مأدبة الإنسان في عقله

نوره بابعير

في عالمنا الداخلي، لا تقتصر مأدبة الإنسان على ما يراه الآخرون أو ما يعبر عنه بالكلام، بل توجد مأدبة أعظم وأعقد تحدث داخل عقله هي مأدبة سرية، عميقة و عامرة بالضيوف المتنوعين: أفكاره، مشاعره، مخاوفه، أحلامه، وذاكرته التي لا تهدأ. هذه المأدبة هي ساحة صراع مستمر بين تناقضاته لمصدر كل تساؤل وتأمل، بل أحيانًا بين الإلهام والضياع نفسه .

المأدبة العقلية: ما هي؟

المأدبة العقلية ليست مجرد وصف ، بل هي صورة حية لتجربة الإنسان مع ذاته. هي لحظة جلوس متأمل، حين يواجه الإنسان ما في داخله من أفكار متناقضة، من مشاعر متداخلة، ومن رغبات متصارعة.
في هذه المأدبة، يجتمع العقل والمنطق مع الشك والشكوك، يجتمع الحلم مع الخوف، وتتناقض الذاكرة مع الحاضر. وهذا الاجتماع ليس بالضرورة سلمياً، لكنه ضروري لكي تتشكل رؤية الإنسان لنفسه وللعالم.
حينما وصفت المتواجدة بالذاكرة ضيوف لانها هي زوايا المأدبة: و في مأدبة العقل، كل ضيف له دوره مثل الخوف: هو الصوت الذي يحذر، لكنه أيضًا يمنع أحيانًا الإنسان من المجازفة. مثل الأمل: هو النور الخافت الذي يشعل رغبة الاستمرار رغم كل شيء. مثل الشك: هو الذي يعيد النظر في كل يقين، فلا شيء يبقى كما هو و الذاكرة :هي المرآة التي تعكس الماضي، وتحمله معنا في الحاضر.و الضمير: هو الصوت الداخلي الذي يراقب ويدعو إلى الصدق والعدل .

أما عن الحوار الداخلي وأثره على الإنسان فهذا العمق يأخذنا إلى التفاصيل نحو الفكرية و الانتاجية القائمة على هذه المأدبة .
حين يقرر الإنسان “الجلوس إلى المأدبة”، أي مواجهة هذه الأصوات المختلفة، يبدأ حوار داخلي عميق. هذا الحوار يساعده على فهم أعمق لذاته، وإدراك أبعاده المختلفة. إنه حوار لا يهدأ، لكنه يمنح الإنسان القدرة على اتخاذ قرارات واعية، وتشكيل معنى لحياته. تبني في تحديات مأدبة العقل اعلم أن ليست مأدبة العقل سهلة. فهي تتطلب شجاعة، لأن الإنسان غالبًا ما يهرب من مواجهة مخاوفه أو شكوكه. والانشغال اليومي هو طريقة للهروب من هذه المواجهة. لكن الهروب يولّد فراغًا أكبر، لأن المأدبة تستمر مهما غاب الإنسان عنها.

كيف نجلس إلى المأدبة حتى نجد ضالتنا ؟
الجلوس إلى مأدبة العقل لا تتطلب مكانًا خاصًا، لكنها تحتاج إلى وعي وتركيز. يمكن أن يكون في لحظة هدوء صباحي، أو أثناء نزهة في الطبيعة، أو حتى في لحظة تأمل عابرة. المهم هو الانتباه، الاستماع، والسماح للأصوات الداخلية بأن تُسمع حتّى تستطيع أن تنضج بك كما تستحق مَن التفاتك لها ، في النهاية مأدبة الإنسان في عقله هي رحلة لا تنتهي، وليست هدفًا أو لحظة تتجدد يوميًا، بل تدعونا إلى مواجهة أنفسنا بصدق، وإلى خلق معنى في وسط الفوضى. ومن خلال هذه المأدبة، أكثر وعياً، وأكثر قدرة على العيش بتوازن داخلي يليق بحياة متلائمة مع وعينا فيها .

اليوم العالمي للشاي ” في مديح الشاي وأهله “

نوره بابعير

في ركن من أركان العالم، هناك قرية صينية تعانق الضباب، أو هناك مقهى هادئ في قلب المدن ، أو حتى في المجلس العربي حيث يتعاقب الضيوف وتتلاحق الأحاديث، وُلدت لحظة من التأمل، ترافقها رائحة الشاي الصاعدة في بخارٍ دافئ، تحكي قصة واحدة: وهي قصة الإنسان مع كأسه المفضل من الشاي .

في الواحد والعشرين من مايو كل عام،يحتفي العالم باليوم العالمي للشاي، ذلك المشروب العتيق الذي لا يعرف الحدود، ولا يعترف بالاختلافات. لكن لماذا سُمِّي هذا اليوم بهذا الاسم؟ وما سر اختيار هذا التاريخ تحديدًا؟

من يقرأ التاريخ يعرف أن الشاي.. أكثر من مجرد مشروب

قد نعتقد أن الشاي مشروب بسيط يرافق الصباحات الكسولة أو الأجتماعات العائلية، لكن الحقيقة أن الشاي هو حكاية حضارات،وتاريخ من التجارة، والسياسة، والثقافة. من الصين مهده الأول، حيث استُخدم طبيًا قبل أن يتحول إلى مشروب يومي، إلى الهند وسريلانكا وكينيا، حيث تحوّل الشاي إلى اقتصادٍ قومي ومعيشة لأجيال كاملة هناك الكثير من الوثائقيات تتحدث عن حكاية الشاي بتفاصيل أنيقة تبرز قيمة الشاي من بداية المزارعين إلى للجنة المتذوقين به .

إن اليوم العالمي للشاي، الذي أقرّته الأمم المتحدة رسميًا في عام 2019، لم يُطلق من فراغ، بل كان تتويجًا لسنوات التي كانت تحتفل بشكل غير رسمي و الذي بدأته بعض الدول المنتجة للشاي منذ عام 2005. لذلك تم اختيار 21 مايو لما جاء متزامنًا مع فترة حصاد الشاي في أغلب البلدان المنتجة، وهي المرحلة الأهم في دورة حياة هذا المشروب، و كأن البشرية أرادت أن تقول: “لنحتفل ونحن نقطف أوراق الشاي ”

الشاي عدة حكايات لنخوض بينهما حتى نعرف عن مزاياه المتعددة بين الأصابع… و ورقة حياة .

ليست كل أوراق تُحكى، ولكن أوراق الشاي حكت كل شيء. ففي ورقة صغيرة خضراء، تختبئ آلاف القصص: قصة مزارعٍ ينهض مع الفجر ليقطفها بحنان، وقصة سيدةٍ تصبها في فنجان الضيف باهتمام، وقصة شاعرٍ يغمس فكره في دفئها ليكتب بيتًا جديدًا .

لماذا نحتفل؟

وجدت أننا نحتفل بيوم الشاي هو اعترافًا بملايين البشر الذين يقفون خلف هذه الصناعة، من مزارعين وعمال ومصدّرين، ونحتفل احترامًا للثقافات التي نسجت طقوسًا فريدة حول فنجان شاي، من جلسات “الشاي المغربي” بالنعناع، إلى “الشاي الإنجليزي” مع الحليب، إلى “الشاي العدني” الغني بالتوابل جميعها ثقافة بلدان و تاريخ وحضارة .
فيكون هذا اليوم للوقوف مع القيم من الجانب التجاري ومن حقوق المزارعين، وحماية البيئة، لأن زراعة الشاي ليست فقط زراعة مشروب، بل زراعة علاقة بين الإنسان والطبيعة، بين الرغبة والهدوء، بين الاحتياج والجمال المتعة التي تحقق من قبل هولاء المزارعين هي سبب في انتشار الشاي بشكل دائم دون انقطاع .

الشاي لا يقبل السطحية بل هو لغة لا حد لها .

الشاي لا يُشرب فقط، بل يُتحدث به. كل حضارة صنعت لغتها الخاصة مع هذا المشروب: في الصين هو طقس تأمل، وفي اليابان فلسفة “تشانويو”، وفي العالم العربي رفيق المجالس والأحاديث.

الشاي لا يُطلب أحيانًا، بل يُفهم حضوره من نظرة، من طقس، من ساعة معينة. من قال إن اللغات فقط تُكتب وتُلفظ؟ ثمة لغات تُرتشف بهدوء

و في اليوم العالمي للشاي، نستمتع بأكوابنا من الشاي لا للاحتفال بمشروب، بل لنتأمل كم من الأشياء الجميلة في هذا العالم تنمو في صمت، وتُقطف بحب، وتُقدّم بدفء. نشرب إذن، لا لمجرد الارتواء، بل لنتذكر أن في تفاصيل الأشياء الصغيرة، تكمن أعمق المعاني

أما عن الشاي في دول الخليج فهو طقس للضيافة
وذاكرة البيوت…

في دول الخليج لا يُقدَّم الشاي فقط لمجرد الضيافة، بل بيان ترحيب وعربون مودة، وامتداد لذاكرة قديمة نسجتها المجالس الشعبية كان الشاي يُعدّ على الجمر، في إبريق نحاسي، وترافقه رائحة الهيل أو أعواد النعناع .
ويعرف أن الشاي الخليجي لا يُشرب على عجل، بل يُصبّ بتأنٍ، ويتكرر صبّه بكرمٍ لا يعرف الانقطاع من المجالس بل هو البداية الرسمية لكل حكاية . ولا ننسى أن “الشاي العدني” الذي انتقل إلى الخليج عبر الموانئ، واستقرّ في القلوب قبل الأكواب بطعمه الغني بالحليب والزنجبيل والقرنفل، أصبح خيارًا يوميًا لعشّاق النكهات القوية. بينما يحتفظ “شاي الكرك” بمكانته في المقاهي الشعبية، ومع الوقت قد تحول من مشروب تقليدي إلى رمز عصري للهوية الخليجية الحديثة

أصبح الشاي في الخليج ليس فقط مشروبًا، بل ركيزة من ركائز التواصل الاجتماعي، وامتدادًا حيًا للضيافة العربية الأصيلة التي تبدأ بالترحيب وتنتهي بالودّ .

إلى الذين يشربون الشاي…
أنتم عشّاق الذوق، وأصحاب مزاج يعرف متى يهدأ، ومتى يصغي، ومتى يكتفي بكأس شاي لتستقيم أمامه الدنيا.فلكم التحية، أنتم لا تشربون الشاي فقط، أنتم تصنعون به لحظة سلام و رقياً في المقام .

الأدب قوة أخلاقية خفية

نوره بابعير

ربما يتساءل البعض: كيف يمكن لنص مكتوب أن يُهذّب السلوك أو يُقوّم الأخلاق؟ الجواب لا يكمن في المباشرة، بل في الأثر البطيء العميق، و الذي يتركه الأدب في القارئ. عندما نقرأ “الكتب ” نحن لا نحفظ قوانين العدالة، لكننا نحيا مع الصراع الداخلي ، ونفهم جميع السلوكيات حينها و كيف يمكن لرحمةٍ واحدة أن تغيّر مصير إنسان. الأدب لا يعظ، بل يعايش. لا يفرض القيم، بل يُجسّدها في الحكاية.

الأخلاق في الأدب لا تنبع من الخطابة، بل من الإحساس؛ من تلك اللحظة التي يقرا فيها القارئ وتربك أفكاره دون أن يعرف السبب تمامًا لكنها حركة في ساكن العقل شيئًا من وعيها ، أو حين يشعر بخجلٍ داخلي لموقفٍ قرأه في سطرٍ عابر. هذا الخجل، هذا التأثر، هو بداية التحول الأخلاقي الحقيقي؛ لأنه ينبع من الداخل، لا من الخوف أو العقوبة. يشعر القارئ بحاجة إلى تغيير سلوك معين اتجاه ما يقرأ.

لان الأدب يتحول أداة للوعي الذاتي و الوعي ليس مجرد إدراك لما يدور حولنا، بل هو بالأساس إدراك لأنفسنا في هذا العالم، لفعلنا، لوجودنا، لما نفكر فيه ولماذا. في هذا السياق، يأتي الأدب كمنبه حاد بارز لهذا الوعي. حين نقرأ رواية فلسفية، أو نصًا شعريًا عميقًا، فإننا لا نكتفي بتلقي المعنى، بل ننخرط في إعادة إنتاجه داخليًا. نطرح الأسئلة: ماذا كنت سأفعل لو كنت مكان هذا البطل؟ لماذا شعرت بهذا الألم عند قراءتي للمشهد؟ هل أنا بريء تمامًا من الأنانية التي أدانها الكاتب ؟ لماذا نقرأ الفلسفة ؟هل نحن نحتاج إلى المزيد من الوعي و النضج ؟ لماذا نقرأ الادب هلّ أخلاقنا تقف على نبتة القراءة ومع الوقت تصل إلى حد الإشباع الذاتي ؟

يمكن في الأدب، تتكسر مرايا التبرير، ويُجبر الإنسان على مواجهة ذاته، وجهًا لوجه. الروايات الكبرى لا تريح القارئ، بل تقلقه، لأن القلق هو عمق الوعي، ومن دونه نعيش على هامش الوجود، في أمان قراءة مزيفة .

الأدب يوسع المدارك الإنسانية في كل قراءة لأدب مختلف، نحن لا نقرأ شخصيات فقط، بل نطل على عوالم جديدة، نعيش حياة أخرى دون أن نغادر مقعدنا. نقرأ تولستوي فنفهم روسيا القديمة، نقرأ نجيب محفوظ فنشعر باجواء الحارات المصرية، نقرأ دوستويفسكي فنغرق في دهاليز النفس البشرية. هذا التعدد لا يجعلنا أكثر ثقافة فحسب، بل أكثر تسامحًا، أكثر فهمًا للاختلاف، أقل يقينًا، وأكثر إنصاتًا.

الأدب يوسع المدارك لأنّه يعلّمنا أن الحقيقة ليست واحدة، وأن الخير والشر ليسا أبيض وأسود، بل طيفٌ من المعاني والدوافع والتعقيدات. وهذه الرؤية المتعددة تخلق إنسانًا أكثر تعاطفًا، أقل تطرفًا، أعمق إنسانية.

قراءة الأدب تربية داخلية مستمرة ،إذا كانت التربية الأخلاقية التقليدية تبدأ من التوجيه الخارجي، فإن الأدب يشتغل على الضمير الفردي. إنه لا يلقّن، بل يوقظ. لا يفرض القيم، بل يجعل القارئ يكتشفها بنفسه، في تجربة داخلية، تتكرر كلما فتح صفحة جديدة زادت رغبته فيَ إكمالها.

يظل الأدب هو البئر العميق الذي نلجأ إليه لا لنشرب فقط، بل لنرى انعكاس أرواحنا في مائها الساكن. ومن يقرأ بصدق، لا يخرج كما دخل. لأن الأدب، في النهاية، لا يُقرأ، بل يُعاش .

الفلسفة فن يُمنح للأشياء معناها الحقيقي

نوره بابعير

تمر بنا الأشياء كما تمر الريح وتنثر الأشياء معها و لا نتوقف عندها، لا نسألها ولا تسألنا بل نستمر ، نأكل، نلبس، نُحب، نعمل، نحزن ونفرح، دون أن نتساءل: لماذا؟ كيف؟ وما المعنى؟ أما حين تتدخل الفلسفة، لا كعلمٍ للنخبة، بل كفن إنسانيّ عميق يُعيد إلينا قيمة الأشياء التي نسينا أن ننظر إليها بوعي. الفلسفة تفتح أعين القلب ، لا تُعطينا إجابات جاهزة، بل تفتح أعيننا على الأسئلة المنسية. لماذا نخاف ؟ لماذا نشعر بالأشياء في وسط الزحام؟ و ما معنى السعادة؟ و ما حدود الحرية الناضجة في الإنسان والعديد من تلك التساؤلات الواعية ؟

كل تلك المفاهيم، التي نمارسها دون تأمل، تُعيد الفلسفة صياغتها أمامنا، فتغدو الأشياء التي بدت عادية، محمّلة بالمعنى، ومفعمة بالدهشة. تصبح الفكرة طعامًا للروح، ويصبح التفكير حاجة لا تقل عن التنفس.

قيمة المعنى في عالم تحكمه السرعة، و السطحيات، وصناعة الصورة، تبرز الفلسفة كفعل مقاومة. تُعيد الاعتبار للباطن، للمغزى، لما هو خلف القشرة. الفلسفة لا ترفض المادة الناتجة عنها ، لكنها تسأل: ما وراءها؟

كوب شاي ، لحظة الصمت، كتاب عتيق، شروق أو غروب الشمس، كلها أشياء يومية، لكن الفلسفة تُعلّمنا أن ننظر إليها كمرآة للوجود. أن نتعمق في خطواتنا، لنفهم أن الأشياء الصغيرة قد تحمل أجوبة الأسئلة الكبرى.

الفلسفة تمنح الإنسان مرآة لذاته ، ما أثمن شيء في حياة الإنسان؟ هو ذاته. لكن الذات لا تُكتشف من الخارج، بل من الداخل. و تأتي الفلسفة، لا لتقول لنا من نكون، بل لتدفعنا اكتشاف ذلك بأنفسنا مجرد ما نفهم غاية الفلسفة في إحياءها لقيمة الأشياء تفتح لنا آفاق واسعة .

لذلك حين يتأمل الإنسان معنى وجوده، وحدود حريته، وغايته من الحياة، لا يعود مثل السابق ، بل يصبح عميق أكثر وعياً ، وهذا الوعي هو ما يجعل كل لحظة أكثر امتلاء، وكل علاقة أكثر صدقًا، وكل قرار أكثر مسؤولية. الفلسفة تُهذّب الرغبات وتُضيء وتقوي حواسنا اتجاه بعض الأشياء ، الفلسفة لا تقتل الشعور، بل تُهذّبه. تجعلنا نُحب بعمق، لا بتعلق. نرغب دون أن نستعبد. نفرح دون أن نُفرّط. نحزن دون أن ننهار. لأنها تُنير لنا طبيعة الإنسان، وتكشف كيف يكون التوازن فنًّا نابعًا من الفهم.

حين نفهم لماذا نرغب، ولماذا نغضب، ولماذا نُخطئ، نصبح أكثر تصالحًا مع ذواتنا. وحين نصبح كذلك، تصبح الحياة نفسها أكثر رحابة.

” الفلسفة لا تعزلنا عن الحياة.. بل تُعيدنا إليها أجمل مما كنا”

الفلسفة هي أدب وأسلوب الحياة، وضمير العقل، ولغة القلب حين يُريد أن يُفكّر. تعلّمنا أن لا شيء عابر. أن وراء كل تفصيل صغير حكمة، وأن الحياة، رغم صخبها، تستحق أن تُعاش بعينٍ متأملة، وعقل واعي متسائل، وقلب لا يكتفي عن البحث عن المعنى.

الأشياء تُقاس بثمنها، لذلك تُعيدنا الفلسفة إلى قيَمها. فتُعلّمنا أن القيمة لا تُشترى، بل تُدرك. وأن أجمل ما في الأشياء… هو ما لا يُرى بالعين، بل يُبصر بالعقل.

المهارات ثروة الإنسان التي لا تُرى

نوره بابعير

لم تعد الشهادات وحدها تكفي، ولم يعد الحفظ معيارًا للفهم، ولا الالتزام الآلي دليلًا على الكفاءة. ما تصنع الفرق اليوم، وتمنح الإنسان قيمة في عوالم العمل، والفكر، والإبداع، هي المهارات. هذه الطاقة الصامتة التي لا تُرى، لكنها تصنع أثرًا بالغًا في الحياة.

المهارة ليست مجرد “إتقان” لشيءٍ ما، بل هي نتيجة تفاعل طويل بين الفهم والتجربة، بين النظرية والممارسة، بين الرغبة الداخلية والتحديات الواقعية. إنها ما يبقى حين تختفي الوصفة الجاهزة، وحين يُترك الإنسان أمام الموقف الحقيقي، ليبتكر، ليحلّل، ليقرر.

