Posts by نوره بابعير
الكتابة كأفق ثقافي لتخييل الذات”
نوره بابعير
الكتابة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي في جوهرها فعل وجودي، يعيد فيه الإنسان تشكيل ذاته، وتصفية وعيه، وتوليد إمكانيات جديدة لرؤية العالم ونفسه. إننا لا نكتب فقط لنُعبّر، بل لنفهم، لنهدأ، لنُنقي دواخلنا من ضوضاء العالم، ولنصنع داخل اللغة فسحة أوسع للحرية والتأمل.
التخييل الذاتي: حين يصبح الإنسان نصًا يُكتب
في فعل الكتابة، يبدأ التخييل الذاتي: أن يرى الإنسان نفسه ككائن قابل للتشكل، وكذات يمكن إعادة رسمها وتحريرها عبر الكلمات.
الكاتب، هنا، لا يدوّن الواقع كما هو، بل يُعيد ترتيبه، يفلتره، يتأمله، يضخ فيه ما يراه جديرًا بالبقاء، ويُبعد ما لا يحتمل الضجيج. إنها ليست كتابة سير ذاتية، بل إعادة خلق للذات من الداخل، وتصالح مع الهشاشة والأسئلة والانكسارات.
الكتابة بهذا المعنى لا تُجمّل السلوك، لكنها تُضيئه. تُجبرنا على مواجهة أنفسنا، على كشف “الضوضاء الزائدة” التي تشوش وعينا وتُغرقنا في الاستجابة التلقائية، بدلًا من الفعل النابع من وعي.
الضوضاء ليست فقط خارجية (كفوضى العالم وضجيج التواصل)، بل داخلية أيضًا: أفكار غير مكتملة، مشاعر مضغوطة، تصورات موروثة.
الكتابة تنقّي. لا لأنها تقول الحقيقة، بل لأنها تتيح للذات أن تُعيد تنظيم فوضاها، وتُراجع مساراتها، وتستعيد صوتها الداخلي وسط ضجيج الأصوات الخارجية.
المخيلة: بين اللغة والوعي
كلما اتسعت المخيلة، زادت قدرة الكاتب – أو القارئ – على فهم ما هو أبعد من الواقع المباشر. المخيلة لا تعني الهروب من الواقع، بل تعني القدرة على تخيّله بصورة مختلفة، وعلى إعادة صياغته وفق منظور شخصي أو جمالي.
هذه القدرة الخيالية تُنبت لغة جديدة، أوسع، أغنى، وأعمق. فاللغة لا تتطور من تلقاء نفسها، بل عبر استخدام مبدع وخيال حيّ.
لذلك، من يُطوّر مخيلته، يُطوّر لغته تلقائيًا. يتسع معجمه، تتشكل لديه حساسية لغوية أعلى، ويصبح قادرًا على التعبير بدقة وجمال.
ومن هنا يمكن القول إن المخيلة لا تبني جسورًا بين الإنسان واللغة فقط، بل تبني داخله جسرًا بين ذاته الواعية وذاته العميقة، بين أفكاره وظلال أفكاره، بين ما يعرفه عن نفسه، وما لم يكتشفه بعد.
الكتابة كأداة ارتقاء داخلي
الكتابة ، حين تقترن بمخيلة حرة وتأمل صادق – تصبح أداة للارتقاء. ليست رفاهية ولا ترفًا ثقافيًا، بل حاجة وجودية.
هي ما يُمكّن الإنسان من أن يُبطئ اندفاعه، أن يُمسك اللحظة ويفككها، أن يرى السلوك وهو يتشكل، فيحرر نفسه من التكرار واللاوعي.
ولعل أعظم ما تمنحه لنا الكتابة، هو هذا الشعور الدقيق بالتماسك الداخلي. لا بالانتصار على الفوضى، بل بالقدرة على التعبير عنها، وفهم أسبابها، وتحويلها إلى شيء يمكن النظر إليه لا الغرق فيه.
اصبحت لكتابة فعل مقاومة، والمخيلة ملاذًا، واللغة وسيلة خلاص. وكلما كتب الإنسان أكثر، خيّل ذاته أكثر، كلما صار أكثر قربًا من جوهره، وأبعد عن الضوضاء التي تحجبه عن ذاته الحقيقية
“الصحافة بوصفها مشروعًا ثقافيًا”
نوره بابعير
الكتابة الصحفية ليست مجرد ممارسة مهنية، بل هي أداةٌ فاعلة لصقل الذائقة واختيار العناوين بعناية فائقة، وطرحها في سياقات تعبّر عن الوعي الإعلامي والهوية الثقافية للكاتب. فهي تُجسّد انعكاسًا لسلوك الإنسان، وتُبرز أساليبه السردية في التناول، لتُكوّن له هوية إعلامية متميزة.
ولعلّ نجاح الصحف والمجلات لطالما ارتبط بقدرة إداراتها التحريرية على بناء صورة متكاملة تُعبّر عن رؤاها، وتُحسن تمثيل رسالتها أمام القارئ. لقد تميزت الصحف في الماضي ببساطتها الآسرة، وطرحها للمواضيع الثقافية والاجتماعية بطريقة تمزج العمق بالوضوح. وكان لحضور الكتّاب والمفكرين فيها أثر بالغ، إذ عكست مقالاتهم ثراء معرفيًّا ينبع من تنوّعهم الثقافي واتساع أفقهم.
هذه المرحلة الذهبية للصحافة ما زالت محفورة في ذاكرة الثقافة، وكأنها تأبى أن تندثر. فما زلنا نستلهم من كتاب تلك المرحلة بساطتهم الآسرة، وننهل من خبراتهم المتراكمة، وكأن حبرهم لا يزال حيًّا في زوايا الورق.
وفي هذا السياق، لفتني الإعلامي عبدالله الحسني، الذي يُجسّد صورة الصحفي المثقف بأبهى تجلياتها. ففي لقاءاته، بدا وفيًّا للمهنة، واعيًا بمسؤوليتها، حريصًا على أن تُنشر الثقافة كما تستحق أن تُقدّم: بنضج معرفي، واتزان لغوي، ورؤية مسؤولة.
تحدّث الحسني عن المثقف الذي يتقن فن الكتابة الصحفية، لا بوصفها حرفة فحسب، بل بوصفها موقفًا معرفيًا. وقد لخّص رؤيته تلك في كتابه: “الاختلاف أفسد للود قضية”، حيث يفيض حديثه عن قيمة الإنسان المبدع، وأثر الاحتراف في تحقيق جودة الكتابة وتأثيرها.
وقد قرأت له نصًا مؤثرًا كتب فيه عن والده، جاء فيه:
“والدي… مُرشِّد وعيي، وسلوكي… أوّل من غرس فسائل الشغف والانهمام المعرفي في روعي… يغرس دونما انتظار لجَنْي. لا يجيد القراءة، لكنه يملك حصافة المثقف ولقانة الفيلسوف. رحل منذ أعوام؛ لكنه ظلّ حاضراً بِسَمْتِهِ الوقور، تحفّني عنايته وحرصه ألا أهِن. سلام لروحه الطاهرة.”
نصّ كهذا لا يُكتَب إلا بقلمٍ مسكون بالوفاء، ومدادٍ مشبع بالمعرفة.
الإعلامي عبدالله الحسني يمثل نموذجًا نادرًا في المشهد الثقافي والإعلامي، ويمكن تلمّس أثره الواضح من خلال صفحته الثقافية بجريدة الرياض، وحواراته في البرامج التلفزيونية، حيث تبرز ملامح المثقف المسؤول.
الثقافة، في زمننا هذا، تحتاج إلى وجوهٍ مثل عبدالله الحسني وغيره العديد من الادباء والصحافيين والإعلامين .و هم صورة شاهدًا على أهمية أن تُمارَس الصحافة بوصفها فعلًا معرفيًّا يُعلي من قيمة الكلمة، ويمنح المتلقي زادًا من الفهم والتنوير.
“فالمنتصف ليس مقامًا”
نوره بابعير
جزؤك المنتصف عالق في المجهول، وجزؤك المضيء عالق في الوضوح. أيُّ اتساعٍ يأخذك بينما أنت في المنتصف، لا تقوى على الإقدام نحو وجهتك؟
وقبل الإقدام، أين مقرّك من هذا الوقوع؟
أأصابك قطعًا، أم زادك وصلًا؟
كيف تنشئ الوجود، بينما أنت تتلاشى في مفترق الطرقات تارة، وفي مفترق الفكر تارة أخرى؟
تأتيك الأشياء فوضوية قاسية، وتأتيك الأجوبة من نفوسٍ هينة.
ماذا أسقطتَ خارج أرضك حتى فقدتَ يد فلاحك؟
وماذا عن الأسوار المترهّلة، أستعيد بناءها أم تتركها سدًى؟
عقلك مخفيٌّ بالستار، وعيناك قد تفضحانك عند أول نفحة ريحٍ تتشكل فوق جسور شتاتك.
عجبًا لمرآةٍ لا تعكس الضوء إلى خارجك!
وعجبًا للممرات الأُخَر حين تحدّق بك لتهزّ الشكوك في داخلك!
كيف لِمَا يأخذ بين هزليةٍ متقلّبة وجديّةٍ صارمة أن يحدّد طريقك؟
أيُّ صلابةٍ تسكنك، حين يهطل المطر فتبلّل أفكارك، ثم تجف حين ينتهي، وكأنك تعود مجددًا! صحراء قاحلة
ما جدواك من هذا الحضور المنتصف، وأنت تستطيع أن تكون في مكانك المستحق ؟
ربما إنسانٌ التقى بمنتصف ذاته، لكنه أضاع الذات الأخرى، التي تكتمل بها إنسانيته
أفلا يجدر بك أن تبحث عن تلك الذات المتغيبة عنك ؟
عن ذلك الجزء المنسي في زحام المعاني، الذي يُعيد تشكيلك لا كما أنت، بل كما ينبغي أن تكون؟
فلا وجودٌ يُبنى على نصف، ولا نورٌ يكتمل في ظلّ ارتجافٍ دائم بين النقيضين.
قف، تأمّل، لا تهرب من هشاشتك، فإن القوة الحقيقية تولد من الاعتراف بالضعف،
والوضوح لا يُمنَح، بل يُنتزع من ضباب الحيرة.
في المنتصف، كلّ الأشياء محتملة، وكلّ النهايات ممكنة…
لكن وحده القرار، هو من يصنع المسار
فلا معنى لوقوفٍ طويلٍ على العتبة، ولا خلودٍ في مفترقٍ لا يُفضي إلى جهة.
المعبر لا يُفتح لمن يتردّد، بل لمن يخطو، ولو كان مرتجفًا.
وما الوجود إلا نية، تُترجمها الإرادة، ويزكّيها اليقين.
أن تختار، حتى وإن أخطأت، خير من أن تظلّ مترددًا بين الطرق،
فالمنتصف ليس مقامًا… بل اختبارٌ لما بعده
بيئة العمل: من يُشعل فتيل الصراع؟
نوره بابعير
دائمًا ما توجد قيمة ذاتية وقيمة اجتماعية تُبنى على مفاهيم عقل الإنسان، الذي يمارس حقه في الفهم بين مساحات وعي ناضج وأخرى يغلب عليها الجهل. أما الاختلافات التي تنشأ في بعض المواقف، والأماكن، والإمكانيات، والمهام التي تفرضها ظروف الحياة، فترتبط بمدى التقبّل أو الرفض، بين قابلية الصواب وردّ الخطيئة، أو على العكس، بين صدّ الصواب وقبول الخطيئة. وهذا ما يمنح أحد الطرفين الاستمرارية والتأثير، ويُعيد تشكيل مفهوم الإنسان للبيئة من حوله.
تظهر العوائق بحسب قدرة الإنسان على استخدام عقله، مما يعكس درجة نضج وعيه، وهو ما يحدد مدى تقدمه أو تأخره في التعامل مع التحديات.
طرحتُ سابقًا سؤالًا عن أهمية تناول موضوع مرتبط بتطوير الذات، وكانت أغلب الإجابات تطلب الحديث عن “صراعات بيئة العمل”. الغريب أن معظم المشاركين كانوا يتشاركون ذات الفكرة. ورغم أن الفكرة كانت جديرة بكتاب كامل، قررت أن أتناولها بمقالة، أتناول فيها هذا الموضوع من مختلف الزوايا.
في مجال تنمية الذات، تتنوّع مسارات التنمية بحسب احتياجات الفرد، ويمكن للمحتوى التطويري أن يُسهم في إكساب الذات وعيًا جديدًا، يجعلها قادرة على خلق بيئة عمل متوازنة على المستوى العام، ومرتبطة بالاستقرار الشخصي على المستوى الخاص.
لكن لماذا يحدث الصراع في بيئة العمل؟ وسرعان ما يرافقه سؤال آخر: ما الذي ينقص الإنسان حتى يصل إلى مرحلة الصراع؟ ثم يتبعه تساؤل ثالث: ما التطور والثقافة التي يحتاجها الإنسان حتى يُكوّن بيئة عمل متوازنة؟
البداية…
لا بد من التفكير أولًا في أسباب ظاهرة الصراع داخل بيئة العمل. وللإجابة، نحتاج العودة إلى مفاهيم الذات: هل هي مستعدة فعلًا للبقاء في هذه البيئة؟ وهل نضجها كافٍ ليسهم في إنتاجية العمل أم في إفساده؟
حين يعرف الإنسان قيمة وجوده في مكان العمل، ويركّز على إنتاجيته، يستطيع أن ينشغل بما يستحق من إنجازات دون أن يسمح لذاته أن تشتته بين جدّ العمل وهوى النفس.
هذه هي المشكلة الجوهرية التي تؤدي إلى اختلاق “الذات الأنانية”. قبل أن نحكم على بيئة العمل بأنها سيئة، علينا أن نفهم أنفسنا بشكل صحيح، بعيدًا عن أوهام الطموح المزيّف والطمع في ما لا نملك حقّه.
