موضوعات متنوعة
الكتابة كأفق ثقافي لتخييل الذات”
نوره بابعير
الكتابة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي في جوهرها فعل وجودي، يعيد فيه الإنسان تشكيل ذاته، وتصفية وعيه، وتوليد إمكانيات جديدة لرؤية العالم ونفسه. إننا لا نكتب فقط لنُعبّر، بل لنفهم، لنهدأ، لنُنقي دواخلنا من ضوضاء العالم، ولنصنع داخل اللغة فسحة أوسع للحرية والتأمل.
التخييل الذاتي: حين يصبح الإنسان نصًا يُكتب
في فعل الكتابة، يبدأ التخييل الذاتي: أن يرى الإنسان نفسه ككائن قابل للتشكل، وكذات يمكن إعادة رسمها وتحريرها عبر الكلمات.
الكاتب، هنا، لا يدوّن الواقع كما هو، بل يُعيد ترتيبه، يفلتره، يتأمله، يضخ فيه ما يراه جديرًا بالبقاء، ويُبعد ما لا يحتمل الضجيج. إنها ليست كتابة سير ذاتية، بل إعادة خلق للذات من الداخل، وتصالح مع الهشاشة والأسئلة والانكسارات.
الكتابة بهذا المعنى لا تُجمّل السلوك، لكنها تُضيئه. تُجبرنا على مواجهة أنفسنا، على كشف “الضوضاء الزائدة” التي تشوش وعينا وتُغرقنا في الاستجابة التلقائية، بدلًا من الفعل النابع من وعي.
الضوضاء ليست فقط خارجية (كفوضى العالم وضجيج التواصل)، بل داخلية أيضًا: أفكار غير مكتملة، مشاعر مضغوطة، تصورات موروثة.
الكتابة تنقّي. لا لأنها تقول الحقيقة، بل لأنها تتيح للذات أن تُعيد تنظيم فوضاها، وتُراجع مساراتها، وتستعيد صوتها الداخلي وسط ضجيج الأصوات الخارجية.
المخيلة: بين اللغة والوعي
كلما اتسعت المخيلة، زادت قدرة الكاتب – أو القارئ – على فهم ما هو أبعد من الواقع المباشر. المخيلة لا تعني الهروب من الواقع، بل تعني القدرة على تخيّله بصورة مختلفة، وعلى إعادة صياغته وفق منظور شخصي أو جمالي.
هذه القدرة الخيالية تُنبت لغة جديدة، أوسع، أغنى، وأعمق. فاللغة لا تتطور من تلقاء نفسها، بل عبر استخدام مبدع وخيال حيّ.
لذلك، من يُطوّر مخيلته، يُطوّر لغته تلقائيًا. يتسع معجمه، تتشكل لديه حساسية لغوية أعلى، ويصبح قادرًا على التعبير بدقة وجمال.
ومن هنا يمكن القول إن المخيلة لا تبني جسورًا بين الإنسان واللغة فقط، بل تبني داخله جسرًا بين ذاته الواعية وذاته العميقة، بين أفكاره وظلال أفكاره، بين ما يعرفه عن نفسه، وما لم يكتشفه بعد.
الكتابة كأداة ارتقاء داخلي
الكتابة ، حين تقترن بمخيلة حرة وتأمل صادق – تصبح أداة للارتقاء. ليست رفاهية ولا ترفًا ثقافيًا، بل حاجة وجودية.
هي ما يُمكّن الإنسان من أن يُبطئ اندفاعه، أن يُمسك اللحظة ويفككها، أن يرى السلوك وهو يتشكل، فيحرر نفسه من التكرار واللاوعي.
ولعل أعظم ما تمنحه لنا الكتابة، هو هذا الشعور الدقيق بالتماسك الداخلي. لا بالانتصار على الفوضى، بل بالقدرة على التعبير عنها، وفهم أسبابها، وتحويلها إلى شيء يمكن النظر إليه لا الغرق فيه.
اصبحت لكتابة فعل مقاومة، والمخيلة ملاذًا، واللغة وسيلة خلاص. وكلما كتب الإنسان أكثر، خيّل ذاته أكثر، كلما صار أكثر قربًا من جوهره، وأبعد عن الضوضاء التي تحجبه عن ذاته الحقيقية
لغز البيت الأحمر.. جريمة قتل، إطلاق نار، جثة، ومشتبه مفقود.. فهل تعتقد أنك ستكتشف القاتل قبلهم..
لغز البيت الأحمر رواية خفيفة، ساحرة، وذكية، سيتمكن القارئ إلى حد كبيرمن فك غموضها مبكرًا، من الواضح من إيقاع الرواية أن ميلن استمتع كثيرًاأثناء كتابتها. الإهداء في بدايتها موجّه إلى والده، الذي كان من محبي رواياتالغموض.
البيت الأحمر الذي تدور فيه أحداث الغموض يخص مارك أبلت، رجل مستقلماديًا، كان في السابق يكتب للصحف، ولكنه ومنذ أن ورث ثروة مناسبة منراعية عانس، بات يكتب ما يشاء دون أجر. يستضيف أصدقاءه باستمرار فيمنزله، ويُبقي سيطرته على سير الأمور من خلال تنظيم الأنشطة وتوجيهضيوفه إلى كيفية قضاء وقتهم.
يعيش معه ابن عمه ماثيو كايلي، ويعمل كسكرتير له. في طفولته، تكفّل ماركبتعليمه، ثم وظّفه لاحقًا للاهتمام بشؤونه المالية والإدارية.
أثناء وقوع الجريمة، كان مارك يستضيف ضيوفًا متنوعين: ضابطًا متقاعدًا، ممثلة، أرملة وابنتها، وشابًا من الطبقة الراقية يُدعى بيل بيفرلي، الذي كتبإلى صديق له كان يمر صدفة بالمنطقة، ودعاه لزيارته في البيت الأحمر — تمامًا عند بدء الغموض.
توني غيلينغهام هو رجل لا يلتزم بمهنة واحدة لفترة طويلة، لكنه دائمًا يخرجسالمًا. عند وصوله إلى البيت الأحمر، كان يفكر في ماهية وظيفته القادمة. يلتقي بكايلي وهو يطرق بجنون على أحد الأبواب داخل المنزل، فيتدخل تونيعلى الفور.
قبل هذا المشهد بقليل، عاد الأخ الأكبر لمارك، روبرت أبلت، من أستراليا للقاءشقيقه. يعرف عنه من لم يسبق لهم رؤيته أنه شخصية غير موثوقة، دائمًا فيمشاكل مالية، وقد أُرسل إلى أستراليا لأسباب غامضة.
عندما يتمكن كايلي وغيلينغهام من دخول الغرفة، يعثران على جثة رجل، مصاببرصاصة في جبهته، ويؤكد كايلي أن القتيل هو روبرت أبلت. لا أثر لمارك. عندها، يقرر غيلينغهام أن يتقمص دور المحقق الهاوي، ويصبح بيفرلي هو“واتسون” لمحققنا “هولمز”.
