بوابة أعضاء جدل, موضوعات متنوعة

حين تختارنا الأسئلة: كيف تبدأ قصة الفلسفة الفكرية؟

نوره بابعير

تبدأ الفلسفة الفكرية منذ اللحظة الأولى التي يُلقى فيها السؤال على الإنسان، لا بوصفه استفهامًا عابرًا، بل كشرارة توقظ العقل من سباته. فالسؤال هو الحدّ الفاصل بين السكون والحركة، بين التلقي الأعمى ومحاولة الفهم. وما إن تُطرح الأسئلة، حتى يبدأ العقل في التفاعل معها، متجاوزًا حدود المعرفة السطحية، باحثًا عمّا يكمن خلف المعنى الظاهر.

لكن، هل المحرّك الأساسي لتفعيل المعرفة هو الرغبة في الحصول على الإجابة؟ أم أن التحليل الذي يحدث أثناء البحث هو الإجابة الحقيقية بذاته؟ يبدو أن الإجابة لا تكمن في النتيجة النهائية بقدر ما تسكن في الرحلة نفسها. فحين يضع الوعي لمساته الأولى على العقل، يبدأ الفكر في التشكّل، وتنمو المخيلة الفكرية، وتتجه نحو استيعاب أعمق للمعاني، لا باعتبارها حقائق جاهزة، بل كمساحات مفتوحة للتأمل.

إن بعض الأسئلة لا نختارها بقدر ما تختارنا. تظهر فجأة حين نشعر بالفراغ تجاه المعنى، حين يتسع الداخل أكثر مما يحتمل الصمت. في تلك اللحظة، لا يكون السؤال ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. وهنا، يتدخل الوعي ليملأ ذلك الفراغ، ليس بإجابات سريعة، بل بممارسة التفكير ذاته، ليُشبع احتياج الوعي الناضج الذي لا يهدأ إلا حين يفهم.

ومع تقدم العقل في رحلة الفهم، يدرك أن العالم ليس فوضى من الأفكار، بل شبكة من المفاهيم التي تحتاج إلى مسميات وصفات، تُرتب وجودها في العقل كما تُرتب حضورها في الحياة. فالتسمية ليست فعلًا لغويًا فقط، بل ممارسة فلسفية تمنح الأشياء معناها، وتُعيد تشكيل علاقتنا بها.

وتبقى القوة الذاتية، مهما بلغت، بحاجة دائمة إلى وعيٍ نيّر، وعي يسعى باستمرار إلى ترجمة المفاهيم إلى صور متوازية بين الفكر والواقع، بين الداخل والخارج. فالفلسفة لا تبحث عن إجابات نهائية، بل تدرّب الإنسان على أن يكون أكثر وعيًا بأسئلته، وأكثر قدرة على الإصغاء لما يقوله عقله وهو يفكر.

وهكذا، لا تبدأ قصة الفلسفة عند أول إجابة، بل عند أول سؤال صادق، سؤال يطرق باب العقل، ويتركه مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *