قصة بعنوان: «عندما تسعی لإثبات انحدارك من عائلة منهارة » من المجموعة القصصية العمى الأحمر ، لـ: عالية عطائي

عندما تسعی لإثبات انحدارك من عائلة منهارة

 

بعد ثلاثة أسابیع من وفاة أبي، ظهر ابن مروة مدّعیاً أنَّه أخونا! كان أسمرَ وقصیر القامة وسمیناً؛ تماماً كما كان أبي، ولدیه رسالة منه یوصي فيها شخص اسمه أنور بأن یُعطَى أربعة آلاف روبیة لابن مروة، وأن یأتي إلى إیران لاستلامها. كان تاریخ الوصیة یرجع إلى العام 2003، وفاروق أخونا من موالید 1983؛ أي بعد میلادي بسنتين، وأنا أول ذریّة أبي.

عندما دخل من الباب ظنناه من المعزین بوفاة أبي. لقد جاء من مسافة طویلة، ووصل متأخراً. جلس عند الباب كعلامة على تقدیمه العزاء، وقرأ الفاتحة، وبعد طرحه أسئلة مختصرة أعطی عمي الوحید، الذي ما زال علی قید الحیاة، الرسالةَ. روی قصته، ورجع لیجلس مستحیاً مطأطئ الرأس عند الباب.

اشتبكت أمور بیتنا المفجوع خلال دقائق؛ فواحد یأخذ بطاقته المدنیة، والثاني جوازه الباكستاني الذي یذكر فیه أنَّ مسقط رأسه هو دایكند في أفغانستان، وإذا بأخي يصرخ بأنَّ كفن أبي لم یجف بعد، وها قد ظهرت النسور! لكنني أنا كنت أتّبع باضطرابٍ أثراً لأبي في محیّا رجلٍ أحرقته الشمس، وهو الآن یدّعي أنَّه أخونا.

قالت لي ابنة خالتي، التي یبدو أنَّها قلقت علی حالي، ألّا أقلق أبداً من هذه المعمعة؛ لأنَّ كل هذا الكلام هراء، ویجب أن یثبت من خلال المختبر أنَّ فاروق فعلاً ابن أبي.

لم أكن قلقة علی شيء في الحقیقة. كنت أظن أن لا زوبعة یمكنها أن تضرب البیت أشد من الموت! وكان للموت في تلك الأیام قوة تذلل كلّ الفظائع حتی التي ذكرتها الآن. عند غیاب أبي لا أهمیة لمعرفة أولاده وبناته! وبینما كنت حائرةً في هذا الأمر كان الآخرون منشغلین بالحدیث عن سمعة المرحوم وإرثه وأبنائه. كنت أنظر إلى فاروق، الذي أخذ مصحفاً صغیراً من التي كانت علی المنضدة، وصار یتلو الآيات، وهو مطأطئ الرأس. عندها، وبعد ساعات من الأمر، خرجت أمي من غرفتها، وقالت بلا اهتمام للجمع المحدّق فيها:

 «كیف حال مروة؟ أما زالت علی قید الحیاة؟».

كانت أمي تعرف فاروق وأمّه. الصمت الذي خيَّم علی الجمع كان بمعنی أنَّ هنالك شخصاً یؤيد ادعاء فاروق. إذاً، كان فاروق أخي، فهززت رأسي من حیث كنت، وقلت بتلك الحالة المفجوعة:

 «أنا آسفة لحالك أیضاً؛ إذ إنَّك وصلت متأخراً بعد موت أبيك».

أزاحني أخي، وأخذ فاروق إلى الفناء، ورفع أحدٌ ما المصحف الملقَی علی الأرض.

دخل فاروق فجأة إلى حیاتنا في ذلك الیوم، مع أنَّ مروة كانت قد دخلت منذ سنین في حیاة أبي عندما كنت رضیعة. كانت خبازة، تقول أمي إنَّها امرأة ذات عینين فاتحتي اللون، ویدين قویتين لا تضاهیهما یدا أيّ امرأة خبازة آنذاك. لم یكن هنالك انطباق في التواریخ؛ میلاده كان في دایكند وشهادة المیلاد عند بدایة الحرب مع السوفيیت، وجوازه، وتاریخ لجوئه إلی باكستان. والذی قیل إنَّ الأمر طبیعي، ویمكن أن تكون كل هذه الأرقام غیر دقیقة، ولا سند لها، ولا استغراب منها؛ إذ كان لكل واحد منا عدة تواریخ ولادة مع جنسیات مختلفة وبطاقات هویة وجوازات. إذا كان الآخرون یصدقون أصلنا فنحن أنفسنا لم نكن نصدق ذلك! لكن على الرغم من عدم الاستناد إلى هذه الوثائق كنت أری رأي العین أنَّ لفاروق لونَ بشرة أبي وطوله ویديه، وهو ما لم یظهر عليَّ، وكان هذا الأمر كافیاً لعدم الاعتناء بتحذیر ابنة خالتي.

كانت مروة قد ولدت في دایكند، وهي ابنة لخطیب وعالمٍ، ویبدو أنَّها كانت تحفظ الكثیر من الأشعار والأغاني، وقد هداها وجهها وصوتها الجمیل إلی بیت أحد أعمامي في كابل حتی أصبحت خبازة العائلة، وهو الأمر الذي أوصلها إلی هرات. كان خبز البولاني من یدها لا مثیل له، ولم یكن أحد یضیف إلى الخبز، الذي خرج من تنور مروة، شيئاً، أو یأكل شیئاً آخر معه من لذته!

كانت تخبز مرتين في الیوم، وتلف وجهها بوشاح لكيلا یحرق اللهب بشرتها البيضاء الناعمة. كانت أمي تتوحم في تلك الأیام، فكانت مروة تضع خبزها جانباً عن الآخرين، وتضیف الزیت بمقدار معين وخاص لكيلا تصاب الحامل بالغثیان، وهكذا كانت تعرف أذواق الجمیع، ومنهم أبي بلا شك.

في أول لیلة لإقامة فاروق، وبعد هدوء الأوضاع، سألته أمي بهدوئها المعتاد:

«لمَ لم تأتِ مروة؟ أظن أنَّها الآن في السادسة والأربعین من عمرها، وما زالت شابة. هل ما زالت تغني؟».

كان اضطراب فاروق بجمعنا حواليه قد تجلى على وجهه؛ فقاطعت الكلام، وقلت اتركوه لیرتاح لأنَّه قطع مسافة طویلة من باكستان. كانت عائلتي مصابة بالرهبة بشكل طبیعي؛ ناهیك عن هذا الوقت بالذات، وموت أبي، ووصول وارث جدید بیننا.

سأله أخي الأكبر الذي كان هادئاً كصمت الصباح:

«لمَ جئت عن طريق البرّ؟ هل ما زال المنفذ الحدودي في میرجاوه متشدّداً كما في السابق؟».

كان یبدو أن لا أحد ینتظر رداً من فاروق؛ فدارت الرؤوس نحو خالتي التي قالت:

«لیست لدیه عینا أمّه الكبیرتان، عیناه صغیرتان لوزیتان كعیون المرحوم…».

فقاطعها عمي صارخاً:

«ما الذي تقولینه؟ لقد أخفت مروة أخي في التنور في ذلك اليوم الذي أُعلِن فيه عن أمرٍ بإلقاء القبض علی الجامعیین؛ إلّا إذا كانت قد أصبحت زوجته داخل ذلك التنور، وحملت منه. الله وحده العالم!».

تغیر مسار الحدیث بعد ابتسامة عمي الساخرة؛ إذ كان لعائلتنا أصول بتفاهة الطبع ما زادتها سنوات الحرب إلّا تفاهة! هرب شخص من أناس، وقُتل أحدهم علی ید جماعة، ولم یُقتل أحد على يد الجماعة، لكن الآخرين ادعوا أنَّه مقتول.. وهناك نوع من لعبة الافتقار إلى الهویة ما يجعل هذه الادعاءات تفتقد المعنى؛ على الرغم من أنَّ هذه الادعاءات جعلت لكل واحد من هؤلاء الناس درجة من السخافة، وعمي هذا الذي نجا من الموت قد تعدی كلّ حدود هذه السخافة!

كان فاروق یعلم بقدري عن قصة التنور؛ لكن أمي أوضحت الأمر، وقالت إنَّهم كانوا ملاحقین. كان كاكا رحمان، صدیق أبي الذي أصبح «الرفیق رحمان» بعد التحاقه بالحركة، قد وشی بأبي إلى رئیس الكلیة، وقامت مروة بإخفاء أبي في التنور لكيلا تعثر علیه دوریات الشیوعیین، وطال الأمر عدة ساعات فقط.

لم تهتم خالتي بكلام عمي أبداً، فأدارت وجهها نحوي، وأكملت:

«لا أحد یدر مبلغاً جیداً من الخبز في إیران مثل مروة! أنتِ لا تعلمین یا ابنتي؛ إذ كان أبوك یغدق عليها المال بلا حساب ولا كتاب».

كان یبدو أنَّ هذا الجمع یعرف مروة مع كلّ النكران الموجود، وكان لدیهم قدر من المعلومات التي تجعل مروة كشبح في حیاتهم كلهم، وهذا ما یتنافی مع رد فعلهم المبدئي. ومع دخول فاروق صار وصفهم المسهب بحقّ مآثر أبي في لیالي مجلس عزائه مستبدلاً بشوق وإثارة الكلام عن هذه الحكاية الممنوعة. ولا أقصد القصة بذاتها بل هوامشها، وأظن أنَّ فاروق كان یتحمل أفظع وضع في ذلك الحال! كنت أفكر في نفسي؛ أيّ مجریات تحدث في ذهن أحدٍ تجبره علی كسر صمت السنین، وعلى أن یضع نفسه ووالدته في فخ من التساؤلات؟! ألم یعلم أنَّه في أسوأ حالاته سیقولون إنَّ المرحوم قد أخطأ، وأن تلك المرأة ستبقی عرضة للاتهام؟! لكن یبدو أنَّ فاروق قد جاء لیأخذ حصته من السنین التي عاشها بلا أب، ويبدو أنَّه صبور أیضاً.

كانت خالتي تبدو كأنَّها جاءت لحلحلة هذا الأمر؛ فقالت بثقة عن كون مروة فتنة، وأضافت أنَّها كانت، بعد الانتهاء من أعمال البیت، تأتي إلى الرواق الذي كان الجمیع یجتمع فيه، وتغني هناك. قالت هذا ساخرةً من أمي الحزینة الجافلة، التي قالت إنَّ مروة كانت تعرف الشعر، وهي متعلمة.

في الأسبوع الثاني من إقامة فاروق، عرفنا أنَّه في العام الثاني من سيطرة طالبان على السلطة التحق والد مروة بتحالف الجبهة الشمالية لأفغانستان؛ كي ینقذ عائلته، لكنه لم یستطع الوصول إلى الشمال، وقد تمّ إعدامه كداعية مرتد في دایكند. مروة، التي كانت قد یئست من الكل، ذهبت مع ابنها المراهق إلى معقل طالبان؛ أي قندهار! وكان سبب الأمر، بحسب قول فاروق، أنَّها ظنَّت أنَّ أفضل طریقة لتجنّب التعرض للقتل هي أن تكون وسط الأنظار. قال هذا وهو یبدو أنه لم یفهم مثلنا سبب قیامها بالأمر؛ لأنَّ طالبان لم ترحم أبیها الذي انضمّ إليهم. هذا من ناحية. ومن ناحیة أخری، ألم تكن مروة مجرّد خبازة فحسب؟! فمن أین لها هذه المعرفة والاستراتیجیة للبقاء؟! كانت هذه الأسئلة تدور في الأذهان، لكن لا أهمیة للأمر. كان الجمع مهتماً بالمیراث وتوزیع الحصص!