الأنانية انطباع ذاتي قبيح، يشوّه الأفعال ويُفسد على بيئة العمل إيجابياتها المفترضة، بل يجعلها عبئًا على من فيها. أحيانًا يفرط الإنسان في تقدير ذاته، ويظن أن ما يشعر به من استحقاق هو حقّ مطلق، حتى وإن كان انعكاسه سلبيًا على من حوله. وهنا تغرق الذات في متاهة من الغموض وسوء الفهم، وتتحوّل المهام من مساحة تعاون إلى صراع بين فشل الآخرين ونجاح الفرد المزعوم.
في المنتصف… هناك أسباب عديدة تتعلق بترتيب الأولويات.
حين تختل الأولويات داخل بيئة العمل، تبدأ الفوضى بصورتها الهادئة أولًا، ثم تتحول تدريجيًا إلى نزاعات محسوسة، ومشاعر متأججة، ومواقف شخصية تُفسد المهام المهنية. أحد أهم أسباب الصراع هو غياب التوازن بين الأداء الفردي وروح الفريق. حين يطغى حب التميز الشخصي على مبدأ التكامل الجماعي، تصبح بيئة العمل ساحة منافسة مَرَضية، لا ساحة إنجاز.
كذلك، غياب الوضوح في توزيع المهام، وافتقار المؤسسة إلى أنظمة عادلة وشفافة، يؤدي إلى خلق شعور بالظلم أو الإقصاء، فتتأجج النفوس ويُساء تفسير كل تصرف، حتى وإن كان محايدًا. وهذا ما يجعل بيئة العمل خصبة لنمو النزاعات وتراكم الضغائن.
ومن الأسباب أيضًا: ضعف مهارات التواصل، وسوء إدارة المشكلات، وغياب ثقافة الحوار. فبيئة العمل ليست فقط مكانًا لإنجاز المهام، بل هي امتداد للتربية الشخصية، والوعي الاجتماعي، والمهارات الذاتية التي يختبرها الإنسان عمليًا كل يوم.
الحل يبدأ من الداخل…
كل صراع خارجي يبدأ غالبًا من صراع داخلي غير محسوم. حين يعمل الإنسان على فهم ذاته، وضبط توقعاته، والتمييز بين الحقوق والامتيازات، يخفّ لديه الشعور بالتصادم.
وعندما يتعلّم فن الإنصات، ويمارس ضبط النفس، ويطوّر قدرته على تقبّل الرأي الآخر، سيكون قادرًا على التعامل مع بيئة العمل بوعي ناضج، يساهم في تهذيب الخلاف بدل إشعاله.
بيئة العمل الصحية لا تُبنى فقط بالأنظمة واللوائح، بل تُبنى بالعقول الواعية، والنفوس المتزنة، والقلوب التي تُقدّر قيمة الاحترام المتبادل .
الخدمة فائقة التميز – كيفيّة التفاوض في المناصب
نوره بابعير
الكتب المضيئة تحتاج إلى مساحة واسعة من الوعي لتوقظ فكر قارئها، أو لتمنحه إضافة تسهم في توسيع آفاقه نحو التقدّم الذي ينشده. هذا ما شعرت به عند قراءتي لكتاب “الخدمة فائقة التميز” للأستاذ عبدالله الحوطي، حيث تناول فيه مواضيع تتعلق ببيئة العمل المثقفة، والأساليب التي يحتاجها كل فرد لإبراز قدراته وإمكانياته في طريقه نحو التميز.
في البداية، قدّم الكاتب فكرة الخدمة بأسلوبٍ يعيد تعريفها لنا، ويجعلنا نمارسها بوعي منطلق من فهمٍ عميق، لا من عادةٍ مكتسبة. ثم أخذنا في رحلة عقلية متوازنة بين الفكر وثقافة الفعل، مؤكدًا أن من يمارس خدمة العملاء لا بد أن يتحلّى بسمات راقية تجعل من تعامله تجربة متناغمة مع تقبّل الآخرين له. كما أضاء على أهمية الأهداف والإنجازات الجماعية التي تعكس شخصية الفرد وتخدم بيئة عمله.
ما لفت انتباهي أنه كان يورد أمثلة واقعية تقود القارئ إلى استخلاص الحكمة من التفاصيل، بأسلوب يتقاطع مع الواقع الذي نعيشه. فقد جاءت أفكاره مترابطة بعمق، تُلامس الذات، وتدفع نحو تحسين الأداء، سواء في مفاهيم الحياة أو مفاهيم العمل، بحسب متطلباتهما. وليس غريبًا على الأستاذ عبدالله الحوطي أن يتحدّث عن التطوّر الذاتي والمهني؛ إذ استطاع من خلال هذا الكتاب ألا يكتفي بسرد مفاهيم الخدمة، بل بدأ بتعريفها من نقطة البداية، ليقود القارئ إلى أبعد مدى من الأثر، وهو يطرح الأسئلة ويثير الفكر حول اختياراته، مما يعزّز وعي القارئ ويجعله أكثر إدراكًا لما يحتاج فهمه.
