الأدب قوة أخلاقية خفية

نوره بابعير

ربما يتساءل البعض: كيف يمكن لنص مكتوب أن يُهذّب السلوك أو يُقوّم الأخلاق؟ الجواب لا يكمن في المباشرة، بل في الأثر البطيء العميق، و الذي يتركه الأدب في القارئ. عندما نقرأ “الكتب ” نحن لا نحفظ قوانين العدالة، لكننا نحيا مع الصراع الداخلي ، ونفهم جميع السلوكيات حينها و كيف يمكن لرحمةٍ واحدة أن تغيّر مصير إنسان. الأدب لا يعظ، بل يعايش. لا يفرض القيم، بل يُجسّدها في الحكاية.

الأخلاق في الأدب لا تنبع من الخطابة، بل من الإحساس؛ من تلك اللحظة التي يقرا فيها القارئ وتربك أفكاره دون أن يعرف السبب تمامًا لكنها حركة في ساكن العقل شيئًا من وعيها ، أو حين يشعر بخجلٍ داخلي لموقفٍ قرأه في سطرٍ عابر. هذا الخجل، هذا التأثر، هو بداية التحول الأخلاقي الحقيقي؛ لأنه ينبع من الداخل، لا من الخوف أو العقوبة. يشعر القارئ بحاجة إلى تغيير سلوك معين اتجاه ما يقرأ.

لان الأدب يتحول أداة للوعي الذاتي و الوعي ليس مجرد إدراك لما يدور حولنا، بل هو بالأساس إدراك لأنفسنا في هذا العالم، لفعلنا، لوجودنا، لما نفكر فيه ولماذا. في هذا السياق، يأتي الأدب كمنبه حاد بارز لهذا الوعي. حين نقرأ رواية فلسفية، أو نصًا شعريًا عميقًا، فإننا لا نكتفي بتلقي المعنى، بل ننخرط في إعادة إنتاجه داخليًا. نطرح الأسئلة: ماذا كنت سأفعل لو كنت مكان هذا البطل؟ لماذا شعرت بهذا الألم عند قراءتي للمشهد؟ هل أنا بريء تمامًا من الأنانية التي أدانها الكاتب ؟ لماذا نقرأ الفلسفة ؟هل نحن نحتاج إلى المزيد من الوعي و النضج ؟ لماذا نقرأ الادب هلّ أخلاقنا تقف على نبتة القراءة ومع الوقت تصل إلى حد الإشباع الذاتي ؟

يمكن في الأدب، تتكسر مرايا التبرير، ويُجبر الإنسان على مواجهة ذاته، وجهًا لوجه. الروايات الكبرى لا تريح القارئ، بل تقلقه، لأن القلق هو عمق الوعي، ومن دونه نعيش على هامش الوجود، في أمان قراءة مزيفة .

الأدب يوسع المدارك الإنسانية في كل قراءة لأدب مختلف، نحن لا نقرأ شخصيات فقط، بل نطل على عوالم جديدة، نعيش حياة أخرى دون أن نغادر مقعدنا. نقرأ تولستوي فنفهم روسيا القديمة، نقرأ نجيب محفوظ فنشعر باجواء الحارات المصرية، نقرأ دوستويفسكي فنغرق في دهاليز النفس البشرية. هذا التعدد لا يجعلنا أكثر ثقافة فحسب، بل أكثر تسامحًا، أكثر فهمًا للاختلاف، أقل يقينًا، وأكثر إنصاتًا.

الأدب يوسع المدارك لأنّه يعلّمنا أن الحقيقة ليست واحدة، وأن الخير والشر ليسا أبيض وأسود، بل طيفٌ من المعاني والدوافع والتعقيدات. وهذه الرؤية المتعددة تخلق إنسانًا أكثر تعاطفًا، أقل تطرفًا، أعمق إنسانية.

قراءة الأدب تربية داخلية مستمرة ،إذا كانت التربية الأخلاقية التقليدية تبدأ من التوجيه الخارجي، فإن الأدب يشتغل على الضمير الفردي. إنه لا يلقّن، بل يوقظ. لا يفرض القيم، بل يجعل القارئ يكتشفها بنفسه، في تجربة داخلية، تتكرر كلما فتح صفحة جديدة زادت رغبته فيَ إكمالها.