كان فاروق قد أصبح واحداً منّا خلال الأسبوع الثاني من إقامته، وكانت سخریة خالتي مستمرة إلی جانب سكوت أمي! كان یقف في غرفة الضیوف عند وصول الضیوف من مكان بعید والأصدقاء وزملاء أبي، ولم یعرّفه أحدٌ على الآخرين، ولم ینطق هو بشيء أيضاً! لكن كانت له هيبة الحضور التي تمنع الآخرين من محاسبته، وأن یحسبوه ضیفاً لا صاحب البیت. كانت ابنة خالتي ما زالت تلاحق قضیة الاختبار الجیني؛ لكن لم یكن أحدٌ مستعداً بعدُ للذهاب إلى المختبر! كان الصمت بذلك الوضع ذا معنى خاص لكلّ واحد منا. ذهني المدمِّر، الذي فاجأه الموت، قد أصبح أكثر تدمیراً لذاته الآن. لم یكن لدي مانع على الإطلاق من كسر هیبة الجلیل المرحوم الذي تركني فجأة، وصار هذا الأمر كهجاء لهیبة أبٍ كبیر وعزیز بشهادة كل من عاشره. صارت خالتي، التي أصبحت خبیرة الآن بمعرفة «عملیات الخیانة»، تجد یومیاً اختلافاً بین مروة وابنها من ناحیة الجمال والشجاعة والفهم والفن و… حتی صارت تصل أحیاناً إلى استنتاج مفاده أنَّ فاروق لم یكن ابن أمه! هذا علی عكسي؛ إذ كنت أری اختلافاً طفیفاً بینه وبین أبي. قد أضیف صمت فاروق إلى صمت أمي، التي لم تقل شیئاً عن لزوم ذهابه برفقة أحد إخواني إلى المختبر. لم تأت مروة، خلال كل هذه السنین، ولم تطلب شیئاً منا إلّا تلك الرسالة التي تقول إنَّ أبي قد أرسل مالاً إليها. یبدو أنَّ المعلومات الوحیدة لمروة كانت تكمن في غیابها. عندما تفكر في أفغانستان والثقافة التي تروّج للجاریات وإظهار استعباد النساء كأمرٍ طبیعي؛ عندها یمكن التصدیق بأنَّ مروة قد قبلت مصیرها، ولم ترد الكلام عن الأمر. كانت خالتي، عندما ترید طمأنة أمي، تقول بثقة إنَّ فاروق ثمرة عقد مؤقت، ولا إرث له. لكن كانت هنالك أحاسیس تغلي في قلبي وهي: ماذا لو أنَّ امرأة بكلّ هذا الكمال كانت أكثر من زوجة مؤقتة؟ فصارت الكلمات تدور في ذهني:

 «حب وحبيب و….».

لكنها كانت كلمات مجردة من المعنى في تلك الجغرافیا، إلى حد أنها تجعلك لا تستند إليها. هنا الكلام عن الحرب والهروب والتنور وقندهار وباكستان… وهنالك بؤس مشهود یمنع حلّ طلاسم القصة إلّا من خلال الاختبار الجیني وهو مواجهة صریحة لمصیبة صریحة؛ لهذا كانت كلّ الأقاویل وما یُسمع عن مروة یضمحل عندما یتمّ الحدیث عن المختبر!

لكنْ، برأيي، إنَّ محاولة إثبات الانحدار من عائلة منهارة كانت سعیاً بلا جدوی، ولا تستحق المقاومة. بادرت بقصّ شعرات من أسفل خصلتي، ووضعتها في كیس بلاستیكي أسود، وأعطیته لفاروق، وقلت له:

«إما ألا تكون أنت ابنه، وإما ألا أكون أنا ابنته، فلا تهتمّ بإخواني، واذهب إلى المختبر».

لم أكن قد رأیت النتیجة من فعلتي الرمزیة بعد، أو ردة فعل فاروق، حتی وصل أنور، وهو الرجل المذكور في الرسالة، وعندها كشفت أمي عن ورقةٍ جعلت كلّ منطقنا العلمي والجیني وآمالنا محلاً للتساؤل. لم أعلم لِمَ لم یطرح أحدٌ سؤالاً عن أنور وتفاصیله وسط هذه اللعبة لتوزیع المیراث.

كان أنور یتكلم الفارسیة بصعوبة، وكنت أفهم لهجة البشتو خاصته بمشقّة، وأستوعب بعض الكلمات فحسب؛ لكن أمي وعمي یفهمان أغلبها. كان یبدو علیه أنَّه في الستینات من عمره، في عمر أبي نفسه تقریباً، وله سوار وساعة وضرس ذهبي، والأروع منها كلّها أقراط كبیرة من الذهب، ولم يتمكن المرء من تمييز أنَّه أفغاني أو باكستاني؛ تماماً كأبي الذي لم یكن باستطاعة أحد التمییز أهو إیراني أم أفغاني. لم یحضن فاروق، ولم یجلس معه، وفي ردّه على الجمل التي طرحها فاروق بالبشتو علیه، صرخ في وجهه كأنَّه كان یمقته، وكأن هناك بغضاً بینهما، وهو ما كان معلوماً من ردّة فعله! قال أنور إنَّ مروة قد دبّرت قصة التنور، وقد أُجبِرت علی أن تتزوّج «الرفیق رحمان»، وقال أیضاً إنَّ مروة الخبّازة كانت شیوعیة، وإنَّ رحمان هو والد فاروق.

بكی فاروق لأول مرة منذ وصوله، وقال إنَّه لیس ابن رحمان، ولا یقبل الانتساب إلى هذا الشخص أبداً، وإنهم قد كذبوا علیه! كان یبدو علی فاروق أنَّه مجهول بالنسبة إلى نفسه، وأنه یرید ألا یكون ابن رحمان بمعزل عن عدم معرفته لأبیه. كان فاروق یدعي أنَّ رحمان قد هرَّبهم إلی قندهار؛ لكن لأنور قصة أخری هي قصة مروة ورحمان، وأنَّ المال الذي أوصی به أبي ما هو إلا ترحّم وشفقة علی أصدقائه السابقین، وهو معروفٌ من قبل أبي بحقّ صدیقٍ تورط مع الحزب، وخسر دنیاه وآخرته.

عندما كان یدور الحدیث عن هجوم السوفیيت في بیتنا، تری كل شخص یروي ذكری من ذكریاته؛ من الذین عاصروا الحرب إلی الذین لم یولدوا في وقتها! یتحدثون عن الحرب والتشرد وسبعة وثمانين قبراً باقیةً من هجوم الجیش الأحمر أفجعت الكل، وهي فجیعة أشد من موت الأب.

لقد خُدِشت صورة مروة اللامعة، وما زال فاروق یدعي ألّا علم لدیه بماضي أمه الغریب وتعاونها مع الشیوعیین في هرات، وأجابني أنور، عندما طلبت منه أن یأتي بمروة إلی إیران، بقوله:

«مروة لیست علی قید الحیاة. ألم تخبرهم یا فاروق؟!».

في تلك اللیلة، وبعد ذهاب أنور، غطّ البیت مرة أخری في الصمت المعهود للبیوت المفجوعة، ولم یهتم أحد بما حلّ بمروة وفاروق، وقد اطمئن الجمیع إلى أنَّ نطفتهم لم تطل المرأة الخبازة التي علمنا أنَّها شیوعیة أیضاً، وأصبح فاروق ضیفاً لم یهتمّ أحد بتعاسته. بعد أربعین عاماً من الحرب، لا یطلب أحد دلیلاً للتعاسة والفقر، وإنَّما ما یهم هو حفظ ماء الوجه.

صمتت أمي باطمئنان، ورجعت لتأدیة دور الأرملة المفجوعة، وصار إخوتي یسخرون من الذهاب إلى المختبر، وكل واحد منهم یأتي بعذر، وأنَّ لدیه أعمالاً أهم من الاهتمام بأوهام هذا النازح. ها أنا واقفة أمام منصة الاستقبال في المختبر لاستلام النتیجة؛ لكنني لم أفهم فحواها التي كانت في ستّ صفحات؛ إذ كنا أعطینا تحالیل الدم إضافة إلى الشعر كي نطمئنّ أكثر، فأجاب الطبیب المتخصص بعد إطلاعه علی نتیجة التحالیل: 

«لا. هنالك اختلاف نسبته 75 في المئة، ولا یمكن أن تكونوا أنسباء».

كان اختلافنا بحدّ السمكة والإنسان! عندما خرجنا من المختبر في بیرجند أمسكت یده لأول مرة، وقلت:

«أحببتُ أن تكون أخي».

لم أعلم مدی صدق قولي؛ لكنني حقاً كنت أرید مواساته بعد الجفاء الذي رآه من هؤلاء القوم، وألّا أفكر في أوهامه وطمعه الذي اتهموه به، والخطة لسرقة المیراث و…

كان فاروق یتكلم الفارسیة، وكان هذا كفیلاً ببثّ الرجفة في جسمي عندما قال:

«لقد ماتت أمي في طفولتي أمام عیني».

كانت مروة قد قُتلت حین عبورها من البوابة المغناطیسیة، التي كانت تُعرف بالممر القذر، وقد استقبلت باكستان فاروق باعتباره طفلاً نازحاً. لقد كانت الحدود أو الممر القذر عبارة عن میدان مغناطیسي بفعل الكهرباء یجري بین مسارین من الأسلاك الشائكة كي یكهرب أيّ كائن یمرّ من هناك، وهكذا یمنعون الدخول غیر المصرح به. یبدو أنَّ باكستان في تلك السنین كانت الدولة الوحیدة التي قلّدت دول الشرق، وأقامت ممراً كهذا بینها وبین أفغانستان.

قال فاروق:

 «ركضت أمي نحو الأسلاك. كنا كثیرین، فركضت، وتبعتها، وكنت بعیداً عنها حین اشتبكت یداها بالأسلاك، وصارت ترجف بشدة، وسقطت. كانت تبدو علی ما یرام إلّا أنَّ جسمها ويديها جافة كالخشب».

تلك الیدان اللتان خبزتا لأبي… تعرّقت یدا فاروق في یدي. لم یكن رحمان أباً صالحاً له، وقد أصبح نازحاً في إحدى الدول التابعة للاتحاد السوفيیتي، وقد بقي فاروق في باكستان عند صدیق أبي ورحمان الذي هو أنور، صدیق قدیم كان یعمل سمساراً بالحدود بعد سقوط الشیوعیة. ومن كلامه كان واضحاً أنَّه حاول إقناع فاروق باتخاذ عائلة أخری، وكان فاروق مثلي یحلم بعیشة أخری له ولوالدته، عیشة تختلف عن المأساة التي علقنا بها وهي ممزوجة بحب أو هویة أفضل بعیداً عن كلّ هذا العفن الذي كان یلاحقنا كیلومترات بعیداً عن أفغانستان. لم أقل له إنَّ تاریخ میلاده في ورقة التحالیل هو 1986؛ أي بعد ثلاث سنوات من خروج أبي من أفغانستان، وهذه كذبة بجوازه. ما الفائدة من أن أزید همه؟! كنا مع اختلاف جیناتنا نحمل كروموسومات الهم نفسها، خلایا متبقیة من ألم لا یعرف رأسه من رجلیه؛ لكنه قد تكاثر في أرواحنا، ولا یمكن تشخیصه بأي مختبر إلّا مختبر وجودنا. أنا في إیران وهو في باكستان!

بینما كنا نسیر معاً في شارع بهشتي في بیرجند، كان فاروق یحكي عن یدي أمه المحروقتين عند الحدود، قمت بشراء قنینة ماء له، وقلت: «كفی یا أخي. ستنتهی الحرب في النهایة».

فصل من رواية | اثنان لـ: إيرين نيمروفسكي

عاد الربيع. وازداد قنوط أنطوان من هذا الدفء، من هذا الإشراق، ومن وعودالسعادة تلك التي يتنفّسها المرء في الجو. كان مستغرقاً في الندم وهو يفكّرفيما كان من الممكن حدوثه. كلّ ليلةٍ وهو يرى إيفلين حيّةً في منامه؛ كان يخشىاقتراب أحلامه إلى درجة رفض النوم، والبقاء مستيقظاً حتّى الساعات الأخيرةمن الليل مع كتابٍ أو عملٍ يحمله معه من المكتب. في بعض الأحيان لم يكنيخلدُ إلى الفراش حتّى؛ بل يظلّ جالساً على كرسيه، لا يخلعُ سوى سترته وياقةقميصه، وهكذا ينام، وعلى الفور تتجلّى أمامه الصورة نفسها. لم تكن ميّتة. كانت عائدةً من رحلةٍ طويلة. تبدو شاحبةً ومرهقةً وهزيلة؛ بتلك الملامح الباهتةالتي يمكن التعرّف عليها والمخصّصة للموتى المحبوبين في الأحلام؛ دائماً مايراها متّشحةً بالسواد وشاعرةً بالقلق؛ كما وتكون مستعجلة؛ ثمّة شخصٌ ينتظرها، يناديها. كانت تسمحُ له بمداعبتها، ولكن دون رغبة، مشيحةً وجهها، وكان يشعرُ بدفء شعرها المفعم بالحياة في يده. يرفع رأسها، ويرغب في أنيعانقها بشدّة، وعلى حين غرّةٍ يتذكّر أنّها ماتت. إلّا أنّه ما يزال غير متأكدٍ منذلك؛ كان الخيال والذكرى يتصارعان بداخله. حينئذٍ يبدأ قلبه بالخفقان بعنف.. يناديها.. لا تجيبُ مطلقاً. يمسكها بذراعيه فتوقظه شدّة آلامه. عندئذٍ يجدُ نفسهمرّةً أخرى جالساً قبالة مكتبه، والمصباح ما يزال مضاءً ومتجمّداً ويائساً ووحيداً.

دائماً ما بدا عليه أنّه غير عاطفيّ ومتبلّد الحس، سيّد نفسه ودقيقٌ في اختيارالكلمات. وفي الآونة الحالية، وخشيةً منهُ أن يكشف عن الجنون الذي يسكنه، أجبر نفسه على أن يكون أكثر تبلّداً وهدوءاً. من خلال هذه المسرحيّة القائمةعلى الأفعال وردود الأفعال الغريبة التي لا يمكن التنبّؤ بها، والتي تشكّلشخصيّتنا وتتحكّم في قدرنا، باتت حياته المهنيّة مسهّلةً بشكلٍ كبير من خلالهذه الحياة العاطفيّة السريّة، وكلّما كان أقرب إلى الانتحار والجنون، أعطىالآخرين من حوله انطباعاً بالقوّة والهدوء والتشدّد الذي يتطلّب الاحترام. فيالمنزل كان الطفلان يخافانه. كان يحبّهما؛ غير أنّ ضوضاء ألعابهما تزعجه، وضحكاتهما تتعبه، وبهاؤهما يهينه. في حضوره كانت الشجارات والنزواتتتوقّف.

في وقتٍ مبكرٍ من ذلك الصيف، غادر أنطوان وزوجته وطفلاه قاصدين بريتانياحيث استأجروا فيلّا. بمجرّد وصولهم أصيبَ كلّ من جيزيل وفرانسوابالشاهوق. هذه الفيلّا كانت صغيرة، والغرفُ مفصولةٌ بعضها عن بعض بقواطعخفيفةٍ؛ إلى درجة أنّ نوبات السعال وصيحات الأطفال لم تمنح الزوجين الراحةَ الليليّة المنشودة. كان الطقس الزاهي في باريس قد أخذ بالتغيّر مع حلولمنتصف يوليو. كانت تمطرُ باستمرار. في الليل، وما إن تهدأ نوبات السعاللدى الصغيرين حتّى توشك ماريان، بسمعها المتوتّر والغاضب، على سماعصوت الأمطار الغزيرة لتلك العواصف القصيرة المحمّلة بحبوب الرمل التيتضربُ مصاريع الأبواب. كان المطرُ يتساقطُ فوق الأسطح، فوق الحديقة وفوقالبحر. استسلمت ماريان لهذا القلق الكئيب والعبثيّ الذي يسيطرُ على الإنسانمع اقتراب الليل، والذي يبدو أقلّ تأثيراً على الصعيد الذهنيّ منه على صعيدالجسد المنهك والمهموم. تذكّرت جميع الأمراض التي أصابت الطفلين فيمامضىكانت تخشى كل المضاعفات المحتملة. شتمت الطقس.

قالت في سرّها: «كم كنتُ أنام جيّداً في مثل هذه الليالي قبل خمس سنواتٍ ليس أكثر، كم أحببتُ ذلكآه! كلّ شيءٍ في العالم حينها كان سهلاً وبسيطاً وغير ذي أهميّة…! كانت الرياح تهب، وكانت تأخذك إلى هناك أو إلى أيّ مكانٍ آخر، وفي كلّ مكانٍ كنّا نعتاد الحياة باختصار. باتت الحياة حاليًّامصنوعةً مُجرياتها، ومُنمقًة أحداثها، ومُتمَّمةٌ صورتها المزروعة في أذهانالآخرين، لذا ينبري القائمون على هذه الصورة لحماية الحياة التي يدافعونعنها من ضربات الأسقام، وسيء الأحلام، ومن شبح الموت ولكن لِمَ التفكير فيالموت؟ لِمَ الاضطراب المستمر؟ لِمَ؟».

وتابعت، وهي تشعرُ بألم نوبات السعال هذه في صدرها: «أووه! لو يتوقّفالموت لحظة! لو تهدأ الريح! يا رحمة اللهأريد أن أنامما زالا يسعلان».

وبعد المطر والريح سيعود الطفلان إلى النوم بسلام؛ غير أنّ الأمّ لن تجرؤ علىالتنفّس؛ كان ذلك تخوّفاً وانتظاراً وألماً تامّاً لديها.

«أحدهما يبكي. إنّه فرانسواإنّه فرانسوا على الدوام. إنّه الأكثر ضعفاً وتعرّضاً للخطر وحبّاً من قبلناكم يصبحُ المرءُ هشّاً بعد عشرين عاماً! إنّنامعرّضون للعديد من الجروح من جميع الجوانب. لم يكن الأمر كذلك من قبل. أحببتُ والدَي، أحببتُ شقيقاتي؛ غير أنّ حياتي كانت غريبةً عنهم، مختلفةً عنهم؛ إلّا أنّ هذا الرجل الذي يرقدُ بجانبي، والذي يحلمُ بفتاةٍ أخرى ويبكيعليها، لا أعتقدُ أنّني أستطيع تحمّل خسارته. ومع هذا أنا لا أشعر بالحبّ نحوه. حضوره ضروريّ بالنسبة إلي، لكنّه لم يعد يمنحني الفرح. وهكذا إنّ فعلالتنفّس، الذي من دونه لا نستطيع البقاء على قيد الحياة، لا يمكنه أن يمنحناالسعادة. واحسرتاه…! لا أنطوان ولا أنا سعيدان! كلّ زوجين يميلان إلى تكوينأسطورةٍ في عيونهما وعيون الآخرين عن الإخلاص والتفاهم والوفاق. وأناوأنطوان نقوم بالشيء نفسه! أسطورة وكذبة! نادراً ما نفهم بعضنا بعضاً. ومات الوفاق بيننا. لم نعد نعرف بعضنا بعضاً. هناك أوقاتٌ تودّ فيها إعادةاكتشاف تلك القوّة العمياء التي تدفعكَ للتخلّي عن أيّ اعتبارٍ للشفقة أو الخوفحينما ترغب في أن تصبح، كما كنتَ ذات يوم، عنيفاً وجريئاً وحرّاً في النهاية! لأنّني لم أعد حرّةً. لقد قيّدتُ نفسي، حبستُ نفسي!».

مع حلول الصباح نامت، وسعت في أحلامها إلى العثور على حلقات الماضي: ليلة عيد الفصح، رفقة أنطوان داخل النزل على ضفاف السين، خلال الأيّامالممطرة في الساحة الصغيرة، ولكن بدا لها أنّ صورتها، المتجلّية أمامها فيالحلم، أحياناً تكون ماريان في الماضي، وأحياناً صورة هشّة لإيفلين. أحياناً كانت هذه الأحلام المتضاربة تُمحى بصعوبة.

بناء شخصية بطلك… أربع طرق لإضفاء المصداقية ، بقلم : جيني سوارت

بناء شخصية بطلك… أربع طرق لإضفاء المصداقية

بقلم: جيني سوارت

ترجمة: زينب بني سعد

أيًّا كانت شخصية بطل قصتك، ينبغي أن تكون شخصية يستطيع القارئ أن يتواصل معها. فإن كان البطل هو محور الحكاية، فلا بدّ أن يجد القارئ فيه ما يجعله محبوبًا وقادرًا على استدرار التعاطف طوال مجرى السرد. أما إذا لم ينجح بطلك في أسر القارئ منذ البداية، فقد أفلت منك خيط الحكاية.

لنفترض أنك تمتلك حبكةً مثيرة للاهتمام، وشخصيةً محورية قوية تُدعى غْرِغ.

وغْرِغ هذا طبيب. تصفه بأنه وسيم، يتمتع بحسٍّ خفي من الدعابة، مخلصٌ لوالدته، عطوفٌ على الحيوانات. لا بدّ أن قارئك سيقع في حبه هو الآخر، أليس كذلك؟

خطأ.

قد تظن أنكَ صنعتَ البطل المثالي، غير أن الكمال مُمل. فالقرّاء لا ينجذبون إلى شخصيات سطحية، مفرغة من الحياة. إنهم يريدون شخصيات تمنح إحساسًا بالواقع؛ ناقصة، عصيّة على التنبؤ، وإنسانية إلى أقصى حد.

1. لكل شخص عيوب – ويجب أن يمتلك أبطالك عيوبًا أيضًا.

يحتاج غْرِغ إلى بعض الزوايا الخشنة كي يبدو مقنعًا. فالعيوب تخلق الصراع، والصراع هو ما يمنح قصتك قوة الجذب. لا أحد خيرٌ محض، ولا أحد شرٌّ محض. لذلك، وإن كان من المفترض أن يميل القارئ إلى غْرِغ في العموم، فإنه سيبدو أكثر صدقًا إن اتّسم ببعض الغرائب: لعلّه سريع الضجر، فوضويّ إلى حدٍّ ميؤوس منه، أو يضمر ولعًا سرّيًا بالشوكولاتة البلجيكية. إنَّ شيئًا من العيوب المحبَّبة، يجعل البطل قريبًا من القارئ. وبالمثل، إذا صادف أن كان غْرِغ هو الشرير، فإيّاك أن تصوّره بهئة وحشٍ أحاديّ الأبعاد. حتى أكثر لصوص الشركات قسوة، أو القتلة المتسلسلين، يحتاجون إلى شيء من السمات الإنسانية- ربما يخبزون خبزهم بأنفسهم، أو ينقذون القطط الضالة، أو يمتلكون معرفة موسوعية بسجلات الجاز النادرة. هذه اللمسات الإنسانية تجعل الشخصيات المعادية، أكثر رهبة بشكل لا يُضاهى.

ربما يحمل وجه غْرِغ الوسيم، ندبةً خفيفة.

كيف اكتسبها؟ هل كانت نتيجة شجار أحمق في حانة خلال شبابه؟ هل يصارع مزاجًا غضوبًا ما زال يهدد بتدميره؟ دع ماضيه يهمس بين الصفحات ويشكّل حاضره. فمثلاً، يمكن لانفجارِ غضبٍ مدروس في توقيت مناسب، أن يكون ذروةً دراميةً في قصتك.

2. كيف يبدو شكله؟

لا يقتصر التوصيف على الشخصية وحدها، بل يشمل الحضور الجسدي أيضًا. يحتاج القارئ إلى بعض المؤشرات البصرية المختارة بعناية، لكنه يريد أيضًا مساحةً لخياله. فلا حاجة لرسم جنائي مفصل ودقيق.

عوضًا عن ذلك، قدِّم بضعَ تفاصيل موحية:

“مرّرَ مايكل يده في شعره الرمادي المتناثر، وضبط نظارته ذات الإطار القرني، ونظر إليها بنظرة ثاقبة، تشبه نظرة البومة.”

أو

“حرَّكتْ جيني تنورتها أمام المرآة، مستمتعة بانعكاسها الجديد. خصلات شعرها النحاسية وكعوبها الحادة ارتقت بمظهرها إلى مستوى جديد من الجرأة والإثارة.”

ويمكن للحوار أن يعطي لمحة عن المظهر أيضًا:

“أحذية جديدة رائعة يا جيني. محظوظة أنتِ بهذا النوع من الكعوب.”

“حسنًا، لو لم أتمكن من ارتدائها، لما سمحوا لي بدخول الحانة،” ابتسمت. “يكفي أن يُخطئ الناس بيني وبين فتى في الرابعة عشرة كلما ارتديتُ الجينز.”

تلك اللمسات الصغيرة تمنح الشخصيات حياة وحركة بطريقة أكثر قوة وواقعية من مجرد تعداد باهت، لصفاتهم الجسدية.

3. كيف يتحدث؟

يجب أن يكون صوت بطلك مميزًا بقدر تميّز بصماته. فالأرستقراطي المترف لن يتحدث كما لو كان شابًا مشاغبًا في الشارع، والفلاح المتقاعد لن يرش حديثه بمصطلحات اجتماعات مجالس الإدارة. يكشف الحوار أيضًا عن اهتمامات الشخصية وانشغالاتها. هل غْرِغ مهووس بسوق الأسهم؟ بأسعار السيارات الكلاسيكية؟ أم بحالة التعليم الحديث المتردية؟ هذه التفاصيل تضفي على شخصيته عمقًا ووضوحًا أكبر.

وإذا كنتَ تكتب عن المراهقين، فاحرص على أن يكون حوارهم واقعيًا. ما زالا مصطلحا “رائع” و”شرير” (cool و wicked) مقبولين؛ أما “fab” و”bad” بمعنى “جيد” فهي لفظيات قديمة، يفضل تركها في أرشيف التاريخ اللغوي. 1

4. اكتب خلفيات شخصياتك.

ربما سمعت الكُتَّاب يقولون أحيانًا، إن “القصة تكتبُ نفسها”. تحدث هذه اللحظة السحرية عندما يعرف الكاتب شخصياته حق المعرفة، قبل حتى أن تُسطر الجملة الأولى على الصفحة. يتعلق الأمر ببناء خلفيات الشخصيات: طفولتهم، صدماتهم، انتصاراتهم، ندمهم. حتى لو لم يظهر معظم هذا في النسخة النهائية، فإن معرفته تشكّل طريقة تفكيرهم، ردود أفعالهم، وتطورهم. هل هم مندفعون أم منهجيون؟ يثقون بسهولة أم يحملون الأحقاد؟ هذا الفهم يجعل قراراتهم طبيعية ومنطقية، لا مصطنعة أو مفروضة. الشخصيات المبنيّة بعناية هي القلب النابض لأي قصة عظيمة. أتقنها، وستجد أن الحبكة تتدفق بسلاسة من تلقاء نفسها. ومن يدري؟ قد تجد نفسك ضمن القلة المحظوظة التي تهمس شخصياتها بحكاياتها، فتنبثق القصص إلى الوجود من تلقاء ذاتها.

هامش:

  1. bad (بمعنى good)
    المعنى الحرفي: سيء، وفي اللغة العامية للشباب، تعني جيد، رائع، مذهل، وهي استخدام قديم أصبح أقل شيوعًا اليوم.

فصل من كتاب | ماذا علينا أن نفعل؟ لـ: ليو تولستوي

مصارحة الذات

رأيت أنّ سبب الآلام والحياة الفاسدة التي يعيشها الناس هو أنّ بعض الناس عبيدٌ عند آخرين، لذلك وصلت إلى هذا الاستنتاج البسيط: إذا أردت مساعدة الناس فعليّ، أولاً، التوقف عن التسبّب في بؤسهم؛ أي أن أتوقف عن المشاركة في استعبادهم. ما جذبني إلى استعباد الناس هو أنني اعتدت، منذ طفولتي، ألا أقوم بأيّ شيء، واعتدت الاستفادة من جهود الآخرين، وعشت وما زلت أعيش في مجتمع ليس معتاداً على استعباد الآخرين فحسب، بل يبرر استعباده لهم أيضاً بمغالطات مثيرة وغير مثيرة للانتباه.

وصلت إلى النتيجة الآتية: كي لا أتسبّب في إفساد الآخرين، وإلحاق الأذى بهم، عليّ أن أقلل، قدر ما أستطيع، من استخدامي جهودَ الآخرين، وأن أعمل قدر ما أستطيع.

هذه النتيجة التي سلكتُ مساراً طويلاً حتى وصلت إليها، وصل إليها الصينيون قبل آلاف السنين؛ حيث تقول العبارة المأثورة: إذا كان هناك شخص خامل وكسول، فهناك شخص آخر يموت من الجوع في المقابل.

وصلت إلى هذه النتيجة الطبيعية والبسيطة وهي إذا كنتُ مشفقاً على الحصان المنهك الذي أركبه، فعليّ أولاً أن أنزل عن ظهره، وأن أتابع رحلتي ماشياً.

هذه الإجابة، التي تمنحنا شعوراً أخلاقياً كاملاً بالرضا، خزعت عينيّ وعيوننا جميعاً، ونحن لا نراها، وننظر إلى الجوانب.

ونحن نبحث عن شفائنا من أمراضنا الاجتماعية، نبحث في كلّ الجهات؛ في الجهات الحكومية وغير الحكومية، وفي العلوم، وفي الخرافات الساذجة، لكننا لا نرى ما يوخز عين كلّ واحدٍ منا.

نملأ مصارفنا بالقذارات، ونريد أن يتحمل الآخرون عنّا عبء تنظيفها، ونتظاهر بأننا نتألم كثيراً من أجلهم، ونبتدع كلّ الحيل الممكنة، ونترك أبسطها وأسهلها، وهي أن ننظفها بأنفسنا.

من يشعر بصدقٍ بآلام المحيطين به، عليه أن يلجأ إلى أبسط وأسهل طريقة ممكنة لمعالجة الشرور من حوله، ولمعرفة شرعية حياته، وهي تتلخص في ما قاله يوحنا المعمدان عندما سألوه: ماذا نفعل، وهو القول الذي أكده المسيح: لا تمتلك ثوبين، ولا تمتلك المال؛ أي لا تستعن بجهود الآخرين، ولكي تتمكّن من فعل هذا، عليك أن تفعل كلّ شيء بنفسك.

هكذا بكلّ بساطة ووضوح، لكن هذه البساطة وهذا الوضوح لا يتوافران إلا عندما تكون المتطلبات بسيطة، ويكون الشخص متمتعاً بالحيوية، ولم يفسده الكسل والخمول. أعيش في القرية، وأستلقي بجانب المدفأة، وآمُرُ جاري المديون بأن يقطع الحطب، ويشعل المدفأة. واضح جداً أنني أتكاسل، وأشغل جاري عن عمله، وسأشعرُ بالخزي وبالملل أيضاً من استلقائي من دون عمل. وإذا كانت عضلاتي قوية، وكنت معتاداً على العمل، فسوف أقوم بتقطيع الحطب بنفسي.

لكنّ العبودية بكلّ أشكالها وُجدت منذ زمن بعيد، وتولّد، بناءً عليها، الكثير من المتطلبات المصطنعة، التي يشترك الكثير من الناس، في مستويات مختلفة، في أنهم اعتادوا عليها. وهكذا تسببت الأجيال القديمة في إفساد الناس وعوّدتهم على الدلال، من خلال هذه الغوايات المعقدة والحجج في صوابية الرفاه والكسل الذي يعيشون فيه، وأقنعتهم بأنه ليس من السهل على الشخص، الذي يتصدر قمة الهرم في قائمة الكسالى، أن يشعر بالخزي أكثر من ذلك الفلاح الذي يجبر جاره على تقطيع الخشب.

يصعب على من هم في قمة هذا الهرم أن يفهموا ما الذي عليهم أن يفعلوه. عندما يجب عليهم أن يهبطوا إلى الأسفل يجدون أنّهم مُثقلون بكمٍّ هائل من الوهم في تلك القمة التي يتربعون عليها، ولذا إن هذه الحقيقية البسيطة والواضحة تبدو لهم غريبة جداً.

يبدو الأمر -لا شك- غريباً ومضحكاً لمن لديه عشرات الخدم والطباخين والحوذيين، وعشرات اللوحات والآلات الموسيقية. هذه أبسط وأوّل ردة فعل طبيعية، لا أقول إيجابية، بالنسبة إلى الإنسان وليس الحيوان؛ أن يقطع بنفسه الحطب الذي يشعل به مدفأته ويطبخ به، وأن ينظف حذاءه أو نعله الذي لوثه دون أن يحرص على إبقائه نظيفاً، وأن يجلب الماء الذي يستخدمه لنظافته الشخصية، أو أن يصرّف بنفسه الماء الملوث الذي استحمّ فيه.

بالإضافة إلى بُعدِهم عن الحقيقة، هناك سببٌ آخر يمنع الناس من رؤية واجبهم، الذي يتمثل في خدمتهم لأنفسهم، وهو أكثر بساطة وقرباً من طبيعتهم وفطرتهم، هذا السبب هو حالة التعقيد وتداخل الظروف والمصالح المتصلة بعضها مع بعض التي يعيش فيها الغني.

صحيح أنّ مصالحهم متشابكة، لكن، من دون عناء كبير، ضمير كلّ واحد منهم سوف يميّز بين النشاط والكسل. ليس الضمير هو الذي يميّز بين العمل والكسل فحسب، بل السجل المالي كذلك. من يسرف في صرف المال سيعتمد، بكل تأكيد، على الآخرين لإنجاز أعماله، وكلّما قلّل من صرفه اعتمد على نفسه أكثر.

إن ترفي سببٌ لإعالة أسرٍ كثيرة. أين سيذهب خادمي إذا سرحته؟ إذا كنا سنقوم بكلّ واجباتنا بأنفسنا: نلبس ونقطع الحطب، فماذا عن توزيع العمل، والصناعة، والمؤسسات الاجتماعية، وأخيراً، أكثر الكلمات فظاعة: الحضارة والعلم والفن؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفلسفة وإتقان الحوار: من تشكّل الهوية إلى وعي الأثر

نوره بابعير

يُعدّ الحوار أحد أرقى أشكال التعبير الإنساني، إذ لا يقتصر على تبادل الألفاظ، بل يتجاوز ذلك ليصبح مرآة للهوية، ونتاجًا للفكر، وميدانًا تتجلّى فيه الأخلاق والسلوكيات. ومن هنا، تستمدّ الفلسفة جوهرها العميق في إتقان الحوار مع الإنسان والآخرين، بوصفها علم التساؤل، وفن الفهم، ومنهج البحث عن المعنى.

تنطلق الفلسفة من سؤال الذات قبل سؤال الآخر، فالحوار الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل يتكوّن أولاً داخل الإنسان نفسه. حين يختار الفرد طريق تفكيره، تتشكّل هويته الذاتية، وتتبلور مواقفه، وتُبنى منظومته القيمية التي تحكم طريقة تفاعله مع العالم. هذا الاختيار الفكري لا يحدث بمعزل عن الوعي، بل هو حصيلة تراكم معرفي وتجربة إنسانية، تتحوّل مع الزمن إلى قناعة، ثم إلى خطاب.

ومن هنا، ترتبط الهوية الذاتية بالألفاظ والكلمات ارتباطًا وثيقًا؛ فالكلمة ليست مجرد أداة لغوية، بل هي وعاء للفكر، وحامل للمعنى. وكلما نضج الفكر، ارتقت اللغة، وتحولت من تعبير سطحي إلى خطاب واعٍ قادر على التأثير. فالارتقاء الفعلي للحوار لا يتحقق إلا حين تنسجم الفكرة مع اللفظ، ويتوازن المحتوى مع الأسلوب، ليخرج الحوار صادقًا في أدائه، عميقًا في دلالته.

إن نجاح الحوار مرهون بوجود قواعد ذاتية تحكم أداءه، وتمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ في اختياراته الحوارية. فالحوار ليس ساحة للغلبة، بل مساحة للفهم. وليس وسيلة لفرض الرأي، بل جسر للتقارب. وعندما يدرك الإنسان هذه القواعد، يصبح الحوار أداة تخدم الفكر واللفظ معًا، في توازٍ يحفظ للمعنى قيمته، وللآخر إنسانيته.

ولا يمكن إغفال الدور الجوهري للسلوكيات والأخلاقيات في بناء الحوار. فالبدايات التي تُطرح على الإنسان في علاقته بالآخرين هي التي تحدد مسار الحوار، إما أن يتمدد وينمو، أو أن ينتهي ويتلاشى. والسلوك الإنساني هو العامل الحاسم في توليد القبول أو الرفض، وهو ما يكشف عن قيمة الأخلاق الذاتية في إدارة الحوارات. فحين يتحلى الإنسان بالاحترام، والإنصاف، والقدرة على الإصغاء، يجد طريقه نحو حوار مثمر، حتى في الاختلاقات .

تسهم الفلسفة في إتقان الحوار حين تجعل الإنسان مدركًا لقوة “الضوء” الكامن فيها؛ ذلك الضوء الذي يتمثل في الوعي، والدافع الداخلي نحو الفهم، والبحث عن المعنى العميق بدل الاكتفاء بالسطحي. فالفلسفة لا تعلّم الإنسان ماذا يقول فقط، بل كيف يفكر قبل أن يقول، وكيف يزن كلماته بميزان العقل والأخلاق. وعندما يحدث هذا الإدراك، تتغير مجريات الحياة، وتتبدل المفاهيم، ويصبح الإنسان أكثر إنصافًا في ترتيب اختياراته، وأكثر اتزانًا في أحكامه.

طرق تساعد الإنسان على صناعة حوار جيد يترك أثرًا واعيًا:

1. الوعي بالذات قبل الحوار: أن يدرك الإنسان دوافعه، ونقاط قوته وضعفه، وأن يسأل نفسه: لماذا أتحاور؟ وما الهدف من هذا الحوار؟
2. الإصغاء العميق: فالحوار لا ينجح بالكلام وحده، بل بالقدرة على الاستماع الحقيقي، وفهم ما وراء الكلمات، واحترام وجهة نظر الآخر.
3. التوازن بين الفكر واللغة: اختيار الألفاظ بعناية، بحيث تعبّر عن الفكرة دون إساءة أو تعالٍ، وتخدم المعنى بدل تشويهه.
4. الالتزام بالأخلاق الحوارية: مثل الصدق، والاحترام، والإنصاف، والابتعاد عن السخرية أو التقليل من شأن الآخر.
5. الانفتاح على الاختلاف: تقبّل التباين في الآراء بوصفه مصدرًا للثراء الفكري، لا تهديدًا للهوية الذاتية.
6. تحويل الحوار إلى تجربة إنسانية: بحيث يخرج الطرفان بشيء من الفهم، أو مراجعة الذات، أو إعادة التفكير، لا بمجرد الانتصار الجدلي.

ويبقى الحوار الفلسفي أداة للارتقاء الإنساني حين يُمارس بوعي، ويُبنى على أخلاق، ويُوجَّه نحو المعنى. وحين يدرك الإنسان أن كل حوار هو فرصة لترك أثر، لا لإثبات ذات، يتحول الحوار من مجرد كلمات متبادلة إلى فعل حضاري يسهم في نضج الفرد، ورقي المجتمع .

اسمها الثانى حنجرة .. المسقط الروحى حكاية عائشة المرطة ، بقلم : إبراهيم فرغلي

المطربة الكويتية الكفيفة عائشة المرطة بطلة روائية

ميس العثمان تستعيد حضورها الفني الذي امتد في الخليج وأجواءها الغنائية الشعبية.

شهدت الرواية العربية في السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً باستلهام السير التخييلية لشخصيات كان لها أثر ثقافي واجتماعي عابر للحدود العربية. ويأتي ضمن هذا السياق عمل سردي حديث يتناول سيرة متخيلة للفنانة الكويتية الرائدة في الغناء الشعبي الخليجي عائشة المرطة، المعروفة بصوتها المميز وبحتها العذبة.

اختارت الكاتبة الكويتية ميس العثمان عائشة المرطة محوراً لعملها الصادر عن منشورات جدل، مستحضرة حضورها الفني الذي امتد في الخليج عبر أغنيات قدمت في أجواء فلكلورية نسائية تعبر عن الذاكرة الشعبية والاحتفاء بالغناء. ولم يقتصر حضورها على طبيعة صوتها وأغانيها، بل شمل أيضاً أناقتها وألوان أثوابها الصارخة وإكسسواراتها المميزة، إضافة إلى نظارتها السوداء التي ميزت إطلالتها منذ فقدان بصرها في طفولتها، كما ظهر ذلك في الحفلات والمناسبات الغنائية أو على شاشة التلفاز.

تحت عنوان “اسمها الثاني حنجرة… المسقط الروحي لحكاية عائشة المرطة” أصدرت الكاتبة الكويتية ميس العثمان نصاً سردياً وصفته بالملامسة السردية، وينتمي للسيرة المتخيلة، تناولت فيه تفاصيل حياة عائشة المرطة منذ طفولتها (ولدت في عام 1931)، ومروراً بمحطات مسيرتها الفنية والإنسانية وحتى وفاتها متأثرة بالمرض في عام 1978.

اتسم النص من بدايته بالحساسية الشديدة التي يتناول بها هذه الشخصية التي عاشت طفولة صعبة، إذ توفي والدها إبراهيم المرطة وهي طفلة، وأعقبته الأم، ثم فقدت بصرها، مما أدى أن تعيش جانباً من طفولتها في حال من الألم واليأس. ووزعت الكاتبة الأصوات السردية على ثلاثة رُواة: عائشة، وحنجرة، والكاتبة.

وبينما يتولى صوت الكاتبة “السرد” الذي يمثله صوت الراوي بشكل ما، لرسم السياق العام والأحداث، فإن صوت عائشة يأتي لتوضيح الحالة النفسية والعاطفية والهواجس الباطنية والأسئلة والمخاوف. أما الحنجرة فهي تمثل “الصوت – الوجود”، الذي يأتي موازياً لخواطر عائشة في بعض الأحيان، وشاهداً في أحيان أخرى، ورمزاً لفكرة الصوت الذي وصف بالعورة، فاختارت التحدي والإصرار ليكشف الصوت عن نفسه ويتجلى بأبدع صورة. فالحنجرة، وفق السياق السردي، هي البديل ومصدر الصوت الذي جعلت منه عائشة بطلاً يكشف عن حضورها في العالم، وعن قوتها وقدرتها على مواجهة التهميش والظروف الصعبة، بدءاً من فقدان بصرها في الطفولة، ومروراً بتعرضها لليتم، وانتقالها إلى بيت خالها النهام سالم المرطة، الذي منحها الرعاية وأصبح بديلاً للأب والأم معاً.

سرد حنون

وعلى رغم أن صوت الكاتبة يقتضي نوعاً من الحياد السردي فإنه حمل في غالب الأوقات لوناً من التعاطف، بحيث بدا صوتاً سردياً حنوناً، ليس فقط انتصاراً لسيرة امرأة اتسمت بالرقة والحساسية التي عبرت عنها أغنياتها، ولم تستسلم لإرادة المجتمع، بل وكأنه لون من ألوان تعايش طويل بلغ حد تماهي الكاتبة مع الشخصية.

ولعل هذا ما يمكن أن نستشفه من تأكيد العثمان أنها فكرت كثيراً في شخصية المرطة لسنوات طويلة تسبق الشروع في كتابة المشروع، وأن هذا الانشغال بلغ حداً تسبب في إصابتها هي أيضاً بالمرض خلال فترة من فترات القراءة والكتابة المخصصة لهذا النص.

لا يسعى السرد لإثارة الشفقة على مواضع ضعف المرأة، بل لإظهار أن وراء رقتها حنجرة دافعت عن وجودها منذ الطفولة، حين كانت ترتل القرآن بصوت وصفه الخال بأنه عذب وسلس كالمياه، أو “مويه” بالدارجة. ثم غنت لنفسها للشعور بالونس، ولاحقاً كفنانة وهبت هبة فريدة، وجدت في صوتها الجمهور تعبيراً صادقاً عن مشاعرهم وشجونهم. وأخيراً، كمرأة لم تستسلم للمعوقات الاجتماعية ومحاولات قمع صوتها باسم الأعراف والأخلاق، بل واجهتها بصلابة حتى أصبح صوتها مرآة لهوية المجتمع ومشاعر إنسانية عامة.

يتجلى ذلك في شغف الفنانة المصرية أيقونة الطرب أم كلثوم بصوت عائشة المرطة أثناء زيارتها للكويت، وإعلان إعجابها بها، ودعوتها لمصر، وتعاونها معها في أداء إحدى أغنياتها باللهجة الكويتية، وهي “علامك يا القاضي زعلان”.

اختيار ميس العثمان للأصوات السردية الثلاثة منح العمل مساحة للتعمق نفسياً وفكرياً، بعيداً من الانسياق لحكاية تقليدية للسير التخييلية، وأتاح التعبير عن هواجس امرأة ترى العالم بقلبها أو بصيرتها، لكنها مع ذلك نجحت في خلق جمال حسي وبصري عبر دقة اختيار ألوان أثوابها وأكسسواراتها.

غير أنه ثمة أصوات أخرى تظهر في بعض الفصول، وبينها صوت فاطمة، مساعدتها المصرية التي كانت تقريباً ملاكها الحارس، أو ظلها وعينها أحياناً. السيدة المصرية التي تتولى مساعدتها في شؤون اللبس والطعام وغيره في حياتها اليومية وفي حفلاتها الغنائية. ولا يظهر صوتها إلا باللهجة المصرية. وصوت راشد، الحبيب والزوج، الذي عاش صراعاً دائماً بين انحيازه لقلبه المؤمن بها، وخضوعه لصوت المجتمع المطالب بانضمامه إلى الجوقة الرافضة لـ”الصوت العورة”. وتتقاطع مع هذا الصوت أصوات ثانوية تظهر بين حين وآخر لتستكمل ملامح المشهد وتعمق دلالاته.

البعد النفسي

كشف السرد عن البعد النفسي لامرأة أصرت على أداء أدوارها جميعاً بإخلاص، كإنسانة حولت فقدان البصر من محنة إلى بصيرة، وكرست وجودها عبر صوت صار علامة فارقة، وكعاشقة ارتبطت برجل أحبها وأحبته، لكنها واجهت انحيازه لمجتمع يدين صوت المرأة بوصفه عورة، حتى غدا صوتاً إعلامياً ومعترفاً به شعبياً ورسمياً، ثم كأم أولت تربية ابنها وابنتها عناية تامة وفق ما تؤمن به.

نقلا عن اندبندت عربية

قصّة قصيرة جدًا: الذئب.

يوسف يونس

الذئب

في أقصى الشرقِ لقريتنا، هناك في البعيدِ، يسكنُ ذئبٌ يكرههُ كلُّ مَن في القريةِ. كثيرًا ما كنتُ أسمعهم يَصِفونَه بعباراتٍ يشوبُها الحنقُ من قبيلِ: الشريرِ! القاتلِ! الخدّاعِ! يُقالُ إنَّه التهمَ أكثرَ من حقِّه من محصولِ الصيفِ، ولطَّخَ حقولَ القمحِ الذهبيّةَ بدماءِ المساكينِ ممّن لا يستطيعون في وجهِه دفاعًا. وكنتُ أسمعهم يتهامسونَ في المساءاتِ الهادئةِ، خِفيةً، عن شراستِه في التهامِ زهورِ الأقحوانِ في أيدي الصبيةِ، وعوائِه المحمومِ عندَ مصبِّ النهرِ، ووقاحتِه غيرِ المتناهيةِ في أنَّه يفكِّرُ بتنصيبِ سلالتِه أُمناءَ على أعناقِنا، وحُرّاسًا لكرومِ العنبِ التي بات يفوحُ منها رائحةُ لُعابِ عائلتِه القذرِ. كثيرًا ما فكرتُ في الأمرِ لأضعَ له حلًّا ما، إمّا بمواجهةِ الذئبِ الشريرِ لأجعلهِ ينتهي عن أفعالِه الشنيعةِ تلك، أو بمحاولةِ إشعالِ تمرّدٍ من أعضاءِ القريةِ الذين قد يتحلَّون بشيءٍ من الشجاعةِ. ولكنَّ الذئبَ كان قليلَ الظهورِ، ينزوي في أكثرِ الأماكنِ حُلْكَةً وغموضًا – كما يقولُ فئةٌ قليلةٌ من الأشخاصِ الذين يدّعون أنَّهم قابلوه في أزمنةٍ غابرةٍ – ولم يره أحدٌ منذُ زمنٍ طويلٍ. غيرَ أنَّه في ليلةٍ قمراءَ، كنتُ أجلسُ في فناءِ منزلِنا أرقًا، بعد أن توقَّفت أصواتُ الصفيرِ والموسيقى الصاخبةِ من عرسٍ في الجوارِ لأحدِ العائلاتِ الثريّةِ في القريةِ. أظنُّه عرسُ ابنةِ سرحانَ أبو الخيرِ، أحدِ أفرادِ عائلةِ أبو الخيرِ الكبيرةِ التي تمتلكُ كثيرًا من النفوذِ والأراضي داخلَ القريةِ، ممّا يجعلُ الجميعَ يقدّرونها ويمنحونَها منزلةً عظيمةً. فهم – على حسبِ قولِ أهالي القريةِ – لم يبخلوا على أحدٍ قطُّ، وبدمائِهم سقَوا ترابَ القريةِ للدفاعِ عنها ضدَّ العدوِّ، كائنًا مَن يكونُ. كان العرسُ صاخبًا، كعادةِ أعراسِهم – فهذه الصبيةُ الثالثةُ التي تتزوّجُ تاجِرًا كبيرًا من خارجِ القريةِ – تتخلَّله أصواتُ إطلاقٍ ناريٍّ وهديرُ طبولٍ عميقٍ، ممّا جعل النومَ يهربُ من عينيَّ. في هذه الأثناءِ من هدأةِ الليلِ، لمحتُ الذئبَ في المدى وحيدًا يتهادى في سيرِه في قلبِ الظلامِ. فكّرتُ أن أعودَ القهقرى، ولكنَّ الذئبَ كان يبدو جميلًا، وله من اللمعانِ ما يكفي ليستأثرَ بانتباهِ مَن يراه. حثثتُ الخطى وقد استهلكَ منّي الأمرُ شجاعةً كبيرةً، ودنا بدورِه ببطءٍ نحو فناءِ منزلِنا بعد أن شقَّ طريقَه عبرَ السهلِ، إلى أن صار منّي على مسافةِ صفرٍ، غيرَ آبهٍ بتلك العصا التي أحملها، وجعل يحكُّ فروهُ الأسودَ الكثيفَ بساقَيّ المسمرّتَينِ في مكانِهما من الخوفِ. ترددتُ قبلَ أن أداعبَ وجهَه برفقٍ، ممّا حمل الذئبَ على أن يشرئبَّ بعنقِه إلى الأعلى فأعلى، مطلقًا من صدرِه أنينًا شديدَ العمقِ. جلستُ القرفصاءَ لأرى في إحدى ساقيهِ جرحًا عميقًا غائرًا. نام الذئبُ على جنبِه وقد زاد صوتُ أنينِه عمقًا، غيرَ أنَّه الآن جاءَ موجِعًا أكثرَ. توهّمتُ أن هناك رصاصةً داخلَ الجرحِ، فهرعتُ نحو المطبخِ لآتي بملقطٍ كي يتسنّى لي التقاطُ الرصاصةِ، وخرقةٍ قماشيةٍ ألفُّ بها ساقَه بعد أن أغسلَ له الجرحَ. ثبّتُّه على الأرضيةِ، وأمسكتُ بحذرٍ ساقَه، وباليدِ الأخرى أدخلتُ الملقطَ داخلَ الجرحِ الذي كان ينزفُ بشدّةٍ، وأخرجتُ الرصاصةَ برفقٍ. كانت تلك رصاصةَ بندقيةِ صيدٍ ثمينةً، من التي تبتاعُها عائلةُ أبو الخيرِ ويضعونَها زينةً على كلِّ جدارٍ من جدرانِ منزلِهم. ويبدو أنَّها استقرّت في ساقِ الذئبِ أثناءَ إطلاقِ رصاصٍ في الهواءِ خلالَ احتفالِهم بالعرسِ. وضعتُ الرصاصةَ المدمّاة على طاولةٍ قريبةٍ، ثم بعد أن لففتُ ساقَه، وبعد أن انتهى من شربِ الحساءِ الذي صببتُه في الطشتِ، أحضرتُ له غطاءً كي يتمكّنَ من الراحةِ أو النومِ بقيةَ الليلِ. أمضيتُ قليلًا من الوقتِ في تنظيفِ الملقطِ من الدماءِ وغسلِ الطشتِ قبل أن أستلقي على أريكةٍ عند عتبةِ فناءِ المنزلِ. كان الذئبُ ينامُ على جنبِه، واستطعتُ أن أرى ارتعاشاتِ جسدِه القلِق قبلَ أن يغرق تدريجيًا في النومِ، فيغلبني النعاسُ معه، وأنامَ حتى أيقظني الفجرُ. تفتّحت عينايَ لأولِ خيطٍ من خيوطِ الشمسِ. نهضتُ ببطءٍ، وتراءى لي مكانُ الذئبِ الأسودِ خاليًا. تقدّمتُ رويدًا رويدًا أتطلّعُ يمنةً ويسرةً، ولكن ما من أثرٍ. نظرتُ صوبَ المدى الذي كان عندئذٍ يتلوّنُ بلونِ السماءِ بزُرقةٍ مهيبةٍ. بدا لي المدى مرعبًا من فرطِ اتساعِه وتركيزِ هدوئِه. خمّنتُ أن يكون قد عدا إلى البعيدِ وقد استوحشَ ضيقَ المكانِ، أو أنَّه قرّر ببساطةٍ المغادرةَ. ولكن كيف؟ إنَّ جرحَه لا يزالُ حديثًا، ومن شبهِ المستحيلِ أن يكون قد التأمَ. اقتربتُ من الموضعِ الذي نامَ فيه، وقد هممتُ بإمساكِ الغطاءِ، عندها بزغَ الذئبُ من بينِ الأشجارِ الصغيرةِ يعدو عدوًا مندفعًا، بيدَ أنَّ عرجًا في ساقِه المصابةِ كان واضحًا. وثبَ نحو صدري باندفاعٍ كبيرٍ غيرَ آبهٍ بالإصابةِ. سقطتُ معه على الأرضيةِ الصلبةِ، وراح يلعقُ يديَّ اللتين كنتُ أحمي بهما نفسي خوفًا منه. كان يلهثُ بشدّةٍ، وتراءت لي عيناهُ بوضوحٍ أكبر هذه المرة: مفتوحتينِ على اتساعِهما، ويبدو عليهما لمعانٌ غريبٌ. نهضَ من فوقي. راقبتُه باندهاشٍ وهو يتعثّرُ بخطوهِ في الباحةِ بصورةٍ لا تخلو من البهجةِ، ثم راح يعدو إلى السهلِ، وغاب بعد ثوانٍ معدوداتٍ في المدى الواسعِ. أطلقتُ من صدري زفيرًا طويلًا، واستغرقتُ في التفكيرِ بأشياءَ كثيرةٍ في مكاني، قبل أن ألمحَ على الأرضِ الرصاصةَ المضرَّجة بالدماءِ التي استقرّت في ساقِ الذئبِ وقد سقطت من الطاولةِ عندما أطاحَ بي أرضًا منذ قليلٍ. أثارَ منظرُ الرصاصةِ فيَّ سخطًا شديدًا. ولم أستطع أن أمنعَ نفسي، وأنا أحدّق في المدى الواسع، من أن أتمتمَ بحنقٍ: أيُّها الذئبُ! الشريرُ! القاتلُ! الخدّاعُ!

حين تختارنا الأسئلة: كيف تبدأ قصة الفلسفة الفكرية؟

نوره بابعير

تبدأ الفلسفة الفكرية منذ اللحظة الأولى التي يُلقى فيها السؤال على الإنسان، لا بوصفه استفهامًا عابرًا، بل كشرارة توقظ العقل من سباته. فالسؤال هو الحدّ الفاصل بين السكون والحركة، بين التلقي الأعمى ومحاولة الفهم. وما إن تُطرح الأسئلة، حتى يبدأ العقل في التفاعل معها، متجاوزًا حدود المعرفة السطحية، باحثًا عمّا يكمن خلف المعنى الظاهر.

لكن، هل المحرّك الأساسي لتفعيل المعرفة هو الرغبة في الحصول على الإجابة؟ أم أن التحليل الذي يحدث أثناء البحث هو الإجابة الحقيقية بذاته؟ يبدو أن الإجابة لا تكمن في النتيجة النهائية بقدر ما تسكن في الرحلة نفسها. فحين يضع الوعي لمساته الأولى على العقل، يبدأ الفكر في التشكّل، وتنمو المخيلة الفكرية، وتتجه نحو استيعاب أعمق للمعاني، لا باعتبارها حقائق جاهزة، بل كمساحات مفتوحة للتأمل.

إن بعض الأسئلة لا نختارها بقدر ما تختارنا. تظهر فجأة حين نشعر بالفراغ تجاه المعنى، حين يتسع الداخل أكثر مما يحتمل الصمت. في تلك اللحظة، لا يكون السؤال ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. وهنا، يتدخل الوعي ليملأ ذلك الفراغ، ليس بإجابات سريعة، بل بممارسة التفكير ذاته، ليُشبع احتياج الوعي الناضج الذي لا يهدأ إلا حين يفهم.

ومع تقدم العقل في رحلة الفهم، يدرك أن العالم ليس فوضى من الأفكار، بل شبكة من المفاهيم التي تحتاج إلى مسميات وصفات، تُرتب وجودها في العقل كما تُرتب حضورها في الحياة. فالتسمية ليست فعلًا لغويًا فقط، بل ممارسة فلسفية تمنح الأشياء معناها، وتُعيد تشكيل علاقتنا بها.

وتبقى القوة الذاتية، مهما بلغت، بحاجة دائمة إلى وعيٍ نيّر، وعي يسعى باستمرار إلى ترجمة المفاهيم إلى صور متوازية بين الفكر والواقع، بين الداخل والخارج. فالفلسفة لا تبحث عن إجابات نهائية، بل تدرّب الإنسان على أن يكون أكثر وعيًا بأسئلته، وأكثر قدرة على الإصغاء لما يقوله عقله وهو يفكر.

وهكذا، لا تبدأ قصة الفلسفة عند أول إجابة، بل عند أول سؤال صادق، سؤال يطرق باب العقل، ويتركه مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي

” حصلتُ على شهادة في الفلسفة”

نوره بابعير

حينما حصلتُ على شهادة الفلسفة، لم أكن أستلم ورقة اعتمادٍ أكاديمي فحسب، بل كنت أفتح بابًا جديدًا في داخلي. تلك الفلسفة التي كانت تتسع في مساحات العقل، تُلحّ بالأسئلة وهي تدرك الحراك الذي يفيض من بحورها، كانت تدرك الأعماق المخبأة خلف أضوائها. حينما يفتش الإنسان عن عقلٍ نَيِّر، يجد نفسه أمام مرآة الفلسفة؛ يدخل في دهشة الأفكار، والتحليل، والتخييل الذاتي، والانتباه، والتنبؤات التي تسعى إلى تكوين المعنى بالمفهوم المُقَرَّب. لذلك كنت أدرك أن النمو العقلي يبدأ من وجود الفلسفة في المعنى، وأن لكل شيء أسلوبًا فلسفيًا يقود الوعي إلى وجهته.

ومع هذا الإدراك، يتضح أن الفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا ولا معرفة مؤجلة للحياة، بل هي اختيار واعٍ للتطور. حين يقدّم الإنسان لنفسه شيئًا من هذا العلم، فإنه لا يضيف معلومة إلى مخزونه العقلي بقدر ما يعيد تشكيل طريقة تفكيره. الفلسفة تعلّمنا كيف نسأل قبل أن نُسلّم، وكيف نُفكك المسلّمات التي اعتدنا عليها، وكيف نرى ما وراء الظاهر دون أن نفقد اتزاننا أمام التعقيد.

اختيار الفلسفة هو اختيار للوعي؛ وعيٌ بالذات، وبالعالم، وبالعلاقات التي تشكّل وجودنا. إنها تدفع الإنسان إلى مراجعة أفكاره، وتمنحه شجاعة إعادة النظر، وتحرّره من الأحكام الجاهزة. ومع كل سؤال فلسفي، يحدث تطور خفيّ في الداخل؛ يتسع الأفق، ويصبح العقل أكثر مرونة، وتغدو الفكرة مجالًا للتأمل لا للصراع.

وحين يتطور الإنسان فلسفيًا، ينعكس ذلك على حياته كلها. يصبح أكثر قدرة على الفهم لا على الإدانة، وعلى التحليل لا على الانفعال، وعلى اختيار مواقفه بوعي لا بردّة فعل. الفلسفة لا تغيّر ما نراه فقط، بل تغيّر الكيفية التي نرى بها، وتمنحنا أدوات للتمييز بين ما يُقال وما يُفكَّر فيه، بين الحقيقة والرأي، وبين المعنى والفراغ.

إن تقديم الإنسان للفلسفة لنفسه هو فعل شجاعة معرفية؛ لأن هذا العلم لا يمنح إجابات نهائية، بل يضعك في مسار دائم من التساؤل والنمو. لكنه مسار يقود إلى نضجٍ أعمق، وإلى وعيٍ أكثر صفاءً، وإلى قدرة على العيش بفهمٍ أوسع للذات والعالم. وهكذا، تصبح الفلسفة ليست شهادة تُعلّق، بل تجربة عقلية تُعاش، وخيارًا للتطور المستمر، ونقطة انطلاق نحو إنسانٍ أكثر وعيًا بذاته وبمعنى وجوده

فصل من كتاب | سيرتي لـ: أنتوني ترولوب

رغم أنني لا أعتزم في هذه الصفحات العودة إلى أصل آل ترولوب بأسرهم، لا بد من كتابة بضع كلمات عن والدتي، ويعود ذلك إلى أن واجب البر بالوالدين يدفعني إلى ذِكرها، وأن والدتي صنعتْ لنفسها اسماً مهمّاً في أدب زمانها، ومن جانبٍ آخر كذلك؛ أنّ في حياتها المهنية ظروفاً جديرة بالذكر. كانت ابنة القسّ ويليام ميلتون، قسّ قرية هكفيلد في هامبشاير، الذي كان زميلاً في نيو كوليدج، وكذلك والدي. كانت في الثلاثين من عمرها عندما تزوجت والدي عام ١٨٠٩، وقبل ست أو سبع سنوات مضت، وقعتْ في يدي مجموعة من رسائل الحب التي أرسلتها إليه بطريقةٍ فريدة للغاية؛ حيث وُجِدتْ في منزل شخصٍ غريب أرسلها إلي بلطف كبير. مرَّ على هذه الرسائل قُرابة ستين عاماً منذ ذلك الحين، كتبتْ عدداً منها قبل زواجهما، والقسم الآخر بعد الزواج، على مدى -ربما- عام.

لم أقرأ في أي روايةٍ رسائلية لصموئيل ريتشاردسون أو الأستاذة فرانسيس بورني رسائلَ في غاية العذوبة، جميلة، ومفعمة بمشاعر نبيلة في الوقت ذاته، لكن أعجوبة هذه الرسائل كانت في الفرق الغريب الذي تُضفيهِ على رسائل الحب في يومنا هذا؛ إذ كانت كلها مكتوبة على ورق مربّع الشكل، ومطوية ومختومة، ومرسلة إلى والدي بكل حب. إلا أن اللغة في كُلِّ رسالةٍ -رغم أنها بلغتْ حد الرومانسية-كانت مُنتقاةً ببراعة ونضج، دون تغيير المقطع اللفظي في نظر العين الناقدة. ففي يومنا هذا، أيّ فتاة تنتقي الكلمات التي ستخاطب بها حبيبها، أو تسعى لسحره بطلاوة الحديث؟ لقد كانت تحب توظيف القليل من الألفاظ العامية، وتجد متعةً بالغةً بترف التعرف الكامل على كيان جديد وغريب. وكان ثمة مغزى في ذلك، مغزىً محببٌ لأفكارنا، لكنني أخشى أن هذه المرحلة من الحياة لا تُفضي إلى شغف الشعر بين فتياتنا؛ غير أن والدتي كانت كاتبة في النثر الأدبي، وتجد متعتها في الهِجاء، وهكذا، تشبث بها الإحساس الشعري على الدوام.

