Blog
قصّة قصيرة جدًا: الذئب.
يوسف يونس
الذئب
في أقصى الشرقِ لقريتنا، هناك في البعيدِ، يسكنُ ذئبٌ يكرههُ كلُّ مَن في القريةِ. كثيرًا ما كنتُ أسمعهم يَصِفونَه بعباراتٍ يشوبُها الحنقُ من قبيلِ: الشريرِ! القاتلِ! الخدّاعِ! يُقالُ إنَّه التهمَ أكثرَ من حقِّه من محصولِ الصيفِ، ولطَّخَ حقولَ القمحِ الذهبيّةَ بدماءِ المساكينِ ممّن لا يستطيعون في وجهِه دفاعًا. وكنتُ أسمعهم يتهامسونَ في المساءاتِ الهادئةِ، خِفيةً، عن شراستِه في التهامِ زهورِ الأقحوانِ في أيدي الصبيةِ، وعوائِه المحمومِ عندَ مصبِّ النهرِ، ووقاحتِه غيرِ المتناهيةِ في أنَّه يفكِّرُ بتنصيبِ سلالتِه أُمناءَ على أعناقِنا، وحُرّاسًا لكرومِ العنبِ التي بات يفوحُ منها رائحةُ لُعابِ عائلتِه القذرِ. كثيرًا ما فكرتُ في الأمرِ لأضعَ له حلًّا ما، إمّا بمواجهةِ الذئبِ الشريرِ لأجعلهِ ينتهي عن أفعالِه الشنيعةِ تلك، أو بمحاولةِ إشعالِ تمرّدٍ من أعضاءِ القريةِ الذين قد يتحلَّون بشيءٍ من الشجاعةِ. ولكنَّ الذئبَ كان قليلَ الظهورِ، ينزوي في أكثرِ الأماكنِ حُلْكَةً وغموضًا – كما يقولُ فئةٌ قليلةٌ من الأشخاصِ الذين يدّعون أنَّهم قابلوه في أزمنةٍ غابرةٍ – ولم يره أحدٌ منذُ زمنٍ طويلٍ. غيرَ أنَّه في ليلةٍ قمراءَ، كنتُ أجلسُ في فناءِ منزلِنا أرقًا، بعد أن توقَّفت أصواتُ الصفيرِ والموسيقى الصاخبةِ من عرسٍ في الجوارِ لأحدِ العائلاتِ الثريّةِ في القريةِ. أظنُّه عرسُ ابنةِ سرحانَ أبو الخيرِ، أحدِ أفرادِ عائلةِ أبو الخيرِ الكبيرةِ التي تمتلكُ كثيرًا من النفوذِ والأراضي داخلَ القريةِ، ممّا يجعلُ الجميعَ يقدّرونها ويمنحونَها منزلةً عظيمةً. فهم – على حسبِ قولِ أهالي القريةِ – لم يبخلوا على أحدٍ قطُّ، وبدمائِهم سقَوا ترابَ القريةِ للدفاعِ عنها ضدَّ العدوِّ، كائنًا مَن يكونُ. كان العرسُ صاخبًا، كعادةِ أعراسِهم – فهذه الصبيةُ الثالثةُ التي تتزوّجُ تاجِرًا كبيرًا من خارجِ القريةِ – تتخلَّله أصواتُ إطلاقٍ ناريٍّ وهديرُ طبولٍ عميقٍ، ممّا جعل النومَ يهربُ من عينيَّ. في هذه الأثناءِ من هدأةِ الليلِ، لمحتُ الذئبَ في المدى وحيدًا يتهادى في سيرِه في قلبِ الظلامِ. فكّرتُ أن أعودَ القهقرى، ولكنَّ الذئبَ كان يبدو جميلًا، وله من اللمعانِ ما يكفي ليستأثرَ بانتباهِ مَن يراه. حثثتُ الخطى وقد استهلكَ منّي الأمرُ شجاعةً كبيرةً، ودنا بدورِه ببطءٍ نحو فناءِ منزلِنا بعد أن شقَّ طريقَه عبرَ السهلِ، إلى أن صار منّي على مسافةِ صفرٍ، غيرَ آبهٍ بتلك العصا التي أحملها، وجعل يحكُّ فروهُ الأسودَ الكثيفَ بساقَيّ المسمرّتَينِ في مكانِهما من الخوفِ. ترددتُ قبلَ أن أداعبَ وجهَه برفقٍ، ممّا حمل الذئبَ على أن يشرئبَّ بعنقِه إلى الأعلى فأعلى، مطلقًا من صدرِه أنينًا شديدَ العمقِ. جلستُ القرفصاءَ لأرى في إحدى ساقيهِ جرحًا عميقًا غائرًا. نام الذئبُ على جنبِه وقد زاد