الكتب التي تصنع من وعيك نضجًا ينعكس على أدائك هي أثمن الكتب، لأنها تتناسب مع قدراتك وتمنحك فرصة للنمو.
“الخدمة فائقة التميز” هو كتاب يجعلنا نعيد النظر في سلوكياتنا العملية، ونعيد تأهيلها لنكسب توازنًا أعلى في الأداء. النتيجة المتوقعة من هذا الوعي هي الإتقان في تنفيذ المهام، والتميّز في تقديم خدمة العملاء، وفنّ التفاوض، والتطوّر المهني الذي يصنع الفرق في بيئة العمل. ومن وجهة نظري، من المهم أن يحرص الموظف على جودة الخدمات التي يقدّمها للآخرين، لما لذلك من دور كبير في تحقيق التواصل الإيجابي، ورفع إنتاجية الأداء، وتحقيق الأهداف المؤسسية.
لكل مهنة أدواتها التي يجب تفعيلها بوعيٍ عالٍ، ليتمكن الإنسان من التميّز بما يملك من قيمة وثقافة. وقد تميّز الأستاذ عبدالله الحوطي بقدرته على تهذيب الأفعال، وتقديم المفاهيم بطريقة فعالة، تُلهم القارئ وتدفعه نحو التميّز، متى ما استثمر كفاءاته في ممارسة الخدمة بجودة ووعي.
وحين أقرأ مثل هذه القراءات المهمّة التي تُفعّل الأثر في حياة الإنسان، وأثر التدرج بين مراحل النضج المهني، أجد أنها تبني في العقل مفاهيم كانت غائبة أو غير مكتملة. فالسلوكيات الخاطئة قد تفسد على الإنسان عقله، وتنتقص من هيبته، بل وقد تسيء إلى البيئة التي ينتمي إليها. وكثيرون يفتقدون العقل النقدي الذي يجعلهم متصالحين مع ذواتهم، أو القادرين على تنمية مهاراتهم وخلق بيئة تليق بهم، من خلال تطوير أنفسهم وتوسيع آفاق ثقافتهم
النقد كحاجة مطوِّرة… ومتى يفقد قيمته
نوره بابعير
في كل حقل من حقول الإبداع، يكون النقد هو ذلك المرآة التي لا تخجل من أن تعكس كل تفاصيل الصورة، بوضوح لا يتواطأ مع المجاملة، ولا يُهادن الرداءة. لكن السؤال الأعمق الذي يتسلل من خلف هذا الدور هو: متى يتحول النقد من حاجة مطوِّرة إلى ممارسة تفقد القيمة ولا تضيف شيئًا؟
ليس النقد فعلًا هامشيًا أو ترفًا فكريًا. هو ضرورة حتمية لكل مشروع ثقافي وفني، لأنه يُعيد ترتيب العلاقة بين المبدع والمتلقي، ويؤسس لفهم أعمق لمضامين العمل. هو أداة لا تُمسك السيف، بل تضيء العتمة حول العمل وتمنحه أفقًا جديدًا من التأويل والمعنى.
لكن هذه الضرورة لا تعني أنه لا يُخطئ، أو لا يتحول أحيانًا إلى عائق بدل أن يكون عونًا.
النقد حين يكون امتدادًا للفهم
النقد حين يُمارَس من وعي، يتحول إلى عملية مُشاركة في البناء، وليس فقط تحليلًا لما تمّ. هو ليس حُكمًا قضائيًا، بل عملية تواصل عالية بين النص والعقل، بين الفن والواقع. إن الناقد الحقيقي لا يسعى لإثبات سلطته، بل لتفكيك الجمال الكامن، وتعريته من الضباب، لكي يرى المتلقي العمل بعين أكثر تبصرًا.
في هذه الحالة، يصبح النقد أشبه بجسر، يمكّن النص أو العمل من عبور حدوده الأولى، والانفتاح على تأويلات جديدة، ربما لم يضعها المبدع في حسبانه. وهنا، تتحقق القيمة التطويرية للنقد: حين لا يقتل التجربة، بل يُعيد بعثها من جديد.
