المدونة

دموع على الكتب!

يقول سقراط:
اذا أردت أن أحكم على انسان ، فاني أسأله كم كتابا قرأت وماذا قرأت ؟..
ويقول الفيلسوف والشاعر الأمريكي امرسون :
الكتب هي الاثار الأكثر بقاء على الزمن.

ويقول هنري دايفيد ثورو.:
الكتب هي ثروة العالم المخزونة ، وأفضل ارث للأجيال والأمم.
ويقول ديبارو:
الكتاب صديق لا يخون.
ويقول فنسنت ستاريت:
عندما نجمع الكتب نجمع السعادة.

____________

انتشر في السنوات الأخيرة مقطع فيديو لعالم عراقي يبكي بحرقة على كتبه التي اضطرته ظروفه المتعثرة إلى بيعها…

ومع الأسف أن كثيرًا من الناس لم يتعاطفوا معه كما يليق بمعاناته وظنّوه من الذين يبالغون في أحزانهم ويحرصون على أن يكون صوت شكواهم أكبر من حجم معاناتهم…ولكن من يعرف قدر الكتاب والعلاقة الروحية التي تنشأ بينه وبين صاحبه لا يستغرب هذا الحزن النبيل ولا يتعحب من الدموع التي ذرفها هذا العالم النبيل على كتبه…

كيف وقد قال المتنبي قديمًا:

وخير مكان في الدنى سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتابُ!
وقال أحمد شوقي:
أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتبِ الصِحابا
لَم أَجِد لي وافِيًا إِلا الكِتابا
صاحِبٌ إِنْ عِبتَهُ أَو لَم تَعِبْ
لَيسَ بِالواجِدِ لِلصاحِبِ عابا
كُلَّما أَخلَقتُهُ جَدَّدَني
وَكَساني مِن حِلى الفَضلِ ثِيابا
صُحبَةٌ لَم أَشكُ مِنها ريبَةً
وَوِدادٌ لَم يُكَلِّفني عِتابا
رُبَّ لَيلٍ لَم نُقَصِّر فيهِ عَن
سَمَرٍ طالَ عَلى الصَمتِ وَطابا
إِن يَجِدني يَتَحَدَّث أَو يَجِد
مَلَلاً يَطوي الأَحاديثَ اقتِضابا
تَجِدُ الكُتبَ عَلى النَقدِ كَما
تَجِدُ الإِخوانَ صِدقًا وَكِذابا
فَتَخَيَّرها كَما تَختارُهُ
وَادَّخِر في الصَحبِ وَالكُتبِ اللُبابا
صالِحُ الإِخوانِ يَبغيكَ التُقى
وَرَشيدُ الكُتبِ يَبغيكَ الصَوابا
إلى آخر قصيدته العصماء التي قدم بها مذكرة دفاع عصية على النقض دافع فيها عن الكتاب وانتصر له ممن لم يعرفوا له قدره ومكانته العظيمة. فلا عجب إذن أن نرى عيني ذلك العالم الحزين وهن مغرورقات بالدموع وملؤهن الشجن و الأسى. وهو ليس أول عالم يبكي كتبه فقبله بكى العلماء كتبهم ومكتباتهم وهذه قصة من مئات القصص المشابه ذكرها العلامة ياقوت الحموي المتوفى ٦٢٦هـ في كتابه معجم الأدباء وقال: حدث أبو زكريا التبريزي و قال: رأيت نسخة من «كتاب الجمهرة» لابن دريد باعها أبو الحسن الفالي بخمسة دنانير إلى القاضي أبي بكر ابن بديل التبريزي وحملها إلى تبريز، فنسخت أنا منها نسخة، فوجدت في بعض المجلدات رقعة بخط الفالي فيها:

أنست بها عشرين حولا وبعتها …
فقد طال شوقي بعدها وحنيني
وما كان ظنّي أنني سأبيعها …
ولو خلّدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية …
صغار عليهم تستهلّ شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرة …
مقالة مشويّ الفؤاد حزين
«وقد تخرج الحاجات يا أمّ مالك …
كرائم من ربّ بهنّ ضنين»
فأريت القاضي أبا بكر الرقعة والأبيات فتوجع وقال: لو رأيتها قبل هذا لرددتها عليه، وكان الفالي قد مات!.

انتهت القصة.

وقال ياقوت الحموي معلقا على هذه القصة:

والبيت الأخير من هذه الأبيات تضمين قاله أعرابيّ في ما ذكره الزبير بن بكار عن يوسف بن عياش قال: ابتاع حمزة بن عبد الله بن الزبير جملا من أعرابي بخمسين دينارا ثم نقده ثمنه، فجعل الأعرابي ينظر إلى الجمل ويقول:
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك … كرائم من ربّ بهنّ ضنين!
فقال له حمزة: خذ جملك والدنانير لك، فانصرف بجمله وبالدنانير.!.انتهى

فما أقسى الحاجة والافتقار !

وقد أُجبر العلماء على التضحية بكتبهم التي قضوا معها أجمل وأهدأ وألطف أيامهم وساعاتهم!

وأخيرا أود أن أنبه القارئ الكريم أن هذه الأُلفة مع الكتاب لا تشمل الكتاب الإلكتروني فالعلاقة مع الكتاب الإلكتروني -من وجهة نظري-علاقة مادية صرفة قائمة على المنافع المتبادلة…بينما الكتاب الورقي هو ابنك الشرعي الذي ترى ملامح خطك وتعليقاتك التي تعكس شخصيتك ووجهة نظرك على جوانبه وتزداد حبًّا له كلما ازداد بقاؤه عندك لأنه يحكي لك عن لحظات من ماضيك الجميل لا تود نسيانها!.

الكاتب: عبدالكريم المجهول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.