من المعرفة إلى المهارة

الفرق بين من يعرف ومن يُتقن، يشبه الفرق بين من يقرأ عن السباحة، ومن ينجو من الغرق. المعرفة تفتح الباب، لكن المهارة تعلّمك كيف تمر عبره. وفي عالم تتقاطع فيه التقنيات، واللغات، والوظائف، تصبح المهارات هي اللغة العالمية الجديدة، التي يفهمها الجميع.

التعليم التقليدي، في كثير من الأحيان، يركّز على التلقين، على أن يعرف الطالب المعلومة، لا أن يتعامل معها. وهنا يأتي التحدي الحقيقي: كيف نحوّل المعلومة إلى قدرة؟ كيف نعلّم أبناءنا لا فقط ماذا يقولون، بل كيف يفكرون؟ كيف يبحثون؟ كيف يتخذون القرار؟

أنواع المهارات: خارطة العقل والعمل

المهارات تتنوّع مثلما تتنوع العقول. هناك المهارات الصلبة ، مثل البرمجة، التصميم، التحليل الإحصائي، الترجمة، وإدارة المشاريع. وهي مهارات يمكن قياسها، وتعلّمها غالبًا من خلال الدورات والممارسة المباشرة.

لكن الأعقد، والأكثر تأثيرًا، هي المهارات الناعمة مثل مهارات التواصل، الذكاء العاطفي، القدرة على العمل الجماعي، إدارة الوقت، حلّ المشكلات، التفكير النقدي، والمرونة النفسية. هذه المهارات لا تُعلّم في الكتب، بل تُكتسب عبر المواقف، وتُبنى مع التجربة، وتتأصل مع النضج.

المهارات ليست حكرًا على أحد

لا توجد مهارة تُولد معنا بالضرورة. كل مهارة يمكن تعلّمها، وتطويرها. الفرق بين من يمتلكها ومن يفتقدها هو الرغبة، والصبر، والممارسة. من يتقن الاستماع مثل من يتقن الحديث. ومن يعرف كيف يكتب، تعلّم ذلك عبر التجربة الطويلة، لا من موهبة نادرة.

وهنا تكمن العدالة في عالم المهارات: إنها متاحة للجميع. لا تتطلب رأس مال، ولا واسطة، ولا وراثة. تتطلب فقط إنسانًا يرى أن في داخله ما يستحق أن يُصقل ويكبر.

المهارة تبني الإنسان، وتبني الوطن

في المجتمعات التي تستثمر في المهارات، تُبنى حضارات معرفية، واقتصادات قوية، وأفراد واثقون بأنفسهم. حين يتقن الطبيب مهارات التواصل، يصبح أكثر إنسانية. حين يتقن المعلم مهارات التحفيز، يصبح صانعًا للأمل. حين يتقن الموظف مهارات التفاوض، يسهم في نجاح مؤسسته. في كل مجال، تظهر المهارة كما يظهر الضوء في الغرفة: لا يُرى، لكنه يغيّر كل شيء.

أصبحت المهارات محورًا أساسيًا في برامج التنمية، والتعليم، والتوظيف. فالعالم لم يعد يسأل: ماذا درست؟ بل يسأل: ماذا تستطيع أن تفعل؟ وما المهارات التي تمتلكها لتصنع أثرًا حقيقيًا؟

كيف نزرع المهارة في الأجيال القادمة؟

إن من واجبنا كمجتمع، وكأفراد، أن نغيّر نظرتنا نحو التعليم والعمل. أن نغرس في الأبناء مهارة السؤال قبل الإجابة، ومهارة التعلّم الذاتي، ومهارة التعاطف مع الآخر، ومهارة الوقوف بعد الفشل.

أن نعيد للورش قيمتها، وللخطأ مكانه في التعلّم، وللإبداع حرّيته. أن نحتفي بمن يصنع بيده، وبمن يبرمج بعقله، وبمن يبني علاقة صادقة مع فريقه.

في كل إنسان، هناك خامة لم تُشكّل بعد. المهارة هي الأداة التي نحفر بها في دواخلنا، فنخرج أنفسنا من العشوائية إلى الدقّة، ومن التكرار إلى الإبداع، ومن الاعتماد إلى الاستقلال.

نحن لسنا بحاجة فقط إلى مهارات مهنية، بل إلى مهارات إنسانية. مهارات تجعلنا أكثر صدقًا، أكثر وعيًا، أكثر قدرة على التواصل والتفكير والمساهمة. المهارة ليست مجرد طريق إلى الوظيفة، بل إلى حياة أكثر غنى وعمقًا.

القراءة وتحوّلات الإنسان

نوره بابعير

في حياة الإنسان لحظات لا تصنعها الأحداث الكبرى، بل تصنعها جملة في كتاب، أو فكرة تقع على القلب . القراءة ليست هواية، وليست مجرد عادة ذهنية، إنها فعل داخلي عميق، يشبه التهذيب الروحي. الإنسان الذي يقرأ لا يبقى كما هو، لأنه يُعاد تشكيله سطرًا بعد سطر، وفكرة بعد فكرة.

القراءة ليست مجرد استقبال للمعلومة، بل هي دعوة إلى حوار داخلي، إلى مساءلة الذات والعالم. إنها لحظة يتوقّف فيها الزمن الخارجي، ليبدأ زمن آخر؛ زمن التأمل والتخيّل والانفعال. نقرأ لا لنكتسب معرفة فقط، بل لنعبر إلى أماكن لم نصلها، لنتحدث مع أرواح لم نلتقِ بها، ولنشعر بما لم يحدث لنا، لكننا نعيشه كأنه حقيقي.

في أولى مراحل وعيه، يكون الإنسان كتلة من الأسئلة، من الانفعالات الغامضة، من الإحساس المتكرر بالعجز عن الفهم. القراءة تأتي لتمنحه المفردات، لا لتشرح له العالم فقط، بل ليعيد بناءه من الداخل. الطفل الذي يكتشف الحكايات لا يعود كما كان. العاشق الذي يقرأ الشعر يرى لذة الشعر بعينٍ أخرى. الحائر الذي يقرأ الفلسفة لا تهدأ حيرته، لكنها تتحوّل من فوضى إلى سؤال ناضج.

وحدها القراءة تزرع فينا القدرة على النظر إلى الحياة بأكثر من زاوية. إنها لا تغيّر الواقع، لكنها تغيّر من يرى الواقع. تقوّم العقل، وتلين القلب، وتفتح النوافذ في جدران الذات. إنها تُهذّب، لا بالقوة، بل بالتماس العميق بيننا وبين تجارب الآخرين، أفكارهم، رؤاهم، وهزائمهم أيضًا.