وبين التقلبات والمنعطفات غير المتوقعة، تتكشف حقيقة ما حدث داخل المنزل. كلالعناصر موجودة: رجل مجهول يدّعي أنه الأخ العائد، شجار مسموع، طلقة، اختفاء مارك، وتواجد كايلي في لحظات محورية. ومع ذلك، هناك شعور بأنميلن كان يؤلف القصة بحرية أثناء سيرها، ويعكس هذا مرونة أسلوبه وجاذبيةشخصيتي غيلينغهام وبيفرلي.
بيفرلي بالتحديد يبدو مزيجًا بين بيرتي ووستر وجون واتسون. حماسيّ ومندفعلخوض غمار الغموض، لكنه بين الحين والآخر يتذكر أن الشخص المتورط قديكون صديقًا. أما غيلينغهام، الأكبر سنًا والأكثر خبرة، فهو الشخصيةالمهيمنة، ويظهر بيفرلي حرصه على نيل إعجابه.
عندما يُكشف الستار عن الحقيقة، تبدو الحبكة متكلفة إلى حد ما، كما أنالشرطة أغفلت مسارات تحقيق واضحة، مفضّلة القفز مباشرة إلى استنتاجسريع. لكن لغز البيت الأحمر تندرج ضمن أسلوب “العصر الذهبي للجريمة”، لذا يُتوقع منها شيء من اللامعقول.
النهاية توحي بأن ميلن ربما كان ينوي كتابة مغامرات أخرى لغيلينغهاموبيفرلي كمحققين هاويين. لكن بدلًا من ذلك، كتب رواية مستوحاة من زواجه(Two People، 1931)، ثم رواية جريمة كوميدية (Four Days’ Wonder، 1933)، ثم كوميديا اجتماعية (Chloe Marr، 1946).
“الصحافة بوصفها مشروعًا ثقافيًا”
نوره بابعير
الكتابة الصحفية ليست مجرد ممارسة مهنية، بل هي أداةٌ فاعلة لصقل الذائقة واختيار العناوين بعناية فائقة، وطرحها في سياقات تعبّر عن الوعي الإعلامي والهوية الثقافية للكاتب. فهي تُجسّد انعكاسًا لسلوك الإنسان، وتُبرز أساليبه السردية في التناول، لتُكوّن له هوية إعلامية متميزة.
ولعلّ نجاح الصحف والمجلات لطالما ارتبط بقدرة إداراتها التحريرية على بناء صورة متكاملة تُعبّر عن رؤاها، وتُحسن تمثيل رسالتها أمام القارئ. لقد تميزت الصحف في الماضي ببساطتها الآسرة، وطرحها للمواضيع الثقافية والاجتماعية بطريقة تمزج العمق بالوضوح. وكان لحضور الكتّاب والمفكرين فيها أثر بالغ، إذ عكست مقالاتهم ثراء معرفيًّا ينبع من تنوّعهم الثقافي واتساع أفقهم.
هذه المرحلة الذهبية للصحافة ما زالت محفورة في ذاكرة الثقافة، وكأنها تأبى أن تندثر. فما زلنا نستلهم من كتاب تلك المرحلة بساطتهم الآسرة، وننهل من خبراتهم المتراكمة، وكأن حبرهم لا يزال حيًّا في زوايا الورق.
وفي هذا السياق، لفتني الإعلامي عبدالله الحسني، الذي يُجسّد صورة الصحفي المثقف بأبهى تجلياتها. ففي لقاءاته، بدا وفيًّا للمهنة، واعيًا بمسؤوليتها، حريصًا على أن تُنشر الثقافة كما تستحق أن تُقدّم: بنضج معرفي، واتزان لغوي، ورؤية مسؤولة.
تحدّث الحسني عن المثقف الذي يتقن فن الكتابة الصحفية، لا بوصفها حرفة فحسب، بل بوصفها موقفًا معرفيًا. وقد لخّص رؤيته تلك في كتابه: “الاختلاف أفسد للود قضية”، حيث يفيض حديثه عن قيمة الإنسان المبدع، وأثر الاحتراف في تحقيق جودة الكتابة وتأثيرها.
وقد قرأت له نصًا مؤثرًا كتب فيه عن والده، جاء فيه:
“والدي… مُرشِّد وعيي، وسلوكي… أوّل من غرس فسائل الشغف والانهمام المعرفي في روعي… يغرس دونما انتظار لجَنْي. لا يجيد القراءة، لكنه يملك حصافة المثقف ولقانة الفيلسوف. رحل منذ أعوام؛ لكنه ظلّ حاضراً بِسَمْتِهِ الوقور، تحفّني عنايته وحرصه ألا أهِن. سلام لروحه الطاهرة.”
نصّ كهذا لا يُكتَب إلا بقلمٍ مسكون بالوفاء، ومدادٍ مشبع بالمعرفة.
الإعلامي عبدالله الحسني يمثل نموذجًا نادرًا في المشهد الثقافي والإعلامي، ويمكن تلمّس أثره الواضح من خلال صفحته الثقافية بجريدة الرياض، وحواراته في البرامج التلفزيونية، حيث تبرز ملامح المثقف المسؤول.
الثقافة، في زمننا هذا، تحتاج إلى وجوهٍ مثل عبدالله الحسني وغيره العديد من الادباء والصحافيين والإعلامين .و هم صورة شاهدًا على أهمية أن تُمارَس الصحافة بوصفها فعلًا معرفيًّا يُعلي من قيمة الكلمة، ويمنح المتلقي زادًا من الفهم والتنوير.
البرج المقلوب: تفكيك النموذج المعرفي الكلاسيكي في زمن الرقمنة
البرج المقلوب: تفكيك النموذج المعرفي الكلاسيكي في زمن الرقمنة
بقلم: مريم بن عياش
يذهب عنوان الكتاب «البرج المقلوب» للكاتب العراقي كه يلان محمد إلى مخاتلة القارئ؛ إذ تنفتح لديه جملة من التأويلات الممكنة لما يحمله وما يحاول تجاوزه، فالبرج هو بناء دال على الارتفاع إلى أعلى مستويات الفكر، كما يدل كذلك على التراكم المعرفي والمنهجي، الذي يفرض استقرارا في الفكر. والمقلوب/الانقلاب دعوة صريحة للتشكيك في بنية المعرفة، والإقرار بأن ما يُعتبر ثابتا قد يكون متغيرا، ويحتاج إلى إعادة نظر وتفكير فلسفي. فالبرج المقلوب هو انقلاب للنظام المعرفي المتعارف عليه، باعتبار أن البرج هو الثبات، وفي هذا السياق يمكن أن نشير إلى أن الكاتب يذهب إلى تصوير الاضطراب الحاصل في المعرفة فيعكس اللا تناظر واللا ثبات فيها.
المسكوت عنه في الخطاب الفلسفي:
يحاول الكاتب الحديث عن المسكوت عنه في الخطاب الفلسفي؛ فإشكاليته تكمن في تغييبه تزامنا مع الفضاء الرقمي المفتوح والمؤثر بشكل أو بآخر على المعرفة ونظامها. يقف بنا عند سؤال جوهري عن دور الفلسفة في العالم اليوم، ونحن نعلم أننا نعيش رقمنتنا فيقول: هل تكون الفلسفة آلية لفهم، أو احتواء المتناقضات التي يشعر بها الفرد؟ هل يمكن للفلسفة أن تعزي الإنسان في واقع لا عزاء فيه؟ في الغالب يمكن أن نجيب عن هذا الطرح بقولنا، إن التكنولوجيا لا يمكنها الإجابة عن الأسئلة المُتشبّعة بالحياة، فهي تعالج الحلول العملية والظاهرة، دون الخوض في البنى العميقة التي هي من مهام الفلسفة.
استهلاك المعرفة/ صناعة الثقافة:
يحيلنا الكاتب إلى التكلف الذي أغرق فيه تجار الأفكار؛ وذلك من أجل تسليع المعارف، فقاموا باصطياد جمهور يستسيغ وجباتهم الغامضة، فالماديات حسب الكاتب تغوّلت وازدادت شراهة الاستهلاك، بتوالي الإصدارات الفلسفية التي تتناول محاذير الانسياق وراء الرغبات غير المنظمة، وتفضح عملية تضخيم الأوهام المبرمجة عن مفهوم السعادة، فقد فضحت من قبل مدرسة فرانكفورت الأمر، وسلطت الضوء على تأثير الوعي الرأسمالي في تأسيس خطابات معرفية مُغايرة، وفصل ثيودور أدورنو في هذه المسألة بداية من مؤَلفه المشترك مع ماكسهور كهايمر بحديثه عن تصنيع النخبوي لصالح الجماهيري. ما جعل صناع الفلسفة يقفون على خلفية العصر الجديد بميكانيزمات هشة، فأدّت عبثية الاستهلاك المعرفي إلى قلة طرح الأسئلة والخوض في عمقها، وتنظيمها بشكل فعال.
القطيعة مع أساطين الفكر الفلسفي/ من اللغة المقعّرة إلى اللغة الأليفة:
إن التشدّق اليوم بلغة أليفة قريبة من الجمهور، دون مراعاة لحساسية الأفكار المطروحة.. أو لتمرد الفلسفة ومشكلاتها المتشعبة، أدى إلى زعزعة القيم واختناق الأفكار؛ لأن الفلسفة لم تعد بإمكانها الإجابة عن هذه المطالب. إنّ فلاسفة الألفيّة الجديدة مخلصون، صادقون، قريبون إلى فكرنا، وكما يقول آلان دي بوتون «قليل من علاج القلق أفضل من التفكير فيه»، إذ يرى أنّ الفلسفة لا تستحق ساعة عناء إذا لم تساعدنا على العيش حياة أفضل.
ثنائية (الفلسفة.. السعادة) السعادة الماكرة:
يشير كه يلان إلى وجود علاقة خفية بين هذه الثنائية (الفلسفة/السعادة) وهي في حقيقة الأمر علاقة مفخخة، وبين (السعادة/المكر) من جهة ثانية، فالسعادة تتزايد مع تزايد عملية الإنتاج والاستهلاك، وتأجيج القنوات الإعلاميّة للرغبة الشرائية التي توهم بتوفير الهدوء النفسي، وهي «في الواقع لا تحقق شيئا سوى دعم ماكينة السوق وتضخيم السلع». حيث يذهب الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر إلى أن السعادة ليست شيئا يمكن السعي وراءه بشكل مباشر، بل هي حالة تتحقق من خلال العيش الأصلي والتفاعل العميق مع الوجود؛ إذ أنها ليست غاية، بل حالة تظهر نتيجة للعيش بوعي عميق. تختلف الرؤى حول مفهوم السعادة بناءً على الأفكار المتبناة، فقد يراها البعض مكافأة لعيش حياة قائمة على الفضيلة والواجب، بينما يراها آخرون نتيجة لعدم التعلق بالأشياء المادية، أو قبول العبثية والوجود.
استقلالية الخطاب الفلسفي:
الفلسفة قادرة على التعبير عن نفسها بشكل مستقل، دون تدخل أي سلطة، أو أي تأثيرات خارجية، دينية كانت، أو سياسية، أو ثقافية؛ إذ يُعتبر الخطاب الفلسفي مجالا حر الأفكار، ما يعزز قدرته على طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والوجود والمجتمع. فقد رفض سقراط الخضوع لأوامر الحكام في أثينا، واعتبر أنه يجب على الفلسفة أن تكون مستقلة، وتبحث عن الحقيقة بغض النظر عن الضغط الاجتماعي أو السياسي. أما ديكارت في «تأملات في الفلسفة الأولى» فقد وضع قاعدة منهجيّة تقوم على الشك، وأكد ضرورة الاستقلالية الفكرية للوصول إلى الحقيقة. وكان كانط هو الآخر يرى أن الفلسفة مستقلة عن الديانات والمعتقدات التقليدية، في عمله «نقد العقل المحض»، وسعى إلى إنشاء نظام فلسفي يعتمد على العقل ولا يتأثر بالمعتقدات الدينية أو السياسية.
ويمكن القول أخيرا أنّ الفلسفة تهذيب للوقاحة، وترتيب للأفكار ولملمة لتشظيات الحياة اليومية، ودعوة إلى اكتشاف متعة التفكير انطلاقا من الواقع الموجود لا المُفترض أو المحتمل، بل هي خاضعة للممكن. يتناولُ المؤلف في سياق فصول الكتاب العلاقة بين المؤسسة الأكاديمية والفلسفة، مشيراً إلى أنَّ أفق التفكير الفلسفي أوسع من أن ينكفئ على حدود التنظير المُصطلحاتي لأنَّ الحياة بمتناقضاتها المُستفحلة هي قاعدة لانطلاقات الفلسفة وتجديد آلياتها. ويذكّرُ محمد بالتوتر السائد في الفضاءات التي يحاولُ فيها الخطاب الديني مصادرة ملعب الفلسفة وسحب الأوراق من العقل المسكون بالأسئلة الحيوية.
المصدر: جريدة القدس
“فالمنتصف ليس مقامًا”
نوره بابعير
جزؤك المنتصف عالق في المجهول، وجزؤك المضيء عالق في الوضوح. أيُّ اتساعٍ يأخذك بينما أنت في المنتصف، لا تقوى على الإقدام نحو وجهتك؟
وقبل الإقدام، أين مقرّك من هذا الوقوع؟
أأصابك قطعًا، أم زادك وصلًا؟
كيف تنشئ الوجود، بينما أنت تتلاشى في مفترق الطرقات تارة، وفي مفترق الفكر تارة أخرى؟
تأتيك الأشياء فوضوية قاسية، وتأتيك الأجوبة من نفوسٍ هينة.
ماذا أسقطتَ خارج أرضك حتى فقدتَ يد فلاحك؟
وماذا عن الأسوار المترهّلة، أستعيد بناءها أم تتركها سدًى؟
عقلك مخفيٌّ بالستار، وعيناك قد تفضحانك عند أول نفحة ريحٍ تتشكل فوق جسور شتاتك.
عجبًا لمرآةٍ لا تعكس الضوء إلى خارجك!
وعجبًا للممرات الأُخَر حين تحدّق بك لتهزّ الشكوك في داخلك!
كيف لِمَا يأخذ بين هزليةٍ متقلّبة وجديّةٍ صارمة أن يحدّد طريقك؟
أيُّ صلابةٍ تسكنك، حين يهطل المطر فتبلّل أفكارك، ثم تجف حين ينتهي، وكأنك تعود مجددًا! صحراء قاحلة
ما جدواك من هذا الحضور المنتصف، وأنت تستطيع أن تكون في مكانك المستحق ؟
ربما إنسانٌ التقى بمنتصف ذاته، لكنه أضاع الذات الأخرى، التي تكتمل بها إنسانيته
أفلا يجدر بك أن تبحث عن تلك الذات المتغيبة عنك ؟
عن ذلك الجزء المنسي في زحام المعاني، الذي يُعيد تشكيلك لا كما أنت، بل كما ينبغي أن تكون؟
فلا وجودٌ يُبنى على نصف، ولا نورٌ يكتمل في ظلّ ارتجافٍ دائم بين النقيضين.
قف، تأمّل، لا تهرب من هشاشتك، فإن القوة الحقيقية تولد من الاعتراف بالضعف،
والوضوح لا يُمنَح، بل يُنتزع من ضباب الحيرة.
في المنتصف، كلّ الأشياء محتملة، وكلّ النهايات ممكنة…
لكن وحده القرار، هو من يصنع المسار
فلا معنى لوقوفٍ طويلٍ على العتبة، ولا خلودٍ في مفترقٍ لا يُفضي إلى جهة.
المعبر لا يُفتح لمن يتردّد، بل لمن يخطو، ولو كان مرتجفًا.
وما الوجود إلا نية، تُترجمها الإرادة، ويزكّيها اليقين.
أن تختار، حتى وإن أخطأت، خير من أن تظلّ مترددًا بين الطرق،
فالمنتصف ليس مقامًا… بل اختبارٌ لما بعده
بيئة العمل: من يُشعل فتيل الصراع؟
نوره بابعير
دائمًا ما توجد قيمة ذاتية وقيمة اجتماعية تُبنى على مفاهيم عقل الإنسان، الذي يمارس حقه في الفهم بين مساحات وعي ناضج وأخرى يغلب عليها الجهل. أما الاختلافات التي تنشأ في بعض المواقف، والأماكن، والإمكانيات، والمهام التي تفرضها ظروف الحياة، فترتبط بمدى التقبّل أو الرفض، بين قابلية الصواب وردّ الخطيئة، أو على العكس، بين صدّ الصواب وقبول الخطيئة. وهذا ما يمنح أحد الطرفين الاستمرارية والتأثير، ويُعيد تشكيل مفهوم الإنسان للبيئة من حوله.
تظهر العوائق بحسب قدرة الإنسان على استخدام عقله، مما يعكس درجة نضج وعيه، وهو ما يحدد مدى تقدمه أو تأخره في التعامل مع التحديات.
طرحتُ سابقًا سؤالًا عن أهمية تناول موضوع مرتبط بتطوير الذات، وكانت أغلب الإجابات تطلب الحديث عن “صراعات بيئة العمل”. الغريب أن معظم المشاركين كانوا يتشاركون ذات الفكرة. ورغم أن الفكرة كانت جديرة بكتاب كامل، قررت أن أتناولها بمقالة، أتناول فيها هذا الموضوع من مختلف الزوايا.
في مجال تنمية الذات، تتنوّع مسارات التنمية بحسب احتياجات الفرد، ويمكن للمحتوى التطويري أن يُسهم في إكساب الذات وعيًا جديدًا، يجعلها قادرة على خلق بيئة عمل متوازنة على المستوى العام، ومرتبطة بالاستقرار الشخصي على المستوى الخاص.
لكن لماذا يحدث الصراع في بيئة العمل؟ وسرعان ما يرافقه سؤال آخر: ما الذي ينقص الإنسان حتى يصل إلى مرحلة الصراع؟ ثم يتبعه تساؤل ثالث: ما التطور والثقافة التي يحتاجها الإنسان حتى يُكوّن بيئة عمل متوازنة؟
البداية…
لا بد من التفكير أولًا في أسباب ظاهرة الصراع داخل بيئة العمل. وللإجابة، نحتاج العودة إلى مفاهيم الذات: هل هي مستعدة فعلًا للبقاء في هذه البيئة؟ وهل نضجها كافٍ ليسهم في إنتاجية العمل أم في إفساده؟
حين يعرف الإنسان قيمة وجوده في مكان العمل، ويركّز على إنتاجيته، يستطيع أن ينشغل بما يستحق من إنجازات دون أن يسمح لذاته أن تشتته بين جدّ العمل وهوى النفس.
هذه هي المشكلة الجوهرية التي تؤدي إلى اختلاق “الذات الأنانية”. قبل أن نحكم على بيئة العمل بأنها سيئة، علينا أن نفهم أنفسنا بشكل صحيح، بعيدًا عن أوهام الطموح المزيّف والطمع في ما لا نملك حقّه.
الأنانية انطباع ذاتي قبيح، يشوّه الأفعال ويُفسد على بيئة العمل إيجابياتها المفترضة، بل يجعلها عبئًا على من فيها. أحيانًا يفرط الإنسان في تقدير ذاته، ويظن أن ما يشعر به من استحقاق هو حقّ مطلق، حتى وإن كان انعكاسه سلبيًا على من حوله. وهنا تغرق الذات في متاهة من الغموض وسوء الفهم، وتتحوّل المهام من مساحة تعاون إلى صراع بين فشل الآخرين ونجاح الفرد المزعوم.
في المنتصف… هناك أسباب عديدة تتعلق بترتيب الأولويات.
حين تختل الأولويات داخل بيئة العمل، تبدأ الفوضى بصورتها الهادئة أولًا، ثم تتحول تدريجيًا إلى نزاعات محسوسة، ومشاعر متأججة، ومواقف شخصية تُفسد المهام المهنية. أحد أهم أسباب الصراع هو غياب التوازن بين الأداء الفردي وروح الفريق. حين يطغى حب التميز الشخصي على مبدأ التكامل الجماعي، تصبح بيئة العمل ساحة منافسة مَرَضية، لا ساحة إنجاز.
