا مختبر وجودنا. أنا في إیران وهو في باكستان!

بینما كنا نسیر معاً في شارع بهشتي في بیرجند، كان فاروق یحكي عن یدي أمه المحروقتين عند الحدود، قمت بشراء قنینة ماء له، وقلت: «كفی یا أخي. ستنتهی الحرب في النهایة».

فصل من رواية | اثنان لـ: إيرين نيمروفسكي

عاد الربيع. وازداد قنوط أنطوان من هذا الدفء، من هذا الإشراق، ومن وعودالسعادة تلك التي يتنفّسها المرء في الجو. كان مستغرقاً في الندم وهو يفكّرفيما كان من الممكن حدوثه. كلّ ليلةٍ وهو يرى إيفلين حيّةً في منامه؛ كان يخشىاقتراب أحلامه إلى درجة رفض النوم، والبقاء مستيقظاً حتّى الساعات الأخيرةمن الليل مع كتابٍ أو عملٍ يحمله معه من المكتب. في بعض الأحيان لم يكنيخلدُ إلى الفراش حتّى؛ بل يظلّ جالساً على كرسيه، لا يخلعُ سوى سترته وياقةقميصه، وهكذا ينام، وعلى الفور تتجلّى أمامه الصورة نفسها. لم تكن ميّتة. كانت عائدةً من رحلةٍ طويلة. تبدو شاحبةً ومرهقةً وهزيلة؛ بتلك الملامح الباهتةالتي يمكن التعرّف عليها والمخصّصة للموتى المحبوبين في الأحلام؛ دائماً مايراها متّشحةً بالسواد وشاعرةً بالقلق؛ كما وتكون مستعجلة؛ ثمّة شخصٌ ينتظرها، يناديها. كانت تسمحُ له بمداعبتها، ولكن دون رغبة، مشيحةً وجهها، وكان يشعرُ بدفء شعرها المفعم بالحياة في يده. يرفع رأسها، ويرغب في أنيعانقها بشدّة، وعلى حين غرّةٍ يتذكّر أنّها ماتت. إلّا أنّه ما يزال غير متأكدٍ منذلك؛ كان الخيال والذكرى يتصارعان بداخله. حينئذٍ يبدأ قلبه بالخفقان بعنف.. يناديها.. لا تجيبُ مطلقاً. يمسكها بذراعيه فتوقظه شدّة آلامه. عندئذٍ يجدُ نفسهمرّةً أخرى جالساً قبالة مكتبه، والمصباح ما يزال مضاءً ومتجمّداً ويائساً ووحيداً.

دائماً ما بدا عليه أنّه غير عاطفيّ ومتبلّد الحس، سيّد نفسه ودقيقٌ في اختيارالكلمات. وفي الآونة الحالية، وخشيةً منهُ أن يكشف عن الجنون الذي يسكنه، أجبر نفسه على أن يكون أكثر تبلّداً وهدوءاً. من خلال هذه المسرحيّة القائمةعلى الأفعال وردود الأفعال الغريبة التي لا يمكن التنبّؤ بها، والتي تشكّلشخصيّتنا وتتحكّم في قدرنا، باتت حياته المهنيّة مسهّلةً بشكلٍ كبير من خلالهذه الحياة العاطفيّة السريّة، وكلّما كان أقرب إلى الانتحار والجنون، أعطىالآخرين من حوله انطباعاً بالقوّة والهدوء والتشدّد الذي يتطلّب الاحترام. فيالمنزل كان الطفلان يخافانه. كان يحبّهما؛ غير أنّ ضوضاء ألعابهما تزعجه، وضحكاتهما تتعبه، وبهاؤهما يهينه. في حضوره كانت الشجارات والنزواتتتوقّف.