نقرأ لنعرف، لكننا نقرأ أكثر لنشعر. في الرواية، نعيش حيوات لا نملكها. في الشعر، نستعير لسانًا أبلغ مما نملك للتعبير عمّا لا نستطيع قوله. في كتب السيرة، نختبر قدرة الإنسان على السقوط والقيام. في الفلسفة، نطرح الأسئلة التي لا يجرؤ الكثيرون على مواجهتها. في كل قراءة، هناك باب يُفتح في داخلنا، وغالبًا لا يُغلق أبدًا.

قد يقال إن الكتب لا تغيّر العالم، لكن من ينكر أنها تغيّر الإنسان؟ والإنسان هو من يصنع العالم. من قرأ عن العدالة، لا يمكنه أن يحتمل الظلم بسهولة. من غاص في عوالم الفكر لا يمكنه أن يقبل الجهل كما هو. من قرأ عن الشجاعة، عن المعنى، عن الألم، عن الحب، لا يمكنه أن يعود فارغًا كما كان. إننا، بغير قراءة، نظلُّ في سطح ذواتنا، نعيش في حدود التجربة المباشرة. أما القراءة، فهي توسّع تلك الحدود، تجعل الداخل أعمق، والخارج أكثر وضوحًا.

ليست القراءة مجرد معرفة تُكتسب، بل هي وعي يُعاد بناؤه. إن الإنسان حين يقرأ، لا يبحث فقط عن إجابات، بل يصير أكثر وعيًا بأسئلته، وأكثر شجاعة في مواجهة تعقيده الداخلي. يصبح أكثر قدرة على الإصغاء، وعلى الشك، وعلى الإيمان أيضًا – لا الإيمان الأعمى، بل ذلك الذي يأتي بعد أن نعرف كم أن الحقيقة أوسع من أي إطار جاهز.

ومن أجمل ما في القراءة، أنها فعل حر. لا يُفرض ولا يُشترى. هي ذلك الوقت الذي نهبه لأنفسنا، لا لنستعرض معلومات، بل لنتنفس ببطء في زمن يركض. في ظل عالم يتكدس فيه الضجيج، تأتي الكتب كصوت خافت لكنه عميق. صوت لا يصرخ، لكنه يبقى. في زحام الأيام، نقرأ لنستعيد توازننا، لنفهم ما لم يُفهم، ولنتذكّر من نكون.

القراءة لا تغيّرنا دفعة واحدة. إنها أشبه بالماء الذي ينحت الصخر قطرة بعد قطرة. نقرأ اليوم، ونظن أن شيئًا لم يتغير، لكن بعد شهور، وربما سنوات، نجد أننا لم نعد أولئك الذين كنا من قبل ، صرنا أكثر إنصاتًا، أقل حكمًا، أكثر امتلاءً، وربما، أكثر حزنًا، لكن ذلك الحزن الجميل الذي لا يُهين، بل يعلّم.

ربما لا نحتاج أن نقرأ لنكون مثقفين، بل لنكون إنسانيين أكثر. لأن القراءة، في أعمق تجلياتها، ليست تكديسًا للمعرفة، بل رفقة هادئة تذكّرنا بأننا لسنا وحدنا في هذا الطريق المعقّد،وأن بين السطور أناسًا يشبهوننا أو يختلفون عنا، لكنهم يمنحوننا فرصة أن نكون أكثر فهمًا، وأكثر حياة

أدب الأنا وإرنستو ساباتو

أدب الأنا

بناء على استرداد الفرد، وتجربته المُحددة التي لا تقبل التحول، كان من المنطقي أن يلجأ ممثلو التمرد المعاصر إلى الأدب للتعبير عن أنفسهم؛ لأن هذا الواقع المعاش يُمكن أن يظهر في الرواية والدراما فحسب؛ لكن الأمر هنا لا يرتبط بذلك الأدب الذي يتسلى بوصف المشهد الخارجي أو العادات البرجوازية، وإنما بأدب الأمور الفريدة والشخصية.

يجزم فلاديمير فيدلي، في بحثه البارز «مقال عن المصير الحالي للآداب والفنون» بأننا نشهد أفول الرواية والدراما؛ لأن فنان اليوم «يعجز عن تسليم نفسه تماماً إلى الخيال الإبداعي»، بسبب هوسه بأناه الذاتية. لا يَقدر كُتَّاب القرن العشرين على تخطي هذه الأنا؛ لأن مصائبهم واضطراباتهم الشخصية تُنومهم مغناطيسيّاً، فيتحاورون إلى الأبد مع ذواتهم داخل عالم الأشباح، على عكس روائيين عظماء من القرن التاسع عشر؛ على عكس كتاب كانوا يخلقون عالماً ويُظهرون كائناتُه الحيّة من الخارج مثل بلزاك؛ أو على عكس روائيين مثل تولستوي، الذين طالما أعطوا انطباعاً بأنهم الرب نفسه.

يؤكد نقاد كثيرون أن القرن التاسع عشر هو القرن العظيم لفن الرواية. من ناحيتي، أنا مستعد لقبول أن القرن التاسع عشر هو القرن العظيم لفن روايةِ.. القرنِ التاسع عشر.

تُمثل كلمة رواية اليوم شيئاً مختلفاً جدّاً عما مثلته في القرن الماضي. لا يرتبط الأمر بأن الكاتب يعجز عن تخطي أناه الشخصية كي يقدم وصفاً موضوعيّاً للواقع، وإنما بأنه لم يعد يهتم بالأمر أصلاً، أو أنه على الأقل لم يكن يهتم به حتى وقت قريب جدّاً إلى أن بدأت تنبثق توليفة جديدة بين الذاتية والموضوعية وهي سلف التوليفة الروحانية الشاسعة، التي سنشهدها كأحد أشكال تخطي الأزمة المعاصرة (لو سمحت القوى المادية الرهيبة التي تدير اللعبة لنا بهذا الأمر بطبيعة الحال).

يُخبرنا البطل في رسائل من تحت الأرض(): «ما الذي قد يتحدث عنه رجل شريف بأقصى درجات المتعة؟ الإجابة: عن نفسه. إذاً، سأتحدث عن نفسي»، وفي كل أعمال دوستويفسكي سيتحدث عن نفسه، سواء تنكر في صورة سافروجين أم إيفان أم ديميتري كارامازوف أم راسكولنيكوف، أو حتى جنرالة أو حاكمة.

يظهر هذا الانتقال نحو الذات في كل الأدب المعاصر العظيم، فأعمال مارسيل بروست عبارة عن ممارسة شاسعة للذاتية. فيرجينيا وولف، وفرانتس كافكا، وجويس، بحواراتهم الداخلية، أو حتى ويليام فوكنر.. إن كل هؤلاء لديهم ميل إلى إظهار الواقع بداية من الذات. تقول إحدى شخصيات جوليان غرين: «إن كتابة الرواية في حد ذاتها رواية، مؤلفها هو البطل. يحكي قصته الشخصية، وإذا جسد بنفسه مهزلة الموضوعية، فهو إما مبتدئ، وإما أحمق، لأننا لا ننجح أبداً في الخروج من ذواتنا».