في السنوات العشر الأولى من حياتها الزوجية أصبحت أمّاً لستة أطفال؛ توفي أربعة منهم بسبب مرض السل بأعمار مختلفة. تزوجتْ أختي الكبرى وأنجبت أطفالاً، وما يزال أحدهم على قيد الحياة؛ لكنها كانت واحدة من الأربعة الذين تبعوا بعضهم بعضاً وماتوا على فترات خلال حياة والدتي. ولم يبقَ لها غيري أنا وأخي توم؛ لنواجه نحن الثلاثة مصير كتابة كُتبٍ أكثر من أي وقت مضى، قد تكتبهُ عائلة واحدة. رفعتْ أختي المتزوجة الرقم بكتابة قصة قصيرة عن كنيسة عليا مجهولة الهوية أسمتها تشوليرتون. ومنذ تاريخ زواجهما حتى عام ١٨٢٧ -عندما سافرت والدتي إلى أمريكا- أخذتْ شؤون والدي تتدهور في العالم باستمرار. كانت تحب المجتمع؛ الأمر الذي عكس على شخصيتها دوراً ليبرالياً إلى حد ما، وجعلها تبدي نوبة كراهيةٍ نحو الطغاة؛ انبثقتْ من أخطاء قتلة الملوك المحتملين وفاقة المنفيين الوطنيين؛ حتى إن الماركيز الإيطالي، الذي فرَّ بثيابٍ مستعملة من براثن أرشيدوق كان راغباً في إبادته، أو البروليتاريّ الفرنسي الذي يفكر -بطريقةٍ غير مباشرة- في التضحية بنفسهِ في سبيل قضية الحرية، كان موضع ترحيبٍ دائم في الضيافة المتواضعة لمنزلها. وبعد عدة سنوات، حين أبدى ماركيز من طبقة أخرى لطفاً معها، أصبحتْ مؤيدةً شرسة للمحافظين، ورأتْ أن الأرشيدوقات جميلات. وهكذا، طالما كانت معتقداتها السياسية شأناً من شؤون القلب، كما كانت في الحقيقة قناعاتها كلها. وعليهِ، أحسبُ أنها -بعد التفكير في الأسباب- أظنها لا تعرف شيئاً. كانت ذات قلب سليم النيّة من النواحي كلها، ورغبتها في فعل الخير لكلّ من حولها شاملة جداً، وقوة تضحيتها كبيرةً للغاية؛ إلى درجة أنها تحصل على الحق عادةً، مع أنها تفتقر إلى المنطق؛ ولكن لا بد من التسليم بأنها كانت امرأةً عاطفية. أتذكر كتبها جيداً، وبإمكاني رؤيتها تؤدي أنشطتها. كانت تُحب الشاعرين دانتي وسبنسر، لكنها أيضاً كانت تُفرط في مديح من تثني عليهِ السيدات في ذلك الوقت. أبهرتها الشهرة والمشهورون، فذرفت الدموع على ظلم اللورد بايرون. كانت من بين أولئك الذين يتلقفون الروايات بنهمٍ عند صدورها؛ مثل روايات السّير والتر سكوت غير المعروف آنذاك. ومن بين أولئك الذين ما يزالون يتحدثون عن انتصارات الآنسة ماريا إدجوورث، كانت على درايةٍ بالأدب في تلك الفترة، وبشعراء الماضي. أما بالنسبة إلى قراءات أخرى، فلا إخالها أتقنت الكثير. أعدُّ حياتها -مع أنها كانت تُخيم عليها في الفترة الأخيرة متاعب جمة- مُريحةً، منغمسةً بالترف، ولا معنى لها؛ حتى أبعدتها شؤون والدي وتطلعاتها الخاصة إلى أمريكا. كانت تحظى بأصدقاء أعزاء بين الأدباء، أتذكر منهم ماتياس، هنري ميلمان، الآنسة لاندون؛ لكنها، حتى بعد مضي فترة طويلة من نصف حياتها، لم تكتب سطراً واحداً جاهزاً للنشر. سافرت إلى أمريكا عام ١٨٢٧، بعد أن أثارتها -إلى حدٍ ما-الأفكار الاجتماعية والشيوعية لسيدة أتذكرها بوضوح تدعى الآنسة رايت، والتي أعتقد أنها كانت أول المُحاضرات الأمريكيات من النساء. ورغم ذلك، كانت رغبتها الرئيسة هي إنشاء عمل لأخي هنري، وربما كان العمل على ذلك هو مدعاة أخرى لتفكيك بيتها الإنكليزي دون الاعتراض على ثرواتها المنهارة أمام العالم بأسره. في سينسيناتي بولاية أوهايو، قامت ببناء بازار، وأحسب أنها خسرت الأموال كلها؛ التي ربما تم الشروع فيها في تلك المضاربة. لا أظن أن الأمر دام كثيراً، كما لا بد أن آخرين عانوا كذلك؛ لكنها أمعنت النظر في من حولها، إلى أبناء عمومتها الأمريكيين، وقررتْ أن تكتب كتاباً عنهم. جلبت هذا الكتاب معها في عام ١٨٣١، ونَشرَتهُ في أوائل عام١٨٣٢. كان عمرها خمسين عاماً آنذاك. وعند نشرها هذا الكتاب كانت تُدرك أنه إذا ما لم تنجح في كسب المال، فلن يكون ثمة مال لأيِّ فرد من أفراد الأسرة. لم تكن قد كسبتْ شلناً واحداً في حياتها من قبل، وتلقتْ على الفور مبلغاً كبيراً تقريباً من الناشرين، وإذا لم تخني ذاكرتي مبلغاً بقيمة أربعمئة جنيه إسترليني في غضون أشهر قليلة؛ ولأكثر من عشرين عاماً أخذتْ منذ ذلك الوقت حتى وفاتها تتلقى إيرادات كبيرة من خلال كتاباتها. لقد كان عمراً متأخراً لبدء مثل هذه المهنة. كان كتاب «الأصول المحلية للأمريكيين» أول سلسلة من كتب الرحلات، وربما كان الأفضل من بين السلسلة، والأشهر بلا ريب. ولن يكون من المبالغة أن نقول إنه كان ذا تأثير جوهريّ على سلوك الأميريكيين في ذلك الوقت، وإن ذلك التأثير حظي بتقدير كامل من قِبَلهم. ولا جرم أنه ما من شاهد كان أقل كفاءة من أي وقت مضى ليحكم على آفاق الشباب أو حتى على سعادتهم.

ما كان لأحد أن يتكيف بطبيعته على نحو أسوأ مع مهمة المعرفة؛ ما إذا كانت الأمة في طريقها إلى الازدهار؛ إذ أيّاً كان ما تراه، إنها تحكم عليه -كما تفعل معظم النساء- من وجهة نظرها، وإذا كان الشيء قبيحاً في عينيها، فيجب أن يكون قبيحاً في أعين الآخرين، وإذا كان قبيحاً، فلا بد أن يكون سيئاً.

ماذا لو كان لدى الناس الكثير من الطعام ليأكلوه، والكثير من الملابس لارتدائها، وهم يدوسون الموائد بأقدامهم، ولا يحترمون أفضل ما يملكون؟ كان الأمريكيون يعاملونها بخشونة وفظاظة وابتذال، ولقد أخبرتهم بذلك. أما تلك الأفكار الشيوعية والاجتماعية، التي ظنتها عظيمة في غرفة الجلوس خاصتها، فقد تبعثرتْ مع الرياح. كانت مجلدات الكتب التي كتبتها حادة اللهجة للغاية؛ لكنّها كتبتها على نحوٍ ذكي جداً؛ الأمر الذي أنقذ العائلة من الفقر. وهكذا بدأ الكتاب يتبع الكتاب مباشرةً؛ كتبتْ في البداية روايتين، ومن ثم كتاباً عن بلجيكا وألمانيا الغربية. وأعادتْ تأثيث المنزل الذي أسميته مزرعة أورلي، وأحاطتنا مرة أخرى بوسائل راحة بسيطة.

يكاد يكون من المستحيل التحدث بشيءٍ من المبالغة عن المرح والتعب في العمل الدؤوب الذي شكَّل شخصيتها. كان التعب شيئاً منفصلاً احتفظتْ بهِ لنفسها، وليس هناك داعٍ لأن يلاحظه أي شخص يعيش معها. كانت تجلس إلى مكتبها عند الرابعة صباحاً، تُنهي عملها قبل أن يبدأ العالم في الاستيقاظ. ورغم أن كل ما يتعلق بالبهجة والمرح كان من نصيب الآخرين؛ لكن في وسعها الرقص بأرجل الآخرين، وأن تتناول الطعام والشراب تماشياً مع أذواق الآخرين، وأن تشعر بالفخر لرؤيتها فتاةً ترتدي ثياباً فاخرة مبهرجة. يمكن لكل أم أن تفعل ذلك لبناتها؛ لكنها في وسعها أن تشعر بذلك تجاه أي فتاة يُعجِبها مظهرها وصوتها وأخلاقها. حتى عندما تكون منهمكةً في العمل، كانت ضَحِكات من تُحبهم مصدر بهجة لها. كان في قلبها الكثير.. الكثير.. لتعاني. ففي بعض الأحايين، يصبح العمل شاقاً عليها، وكان مطلوباً منها إنجازهُ، وهي مسرفة، تحب الحصول على المال لإنفاقه، ولكن من بين جميع الأشخاص الذين عرفتهم كانت الأكثر بهجة، أو -على أقل تقدير- الأكثر قدرة على الفرح. واصلنا هذه الحياة المتجددة في هارو لما يقرب من عامين، وكنت ما أزال في المدرسة خلالها، وفي نهايتها بلغتُ من العمر تسعة عشر عاماً تقريباً، عندئذٍ حلَّتْ كارثة كبيرة. حين كان والدي بصحةٍ جيدة، يعيش حياة بائسة بين الرهبان والراهبات، كان ما يزال يحتفظ بالجواد والعربة. وفي أحد أيام مارس ١٨٣٤، وتماماً كما قد تقرر أن عليَّ مغادرة المدرسة عوضاً عن البقاء حتى منتصف الصيف مثلما كان مُقرراً. استدعاني في الصباح الباكر لإيصالهِ إلى لندن. لقد كان مريضاً، ولا بد أنَّ مرضهُ كان شديداً إلى درجة أن يرضخ لأي شخص يمكنه إيصاله. وما إن انطلقنا حتى أخبرني أن عليَّ إيصاله إلى متن باخرة تُبحر إلى أوستند/بلجيكا، وهذا ما فعلته؛ لقد أوصلته عبر المدينة إلى المرسى. لم يكن من طبيعته أن يكون صريحاً، وحتى نهاية الرحلة لم يخبرني عن سبب سفرهِ إلى أوستند. كنتُ قد سمعتُ من قبل شيئاً من قبيل الرحيل بسرعة خارج البلاد ولكن لماذا كان عليه أن يرحل أولاً، وأن يسافر بهذهِ الطريقة المفاجئة؟! لم أعرف جواباً -على الأقل- حتى قفلتُ عائداً بالعربة إلى المنزل، ولمحتُ أن المنزل والأثاث أصبحا في عهدة ضباط العمدة. أوقفني البستاني الذي كان يعمل عندنا في الأيام السابقة وأنا أقود العربة على الطريق، ونبهني، بالإيماءات والإشارات والهمسات؛ إلى أن الحاجات برمتها – أي الجواد وطقم الجواد والعربة- سيجعلون منها جائزة إذا واصلتُ تقدُّمي على بعد بضع ياردات أكثر. لم أعرف السبب وراء ضرورة ألَّا يتحول الجواد وطقم الجواد والعربة إلى جائزة! لم يقدم هذا الجزء الصغير من الأعمال المضللة التي أنجزتها بنفسي، وتكللتْ بالنجاح أيَّ خدمةٍ خاصة لأيّ فردٍ من العائلة. قُدتُ العربة إلى القرية، وبعتُ المعدات كاملة إلى تاجر الحديد والأدوات المعدنية مقابل سبعة عشر جنيهاً؛ الثمن الذي ادعى أنَّه قيمة هذه المعدات. وقد امتدحني البستاني كثيراً؛ إذ بدا يعتقد أن الكثير من الناس أُنقذوا من النار بهذا التصرف. وأنا أحسب أن الرابح الوحيد من كل ذلك كان تاجر الحديد والأدوات المعدنية. وحين عدتُ الى المنزل، كان مشهد الأسى جارياً على قدمٍ وساق، ولم يكن يخلو من روح الدعابة؛ فوالدتي، بالرغم من متاعبها، وجدتْ وسيلةً للحفاظ على عدد محدد من الحاجيات العزيزة على قلبها. لم تكن حاجاتٍ فخمة لأن بهرجةَ المنازل في تلك الأيام لم تكن فاخرةً كما هي اليوم، ولكن كان هناك بعض الخزف الصيني، وقليل من الزجاجيات وبعض الكتب، ومخزون معين من أدوات الفضة المنزلية. كانت هذه الحاجات، وأشياء أخرى من هذا القبيل، تُنقَل خلسة إلى مسكن صديقنا العقيد غرانت من خلال شق بين حدائقنا. وكانت أختاي -بعمر السادسة عشرة والسابعة عشرة آنذاك- وبنات آل غرانت اللواتي كن أصغر سناً، هن اللصوص في هذهِ العملية. وكان من دواعي سروري المشاركة في مثل هذه العمليات وفي أي مشروع، وهكذا خدعنا الدائنين، فيما بيننا، وفي حدود قدراتنا، وسط اللعنات، ولكن بالابتعاد المتسم بحس الدعابة عن العنف الفردي من الرجال المسؤولين عن الممتلكات. ما أزال أمتلك بعض الكتب التي سرقناها بهذهِ الطريقة. ولبضعة أيام، عاشت العائلة كلها تحت سقف العقيد المضياف، تعتني بنا وتعمل على راحتنا زوجتهُ، أَحبُ النساء إليهِ. ثم تبعنا أبي إلى بلجيكا واستقررنا في بيت كبير خارج أسوار مدينة بروج. ومن وقتها حتى وفاة والدي، كان كل شيء يكتمل بالمال الذي تكسبه والدتي. فعادت مرة أخرى إلى تأثيث المنزل، وكان هذا المنزل الثالث الذي عملتْ على تأهيله منذ عودتها من أمريكا قبل عامين ونصف.