في وقتٍ مبكرٍ من ذلك الصيف، غادر أنطوان وزوجته وطفلاه قاصدين بريتانياحيث استأجروا فيلّا. بمجرّد وصولهم أصيبَ كلّ من جيزيل وفرانسوابالشاهوق. هذه الفيلّا كانت صغيرة، والغرفُ مفصولةٌ بعضها عن بعض بقواطعخفيفةٍ؛ إلى درجة أنّ نوبات السعال وصيحات الأطفال لم تمنح الزوجين الراحةَ الليليّة المنشودة. كان الطقس الزاهي في باريس قد أخذ بالتغيّر مع حلولمنتصف يوليو. كانت تمطرُ باستمرار. في الليل، وما إن تهدأ نوبات السعاللدى الصغيرين حتّى توشك ماريان، بسمعها المتوتّر والغاضب، على سماعصوت الأمطار الغزيرة لتلك العواصف القصيرة المحمّلة بحبوب الرمل التيتضربُ مصاريع الأبواب. كان المطرُ يتساقطُ فوق الأسطح، فوق الحديقة وفوقالبحر. استسلمت ماريان لهذا القلق الكئيب والعبثيّ الذي يسيطرُ على الإنسانمع اقتراب الليل، والذي يبدو أقلّ تأثيراً على الصعيد الذهنيّ منه على صعيدالجسد المنهك والمهموم. تذكّرت جميع الأمراض التي أصابت الطفلين فيمامضىكانت تخشى كل المضاعفات المحتملة. شتمت الطقس.

قالت في سرّها: «كم كنتُ أنام جيّداً في مثل هذه الليالي قبل خمس سنواتٍ ليس أكثر، كم أحببتُ ذلكآه! كلّ شيءٍ في العالم حينها كان سهلاً وبسيطاً وغير ذي أهميّة…! كانت الرياح تهب، وكانت تأخذك إلى هناك أو إلى أيّ مكانٍ آخر، وفي كلّ مكانٍ كنّا نعتاد الحياة باختصار. باتت الحياة حاليًّامصنوعةً مُجرياتها، ومُنمقًة أحداثها، ومُتمَّمةٌ صورتها المزروعة في أذهانالآخرين، لذا ينبري القائمون على هذه الصورة لحماية الحياة التي يدافعونعنها من ضربات الأسقام، وسيء الأحلام، ومن شبح الموت ولكن لِمَ التفكير فيالموت؟ لِمَ الاضطراب المستمر؟ لِمَ؟».

وتابعت، وهي تشعرُ بألم نوبات السعال هذه في صدرها: «أووه! لو يتوقّفالموت لحظة! لو تهدأ الريح! يا رحمة اللهأريد أن أنامما زالا يسعلان».

وبعد المطر والريح سيعود الطفلان إلى النوم بسلام؛ غير أنّ الأمّ لن تجرؤ علىالتنفّس؛ كان ذلك تخوّفاً وانتظاراً وألماً تامّاً لديها.

«أحدهما يبكي. إنّه فرانسواإنّه فرانسوا على الدوام. إنّه الأكثر ضعفاً وتعرّضاً للخطر وحبّاً من قبلناكم يصبحُ المرءُ هشّاً بعد عشرين عاماً! إنّنامعرّضون للعديد من الجروح من جميع الجوانب. لم يكن الأمر كذلك من قبل. أحببتُ والدَي، أحببتُ شقيقاتي؛ غير أنّ حياتي كانت غريبةً عنهم، مختلفةً عنهم؛ إلّا أنّ هذا الرجل الذي يرقدُ بجانبي، والذي يحلمُ بفتاةٍ أخرى ويبكيعليها، لا أعتقدُ أنّني أستطيع تحمّل خسارته. ومع هذا أنا لا أشعر بالحبّ نحوه. حضوره ضروريّ بالنسبة إلي، لكنّه لم يعد يمنحني الفرح. وهكذا إنّ فعلالتنفّس، الذي من دونه لا نستطيع البقاء على قيد الحياة، لا يمكنه أن يمنحناالسعادة. واحسرتاه…! لا أنطوان ولا أنا سعيدان! كلّ زوجين يميلان إلى تكوينأسطورةٍ في عيونهما وعيون الآخرين عن الإخلاص والتفاهم والوفاق. وأناوأنطوان نقوم بالشيء نفسه! أسطورة وكذبة! نادراً ما نفهم بعضنا بعضاً. ومات الوفاق بيننا. لم نعد نعرف بعضنا بعضاً. هناك أوقاتٌ تودّ فيها إعادةاكتشاف تلك القوّة العمياء التي تدفعكَ للتخلّي عن أيّ اعتبارٍ للشفقة أو الخوفحينما ترغب في أن تصبح، كما كنتَ ذات يوم، عنيفاً وجريئاً وحرّاً في النهاية! لأنّني لم أعد حرّةً. لقد قيّدتُ نفسي، حبستُ نفسي!».

مع حلول الصباح نامت، وسعت في أحلامها إلى العثور على حلقات الماضي: ليلة عيد الفصح، رفقة أنطوان داخل النزل على ضفاف السين، خلال الأيّامالممطرة في الساحة الصغيرة، ولكن بدا لها أنّ صورتها، المتجلّية أمامها فيالحلم، أحياناً تكون ماريان في الماضي، وأحياناً صورة هشّة لإيفلين. أحياناً كانت هذه الأحلام المتضاربة تُمحى بصعوبة.

بناء شخصية بطلك… أربع طرق لإضفاء المصداقية ، بقلم : جيني سوارت

بناء شخصية بطلك… أربع طرق لإضفاء المصداقية

بقلم: جيني سوارت

ترجمة: زينب بني سعد

أيًّا كانت شخصية بطل قصتك، ينبغي أن تكون شخصية يستطيع القارئ أن يتواصل معها. فإن كان البطل هو محور الحكاية، فلا بدّ أن يجد القارئ فيه ما يجعله محبوبًا وقادرًا على استدرار التعاطف طوال مجرى السرد. أما إذا لم ينجح بطلك في أسر القارئ منذ البداية، فقد أفلت منك خيط الحكاية.

لنفترض أنك تمتلك حبكةً مثيرة للاهتمام، وشخصيةً محورية قوية تُدعى غْرِغ.

وغْرِغ هذا طبيب. تصفه بأنه وسيم، يتمتع بحسٍّ خفي من الدعابة، مخلصٌ لوالدته، عطوفٌ على الحيوانات. لا بدّ أن قارئك سيقع في حبه هو الآخر، أليس كذلك؟

خطأ.

قد تظن أنكَ صنعتَ البطل المثالي، غير أن الكمال مُمل. فالقرّاء لا ينجذبون إلى شخصيات سطحية، مفرغة من الحياة. إنهم يريدون شخصيات تمنح إحساسًا بالواقع؛ ناقصة، عصيّة على التنبؤ، وإنسانية إلى أقصى حد.

1. لكل شخص عيوب – ويجب أن يمتلك أبطالك عيوبًا أيضًا.

يحتاج غْرِغ إلى بعض الزوايا الخشنة كي يبدو مقنعًا. فالعيوب تخلق الصراع، والصراع هو ما يمنح قصتك قوة الجذب. لا أحد خيرٌ محض، ولا أحد شرٌّ محض. لذلك، وإن كان من المفترض أن يميل القارئ إلى غْرِغ في العموم، فإنه سيبدو أكثر صدقًا إن اتّسم ببعض الغرائب: لعلّه سريع الضجر، فوضويّ إلى حدٍّ ميؤوس منه، أو يضمر ولعًا سرّيًا بالشوكولاتة البلجيكية. إنَّ شيئًا من العيوب المحبَّبة، يجعل البطل قريبًا من القارئ. وبالمثل، إذا صادف أن كان غْرِغ هو الشرير، فإيّاك أن تصوّره بهئة وحشٍ أحاديّ الأبعاد. حتى أكثر لصوص الشركات قسوة، أو القتلة المتسلسلين، يحتاجون إلى شيء من السمات الإنسانية- ربما يخبزون خبزهم بأنفسهم، أو ينقذون القطط الضالة، أو يمتلكون معرفة موسوعية بسجلات الجاز النادرة. هذه اللمسات الإنسانية تجعل الشخصيات المعادية، أكثر رهبة بشكل لا يُضاهى.

ربما يحمل وجه غْرِغ الوسيم، ندبةً خفيفة.

كيف اكتسبها؟ هل كانت نتيجة شجار أحمق في حانة خلال شبابه؟ هل يصارع مزاجًا غضوبًا ما زال يهدد بتدميره؟ دع ماضيه يهمس بين الصفحات ويشكّل حاضره. فمثلاً، يمكن لانفجارِ غضبٍ مدروس في توقيت مناسب، أن يكون ذروةً دراميةً في قصتك.