يظل الأدب هو البئر العميق الذي نلجأ إليه لا لنشرب فقط، بل لنرى انعكاس أرواحنا في مائها الساكن. ومن يقرأ بصدق، لا يخرج كما دخل. لأن الأدب، في النهاية، لا يُقرأ، بل يُعاش .

الفلسفة فن يُمنح للأشياء معناها الحقيقي

نوره بابعير

تمر بنا الأشياء كما تمر الريح وتنثر الأشياء معها و لا نتوقف عندها، لا نسألها ولا تسألنا بل نستمر ، نأكل، نلبس، نُحب، نعمل، نحزن ونفرح، دون أن نتساءل: لماذا؟ كيف؟ وما المعنى؟ أما حين تتدخل الفلسفة، لا كعلمٍ للنخبة، بل كفن إنسانيّ عميق يُعيد إلينا قيمة الأشياء التي نسينا أن ننظر إليها بوعي. الفلسفة تفتح أعين القلب ، لا تُعطينا إجابات جاهزة، بل تفتح أعيننا على الأسئلة المنسية. لماذا نخاف ؟ لماذا نشعر بالأشياء في وسط الزحام؟ و ما معنى السعادة؟ و ما حدود الحرية الناضجة في الإنسان والعديد من تلك التساؤلات الواعية ؟

كل تلك المفاهيم، التي نمارسها دون تأمل، تُعيد الفلسفة صياغتها أمامنا، فتغدو الأشياء التي بدت عادية، محمّلة بالمعنى، ومفعمة بالدهشة. تصبح الفكرة طعامًا للروح، ويصبح التفكير حاجة لا تقل عن التنفس.

قيمة المعنى في عالم تحكمه السرعة، و السطحيات، وصناعة الصورة، تبرز الفلسفة كفعل مقاومة. تُعيد الاعتبار للباطن، للمغزى، لما هو خلف القشرة. الفلسفة لا ترفض المادة الناتجة عنها ، لكنها تسأل: ما وراءها؟

كوب شاي ، لحظة الصمت، كتاب عتيق، شروق أو غروب الشمس، كلها أشياء يومية، لكن الفلسفة تُعلّمنا أن ننظر إليها كمرآة للوجود. أن نتعمق في خطواتنا، لنفهم أن الأشياء الصغيرة قد تحمل أجوبة الأسئلة الكبرى.

الفلسفة تمنح الإنسان مرآة لذاته ، ما أثمن شيء في حياة الإنسان؟ هو ذاته. لكن الذات لا تُكتشف من الخارج، بل من الداخل. و تأتي الفلسفة، لا لتقول لنا من نكون، بل لتدفعنا اكتشاف ذلك بأنفسنا مجرد ما نفهم غاية الفلسفة في إحياءها لقيمة الأشياء تفتح لنا آفاق واسعة .

لذلك حين يتأمل الإنسان معنى وجوده، وحدود حريته، وغايته من الحياة، لا يعود مثل السابق ، بل يصبح عميق أكثر وعياً ، وهذا الوعي هو ما يجعل كل لحظة أكثر امتلاء، وكل علاقة أكثر صدقًا، وكل قرار أكثر مسؤولية. الفلسفة تُهذّب الرغبات وتُضيء وتقوي حواسنا اتجاه بعض الأشياء ، الفلسفة لا تقتل الشعور، بل تُهذّبه. تجعلنا نُحب بعمق، لا بتعلق. نرغب دون أن نستعبد. نفرح دون أن نُفرّط. نحزن دون أن ننهار. لأنها تُنير لنا طبيعة الإنسان، وتكشف كيف يكون التوازن فنًّا نابعًا من الفهم.

حين نفهم لماذا نرغب، ولماذا نغضب، ولماذا نُخطئ، نصبح أكثر تصالحًا مع ذواتنا. وحين نصبح كذلك، تصبح الحياة نفسها أكثر رحابة.

” الفلسفة لا تعزلنا عن الحياة.. بل تُعيدنا إليها أجمل مما كنا”

الفلسفة هي أدب وأسلوب الحياة، وضمير العقل، ولغة القلب حين يُريد أن يُفكّر. تعلّمنا أن لا شيء عابر. أن وراء كل تفصيل صغير حكمة، وأن الحياة، رغم صخبها، تستحق أن تُعاش بعينٍ متأملة، وعقل واعي متسائل، وقلب لا يكتفي عن البحث عن المعنى.