عندما يُصبح النقد سلبياً بلا جدوى
لكن النقد، كأي أداة، يمكن أن يُساء استخدامه. يحدث ذلك عندما يُمارَس بروح الخصومة، أو بنية الهدم لا الفهم. حين يُختزل في المقارنة، أو يُمارَس من دون خلفية معرفية عميقة بالعمل، أو حين يتحول إلى قالب جاهز يُفرَض على كل إنتاج دون مراعاة خصوصيته.
الناقد الذي لا يُنصت، بل يُعلّق حكمه منذ البداية، لا يُطوّر العمل ولا يحترمه، بل يُمارس إلغاءً ناعمًا تحت لافتة “التحليل”. وهذا هو النقد الذي يفقد قيمته: حين لا يحمل قدرة على الإضافة، ولا رغبة في الاكتشاف، ولا روحًا للحوار. يصبح حينها عَبئًا معرفيًا، يُكدّس اللغة دون أن يفتح نافذة واحدة للرؤية.
بين الحاجة والتجاوز
تكمن المفارقة في أن بعض الأشكال السلبية من النقد، حتى حين تكون “ذكية” ظاهريًا، قد تُصيب المتلقي بالإرباك، أو تدفع المبدع إلى الانغلاق بدل الانفتاح. وتكمن الخطورة عندما لا يستطيع المتلقي التمييز بين نقد هدفه التوضيح، ونقد غايته التشويش.
لذلك، نحن لا نحتاج إلى نقد “أنيق” فقط، بل إلى نقد منسجم مع قيمته الأخلاقية: أن يكون صادقًا، موضوعيًا، ومبنيًا على المعرفة، لا على الانطباع. لا قيمة لنقد لا يعرف أن يُضيء، حتى وهو يُشير إلى العيوب. ولا جدوى من نقد يُجيد الهدم، لكنه لا يملك لبنة واحدة للبناء.
الوعي النقدي كفضيلة ثقافية
من الضروري أن نُعيد التفكير في ماهية النقد، لا بوصفه سلطة، بل كمسؤولية ، الوعي النقدي اليوم ليس مطلوبًا من النقاد فقط، بل من المتلقين أنفسهم، ليُميزوا بين من يُمارس النقد كفن، ومن يتخذه كوسيلة للضجيج. النقد الحقيقي لا يعلو صوته، بل يعلو أثره.
النقد، حين يُمارس بشروطه الفكرية والإنسانية، يحمي الإبداع من التحجر، ويمنحه فرصته الثانية للوجود. لكنه، حين يُنزَع من روحه، يتحول إلى حالة شكلية تُفرغ النصوص من معناها، وتقتل الحس الجمالي في سبيل استعراض المعرفة.
لذلك، علينا أن نسأل أنفسنا دومًا:
هل هذا النقد يُضيف للنص حياة جديدة؟
أم يُطيل في جنازته بصياغة أنيقة؟
“عقلٌ معطّل في وجه المألوف”
نوره بابعير
مشكلة الإنسان أنه أحيانًا لا يرغب في التفكير ببعض الأمور، فيضعها أمام غيره ليكونوا هم من يُشكّلون معناها. يترك فوضى الفهم تمضي دون أن يتأملها، ثم يعود، وعندما يرى جاهزية الآخرين، ينخرط في معناهم وكأنّه تبناه منذ البداية. لكن السؤال الحقيقي: هل منح تلك الفكرة مساحة فكرية صادقة من ذاته، أم اكتفى بانعكاسات غيره؟
هناك دومًا فجوة عميقة في الفهم، تحاول أن تُذَكّر الإنسان بقيمة العقل الذي يحمله في رأسه. إلا أن بعضهم يتجاهل هذه القيمة، ويستبدلها بما لدى الآخرين من وعي، بغضّ النظر عن مدى قوّته أو هشاشته. لا يهمّه إلا أن يصل بخفة إلى الموضع الذي يريد البقاء فيه، ولو على حساب ذاته.
وهنا يكمن الخطر؛ حين يتخلى الإنسان عن العقل، والأفكار، والنضج، والحكمة، وكلّ ما يترتب عليها من وعي وتميّز. يصبح أشبه بمن يُسلّم أدواته العقلية لطرفٍ آخر، مكتفيًا بالنتيجة لا بالرحلة.
إن التشابه بين المعنى الحقيقي ومحاولة اختلاقه، يكشف لنا عن دقة التوازن من جهة، وعن غفلة العقل حين يقبل كل ما يُطرح على سطحه دون أن يُصفيه عبر وعيه. وهنا، تتسرب الفكرة كما هي، دون عمق، دون وزن.
التفكير هو أحد أعظم احتياجات الإنسان، وهو ما يمنحه حق الوجود الحقيقي في حياته. كلما تثقف، وأعاد ترتيب قِيمه، اتسعت فرص تقدّمه، وتطورت قدراته العقلية والعملية. تصبح رؤيته للحياة أكثر مرونة، وأكثر صِلة بالحقيقة.