2. كيف يبدو شكله؟

لا يقتصر التوصيف على الشخصية وحدها، بل يشمل الحضور الجسدي أيضًا. يحتاج القارئ إلى بعض المؤشرات البصرية المختارة بعناية، لكنه يريد أيضًا مساحةً لخياله. فلا حاجة لرسم جنائي مفصل ودقيق.

عوضًا عن ذلك، قدِّم بضعَ تفاصيل موحية:

“مرّرَ مايكل يده في شعره الرمادي المتناثر، وضبط نظارته ذات الإطار القرني، ونظر إليها بنظرة ثاقبة، تشبه نظرة البومة.”

أو

“حرَّكتْ جيني تنورتها أمام المرآة، مستمتعة بانعكاسها الجديد. خصلات شعرها النحاسية وكعوبها الحادة ارتقت بمظهرها إلى مستوى جديد من الجرأة والإثارة.”

ويمكن للحوار أن يعطي لمحة عن المظهر أيضًا:

“أحذية جديدة رائعة يا جيني. محظوظة أنتِ بهذا النوع من الكعوب.”

“حسنًا، لو لم أتمكن من ارتدائها، لما سمحوا لي بدخول الحانة،” ابتسمت. “يكفي أن يُخطئ الناس بيني وبين فتى في الرابعة عشرة كلما ارتديتُ الجينز.”

تلك اللمسات الصغيرة تمنح الشخصيات حياة وحركة بطريقة أكثر قوة وواقعية من مجرد تعداد باهت، لصفاتهم الجسدية.

3. كيف يتحدث؟

يجب أن يكون صوت بطلك مميزًا بقدر تميّز بصماته. فالأرستقراطي المترف لن يتحدث كما لو كان شابًا مشاغبًا في الشارع، والفلاح المتقاعد لن يرش حديثه بمصطلحات اجتماعات مجالس الإدارة. يكشف الحوار أيضًا عن اهتمامات الشخصية وانشغالاتها. هل غْرِغ مهووس بسوق الأسهم؟ بأسعار السيارات الكلاسيكية؟ أم بحالة التعليم الحديث المتردية؟ هذه التفاصيل تضفي على شخصيته عمقًا ووضوحًا أكبر.

وإذا كنتَ تكتب عن المراهقين، فاحرص على أن يكون حوارهم واقعيًا. ما زالا مصطلحا “رائع” و”شرير” (cool و wicked) مقبولين؛ أما “fab” و”bad” بمعنى “جيد” فهي لفظيات قديمة، يفضل تركها في أرشيف التاريخ اللغوي. 1

4. اكتب خلفيات شخصياتك.

ربما سمعت الكُتَّاب يقولون أحيانًا، إن “القصة تكتبُ نفسها”. تحدث هذه اللحظة السحرية عندما يعرف الكاتب شخصياته حق المعرفة، قبل حتى أن تُسطر الجملة الأولى على الصفحة. يتعلق الأمر ببناء خلفيات الشخصيات: طفولتهم، صدماتهم، انتصاراتهم، ندمهم. حتى لو لم يظهر معظم هذا في النسخة النهائية، فإن معرفته تشكّل طريقة تفكيرهم، ردود أفعالهم، وتطورهم. هل هم مندفعون أم منهجيون؟ يثقون بسهولة أم يحملون الأحقاد؟ هذا الفهم يجعل قراراتهم طبيعية ومنطقية، لا مصطنعة أو مفروضة. الشخصيات المبنيّة بعناية هي القلب النابض لأي قصة عظيمة. أتقنها، وستجد أن الحبكة تتدفق بسلاسة من تلقاء نفسها. ومن يدري؟ قد تجد نفسك ضمن القلة المحظوظة التي تهمس شخصياتها بحكاياتها، فتنبثق القصص إلى الوجود من تلقاء ذاتها.

هامش:

  1. bad (بمعنى good)
    المعنى الحرفي: سيء، وفي اللغة العامية للشباب، تعني جيد، رائع، مذهل، وهي استخدام قديم أصبح أقل شيوعًا اليوم.

فصل من كتاب | ماذا علينا أن نفعل؟ لـ: ليو تولستوي

مصارحة الذات

رأيت أنّ سبب الآلام والحياة الفاسدة التي يعيشها الناس هو أنّ بعض الناس عبيدٌ عند آخرين، لذلك وصلت إلى هذا الاستنتاج البسيط: إذا أردت مساعدة الناس فعليّ، أولاً، التوقف عن التسبّب في بؤسهم؛ أي أن أتوقف عن المشاركة في استعبادهم. ما جذبني إلى استعباد الناس هو أنني اعتدت، منذ طفولتي، ألا أقوم بأيّ شيء، واعتدت الاستفادة من جهود الآخرين، وعشت وما زلت أعيش في مجتمع ليس معتاداً على استعباد الآخرين فحسب، بل يبرر استعباده لهم أيضاً بمغالطات مثيرة وغير مثيرة للانتباه.

وصلت إلى النتيجة الآتية: كي لا أتسبّب في إفساد الآخرين، وإلحاق الأذى بهم، عليّ أن أقلل، قدر ما أستطيع، من استخدامي جهودَ الآخرين، وأن أعمل قدر ما أستطيع.

هذه النتيجة التي سلكتُ مساراً طويلاً حتى وصلت إليها، وصل إليها الصينيون قبل آلاف السنين؛ حيث تقول العبارة المأثورة: إذا كان هناك شخص خامل وكسول، فهناك شخص آخر يموت من الجوع في المقابل.

وصلت إلى هذه النتيجة الطبيعية والبسيطة وهي إذا كنتُ مشفقاً على الحصان المنهك الذي أركبه، فعليّ أولاً أن أنزل عن ظهره، وأن أتابع رحلتي ماشياً.

هذه الإجابة، التي تمنحنا شعوراً أخلاقياً كاملاً بالرضا، خزعت عينيّ وعيوننا جميعاً، ونحن لا نراها، وننظر إلى الجوانب.

ونحن نبحث عن شفائنا من أمراضنا الاجتماعية، نبحث في كلّ الجهات؛ في الجهات الحكومية وغير الحكومية، وفي العلوم، وفي الخرافات الساذجة، لكننا لا نرى ما يوخز عين كلّ واحدٍ منا.

نملأ مصارفنا بالقذارات، ونريد أن يتحمل الآخرون عنّا عبء تنظيفها، ونتظاهر بأننا نتألم كثيراً من أجلهم، ونبتدع كلّ الحيل الممكنة، ونترك أبسطها وأسهلها، وهي أن ننظفها بأنفسنا.

من يشعر بصدقٍ بآلام المحيطين به، عليه أن يلجأ إلى أبسط وأسهل طريقة ممكنة لمعالجة الشرور من حوله، ولمعرفة شرعية حياته، وهي تتلخص في ما قاله يوحنا المعمدان عندما سألوه: ماذا نفعل، وهو القول الذي أكده المسيح: لا تمتلك ثوبين، ولا تمتلك المال؛ أي لا تستعن بجهود الآخرين، ولكي تتمكّن من فعل هذا، عليك أن تفعل كلّ شيء بنفسك.

هكذا بكلّ بساطة ووضوح، لكن هذه البساطة وهذا الوضوح لا يتوافران إلا عندما تكون المتطلبات بسيطة، ويكون الشخص متمتعاً بالحيوية، ولم يفسده الكسل والخمول. أعيش في القرية، وأستلقي بجانب المدفأة، وآمُرُ جاري المديون بأن يقطع الحطب، ويشعل المدفأة. واضح جداً أنني أتكاسل، وأشغل جاري عن عمله، وسأشعرُ بالخزي وبالملل أيضاً من استلقائي من دون عمل. وإذا كانت عضلاتي قوية، وكنت معتاداً على العمل، فسوف أقوم بتقطيع الحطب بنفسي.