يبدو هذا الخلاف مع العالم الخارجي ملحوظاً في أعمال دوستويفسكي، التي تُعد من أوجه كثيرة بوابة إلى الأدب الحالي، فنحن لا نعرف أبداً إذا ما كانت شخصياته المنغمسة في ذواتها تحيا داخل قصر جميل أم مكان حقير. يُخبرنا في مرات قليلة إذا ما كانت تمطر أو إذا ما كان الجو مشمساً؛ أو أننا نعرف الأمر بمشقة عبر جملة أو اثنتين، أو لأن هذه الأمطار أو هذه الشمس تشكل -ويا للطريقة التي تُشكل بها!- جزءاً من الهم أو المشاعر التي تغرق فيها الشخصية في تلك اللحظة، فيصبح المشهد الخارجي حالة روحانية.

طالما كانت مهمة تصنيف الإنتاج الأدبي في صورة أنواع مسعى مآله إلى الفشل. فيما يتعلق بالرواية، عانت من كل الانتهاكات أو، كما قال فاليري مشمئزّاً: «كل الانحرافات تخصها»()، أو شيء من هذا القبيل. صار عصرنا تبجيلاً جديداً للأنا. ثمة رواية لفوكنر اسمها «بينما أرقد محتضرة». ثمة واحدة أخرى اسمها «الصخب والعنف»؛ لأنه لم يعد ضروريّاً ولا حتى ملائماً أن يُحكى العالم بوساطة راوٍ عليم وقادر كليّاً. ربما الرواية، كما يقول شكسبير عن الحياة:

قصة

يحكيها أحمق

ملآن بالصخب والعنف.

التذوق الحسي للفن والجمال: حين تتكلم العين وتُصغي الروح

نوره بابعير

غالباً التفكير يعيد للأشياء هيبة أعماقها يبيّن الخفايا المبطنة في المعنى نفسها فيبقى الإنسان عالقاً في صحبة التفكير ، فيجد نفسه بين تفكير ناقد يحلّل للأشياء وجودها به ويترك الأخريات تأخذ أنصافها من غيرها . لذلك حينما تتكاثر الأفكار حول المواضيع تبقى رهينة البقاء حتى تجد جدواها من البحث عن المعنى وتبقى المفاهيم اساس يقود للعقل طريق فكرهُ .
لذلك غالباً ما يلامس العقل أفكاره بأشياء تلحُ عليه الاطلاع نحوها والأخذ بالانطباع من خلفها ، وهذا ما يجعلني دائماً أكتب عن الفن والجماليات و الحس مما ادرك الاثر الذي تستطيع أن تغير مجرى الانسان الذاتي إلى حس ذوقي يترك من بعده التهذيب الاخلاقي .
تهميش الفن عند البعض ليس إهمالاً منهم بقدر الجهل والتوسع للمفهوم الذي يحمله الفن للمعنى الحقيقية في حياة الإنسان . الفن في المعرفة و الثقافة والأتساع الفلسفي هو ليس مجرد مادة تُعرض ، ولا الجمال هو مشهداً يشاهد ، بل أنهما تجربة داخلية تبدأ من الحواس ، لكنها واسعة لا يمكن أن تنتهي عندها ، أن يتذوق الإنسان الفن ، هو لا يستخدم بصره دون سمعه ولا يمكن له أن يستخدم سمعهُ دون بصره وما إلى ذلك ، بل هو يُجنّد كل ما في كيانه من المشاعر و الذكريات و الخيال وهذا يولد التذوق الحسي ، بصفة تبين للإنسان مفهومها أن ما وصّل إليه من هذا الفن هو أرقى الأشياء لتفاعلك الإنساني مع الجمال .
التعمق في التفكير يولد التساؤلات المفرطة و الذي لا يرضيها إلا الفهم ، حينَما تتساءل عن التذوق الحسي نبدأ في محاولات عديدة لتفسر التذوق الحسي سواءً من منظورك أو من منظور الآخرين تبحث عن المعنى الناتجة من خلق الكلمة ما هو التذوق الحسي ؟ قد يكون هو الاستجابة الشعورية العميقة التي تحدث في النفس و عندما تتعرض لمثير جمالي مثل لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو مبنى معماري، أو عادات بشرية تميز الأساليب بين شخص وأخر ، حتى لو كانت تقتصر على زهرة في طريق، أو مشهد طبيعي بسيط. هو ما يجعل العين تُضيء عند رؤية لون متناغم، يلامس القلب و يخفق لسماع نغمة موسيقية تتسلل دون استئذان و يخلق شعور الدهشة لأشياء غير معتاد عليها فتنفض ركودها وتستبدلوا بالتذوق الحسي العميق ليفسر كل ما شعر به الإنسان من تلك اللحظة وتميزت من زاوية شعوره .
ثم تعوّد للتفكير مرّة اخرى تنغمس في المفاهيم الواسعة لهذا الوصف تجد أنه شعور خفي لا يمكن لك أن تشرحه بالكلمات لكنهُ فعلاً يعاش بالكامل ، حينما يقف عند للوحات فنية أو الميول إلى مقطوعة موسيقيّة أو تأملات في الطبيعة ، هو يعلم تماماً ما الذي يعنيه من هذا الوقوف و الاكتساب الذي أضيف له من حراك الذوق الحسي حينها .
حينَما نرى أن الفن يتشكل على مدى حواسنا، نستطيع أن نضعه بوصف جسوراً للحواس تعبر الأشياء من وجهتهُ ، الفن يتشرب حواسنا لكنه لا يبقى على سطحيتها ، العين لا تكتفي برؤية الخطوط والألوان إذا تحدثنا عن الأعمال الفنية ، بل تترجمها إلى مشاعر ، والأذن لا تسمع فقط الالحان بل تلتقط المعاني من خلف الإيقاع، واليد حين تلامس خامة فنية لا تكتفي بإدراك الملمس بل تُحسّ بالحرفية التي صنعتها ، بالزمن الذي عبرها و احتفظ فيها في أعمال فنيّة و هنا، يتحول التذوق من مجرد “إدراك” إلى “إحساس”، ومن مجرد “نظر” إلى “رؤية داخلية”. فالجمال ليس شيئًا نراه فقط، بل شيء نُحسّ به، ونتفاعل معه على مستوى أعمق.