كذلك، غياب الوضوح في توزيع المهام، وافتقار المؤسسة إلى أنظمة عادلة وشفافة، يؤدي إلى خلق شعور بالظلم أو الإقصاء، فتتأجج النفوس ويُساء تفسير كل تصرف، حتى وإن كان محايدًا. وهذا ما يجعل بيئة العمل خصبة لنمو النزاعات وتراكم الضغائن.
ومن الأسباب أيضًا: ضعف مهارات التواصل، وسوء إدارة المشكلات، وغياب ثقافة الحوار. فبيئة العمل ليست فقط مكانًا لإنجاز المهام، بل هي امتداد للتربية الشخصية، والوعي الاجتماعي، والمهارات الذاتية التي يختبرها الإنسان عمليًا كل يوم.
الحل يبدأ من الداخل…
كل صراع خارجي يبدأ غالبًا من صراع داخلي غير محسوم. حين يعمل الإنسان على فهم ذاته، وضبط توقعاته، والتمييز بين الحقوق والامتيازات، يخفّ لديه الشعور بالتصادم.
وعندما يتعلّم فن الإنصات، ويمارس ضبط النفس، ويطوّر قدرته على تقبّل الرأي الآخر، سيكون قادرًا على التعامل مع بيئة العمل بوعي ناضج، يساهم في تهذيب الخلاف بدل إشعاله.
بيئة العمل الصحية لا تُبنى فقط بالأنظمة واللوائح، بل تُبنى بالعقول الواعية، والنفوس المتزنة، والقلوب التي تُقدّر قيمة الاحترام المتبادل .
ترف الحرب وتشظي التشرد في رواية عمى الذاكرة بقلم: الغربي عمران
الحس الإنساني اللافت الذي يمتلكه الرقيمي من خلال روايته عمى الذاكرة؛ فإصداره الأول، والذي ركز فيه على مناجاة الأم، كان مفعمًا بالمشاعر الجياشة، فحين كتب الرقيمي كتابًا كاملًا عن الأم، أبرزها رمزًا للعطاء العاطفي والمادي، وبكتابته ذاك يشير إلى قلوبنا، ويتحدث إليها، فلا كائن بشري إلا وأحس بلغته الجزلى، التي يشعر من قرأها بأنها قد عبّرت عمّا يحمله قلبه تجاه أمه.
بين يدينا اليوم إصداره الجديد عمى الذاكرة، عنوان لافت يفتح على قارئه عشرات النوافذ التأويلية والترميزية. ثم لوحة الغلاف التي مثلت عملًا فنيًّا معبرًا وقائمًا بحد ذاته: عين نظارة وحيدة، مشروخ زجاجها ومتماسك في نفس الوقت، وبوسط إطار إلا من فتحة صغيرة في السنتر.
اللغة، كما أشاد بها الروائي أحمد قاسم العريقي، هي أول ما تستقبل قارئ هذا العمل، إذ تمتاز بجزالة وسلاسة التعبير، ما يدل على قدرة الكاتب على الحكي الغزير، والتعبير الممزوج بالعاطفة، وهو ما تفتقر إليه نفوسنا الظمأى. ولذلك، تحملنا تلك اللغة إلى عوالم حسية وروحية باذخة الجمال.
الكاتب يرصد مجتمعًا تحت أوضاع الحرب، وما قرّب الإحساس بما يحدث استخدامُه لضمير المتكلم؛ فالسارد هو الشخصية المحورية يحكي أسرته المكونة من أمه وجده وزوج أمه الذي يصفه بأبي سالم، واصفًا أثر الحرب على أفراد المجتمع من خلال أسرة السارد، بعد أن عادتهم من مدينة لم تذكر إلى قريتهم نتيجة للحرب.
لم يكن الكاتب قاسيًا مع سالم الأب، ولا محبًا لأمه لأنها أمه:
“هذه أمي نادرة، غيمة وقعت على دربي بأمر الله، ولم أجدها إلا ماطرة بالحب والحنان والعطف، تغتسل روحها كلما رأتني مقبلًا عليها، وتهجع نفسها مع كل خطوة أسير لها مع جدي خارج البيت. إنني أحبها كثيرًا.”
ولا لجده الذي يصفه بصفات إنسانية عظيمة؛ بل أثّر الحرب على الأفراد، فسالم ضحية، وما غيابه وتجاهله لأسرته إلا من أثر الحرب عليه وعلى أوضاعه النفسية والمالية. هكذا يقدّم الكاتب سالم تارة بقسوة:
“وأبي هو الآخر جاء من زاوية قذرة لم تكن على صلة بالإنسانية.”
وأخرى في صور باهتة. وكذلك الأم، وقد زاد خوفها بشكل كبير على ابنها في ظل أوضاع مدمرة؛ فمشاعر الأم لن تظهر كذلك النقاء والعطاء في أوضاع مستقرة، وكذلك الجد الذي قدمه في شكل خيالي وكأن تلك الشخصية قدت من أسطورة يونانية قديمة بشكلها وجوهرها وقدراتها، وذلك الجدل الذاتي لها:
“جدي من السماء وقع في منزلنا وكأنه تعويض سماوي عن حرمان مستبد طالنا جميعًا.”
وإذا ما تجاوزنا حياة القرية وانتقال الراوي إلى صنعاء بعد الثانوية، هنا نقف عند نقطة؛ إذ قدم الكاتب هذه الأم التي تناست ذاتها لتعطي ابنها كل ما لديها من الحلي، ناسية ذاتها في حياة الوحدة بعد اختفاء الزوج وموت الجد ورحيل الابن، وهو الشاب الذي أكمل الثانوية في مجتمع ذكوري لا يعيبه أي وضع، بينما أمه الأنثى الوحيدة في قرية نائية تنسى أن تبقي لها شيئًا من حليها.
ليصل صنعاء وهناك يبحث عن عمل، إلا أن “عبده حمادي” البائع الجائل ينصحه بمواصلة تعليمه، ويتكفل بإدارة ماله – قيمة ذهب أمه – كشريك فيما يبيع ويشتري جائلًا:
“عليك أن تثق بي، أريد لك الخير، لا أعرفك أو تعرفني، لكنها أقدار الله تقود إلى حيث نجد أنفسنا، وهذا لا يحدث مرتين. دعني أساعدك في رسم خريطة أخرى تكون عليها لامعًا وناجحًا، أو بالأحرى أنا من يطلب منك أن تساعدني. امنحني فرصة واحدة لأغادر هذه الحياة وقد تركت خلفي رجلًا يشار إليه …”
حمادي قدمه الكاتب شخصية واعية وذات قيم أكبر من أن تنتج عن فرد يعاني الشقاء وحياة أقرب إلى التشرد، ليجد القارئ نفسه متعاطفًا مع حمادي وقد أصبح بمقام السند والناصح للراوي مواصلًا رعايته، خاصة بعد أن أقنعه بالالتحاق بالجامعة، وأفضى وجوده على مقاعد الدرس إلى علاقته بإحدى زميلاته علاقة محبة “يافا”، إذ ظل ناصحًا وراعيًا ومشجعًا له:
“تملك قلبك يا ولدي، تملك نفسك التي لن تستطيع أية قوة في العالم أن تسلبك إياها. هذه ثروتك التي لن تصلها أيادي الناس حتى لو تجمهرت على رأسك. امنح حبك وقل ما يجول في قلبك…”
وحين انفجرت حرب العاصمة:
“كانت المرارة الأشد في ذلك اليوم الذي صحوت فيه وأنا على سرير المستشفى. لم تكن في موت أبي أو أمي، ولا قذيفة الذاكرة التي سقطت في المرة الأولى وعادت مرة أخرى لتأخذ عبده حمادي.”