لكنّ العبودية بكلّ أشكالها وُجدت منذ زمن بعيد، وتولّد، بناءً عليها، الكثير من المتطلبات المصطنعة، التي يشترك الكثير من الناس، في مستويات مختلفة، في أنهم اعتادوا عليها. وهكذا تسببت الأجيال القديمة في إفساد الناس وعوّدتهم على الدلال، من خلال هذه الغوايات المعقدة والحجج في صوابية الرفاه والكسل الذي يعيشون فيه، وأقنعتهم بأنه ليس من السهل على الشخص، الذي يتصدر قمة الهرم في قائمة الكسالى، أن يشعر بالخزي أكثر من ذلك الفلاح الذي يجبر جاره على تقطيع الخشب.

يصعب على من هم في قمة هذا الهرم أن يفهموا ما الذي عليهم أن يفعلوه. عندما يجب عليهم أن يهبطوا إلى الأسفل يجدون أنّهم مُثقلون بكمٍّ هائل من الوهم في تلك القمة التي يتربعون عليها، ولذا إن هذه الحقيقية البسيطة والواضحة تبدو لهم غريبة جداً.

يبدو الأمر -لا شك- غريباً ومضحكاً لمن لديه عشرات الخدم والطباخين والحوذيين، وعشرات اللوحات والآلات الموسيقية. هذه أبسط وأوّل ردة فعل طبيعية، لا أقول إيجابية، بالنسبة إلى الإنسان وليس الحيوان؛ أن يقطع بنفسه الحطب الذي يشعل به مدفأته ويطبخ به، وأن ينظف حذاءه أو نعله الذي لوثه دون أن يحرص على إبقائه نظيفاً، وأن يجلب الماء الذي يستخدمه لنظافته الشخصية، أو أن يصرّف بنفسه الماء الملوث الذي استحمّ فيه.

بالإضافة إلى بُعدِهم عن الحقيقة، هناك سببٌ آخر يمنع الناس من رؤية واجبهم، الذي يتمثل في خدمتهم لأنفسهم، وهو أكثر بساطة وقرباً من طبيعتهم وفطرتهم، هذا السبب هو حالة التعقيد وتداخل الظروف والمصالح المتصلة بعضها مع بعض التي يعيش فيها الغني.

صحيح أنّ مصالحهم متشابكة، لكن، من دون عناء كبير، ضمير كلّ واحد منهم سوف يميّز بين النشاط والكسل. ليس الضمير هو الذي يميّز بين العمل والكسل فحسب، بل السجل المالي كذلك. من يسرف في صرف المال سيعتمد، بكل تأكيد، على الآخرين لإنجاز أعماله، وكلّما قلّل من صرفه اعتمد على نفسه أكثر.

إن ترفي سببٌ لإعالة أسرٍ كثيرة. أين سيذهب خادمي إذا سرحته؟ إذا كنا سنقوم بكلّ واجباتنا بأنفسنا: نلبس ونقطع الحطب، فماذا عن توزيع العمل، والصناعة، والمؤسسات الاجتماعية، وأخيراً، أكثر الكلمات فظاعة: الحضارة والعلم والفن؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفلسفة وإتقان الحوار: من تشكّل الهوية إلى وعي الأثر

نوره بابعير

يُعدّ الحوار أحد أرقى أشكال التعبير الإنساني، إذ لا يقتصر على تبادل الألفاظ، بل يتجاوز ذلك ليصبح مرآة للهوية، ونتاجًا للفكر، وميدانًا تتجلّى فيه الأخلاق والسلوكيات. ومن هنا، تستمدّ الفلسفة جوهرها العميق في إتقان الحوار مع الإنسان والآخرين، بوصفها علم التساؤل، وفن الفهم، ومنهج البحث عن المعنى.

تنطلق الفلسفة من سؤال الذات قبل سؤال الآخر، فالحوار الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل يتكوّن أولاً داخل الإنسان نفسه. حين يختار الفرد طريق تفكيره، تتشكّل هويته الذاتية، وتتبلور مواقفه، وتُبنى منظومته القيمية التي تحكم طريقة تفاعله مع العالم. هذا الاختيار الفكري لا يحدث بمعزل عن الوعي، بل هو حصيلة تراكم معرفي وتجربة إنسانية، تتحوّل مع الزمن إلى قناعة، ثم إلى خطاب.