ما زال التذوق الحسي قابل لطرح التساؤلات ، هل التذوق الحسي فطري أم مكتسب؟

هو سؤال فلسفي قديم و اختلف فيه الفلاسفة والنقاد: هل نحن نولد بحسّ جمالي فطري، أم أننا نتعلم التذوق؟ في الواقع، ربما يكون كلاهما الأمرين صحيحان . فثمة إحساس فطري يجعلنا ننجذب للجمال منذ الطفولة و طفل صغير يتأمل فراشة ملونة أو يُصغي بانبهار لصوت الناي – لكن هذا الحسّ يظل خامًا حتى تصقله التجربة، والثقافة، والمشاهدة.
من يقرأ الادب و الشعر كثيرًا، تتشكل لديه ذائقة لغوية مرهفة، ومن يزور المتاحف ويتأمل الأعمال الفنية، تتسع رؤيته للجمال، ويبدأ في تذوق ما لم يكن يراه من قبل. وهكذا، و يصبح التذوق الحسي مهارة تُنمّى، لا موهبة فطرية فقط.
أما إذا تواجد التذوق يصيح الجمال قيمة شعورية كيف ؟ الجمال ليس دائماً ما هو “متناسق” أو “مألوف”. أحياناً يكون الجمال في الغرابة، في كسر الروتين في المفارقة. أو قطعة فنية قد تكون مربكة بصرياً، لكنها توقظ فينا مشاعر غير متوقعة. وهنا يأتي دور الذوق الحسي في استقبال الفن بروح متفتحة، لا تكتفي بما تعرفه مسبقاً، بل تجرّب وتغامر وتُنصت إلى الجديد.التذوق الحسي لا يبحث عن “الإعجاب السريع”، بل عن الأثر البعيد. عن ذاك الشعور الذي يصيبك حين ترى شيئًا لا تعرف لماذا أحببته، لكنك أحببته بقوة. عن المشهد الذي يظل عالقًا فيك بعد زمن طويل.

من المفترض أن يكون التذوق الحسي هو تربية للنفس و ليس ترفاً ثقافيًا، بل ضرورة إنسانية. تهذيب للمشاعر، وتوسيع لأفق الحياة. فالحياة، رغم صعوبتها، تصبح أكثر احتمالاً حين نراها بعيون تعرف كيف تلتقط الجمال حتى في التفاصيل الصغيرة. اقرأ لوحة. استمع إلى مقطوعة. امشِ في معرض، أو شاهد فيلماً فنياً، لا لتُعجب به فقط، بل لتتركه يتسلل إليك، ويُعيد ترتيبك من الداخل. لأن التذوق الحسي في جوهره، ليس فقط ما نُحب… بل ما يجعلنا أكثر إنسانية، وأكثر اتصالاً بالمعنى الأعمق لما نراه ونعيشه .

فلسفة الذوق ” حينَما يتشكّل الإنسان بالجمال “

نوره بابعير

فلسفة الذوق ” حينَما يتشكّل الإنسان بالجمال ”

للذوق فلسفة عميقة مما نعتقد لأنها تنتج من خلال أفكارنا الواعية ثم تتشكل بين الاخلاقيات و التهذيب الذاتي اتجاه الذوق الفردي و الذوق العام بين البيئة والإنسان . لذلك ، قد نظن أنّ الذوق” هو أمر بسيط أو ثانوي، لا يتجاوز اختيار اللباس أو تفضيل نوع معين من الطعام أو الموسيقى. لكن حين نتأمل نتعمق لهذا المفهوم، نكتشف أنه يتجاوز كل ما هو سطحي، ليغدو تعبيرًا جوهريًا عن ذات الإنسان، بل وسيلة لفهم العالم والوجود.

الذوق هو أنعكاس مرآة للذات .

الذوق ليس مسألة شكلية يهتم الإنسان من خلال المظهر فقط ، بل هو جوهر يتشكل داخل النفس، ويتجلّى خارجها في السلوك والتفضيلات والأسلوب العام في الحياة. عندما نقول عن شخص ما إنه “ذو ذوق رفيع” فإننا لا نصف فقط أناقته أو اختياراته الفنية، بل نشير ضمنيًا إلى رقيه الأخلاقي ووعيه الثقافي وهذا الترابط العميق بين الذوق والأخلاق ليس جديدًا، بل هو جزء من الإرث الفلسفي والإنساني الذي تعامل مع الجمال بوصفه قيمة مرتبطة بالحق والخير، ودائماً الفلسفة تأخذ من التفكير حقها في مفهوم المعنى ومدى بقائها في حياة الإنسان وتأثيرها عليه لذلك كلما تأمل الإنسان نحو الذوق يجد هناك طرقات مترابطة بين المعنى و التأثير الناتج عليه اتجاه حياته .

فطرة الذوق ومساحة التكوين..

قد يولد الإنسان بميل فطري إلى الجمال والتناغم، لكن الذوق يُصقل بالتربية، ويتشكل بالتجربة، ويُهذّب بالقراءة والفن والتفاعل مع محيط راقٍ. فالشخص الذي ينشأ في بيئة تقدّر الجمال، وتعلّم احترام الآخر، وتغذي الحس الفني لديه، يكون أكثر قدرة على تطوير ذوقه وتوسيعه. فإن الذوق ليس ثابتًا بل قابل للنمو، مثل أي بعد من أبعاد الوعي الإنساني ، لان نمو الذوق قد يعتمد على وعي العقل في مفهومه وقد يكتسب من خلال البيئة التي يعيش بها . فيحتاج الإنسان إلى انتباه عميق ليحرك الرغبة الناضجة في بناء الذوق المتلائم مع قيم ذاته وقدرات وعيه .

الذوق في الفلسفة: ما وراء التفضيلات ..

غالباً مفهوم الذوق من زوايا متعددة. يساهم في تغيير الفكر والتفكر اتجاه المعنى للذوق فيصبح اختلاف الاّراء يعود إلى ذلك الانطباع الفكري والحسي للمعنى ، مثل إيمانويل كانط اعتبره أن الحكم الجمالي، الذي يُعد تعبيرًا عن الذوق، وبانه لا ينبع فقط من الشعور، بل من عملية عقلية تأملية. وقد رأى أيضاً أن الذوق يحمل طابعًا “كونيًا” بمعنى أنه يتجاوز الأذواق الفردية نحو إحساس مشترك بالجمال.

أما ديفيد هيوم شدد على أن الذوق يمكن تهذيبه وتطويره، لكنه أقر بانه هو بوجود تباين بين الأفراد. وعلى الرغم من أن الناس يختلفون في تفضيلاتهم، إلا أن هناك مبادئ عامة للجمال يمكن الاتفاق عليها، مثل التناسق، التوازن، والبساطة.

ينمو الذوق في جذور الاخلاق وسلوك ..