صوتُ أنينِه عمقًا، غيرَ أنَّه الآن جاءَ موجِعًا أكثرَ. توهّمتُ أن هناك رصاصةً داخلَ الجرحِ، فهرعتُ نحو المطبخِ لآتي بملقطٍ كي يتسنّى لي التقاطُ الرصاصةِ، وخرقةٍ قماشيةٍ ألفُّ بها ساقَه بعد أن أغسلَ له الجرحَ. ثبّتُّه على الأرضيةِ، وأمسكتُ بحذرٍ ساقَه، وباليدِ الأخرى أدخلتُ الملقطَ داخلَ الجرحِ الذي كان ينزفُ بشدّةٍ، وأخرجتُ الرصاصةَ برفقٍ. كانت تلك رصاصةَ بندقيةِ صيدٍ ثمينةً، من التي تبتاعُها عائلةُ أبو الخيرِ ويضعونَها زينةً على كلِّ جدارٍ من جدرانِ منزلِهم. ويبدو أنَّها استقرّت في ساقِ الذئبِ أثناءَ إطلاقِ رصاصٍ في الهواءِ خلالَ احتفالِهم بالعرسِ. وضعتُ الرصاصةَ المدمّاة على طاولةٍ قريبةٍ، ثم بعد أن لففتُ ساقَه، وبعد أن انتهى من شربِ الحساءِ الذي صببتُه في الطشتِ، أحضرتُ له غطاءً كي يتمكّنَ من الراحةِ أو النومِ بقيةَ الليلِ. أمضيتُ قليلًا من الوقتِ في تنظيفِ الملقطِ من الدماءِ وغسلِ الطشتِ قبل أن أستلقي على أريكةٍ عند عتبةِ فناءِ المنزلِ. كان الذئبُ ينامُ على جنبِه، واستطعتُ أن أرى ارتعاشاتِ جسدِه القلِق قبلَ أن يغرق تدريجيًا في النومِ، فيغلبني النعاسُ معه، وأنامَ حتى أيقظني الفجرُ. تفتّحت عينايَ لأولِ خيطٍ من خيوطِ الشمسِ. نهضتُ ببطءٍ، وتراءى لي مكانُ الذئبِ الأسودِ خاليًا. تقدّمتُ رويدًا رويدًا أتطلّعُ يمنةً ويسرةً، ولكن ما من أثرٍ. نظرتُ صوبَ المدى الذي كان عندئذٍ يتلوّنُ بلونِ السماءِ بزُرقةٍ مهيبةٍ. بدا لي المدى مرعبًا من فرطِ اتساعِه وتركيزِ هدوئِه. خمّنتُ أن يكون قد عدا إلى البعيدِ وقد استوحشَ ضيقَ المكانِ، أو أنَّه قرّر ببساطةٍ المغادرةَ. ولكن كيف؟ إنَّ جرحَه لا يزالُ حديثًا، ومن شبهِ المستحيلِ أن يكون قد التأمَ. اقتربتُ من الموضعِ الذي نامَ فيه، وقد هممتُ بإمساكِ الغطاءِ، عندها بزغَ الذئبُ من بينِ الأشجارِ الصغيرةِ يعدو عدوًا مندفعًا، بيدَ أنَّ عرجًا في ساقِه المصابةِ كان واضحًا. وثبَ نحو صدري باندفاعٍ كبيرٍ غيرَ آبهٍ بالإصابةِ. سقطتُ معه على الأرضيةِ الصلبةِ، وراح يلعقُ يديَّ اللتين كنتُ أحمي بهما نفسي خوفًا منه. كان يلهثُ بشدّةٍ، وتراءت لي عيناهُ بوضوحٍ أكبر هذه المرة: مفتوحتينِ على اتساعِهما، ويبدو عليهما لمعانٌ غريبٌ. نهضَ من فوقي. راقبتُه باندهاشٍ وهو يتعثّرُ بخطوهِ في الباحةِ بصورةٍ لا تخلو من البهجةِ، ثم راح يعدو إلى السهلِ، وغاب بعد ثوانٍ معدوداتٍ في المدى الواسعِ. أطلقتُ من صدري زفيرًا طويلًا، واستغرقتُ في التفكيرِ بأشياءَ كثيرةٍ في مكاني، قبل أن ألمحَ على الأرضِ الرصاصةَ المضرَّجة بالدماءِ التي استقرّت في ساقِ الذئبِ وقد سقطت من الطاولةِ عندما أطاحَ بي أرضًا منذ قليلٍ. أثارَ منظرُ الرصاصةِ فيَّ سخطًا شديدًا. ولم أستطع أن أمنعَ نفسي، وأنا أحدّق في المدى الواسع، من أن أتمتمَ بحنقٍ: أيُّها الذئبُ! الشريرُ! القاتلُ! الخدّاعُ!
روعه