الأشياء تُقاس بثمنها، لذلك تُعيدنا الفلسفة إلى قيَمها. فتُعلّمنا أن القيمة لا تُشترى، بل تُدرك. وأن أجمل ما في الأشياء… هو ما لا يُرى بالعين، بل يُبصر بالعقل.

المهارات ثروة الإنسان التي لا تُرى

نوره بابعير

لم تعد الشهادات وحدها تكفي، ولم يعد الحفظ معيارًا للفهم، ولا الالتزام الآلي دليلًا على الكفاءة. ما تصنع الفرق اليوم، وتمنح الإنسان قيمة في عوالم العمل، والفكر، والإبداع، هي المهارات. هذه الطاقة الصامتة التي لا تُرى، لكنها تصنع أثرًا بالغًا في الحياة.

المهارة ليست مجرد “إتقان” لشيءٍ ما، بل هي نتيجة تفاعل طويل بين الفهم والتجربة، بين النظرية والممارسة، بين الرغبة الداخلية والتحديات الواقعية. إنها ما يبقى حين تختفي الوصفة الجاهزة، وحين يُترك الإنسان أمام الموقف الحقيقي، ليبتكر، ليحلّل، ليقرر.

من المعرفة إلى المهارة

الفرق بين من يعرف ومن يُتقن، يشبه الفرق بين من يقرأ عن السباحة، ومن ينجو من الغرق. المعرفة تفتح الباب، لكن المهارة تعلّمك كيف تمر عبره. وفي عالم تتقاطع فيه التقنيات، واللغات، والوظائف، تصبح المهارات هي اللغة العالمية الجديدة، التي يفهمها الجميع.

التعليم التقليدي، في كثير من الأحيان، يركّز على التلقين، على أن يعرف الطالب المعلومة، لا أن يتعامل معها. وهنا يأتي التحدي الحقيقي: كيف نحوّل المعلومة إلى قدرة؟ كيف نعلّم أبناءنا لا فقط ماذا يقولون، بل كيف يفكرون؟ كيف يبحثون؟ كيف يتخذون القرار؟

أنواع المهارات: خارطة العقل والعمل

المهارات تتنوّع مثلما تتنوع العقول. هناك المهارات الصلبة ، مثل البرمجة، التصميم، التحليل الإحصائي، الترجمة، وإدارة المشاريع. وهي مهارات يمكن قياسها، وتعلّمها غالبًا من خلال الدورات والممارسة المباشرة.

لكن الأعقد، والأكثر تأثيرًا، هي المهارات الناعمة مثل مهارات التواصل، الذكاء العاطفي، القدرة على العمل الجماعي، إدارة الوقت، حلّ المشكلات، التفكير النقدي، والمرونة النفسية. هذه المهارات لا تُعلّم في الكتب، بل تُكتسب عبر المواقف، وتُبنى مع التجربة، وتتأصل مع النضج.

المهارات ليست حكرًا على أحد

لا توجد مهارة تُولد معنا بالضرورة. كل مهارة يمكن تعلّمها، وتطويرها. الفرق بين من يمتلكها ومن يفتقدها هو الرغبة، والصبر، والممارسة. من يتقن الاستماع مثل من يتقن الحديث. ومن يعرف كيف يكتب، تعلّم ذلك عبر التجربة الطويلة، لا من موهبة نادرة.

وهنا تكمن العدالة في عالم المهارات: إنها متاحة للجميع. لا تتطلب رأس مال، ولا واسطة، ولا وراثة. تتطلب فقط إنسانًا يرى أن في داخله ما يستحق أن يُصقل ويكبر.

المهارة تبني الإنسان، وتبني الوطن

في المجتمعات التي تستثمر في المهارات، تُبنى حضارات معرفية، واقتصادات قوية، وأفراد واثقون بأنفسهم. حين يتقن الطبيب مهارات التواصل، يصبح أكثر إنسانية. حين يتقن المعلم مهارات التحفيز، يصبح صانعًا للأمل. حين يتقن الموظف مهارات التفاوض، يسهم في نجاح مؤسسته. في كل مجال، تظهر المهارة كما يظهر الضوء في الغرفة: لا يُرى، لكنه يغيّر كل شيء.