إذا تاملنا في تصرفات الناس بتفاصيل دقيقة نجد أن الذوق لا يظهر فقط في الملابس أو ترتيب المنزل، بل في أبسط تفاصيل الحياة: في طريقة السلام، في اختيار الكلمات، في نبرة الصوت، في احترام خصوصية الآخرين في أبدا الاراء والعديد من الأفعال التي لها صلة بإبراز الذوق اتجاه شخصها و إن الذوق الحقيقي هو ذلك الذي يتجلى في التعاملات اليومية، ويعكس احترام الإنسان لذاته أولًا، ثم لمن حوله وهذا الأمر جداً دقيق قد يتنبا له الإنسان المهتم في اختلاق ذات انيقة المظهر الداخلي قبل الخارج يدرك القيمة الناضجة من هذا الميول أو المكتسب من حوله . الشخص الراقي في ذوقه لا يجرح بكلمة، ولا يرفع صوته في وجه الآخرين، لا يتعدى على خصوصية الآخرين، يدرك التأدب مع ذاته قبل الآخرين ، لأنه يرى في كل فعل انعكاسًا لجوهره الداخلي. إنه يُراعي مشاعر الناس دون تكلّف، ويمارس الاحترام كعادة فطرية، لا كقناع اجتماعي الشخص الواعي دائما يحرص أن يمثّل ذائقته بالطريقة الملائمة مع وعيه .

للذوق تأثير في تكوين الهوية ..

يتشكل الذوق عبر التفاعل مع الثقافة، والاطلاع، والتجربة، ثم يساهم في تكوين الهوية الشخصية والذهنية. فالذوق لا يختصر في “ما نحب” بل يشير إلى لماذا نحب ما نحب؟وما القيمة التي تمنحها أذواقنا لذواتنا. اعتقد أن التساؤلات الذاتيّة لها دور في حراك الدوافع و الفهم اتجاه أذواقنا الفكرية و الحسية و الفعلية، تلك العادات والانطباعات الصادرة هي تمثل داخلنا في أطار هويتنا الثقافية و البيئيّة و المكتسبه من تجارب الحياة اليومية .
و المجتمعات التي ترتقي بذوق أفرادها، تكون أكثر تحضرًا، لأنها تنتج أفرادًا يقدّرون الجمال،ويحترمون النظام ويتواصلون برقي. بينما غياب الذوق، أو تسطيحه، يؤدي إلى الفوضى البصرية، والسلوكية، وحتى الفكرية تجرد الإنسان من أخلاقياته وسلوكياته المفترض أن تتواجد به كانسان ملم بانسانيته

الذوق في أنصاف الـزمن و التّيه من نافذة التقليد

حالياً في وسائل التواصل الاجتماعي تُفرض علينا يوميًا آلاف الصور والمقاطع والمؤثرين، أصبح الذوق مهددًا بالسطحية والنسخ و لم يعد كثير من الناس يختارون بناءً على ذائقتهم الحقيقية، بل بناءً على ما يفرضه “ الوقت ”. وهذا يشكّل خطرًا على الهوية الفردية، إذ يُفقد الإنسان خصوصيته، ويجعله تابعًا لأذواق الآخرين دون وعي ، لكن لا ننسى أن ما زال هناك من يحرص على تشكيل ذوقه الخاص، بقراءة الأدب، والتأمل في الفن، وملاحظة الجمال في تفاصيل الحياة اليومية، لا في مظاهرها الصاخبة. وهؤلاء هم من يُعوّل عليهم لإعادة الاعتبار للذوق كقيمة إنسانية وثقافية.

الذوق كفعل فلسفي وحضاري وانساني.

الذوق ليس رفاهية، ولا مختصّ بجودة قيمة للنخبة، بل هو فعل يومي يعكس درجة وعي الإنسان بنفسه وبالآخرين. حين نرتقي في ذوقنا، فإننا نرتقي في إنسانيتنا. نغدو أكثر رهافة في الشعور، وأكثر اتزانًا في ردود الأفعال، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يليق وما لا يليق تصبح القابلية في الأشياء و رفضها تفتح أفاقنا الأخرى من الأذواق المختبأة في مسار حياتنا ، حتى الانسجام الذي قد يفرض بقائهُ علينا يعيدنا إلى المبدأ الذوقي القائم عليه ، مجرد الفهم في مراحل الذات وانغماسها في الذوق هنا كل إنسان بفطرته يقدر يشكل فلسفته الخاصة اتجاه مفاهيمه للذوق وانسجامه معها في اداء حياته .

الأهم من ذلك أن نفهم بأن الذوق هو فلسفة شخصية، واختيار وجودي، يعكس كيف نرى أنفسنا، وكيف نريد أن نُرى وأن نترك الاثر من ذلك العبور لكل ما يصدر منا .

فن الجمال في حياة الإنسان

نوره بابعير

” الجمال أسلوب حياة يعزز من جودة الإنسان وعلاقاته ومشاعره”

في عمق ضجيج الحياة وتسارع وتيرتها، يظل الجمال ركيزة أساسية تهب الإنسان لحظات من السكينة والتأمل. و”فن الجمال” ليس رفاهية كما يظنه البعض، بل هو حاجة نفسية و روحية تعزز التوازن الداخلي، وتمنح للحياة معناها الإنساني العميق.

منذ أزمنة بعيدة، يسعى الإنسان إلى تجميل محيطه، سواء من خلال الفن أو العمارة أو الملبس و الزينة وقد اعتبر الفلاسفة الجمال هو من أحدى فروع الفلسفة، لما له من أثر عميق في تشكيل الذائقة والسلوك والخلق و التهذيب فليس غريبًا أن نجد الجمال متجذرًا في تفاصيل الحياة اليومية؛ من ترتيب المنزل، إلى تنسيق الألوان، بل وحتى في الكلمة والتصرف والإبداع والإنجاز.

الجمال لا يُقاس بالمظهر وحده، بل هو أوسع من ذلك بكثير فهو يكمن في الأخلاق، في التعامل الراقي، في الكلمة الطيبة، وفي البساطة التي تعكس رقيًّا داخليًا. وكلما ازداد وعي الإنسان بقيمة الجمال في سلوكياته، ارتقت علاقاته بالآخرين، وازدادت جودة حياته الشخصية والاجتماعية والإبداعية .

و أن تذوّق الجمال سواء عبر الفن أو الموسيقى أو الطبيعة له تأثير إيجابي في تقليل مستويات التوتر، وتعزيز الشعور بالسعادة والرضا والانتماء و هذا ما يسعى إليه الإنسان لدمج مفاهيم الجمال في أنظمة التعليم، والهندسة المعمارية، وتصميم الأشياء العامة ، ليفهم الإنسان قيمة هذه المفاهيم و الأنظمة اتجاه جودة الحياة .

فن الجمال ليس رفاهية كما يُظن، بل هو أسلوب حياة ينعكس على طريقة تفكير الإنسان، ونظرته للكون، وتفاعله مع الآخرين. وعندما نبني في النفس عادة حب الجمال، نزرع فيها قيم الذوق، والإبداع، والتقدير، والسلام الداخلي.

و يظل الجمال رسالة صامتة من الحياة هادئة ، تقول لنا إن في التفاصيل قد نجد دهشة تستحق التأمل، وأن في كل لحظة فرصة لاكتشاف معنى أعمق للوجود .