العقل هو ما يُبقي الإنسان متّصلاً بالعالم، لكن عليه أحيانًا أن يتخلى عن بعض قناعاته ليتسع لما هو جديد. فالعقل لا يقبل الشتات، بل يسعى للفهم. ومن الفهم يولد الاتساق، ويُضاء الطريق.
حتى تلك السلوكيات التي يتفاجأ بها الإنسان، يظن أحيانًا أنها لم تكن من اختياراته، ويتساءل: كيف لها أن تلتصق به رغم انعدام رغبته فيها؟ ينسى أن العقل حين يترك نوافذه مشرعة للأفكار السطحية، يفقد شيئًا من هويته، ويكتسب أخرى ليست منه، لكنها تسكنه، وتُفرز سلوكيات لم يعرفها من قبل.
أحيانًا، يفقد الإنسان السيطرة على ذاته حين يمتلئ بغيره. ويكفي موقفٌ واحد ليُحيطه بتنبؤات داخلية تُذكّره أن ما يصدر عنه لا يُشبهه، وكأنه تلبّس وجوه الآخرين دون وعي. وهنا تبدأ الأزمة، حين يصل الإنسان إلى مرحلة الانفراط الذاتي والانخراط الفكري، فيسير في خيط رفيع لا نهاية له، يقطع المسافات، لكنه لا يمثّل نفسه
كأنها الضوء… حين يصمت الظل
نوره بابعير
كأنها الشمس،
وأفكارها ظل.
تقودها الأشياء، ثم تختارها.
تفلت بعضها، وتلملم أخرياتها.
تصون نضجها كلما احتاجت الخديعةُ قولها
تبقى شاهقة كأنها لا تُرى،
تسكن في الضوء، وتختبئ في المعنى.
تعرف أن بعض الحضور عبء،
وأن الغياب أحيانًا، طوق نجاة.
تسير وحدها، لا تُخيفها العتمة،
فالنور يسكن أعماقها،
وخطواتها، وإن ترددت، تعرف الطريق.
كأنها خُلِقت لتكون الفاصل بين الهاوية والنهوض،
بين الكلمة الصادقة، والندم المتأخر.
كأنها الحياة… إذا اختارت أن تُكتب بشاعرية.
تمشي على الحافة، لا خوفًا، بل احترامًا للتوازن،
تعرف أن الخط الفاصل بين القوة والهشاشة
هو صوت داخلها يقول: “ما زلتِ قادرة.”
لا ترفع صوتها إلا حين يصمت الإنصاف،
ولا تتشت إلا لتعيد ترتيب ذاتها
كما يُعاد ترتيب القصائد قبل أن تُلقى.
تحمل بداخلها فصولًا لا يقرؤها أحد،
شتاءات باردة، وصيفًا مشتعلًا،
وربيعًا يأتي فقط حين تبتسم.
هي لا تبحث عن النجاة،
بل عن المعنى في التيه،
عن الضوء لا في نهايات النفق،
بل في الجدران التي ظنّها الجميع صمّاء.
كأنها أُنشئت من صمتٍ حكيم،
ومن صبرٍ طويل،
ومن شتاتٍ جمع نفسه،
ثم قرر أن يكون ذاتً لا تنكسر.
قصة قصيرة ” مسوّغات الغياب “
نوره بابعير
كان يفتّش عن الأسباب المتغيّبة من حقائق حجّته.
يلتفت لبعض الأشياء، وأخرى تغيب عنه، وكلّما غفل، سقط منه الجزء الأهم. لم يكن قاصدًا، لكن خطيئة الغفلة جعلته يفقد التوازن الذي كان يفترض به أن يحفظه.
ظلّ يبحث عن ظلٍّ يحمي ذاته من سطوع الأسئلة، ومن ذلك الضوء الذي يفضح هشاشة يقينه.ظنّ نفسه منسيًا، لا شيء يلامس أفكاره، يغيب عنه ضوء النضج كما تغيب الشمس خلف سحابة عابرة. كان شيءٌ من الصمت يعيد إليه ترتيب الفهم… أو قل يبعثره ليتشكّل من جديد.
ثم توقّف.
راح يفتّش مرّةً أخرى عن تلك البداية الغامضة، تلك اللحظة التي جعلته يقع فوق حجّة ما… ثم تلاشت منه.
تساءل: هل كان يبحث حقًا عن حقائق تغيّر مسار فكره؟
أم أن هناك حجّة خفيّة لكل شيء، تدفع المواقف لتتماهى معها، فتشكّل المعنى كما يُشكَّل الطين بين اليدين؟
كانت الأفكار تتكاثر، لا تشبه التوالد، بل الزحام.