أصبحت المهارات محورًا أساسيًا في برامج التنمية، والتعليم، والتوظيف. فالعالم لم يعد يسأل: ماذا درست؟ بل يسأل: ماذا تستطيع أن تفعل؟ وما المهارات التي تمتلكها لتصنع أثرًا حقيقيًا؟

كيف نزرع المهارة في الأجيال القادمة؟

إن من واجبنا كمجتمع، وكأفراد، أن نغيّر نظرتنا نحو التعليم والعمل. أن نغرس في الأبناء مهارة السؤال قبل الإجابة، ومهارة التعلّم الذاتي، ومهارة التعاطف مع الآخر، ومهارة الوقوف بعد الفشل.

أن نعيد للورش قيمتها، وللخطأ مكانه في التعلّم، وللإبداع حرّيته. أن نحتفي بمن يصنع بيده، وبمن يبرمج بعقله، وبمن يبني علاقة صادقة مع فريقه.

في كل إنسان، هناك خامة لم تُشكّل بعد. المهارة هي الأداة التي نحفر بها في دواخلنا، فنخرج أنفسنا من العشوائية إلى الدقّة، ومن التكرار إلى الإبداع، ومن الاعتماد إلى الاستقلال.

نحن لسنا بحاجة فقط إلى مهارات مهنية، بل إلى مهارات إنسانية. مهارات تجعلنا أكثر صدقًا، أكثر وعيًا، أكثر قدرة على التواصل والتفكير والمساهمة. المهارة ليست مجرد طريق إلى الوظيفة، بل إلى حياة أكثر غنى وعمقًا.

القراءة وتحوّلات الإنسان

نوره بابعير

في حياة الإنسان لحظات لا تصنعها الأحداث الكبرى، بل تصنعها جملة في كتاب، أو فكرة تقع على القلب . القراءة ليست هواية، وليست مجرد عادة ذهنية، إنها فعل داخلي عميق، يشبه التهذيب الروحي. الإنسان الذي يقرأ لا يبقى كما هو، لأنه يُعاد تشكيله سطرًا بعد سطر، وفكرة بعد فكرة.

القراءة ليست مجرد استقبال للمعلومة، بل هي دعوة إلى حوار داخلي، إلى مساءلة الذات والعالم. إنها لحظة يتوقّف فيها الزمن الخارجي، ليبدأ زمن آخر؛ زمن التأمل والتخيّل والانفعال. نقرأ لا لنكتسب معرفة فقط، بل لنعبر إلى أماكن لم نصلها، لنتحدث مع أرواح لم نلتقِ بها، ولنشعر بما لم يحدث لنا، لكننا نعيشه كأنه حقيقي.

في أولى مراحل وعيه، يكون الإنسان كتلة من الأسئلة، من الانفعالات الغامضة، من الإحساس المتكرر بالعجز عن الفهم. القراءة تأتي لتمنحه المفردات، لا لتشرح له العالم فقط، بل ليعيد بناءه من الداخل. الطفل الذي يكتشف الحكايات لا يعود كما كان. العاشق الذي يقرأ الشعر يرى لذة الشعر بعينٍ أخرى. الحائر الذي يقرأ الفلسفة لا تهدأ حيرته، لكنها تتحوّل من فوضى إلى سؤال ناضج.

وحدها القراءة تزرع فينا القدرة على النظر إلى الحياة بأكثر من زاوية. إنها لا تغيّر الواقع، لكنها تغيّر من يرى الواقع. تقوّم العقل، وتلين القلب، وتفتح النوافذ في جدران الذات. إنها تُهذّب، لا بالقوة، بل بالتماس العميق بيننا وبين تجارب الآخرين، أفكارهم، رؤاهم، وهزائمهم أيضًا.

نقرأ لنعرف، لكننا نقرأ أكثر لنشعر. في الرواية، نعيش حيوات لا نملكها. في الشعر، نستعير لسانًا أبلغ مما نملك للتعبير عمّا لا نستطيع قوله. في كتب السيرة، نختبر قدرة الإنسان على السقوط والقيام. في الفلسفة، نطرح الأسئلة التي لا يجرؤ الكثيرون على مواجهتها. في كل قراءة، هناك باب يُفتح في داخلنا، وغالبًا لا يُغلق أبدًا.