ليغادر الراوي صنعاء هاربًا من هول الحرب الذي أخذت منه كل من أحبوه، باتجاه عدن ومنها إلى القاهرة، ثم جنوبًا باتجاه الخرطوم، ومنها عبر الصحراء إلى ليبيا، ومن ليبيا عبر المتوسط ضمن مجموعة على قارب الموت ليصل إلى إيطاليا وحيدًا بعد موت من كانوا رفقاءه في الهروب.
وبالعودة إلى خطوات الراوي، نجد أن الكاتب قدمه كشخصية مركبة؛ إذ إن القارئ لا يجد إلا أن يتعاطف معه طفلًا صغيرًا مات والديه في ظروف غامضة، ثم عاش مع سالم الذي ظل ينظر إليه كأب، يموت جده ذلك الإنسان الذي منحه كل شيء، يغادر بعد حصوله على الثانوية باتجاه صنعاء، لكنها الحرب تلاحقه ليهرب حتى وصوله إلى إيطاليا. نجده كائنًا مركبًا؛ فظاهره العطاء، وباطنه النقيض؛ فهو يترك أمه الأخرى على أمل العمل والعودة لرعايتها، خاصة بعد أن أصبحت وحيدة، وهو شاب في مقتبل العمر، لكنه بدل العودة باتجاهها يذهب بعيدًا:
“وبقيت وحدي أراقب المشهد من بعيد، لا أقول شيئًا، كنت أخاف الفوضى التي قد تسلبني عبده حمادي، وتحرمني من يافا وتعيدني للقرية التي خرجت منها هاربًا.”
هنا أجاد الكاتب في تقديم الشخصية المركبة والمتمثلة بالراوي، مقابل الشخصية السطحية في حمادي، ويافا، والجد، الذين انتهوا بنفس السجايا وبنفس الطبائع التي جبلوا عليها من البداية وحتى انتهاء أدوارهم، لا يختلف باطنهم عن ظاهرهم.
سلط الكاتب الضوء في روايته على عدة ثيمات، خلافًا لموضوعها المحوري “الحرب”. ومن تلك الثيمات: الفقد، الترحال والضياع، المحبة، الإرادة…
ونعود لمحور الرواية “الحرب” التي كان لها الأثر الحاسم على كافة الشخصيات، سواء داخل اليمن أو أثناء الهروب، حيث قدم الكاتب عدة أوجه منها: الدمار النفسي والذاتي ودمار منشآت البلد وبنيانه الحياتي. المحور الذي تشظت منه بقية الثيمات:
الفقد: الذي تجلّى بفقد الأب والجد والأم والأصدقاء والأحبة، ثم موت رفاق رحلة التهريب، بداية ممن فقدوا في الصحراء الليبية، ثم من ابتلعتهم أسماك المتوسط.
التشرد: بداية من المدينة إلى القرية، ثم من القرية إلى صنعاء، ثم إلى عدن، ومنها خارج الوطن. تشرد من نجوا من الحرب في رحلة طويلة محفوفة بالموت عبر عدة وسائل؛ من سير على الأقدام إلى سيارات وطائرات، ومن عبور الصحراء ثم عبور البحر.
العاطفة: التي تجلّت بين أفراد الأسرة من الأم والجد والابن، ثم علاقة الرعاية من قبل حمادي، وانتهاء بيافا. ولا أعني هنا بالعاطفة الجنسية، بل العاطفة الإنسانية، وتلك العلاقة المتميزة التي حظي بها الراوي من رعاية دائمة.
عمى الذاكرة أعجبتُ بهذا العمل من أول صفحاته، الزاخر بالمشاعر الإنسانية، والتي تشير إلى امتلاك الكاتب قدرات الحكي الشيق والسلس، بثراء مكاني وقيمي لافت، وهو ما ينبئ بقدوم أديب يلتقط من تفاصيل حياته، وتفاصيل حيوات من حوله، وما يسمعه، ملتقطًا أفكارًا ليصيغها في قوالب ممتعة.
كلمات قليلة في جهد رائع، بمثابة تحية لكاتب مبشر، ما يجعلنا نتشوق لجديده.
الخدمة فائقة التميز – كيفيّة التفاوض في المناصب
نوره بابعير
الكتب المضيئة تحتاج إلى مساحة واسعة من الوعي لتوقظ فكر قارئها، أو لتمنحه إضافة تسهم في توسيع آفاقه نحو التقدّم الذي ينشده. هذا ما شعرت به عند قراءتي لكتاب “الخدمة فائقة التميز” للأستاذ عبدالله الحوطي، حيث تناول فيه مواضيع تتعلق ببيئة العمل المثقفة، والأساليب التي يحتاجها كل فرد لإبراز قدراته وإمكانياته في طريقه نحو التميز.
في البداية، قدّم الكاتب فكرة الخدمة بأسلوبٍ يعيد تعريفها لنا، ويجعلنا نمارسها بوعي منطلق من فهمٍ عميق، لا من عادةٍ مكتسبة. ثم أخذنا في رحلة عقلية متوازنة بين الفكر وثقافة الفعل، مؤكدًا أن من يمارس خدمة العملاء لا بد أن يتحلّى بسمات راقية تجعل من تعامله تجربة متناغمة مع تقبّل الآخرين له. كما أضاء على أهمية الأهداف والإنجازات الجماعية التي تعكس شخصية الفرد وتخدم بيئة عمله.
ما لفت انتباهي أنه كان يورد أمثلة واقعية تقود القارئ إلى استخلاص الحكمة من التفاصيل، بأسلوب يتقاطع مع الواقع الذي نعيشه. فقد جاءت أفكاره مترابطة بعمق، تُلامس الذات، وتدفع نحو تحسين الأداء، سواء في مفاهيم الحياة أو مفاهيم العمل، بحسب متطلباتهما. وليس غريبًا على الأستاذ عبدالله الحوطي أن يتحدّث عن التطوّر الذاتي والمهني؛ إذ استطاع من خلال هذا الكتاب ألا يكتفي بسرد مفاهيم الخدمة، بل بدأ بتعريفها من نقطة البداية، ليقود القارئ إلى أبعد مدى من الأثر، وهو يطرح الأسئلة ويثير الفكر حول اختياراته، مما يعزّز وعي القارئ ويجعله أكثر إدراكًا لما يحتاج فهمه.