مضى ستّة أفراد منّا إلى هذا النفي الجديد. غادر أخي هنري كامبريدج وكان مريضاً، وأختي الصغرى مريضة، ومع أننا بالكاد يخبر بعضنا الآخر بأننا نواجه الأمر الواقع، بدأنا نشعر بذلك الشيطان المُدمِّر، مرض السل، يعيش بيننا. كان والدي كسير القلب بقدر ما كانتْ صحتهُ معتلة، لكنه ما فتئ يعمل على سجلاته الكنسيّة كلما يجلس إلى مكتبهِ. في حين كنتُ أنا وأختي الكبرى بصحةٍ جيدة؛ لكنني كنتُ عالةً، بائساً، كسولاً، إنساناً في قمة اليأس، وشاباً أخرق بعمر التاسعة عشرة؛ دون أدنى فكرة عن مهنة، أو حِرفةٍ، أو تجارة. علاوةً على ذلك، أتذكر أنني كنت سعيداً إلى حد ما؛ لأنه كانت هناك فتيات جميلات في بروج بإمكاني أن أتخيل أنني واقعٌ في حالة حب معهن، ثم أنني ابتعدتُ عن الشقاء الحقيقي للمدرسة. ولكن فيما يتعلق بحياتي المستقبلية، لم يكن لديَّ طموحٌ حتى.

ثم أخذ ينتابني شعور بين الفينة والأخرى؛ إذ يعزّ عليَّ رؤية والدتي مضطرة إلى فعل الكثير من أجلنا، وأننا نقف مكتوفي الأيدي بينما هي مجبرة على العمل باستمرار، ولكن ربما صار لزاماً علينا أن نفكر أكثر في الأمر لو أنها لم تضطر إلى العمل كما هي حالة الحياة المعترف بها لسيدة كبيرة في الخامسة والخمسين. ثم، أخذ الحزن يأخذ مكانه في المنزل بيننا شيئاً فشيئاً، وأصبح أخي عاجزاً. وأكدوا تلك الكلمة المروعة، التي ظلت أبشع كلمة بالنسبة إلينا من بين جميع الكلمات ولعدة سنوات. وهكذا باتت رئتاه هشتين، وكان كل ما يحتاجه شيئاً من العناية الخاصة بوصفها ضرورة مؤقتة، والسبب مرض السل! قال ذلك طبيب من بروج، وكنا نعلم أنه على حق. ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، باتت مهنة والدتي الأبرز هي التمريض. كان ثمة رجلان مريضان في المنزل، وكانت يداها هي التي ترعاهما. وبلا شك، واصلتْ عملها في كتابة الروايات.

كنا قد اعتدنا على معرفة أن الروايات ستكون مُتاحة قريباً على فتراتٍ زمنية محددة، وطالما كانت قريبةً. حجزت قوارير الطبيب وزجاجات الحبر أماكن متساوية في غرف أمي. لقد كتبتُ العديد من الروايات في ظل العديد من الظروف؛ لكنني أشك شكاً كبيراً في قدرتي على كتابة رواية واحدة عندما يكون قلبي بجانب سرير ولدي الذي يحتضر! لم أرَ نظيراً يوماً لقدرتها على تقسيم نفسها إلى قسمين، والحفاظ على ذكائها كما هو، ذكاءً نقياً من متاعب العالم، ومؤهلاً للواجب الذي كان عليها القيام بهِ. لا أرى أنَّ كتابة رواية هي مهمة من الصعوبة بمكان على رجل إنجازها، لكنها مهمة تتطلب روحاً تعيش حالةً من الاطمئنان والراحة إلى حد ما. فالكتابة بروحٍ مضطربة قتلت السير والتر سكوت. مرت والدتي بكل ذلك دون أن يضيرها شيء؛ على الرغم من أنها أدت عمل ممرضةٍ نهارية وممرضة ليلية لأسرة معتلة؛ لأنه سرعان ما مات ثلاثة منهم. خلال تلك الفترة جاءني عرض من جهة ما بدخول الخدمة في فوج سلاح الفرسان النمساوي وهكذا كان قدري على ما يبدو؛ أن أكون جندياً. لكن يجب أن أتعلّم الألمانية والفرنسية أولاً؛ لغتين لا أعرف عنهما شيئاً تقريباً! وكان ينبغي الالتحاق بالخدمة في ذلك العام لإتمامها دون مصاريف، فقمتُ بواجبات مرشدٍ تقليدي في مدرسةٍ كان يرعاها وليام دروري في بروكسل حينئذٍ. كان السيد دروري أحد الأساتذة في هارو حين دخلتُ المدرسة في السابعة من عمري هناك، وهو اليوم -حتى بعد مضي ثلاثة وخمسين عاماً- يرأس القداديس بصفتهِ قسّاً في ذلك المكان.

سافرتُ إلى بروكسل، وقلبي يغوص في داخلي من التفكير في أن هناك من أودعَ بين يدي مهمة تعليم ثلاثين صبياً! ولايسعني إلا أن أرجو أن يذهب هؤلاء الأولاد إلى هناك لتعلم اللغة الفرنسية، وأن آباءهم ليسوا متخصصين بما يتعلق بتحصيلهم الدراسي الكلاسيكي. أتذكر في مرتين، أرسلوني لاصطحاب التلاميذ في نزهة، ولكن بعد المحاولة الثانية قالت السيدة دروري إن ملابس الأولاد لن تصمد أمام أي تجارب أخرى من هذا النوع. لا أذكر أي تعليم تعلمته من لغات أخرى، ولكن لما كنت لم أمضِ سوى ستة أسابيع في هذا المنصب، فربما لم تكن دروس الاستئناف قد بدأت بعد. وفي نهاية الأسابيع الستة وصلتني رسالة عُرِضَ عليَّ فيها وظيفةٌ مكتبية في مكتب البريد العام، فقبلتها.

ومن بين أعز صديقات أمي ممن كان المرء يُعول عليها، السيدة فريلنغ؛ زوجة كلايتون فريلنغ، الذي كان والدهُ السير فرانسيس فريلنغ، يُدير مكتب البريد آنذاك. كانت قد سمعت بمنصبي البائس، فرَجَتْ والد زوجها كي يجد لي وظيفةً في مكتبه، فأسرعتُ عائداً من بروكسل إلى بروج في طريقي إلى لندن، ووجدتُ أن عدد المصابين في عائلتي قد ازداد؛ فأختي الصغرى، إميلي، التي عندما غادرت المنزل كان وضعها الصحي على المحك، كانت متوعكة، ولكن بلغة الأمل الكاذب المدرك للحقيقة؛ إلا أنه يكذب خوفاً على أصحاب القلوب الضعيفة، فوصفتها على أنها متوعكة؛ غير أنَّ مرضها كان شديداً ومصيرها محتوماً. كنتُ أعرف ذلك عن كليهما؛ مع أنني لم أسمع ذلك بالمعنى الصريح للكلمة، ولم أتحدث به لأحد، كان والدي مريضاً للغاية، مريضاً حتى الموت؛ مع أنني لم أكن مُدركاً، فقررتْ أمي إرسال أختي الكبرى إلى إنكلترا، معتقدة أن العيش قرب هذا القدر الكبير من المرض قد يكون مؤذياً لها. حدث كل ذلك في أواخر خريف عام ١٨٣٤، في الربيع الذي وصلنا فيه إلى بروج. بعد ذلك تُرِكتْ والدتي وحيدةً في منزل كبير خارج المدينة، مع سيدتين بلجيكيتين عاملتين؛ لترعى هؤلاء المرضى المحتضرين -زوجها وأطفالها- ولتكتب روايات لإعالة الأسرة! وقد كتبتْ أفضل رواياتها في هذه الفترة من حياتها المهنية. سأعود في الفصل التالي إلى بداية عملي في مكتب البريد. قبل عيد الميلاد مباشرة مات أخي ودُفِن في بروج، وفي فبراير التالي توفي والدي، ودُفِن إلى جانبه، وماتت معهُ تلك المهمة المضجرة التي كان يؤديها، والتي لا يسعني إلا أن آمل أنها كانت مصدرَ عزاءٍ لهُ خففتْ من وطأة أيامهِ الأخيرة. أحياناً أنظر إلى الماضي، ولساعات أُفكِرُ ملياً في مصيره الوخيم؛ فقد كان رجلاً متعلماً تعليماً رائعاً، يؤدي أدواراً مميزة، ولديه قدرة هائلة على العمل، ويتمتع بقوة بدنية تفوق بكثير متوسط قوة الرجال. لم يكن من المدمنين على الرذائل والملذات، وكان محباً بطبيعته، حريصاً على رفاهية أطفاله، وُلد وهو يملك ثروات متوسطة المستوى؛ حتى يمكن القول عندما بدأتْ حياتهُ، إنه كان يملك كل شيء تحت قدميه. لكن سارت الأمور كلها على نحوٍ خاطئ معه، وكأن لمسة يدهِ تزرع الفشل. فشرع في مشروعٍ ميئوس منهُ يتلوه المشروع الآخر، وأنفق كل ما في حوزتهِ من مال في ذلك الوقت. بَيْدَ أن أسوأ لعنة حلتْ عليهِ كانت مزاجه سريع الانفعال! إلى الحد الذي عجز معه حتى أولئك الذين أحبهم أكثر من غيرهم عن تحملهِ. كنا جميعاً مبتعدين عنه، ومع ذلك أحسبُ أنه كان سيضحي بدماء قلبه من أجلنا فرداً فرداً. كانت حياته مأساةً تراجيدية طويلة الأمد، كما رأيتها. بعد وفاته انتقلت أمي إلى إنكلترا، فاستأجرتْ وأثثت منزلاً صغيراً في هادلي؛ بالقرب من بارنت. كنتُ آنذاك موظفاً في مكتب البريد في لندن، أتذكر بوضوح كيف كانت تُضفي بهجةً على المكان بطهيها وجبات عشاء صغيرة، ورقصات بسيطة، ونُزهات قريبة، في حين كانت هي نفسها تتوجه إلى العمل كل صباح قبل وقتٍ طويل من مغادرة الآخرين أسرّتهم، لكنها لم تمكث في هادلي أكثر من سنة؛ حيث سافرت إلى لندن، وأخذت منزلاً وأثّثتْه من جديد. ثم تزوجتْ أختي الناجية وانتقلتْ إلى كمبرلاند، وسرعان ماتبعتها أمي. وفي هذه المرة، قامت بما هو أكثر من مجرد استئجار منزل! لقد اشترت قطعة أرض صغيرة -حقلاً من ثلاثة أفدنة قرب البلدة- وبنت لها مسكناً. حصل ذلك عام ١٨٤١ حسبما أذكر، وهي بذلك قد أنشأتْ وأعادتْ تشييد حياتها ست مرات خلال عشر سنوات؛ لكنها وجدتْ المناخ في كمبرلاند قاسياً للغاية. انتقلتْ في عام ١٨٤٤ إلى فلورنسا؛ حيث بقيت حتى وفاتها في عام ١٨٦٣. واستمرتْ في الكتابة حتى عام ١٨٥٦؛ حين بلغت ستاً وسبعين عاماً من العمر، وكتبتْ خلال ذلك ١١٤مُجلداً؛ كتبتْ أولهُ بعمر الخمسين فحسب. تُقدم حياتها المهنية تشجيعاً كبيراً لأولئك الذين لم ينطلقوا في حياتهم ويحققوا طموحاتهم مبكراً، لكنهم ما يزالون يطمحون لإنجاز شيءٍ قبل أن يغادروا هذا العالم. كانت امرأة غير أنانية، مُحِبة، وفي غاية المثابرة والدأب، لها قدرةٌ كبيرة على التفكه ولها مواهب جمة. وكانت تتمتع كذلك بقدرٍ كبيرٍ من الطاقات الإبداعية الخلاقة وحس الدعابة، والشعور الصادق في الحب، لكنها لم تكن واعية الرؤية ولا دقيقة، وفي محاولاتها لوصف الأخلاق والآداب وحتى الحقائق، لم تتجنب مزالق المبالغة.