قد يقال إن الكتب لا تغيّر العالم، لكن من ينكر أنها تغيّر الإنسان؟ والإنسان هو من يصنع العالم. من قرأ عن العدالة، لا يمكنه أن يحتمل الظلم بسهولة. من غاص في عوالم الفكر لا يمكنه أن يقبل الجهل كما هو. من قرأ عن الشجاعة، عن المعنى، عن الألم، عن الحب، لا يمكنه أن يعود فارغًا كما كان. إننا، بغير قراءة، نظلُّ في سطح ذواتنا، نعيش في حدود التجربة المباشرة. أما القراءة، فهي توسّع تلك الحدود، تجعل الداخل أعمق، والخارج أكثر وضوحًا.

ليست القراءة مجرد معرفة تُكتسب، بل هي وعي يُعاد بناؤه. إن الإنسان حين يقرأ، لا يبحث فقط عن إجابات، بل يصير أكثر وعيًا بأسئلته، وأكثر شجاعة في مواجهة تعقيده الداخلي. يصبح أكثر قدرة على الإصغاء، وعلى الشك، وعلى الإيمان أيضًا – لا الإيمان الأعمى، بل ذلك الذي يأتي بعد أن نعرف كم أن الحقيقة أوسع من أي إطار جاهز.

ومن أجمل ما في القراءة، أنها فعل حر. لا يُفرض ولا يُشترى. هي ذلك الوقت الذي نهبه لأنفسنا، لا لنستعرض معلومات، بل لنتنفس ببطء في زمن يركض. في ظل عالم يتكدس فيه الضجيج، تأتي الكتب كصوت خافت لكنه عميق. صوت لا يصرخ، لكنه يبقى. في زحام الأيام، نقرأ لنستعيد توازننا، لنفهم ما لم يُفهم، ولنتذكّر من نكون.

القراءة لا تغيّرنا دفعة واحدة. إنها أشبه بالماء الذي ينحت الصخر قطرة بعد قطرة. نقرأ اليوم، ونظن أن شيئًا لم يتغير، لكن بعد شهور، وربما سنوات، نجد أننا لم نعد أولئك الذين كنا من قبل ، صرنا أكثر إنصاتًا، أقل حكمًا، أكثر امتلاءً، وربما، أكثر حزنًا، لكن ذلك الحزن الجميل الذي لا يُهين، بل يعلّم.

ربما لا نحتاج أن نقرأ لنكون مثقفين، بل لنكون إنسانيين أكثر. لأن القراءة، في أعمق تجلياتها، ليست تكديسًا للمعرفة، بل رفقة هادئة تذكّرنا بأننا لسنا وحدنا في هذا الطريق المعقّد،وأن بين السطور أناسًا يشبهوننا أو يختلفون عنا، لكنهم يمنحوننا فرصة أن نكون أكثر فهمًا، وأكثر حياة

أدب الأنا وإرنستو ساباتو

أدب الأنا

بناء على استرداد الفرد، وتجربته المُحددة التي لا تقبل التحول، كان من المنطقي أن يلجأ ممثلو التمرد المعاصر إلى الأدب للتعبير عن أنفسهم؛ لأن هذا الواقع المعاش يُمكن أن يظهر في الرواية والدراما فحسب؛ لكن الأمر هنا لا يرتبط بذلك الأدب الذي يتسلى بوصف المشهد الخارجي أو العادات البرجوازية، وإنما بأدب الأمور الفريدة والشخصية.

يجزم فلاديمير فيدلي، في بحثه البارز «مقال عن المصير الحالي للآداب والفنون» بأننا نشهد أفول الرواية والدراما؛ لأن فنان اليوم «يعجز عن تسليم نفسه تماماً إلى الخيال الإبداعي»، بسبب هوسه بأناه الذاتية. لا يَقدر كُتَّاب القرن العشرين على تخطي هذه الأنا؛ لأن مصائبهم واضطراباتهم الشخصية تُنومهم مغناطيسيّاً، فيتحاورون إلى الأبد مع ذواتهم داخل عالم الأشباح، على عكس روائيين عظماء من القرن التاسع عشر؛ على عكس كتاب كانوا يخلقون عالماً ويُظهرون كائناتُه الحيّة من الخارج مثل بلزاك؛ أو على عكس روائيين مثل تولستوي، الذين طالما أعطوا انطباعاً بأنهم الرب نفسه.