الكتب التي تصنع من وعيك نضجًا ينعكس على أدائك هي أثمن الكتب، لأنها تتناسب مع قدراتك وتمنحك فرصة للنمو.
“الخدمة فائقة التميز” هو كتاب يجعلنا نعيد النظر في سلوكياتنا العملية، ونعيد تأهيلها لنكسب توازنًا أعلى في الأداء. النتيجة المتوقعة من هذا الوعي هي الإتقان في تنفيذ المهام، والتميّز في تقديم خدمة العملاء، وفنّ التفاوض، والتطوّر المهني الذي يصنع الفرق في بيئة العمل. ومن وجهة نظري، من المهم أن يحرص الموظف على جودة الخدمات التي يقدّمها للآخرين، لما لذلك من دور كبير في تحقيق التواصل الإيجابي، ورفع إنتاجية الأداء، وتحقيق الأهداف المؤسسية.
لكل مهنة أدواتها التي يجب تفعيلها بوعيٍ عالٍ، ليتمكن الإنسان من التميّز بما يملك من قيمة وثقافة. وقد تميّز الأستاذ عبدالله الحوطي بقدرته على تهذيب الأفعال، وتقديم المفاهيم بطريقة فعالة، تُلهم القارئ وتدفعه نحو التميّز، متى ما استثمر كفاءاته في ممارسة الخدمة بجودة ووعي.
وحين أقرأ مثل هذه القراءات المهمّة التي تُفعّل الأثر في حياة الإنسان، وأثر التدرج بين مراحل النضج المهني، أجد أنها تبني في العقل مفاهيم كانت غائبة أو غير مكتملة. فالسلوكيات الخاطئة قد تفسد على الإنسان عقله، وتنتقص من هيبته، بل وقد تسيء إلى البيئة التي ينتمي إليها. وكثيرون يفتقدون العقل النقدي الذي يجعلهم متصالحين مع ذواتهم، أو القادرين على تنمية مهاراتهم وخلق بيئة تليق بهم، من خلال تطوير أنفسهم وتوسيع آفاق ثقافتهم
لو كان نيتشه كركدن البحر: تأملات في عبء الذكاء وسقوط الأخلاق البشرية
كتب فريدريش نيتشه في عام 1887 بمرح ساخر: “الإنسانية هي ‘أخوةالموت’”. فالبشر، على الأرجح بشكل فريد بين جميع الكائنات الحية، يدركونحقيقة أن كل كائن حي لابد أن يموت يومًا ما. نحن قادرون على أن نتخيلالمستقبل ونتصور نتائج أفعالنا، وهي قدرة تُعرف بـ”الاستبصار الحُلقي” (episodic foresight). لكن، وبسبب شذوذ تطوري يُسمى “قِصر النظرالتنبؤي” (prognostic myopia)، لا يمكننا التفاعل العاطفي فعليًا مع مايتجاوز بقائنا المباشر.
وبفضل ذكائنا المتطور للغاية، نحن البشر نقوم بقتل أنفسنا، والكائناتالأخرى، وكوكبنا. نحن نفهم العواقب، لكن لا نهتم بما يكفي لنوقف ما يحدث. لاعجب أن نيتشه كان بائسًا. والعجيب حقًا أن أيًا منا يستطيع النهوض منالسرير في الصباح.
في مقدمة كتاب “لو كان نيتشه كركدن البحر” وهو كتاب غير كئيب بشكلمدهش يوضح جستن غريغ، خبير في تواصل الدلافين ومحاضر في سلوكالحيوان، أفكاره. فيكتب: “إذا نظرنا إلى الذكاء من منظور تطوري، فهناك كلالأسباب التي تدفعنا للاعتقاد بأن التفكير المعقد، بجميع أشكاله في مملكةالحيوان، هو غالبًا عبء.”
يريد غريغ منا أن نتأمل فيما إذا كان الذكاء البشري المتفوق ظاهريًا أفضلفعلاً من الأفكار البسيطة لبقرة، أو حلزون، أو حتى كركدن البحر (نوع منالحيتان ذي القرن الطويل).
ومنذ البداية، يبدو أن الإجابة هي “لا” — إذ يصعب تخيل كركدن البحريحاول تبرير إبادة جماعية أو يمر بأزمة وجودية. ولكن لاستكشاف الموضوعبشكل دقيق، من الضروري تفكيك بعض المفاهيم المعقدة. بادئ ذي بدء: ماذانعني بـ”الذكاء”؟ وماذا نعني بـ”الأفضل”؟
البشر بارعون في الخداع. قدرتنا على الكذب، مقترنة بغريزتنا لتصديق مانُقال لنا، “تجعلنا خطرًا على أنفسنا”.
يغوص الكتاب في قضايا علمية، وفلسفية، بل وحتى متعلقة بالإخراج الحيوي، أثناء استكشافه لأفكار لم تُحسم بعد رغم آلاف السنين من التأمل البشري. يقول غريغ: “لن يكون هناك، ولم يكن قط، أي اتفاق حول ما هو الذكاء.” لكنإذا اعتبرنا أن الذكاء هو الوعي — “ما يحدث عندما يُولّد الدماغ إحساسًا، أو شعورًا، أو إدراكًا، أو فكرة من أي نوع تدركها” — فإن الحيوانات تمتلكهذا الوعي. أما عن العواطف، فإن معظم الثدييات تظهر سبعة أنواع أساسيةمنها: البحث، الشهوة، الرعاية، اللعب، الغضب، الخوف، والذعر.
حتى “نظرية العقل” — أي إدراك أن للآخرين أفكارًا تختلف عن أفكارنا — ليست حكرًا على البشر. وهي ما تتيح للحيوانات خداع بعضها. فمثلاً، التظاهر بالموت هو مثال بسيط على خداع الحيوانات. لكن المثال الأدهى هوالحبار الذي يخدع الذكر المنافس على يساره بإظهار سلوك أنثوي، بينمايُظهر ألوانه الحقيقية للأنثى التي على يمينه.
لكن البشر، بشبكاتهم الاجتماعية المعقدة ولغتهم، هم أسياد الخداع. فهذهالقدرة على الكذب، مقترنة بميلنا الطبيعي للتصديق، “تجعلنا خطرًا علىأنفسنا”.
في كل فصل، يصف غريغ جوانب مختلفة من الذكاء، موضحًا أي الحيواناتتشاركنا فيها، ولماذا تُعتبر قدرات البشر أفضل — وبالتالي، أسوأ. فعندمايخزن شمبانزي في حديقة الحيوان بهدوء الحجارة أو فضلاته استعدادًا لرميهالاحقًا على السياح من منطلق غضب متوقع، فإنه يُظهر استبصارًا حُلقيًا. أما البشر، فعندما يفكرون في وقت ما بعد موتهم، يخلقون الفن والثقافة — وكذلك الحروب الدينية.