كل فكرة تحمل على ظهرها أخرى، وتتناسل منها أسئلة لا أجوبة لها. بات لا يعلم إن كانت تلك الحجج صادقة، أم مجرد قشور يكسو بها ضعفه، ليُقنع نفسه أن الغفلة لم تكن خطيئة، بل حكمة مؤجلة.
ربما لم يكن يبحث عن معنى، بل عن عذرٍ للفراغ الذي يسكنه. وربما ،كان كل ما مضى محاولةً لتفسير صمته، لا أكثر .
و كانت الحيرةُ كثيفة، تمشي خلفه كظلٍ لا يفارقه، تتربص بكل لحظةِ هدوءٍ ليشتعل فيها السؤال. لكنّه، في لحظة لا تشبه غيرها، أدرك شيئًا صغيرًا كأنّه لم يكن غائبًا بل كان ينتظر النضج داخله.
أن بعض الأسئلة لا تأتي لتُجاب، بل لتفتح الباب نحو وعيٍ أعمق،وأن الغفلة التي ظنها خطيئة، لم تكن إلا طريقًا آخر للفهم متأخراً ، و لكنه صادقًا .
توقّف عن النبش في البداية، وتعلّم أن لا يمسك المعاني بأطراف أصابعه،بل يتركها تنمو فيه بهدوء، كما تنمو الأشجار بلا عجل.في النهاية، لم يصل إلى يقينٍ كامل،
لكنه وصل إلى سلامٍ خافت… سلام لا يقطع الأسئلة،
لكن يمنحها مقعدًا هادئًا في ركن القلب و ضوءً خافتاً في مسكن العقل وأفكاراً ناضجة في مساحة الوقت .
العقل الذي خلع يقينه ومشى
نوره بابعير
ما النضج؟ أهو لحظة يبلغ فيها العقل قمته، أم حالة دائمة من التحوّل؟ هل هو معرفة، أم تخلي؟ سؤال فلسفي يتسلل إلينا كلما واجهنا ذاتنا مجردة من أقنعتها الاجتماعية. العقل الناضج في جوهره، ليس مزيجًا من الحقائق الثابتة، بل هو مرونة في مواجهة تغيّر المعاني.
النضج العقلي لا يعني تراكم السنوات، بل انفصال الوعي عن سذاجة الأحكام، وتحرره من أوهام السيطرة والفهم السطحي للواقع. إنه الخروج من كهف أفلاطون، لا لمجرد رؤية النور، بل للإدراك أن ما كنا نراه من ظلال، كان أيضًا يحمل معنىً في لحظته.
العقل الناضج لا يبحث عن الإجابات السريعة، بل يسكن في الأسئلة. لا يخشى التناقض، بل يعانقه بوصفه جوهر الوجود. إنه عقل عرف أن الحقيقة ليست مطلقة، وأن المعرفة أفق لا يُطال، وأن الإنسان ، مهما بلغ من وعي يظل ناقصًا بالضرورة، وهذا النقص هو ما يجعله إنسانًا.
في فلسفة النضج، الحرية ليست صخبًا، بل وعيًا بالاختيار. والاختيار ليس دائمًا بين خير وشر، بل بين حقائق متعددة، كلها صحيحة، وكلها ناقصة. الناضج لا يبحث عن المثالية، بل عن التوازن. يعرف أن العالم ليس عادلًا بالمعنى المطلق، فيُعيد تشكيل عدالته الذاتية بقدر فهمه، لا بقدر سخطه.
النضج هو أن ترى الحقيقة في عيون من يختلف معك، وتفهم أن الفكرة لا تموت بخصمها، بل تنمو حين تُناقَش. أن تتعلم كيف تخسر دون أن تهزم، وتربح دون أن تُخضع. أن تعرف أن الأنا ليست ذاتك، بل قيدًا يكبلك إن عبدتها، ويحررك إن وعيْت هشاشتها.
العقل الناضج لا يحتفل باليقين، بل يُقدّس الشك. يرى في كل فكرة احتمالًا، وفي كل قناعة مراجعة مستحقة. هو عقل لا يُسلّم بقيوده الداخلية، بل يسعى لتفكيكها، واحدة تلو الأخرى، بإرادة الباحث، لا غرور العارف.
إنه عقل يقف على الحافة، بين الفناء والخلود، بين العبث والمعنى، ويقرر أن يسكن التوازن: لا يستسلم للعبث، ولا يتعالى على الواقع بمعنىٍ زائف. هو عقلٌ يعترف أن لا شيء يدوم، حتى هو ذاته. وهذه هي الحكمة: أن تعرف، ثم تنسى. أن تمتلئ، ثم تفرغ. أن تحيا، ثم تمضي دون أن تترك سوى أثر من فكرة، لا من صدى .