ومن هنا، ترتبط الهوية الذاتية بالألفاظ والكلمات ارتباطًا وثيقًا؛ فالكلمة ليست مجرد أداة لغوية، بل هي وعاء للفكر، وحامل للمعنى. وكلما نضج الفكر، ارتقت اللغة، وتحولت من تعبير سطحي إلى خطاب واعٍ قادر على التأثير. فالارتقاء الفعلي للحوار لا يتحقق إلا حين تنسجم الفكرة مع اللفظ، ويتوازن المحتوى مع الأسلوب، ليخرج الحوار صادقًا في أدائه، عميقًا في دلالته.

إن نجاح الحوار مرهون بوجود قواعد ذاتية تحكم أداءه، وتمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ في اختياراته الحوارية. فالحوار ليس ساحة للغلبة، بل مساحة للفهم. وليس وسيلة لفرض الرأي، بل جسر للتقارب. وعندما يدرك الإنسان هذه القواعد، يصبح الحوار أداة تخدم الفكر واللفظ معًا، في توازٍ يحفظ للمعنى قيمته، وللآخر إنسانيته.

ولا يمكن إغفال الدور الجوهري للسلوكيات والأخلاقيات في بناء الحوار. فالبدايات التي تُطرح على الإنسان في علاقته بالآخرين هي التي تحدد مسار الحوار، إما أن يتمدد وينمو، أو أن ينتهي ويتلاشى. والسلوك الإنساني هو العامل الحاسم في توليد القبول أو الرفض، وهو ما يكشف عن قيمة الأخلاق الذاتية في إدارة الحوارات. فحين يتحلى الإنسان بالاحترام، والإنصاف، والقدرة على الإصغاء، يجد طريقه نحو حوار مثمر، حتى في الاختلاقات .

تسهم الفلسفة في إتقان الحوار حين تجعل الإنسان مدركًا لقوة “الضوء” الكامن فيها؛ ذلك الضوء الذي يتمثل في الوعي، والدافع الداخلي نحو الفهم، والبحث عن المعنى العميق بدل الاكتفاء بالسطحي. فالفلسفة لا تعلّم الإنسان ماذا يقول فقط، بل كيف يفكر قبل أن يقول، وكيف يزن كلماته بميزان العقل والأخلاق. وعندما يحدث هذا الإدراك، تتغير مجريات الحياة، وتتبدل المفاهيم، ويصبح الإنسان أكثر إنصافًا في ترتيب اختياراته، وأكثر اتزانًا في أحكامه.

طرق تساعد الإنسان على صناعة حوار جيد يترك أثرًا واعيًا:

1. الوعي بالذات قبل الحوار: أن يدرك الإنسان دوافعه، ونقاط قوته وضعفه، وأن يسأل نفسه: لماذا أتحاور؟ وما الهدف من هذا الحوار؟
2. الإصغاء العميق: فالحوار لا ينجح بالكلام وحده، بل بالقدرة على الاستماع الحقيقي، وفهم ما وراء الكلمات، واحترام وجهة نظر الآخر.
3. التوازن بين الفكر واللغة: اختيار الألفاظ بعناية، بحيث تعبّر عن الفكرة دون إساءة أو تعالٍ، وتخدم المعنى بدل تشويهه.
4. الالتزام بالأخلاق الحوارية: مثل الصدق، والاحترام، والإنصاف، والابتعاد عن السخرية أو التقليل من شأن الآخر.
5. الانفتاح على الاختلاف: تقبّل التباين في الآراء بوصفه مصدرًا للثراء الفكري، لا تهديدًا للهوية الذاتية.
6. تحويل الحوار إلى تجربة إنسانية: بحيث يخرج الطرفان بشيء من الفهم، أو مراجعة الذات، أو إعادة التفكير، لا بمجرد الانتصار الجدلي.

ويبقى الحوار الفلسفي أداة للارتقاء الإنساني حين يُمارس بوعي، ويُبنى على أخلاق، ويُوجَّه نحو المعنى. وحين يدرك الإنسان أن كل حوار هو فرصة لترك أثر، لا لإثبات ذات، يتحول الحوار من مجرد كلمات متبادلة إلى فعل حضاري يسهم في نضج الفرد، ورقي المجتمع .