وعندما يخرق قرد المكاك القواعد الاجتماعية، قد يتلقى ضربة ومن ثم عناق. أماقدرة البشر على خلق أنظمة أخلاقية معقدة، فتنشئ القانون والمجتمع — ولكنأيضًا التعصب والعنف. ولهذا، يقول غريغ: “فالأخلاق البشرية… سيئة نوعًاما.”
اللغة العامية التي يستخدمها غريغ (“بالنسبة لفيلسوف وجودي… كانت تلكضربة محبطة”) وقفزاته العرضية إلى استنتاجات قابلة للنقاش (مثل قوله إننيتشه كان “فوضى عارمة، المثال المثالي على كيف يمكن للعمق المفرط أنيحطم عقلك حرفيًا”) قد تجذب بعض القراء وتزعج آخرين. ومن الجدير بالذكرأيضًا أن الكتاب يحتوي على القليل بشكل مخيب عن حريش البحر.
ومع ذلك، فإن فهم غريغ للإدراك البشري والحيواني يوفر رؤى حقيقية عن كيفيةتفكيرنا، ولماذا تطورت أدمغتنا بهذه الطريقة، وما الذي يمكننا فعله حيال ذلك— إذ ربما، على نحو فريد كنوع، نحن الوحيدون القادرون على فعل ذلك.
من المحزن أن نعترف أن الحياة على الأرض ربما كانت لتكون أفضل للجميع لوكنا حيتانًا أو بكتيريا أو دجاجًا. ما نحتفي به في البشرية هو في الوقت نفسهالحمل الثقيل الملقى على أعناقنا. ومع ذلك، لو كان غريغ كركدن البحر، لما كانبإمكانه كتابة هذا الكتاب. إذًا فهناك جانب إيجابي لكل شيء، حتى لو كان هوحتمية الموت.
النقد كحاجة مطوِّرة… ومتى يفقد قيمته
نوره بابعير
في كل حقل من حقول الإبداع، يكون النقد هو ذلك المرآة التي لا تخجل من أن تعكس كل تفاصيل الصورة، بوضوح لا يتواطأ مع المجاملة، ولا يُهادن الرداءة. لكن السؤال الأعمق الذي يتسلل من خلف هذا الدور هو: متى يتحول النقد من حاجة مطوِّرة إلى ممارسة تفقد القيمة ولا تضيف شيئًا؟
ليس النقد فعلًا هامشيًا أو ترفًا فكريًا. هو ضرورة حتمية لكل مشروع ثقافي وفني، لأنه يُعيد ترتيب العلاقة بين المبدع والمتلقي، ويؤسس لفهم أعمق لمضامين العمل. هو أداة لا تُمسك السيف، بل تضيء العتمة حول العمل وتمنحه أفقًا جديدًا من التأويل والمعنى.
لكن هذه الضرورة لا تعني أنه لا يُخطئ، أو لا يتحول أحيانًا إلى عائق بدل أن يكون عونًا.
النقد حين يكون امتدادًا للفهم
النقد حين يُمارَس من وعي، يتحول إلى عملية مُشاركة في البناء، وليس فقط تحليلًا لما تمّ. هو ليس حُكمًا قضائيًا، بل عملية تواصل عالية بين النص والعقل، بين الفن والواقع. إن الناقد الحقيقي لا يسعى لإثبات سلطته، بل لتفكيك الجمال الكامن، وتعريته من الضباب، لكي يرى المتلقي العمل بعين أكثر تبصرًا.
في هذه الحالة، يصبح النقد أشبه بجسر، يمكّن النص أو العمل من عبور حدوده الأولى، والانفتاح على تأويلات جديدة، ربما لم يضعها المبدع في حسبانه. وهنا، تتحقق القيمة التطويرية للنقد: حين لا يقتل التجربة، بل يُعيد بعثها من جديد.
عندما يُصبح النقد سلبياً بلا جدوى
لكن النقد، كأي أداة، يمكن أن يُساء استخدامه. يحدث ذلك عندما يُمارَس بروح الخصومة، أو بنية الهدم لا الفهم. حين يُختزل في المقارنة، أو يُمارَس من دون خلفية معرفية عميقة بالعمل، أو حين يتحول إلى قالب جاهز يُفرَض على كل إنتاج دون مراعاة خصوصيته.
الناقد الذي لا يُنصت، بل يُعلّق حكمه منذ البداية، لا يُطوّر العمل ولا يحترمه، بل يُمارس إلغاءً ناعمًا تحت لافتة “التحليل”. وهذا هو النقد الذي يفقد قيمته: حين لا يحمل قدرة على الإضافة، ولا رغبة في الاكتشاف، ولا روحًا للحوار. يصبح حينها عَبئًا معرفيًا، يُكدّس اللغة دون أن يفتح نافذة واحدة للرؤية.
بين الحاجة والتجاوز
تكمن المفارقة في أن بعض الأشكال السلبية من النقد، حتى حين تكون “ذكية” ظاهريًا، قد تُصيب المتلقي بالإرباك، أو تدفع المبدع إلى الانغلاق بدل الانفتاح. وتكمن الخطورة عندما لا يستطيع المتلقي التمييز بين نقد هدفه التوضيح، ونقد غايته التشويش.
لذلك، نحن لا نحتاج إلى نقد “أنيق” فقط، بل إلى نقد منسجم مع قيمته الأخلاقية: أن يكون صادقًا، موضوعيًا، ومبنيًا على المعرفة، لا على الانطباع. لا قيمة لنقد لا يعرف أن يُضيء، حتى وهو يُشير إلى العيوب. ولا جدوى من نقد يُجيد الهدم، لكنه لا يملك لبنة واحدة للبناء.
الوعي النقدي كفضيلة ثقافية
من الضروري أن نُعيد التفكير في ماهية النقد، لا بوصفه سلطة، بل كمسؤولية ، الوعي النقدي اليوم ليس مطلوبًا من النقاد فقط، بل من المتلقين أنفسهم، ليُميزوا بين من يُمارس النقد كفن، ومن يتخذه كوسيلة للضجيج. النقد الحقيقي لا يعلو صوته، بل يعلو أثره.
النقد، حين يُمارس بشروطه الفكرية والإنسانية، يحمي الإبداع من التحجر، ويمنحه فرصته الثانية للوجود. لكنه، حين يُنزَع من روحه، يتحول إلى حالة شكلية تُفرغ النصوص من معناها، وتقتل الحس الجمالي في سبيل استعراض المعرفة.
لذلك، علينا أن نسأل أنفسنا دومًا:
هل هذا النقد يُضيف للنص حياة جديدة؟
أم يُطيل في جنازته بصياغة أنيقة؟