يؤكد نقاد كثيرون أن القرن التاسع عشر هو القرن العظيم لفن الرواية. من ناحيتي، أنا مستعد لقبول أن القرن التاسع عشر هو القرن العظيم لفن روايةِ.. القرنِ التاسع عشر.

تُمثل كلمة رواية اليوم شيئاً مختلفاً جدّاً عما مثلته في القرن الماضي. لا يرتبط الأمر بأن الكاتب يعجز عن تخطي أناه الشخصية كي يقدم وصفاً موضوعيّاً للواقع، وإنما بأنه لم يعد يهتم بالأمر أصلاً، أو أنه على الأقل لم يكن يهتم به حتى وقت قريب جدّاً إلى أن بدأت تنبثق توليفة جديدة بين الذاتية والموضوعية وهي سلف التوليفة الروحانية الشاسعة، التي سنشهدها كأحد أشكال تخطي الأزمة المعاصرة (لو سمحت القوى المادية الرهيبة التي تدير اللعبة لنا بهذا الأمر بطبيعة الحال).

يُخبرنا البطل في رسائل من تحت الأرض(): «ما الذي قد يتحدث عنه رجل شريف بأقصى درجات المتعة؟ الإجابة: عن نفسه. إذاً، سأتحدث عن نفسي»، وفي كل أعمال دوستويفسكي سيتحدث عن نفسه، سواء تنكر في صورة سافروجين أم إيفان أم ديميتري كارامازوف أم راسكولنيكوف، أو حتى جنرالة أو حاكمة.

يظهر هذا الانتقال نحو الذات في كل الأدب المعاصر العظيم، فأعمال مارسيل بروست عبارة عن ممارسة شاسعة للذاتية. فيرجينيا وولف، وفرانتس كافكا، وجويس، بحواراتهم الداخلية، أو حتى ويليام فوكنر.. إن كل هؤلاء لديهم ميل إلى إظهار الواقع بداية من الذات. تقول إحدى شخصيات جوليان غرين: «إن كتابة الرواية في حد ذاتها رواية، مؤلفها هو البطل. يحكي قصته الشخصية، وإذا جسد بنفسه مهزلة الموضوعية، فهو إما مبتدئ، وإما أحمق، لأننا لا ننجح أبداً في الخروج من ذواتنا».

يبدو هذا الخلاف مع العالم الخارجي ملحوظاً في أعمال دوستويفسكي، التي تُعد من أوجه كثيرة بوابة إلى الأدب الحالي، فنحن لا نعرف أبداً إذا ما كانت شخصياته المنغمسة في ذواتها تحيا داخل قصر جميل أم مكان حقير. يُخبرنا في مرات قليلة إذا ما كانت تمطر أو إذا ما كان الجو مشمساً؛ أو أننا نعرف الأمر بمشقة عبر جملة أو اثنتين، أو لأن هذه الأمطار أو هذه الشمس تشكل -ويا للطريقة التي تُشكل بها!- جزءاً من الهم أو المشاعر التي تغرق فيها الشخصية في تلك اللحظة، فيصبح المشهد الخارجي حالة روحانية.

طالما كانت مهمة تصنيف الإنتاج الأدبي في صورة أنواع مسعى مآله إلى الفشل. فيما يتعلق بالرواية، عانت من كل الانتهاكات أو، كما قال فاليري مشمئزّاً: «كل الانحرافات تخصها»()، أو شيء من هذا القبيل. صار عصرنا تبجيلاً جديداً للأنا. ثمة رواية لفوكنر اسمها «بينما أرقد محتضرة». ثمة واحدة أخرى اسمها «الصخب والعنف»؛ لأنه لم يعد ضروريّاً ولا حتى ملائماً أن يُحكى العالم بوساطة راوٍ عليم وقادر كليّاً. ربما الرواية، كما يقول شكسبير عن الحياة:

قصة

يحكيها أحمق

ملآن بالصخب والعنف.

التذوق الحسي للفن والجمال: حين تتكلم العين وتُصغي الروح

نوره بابعير

غالباً التفكير يعيد للأشياء هيبة أعماقها يبيّن الخفايا المبطنة في المعنى نفسها فيبقى الإنسان عالقاً في صحبة التفكير ، فيجد نفسه بين تفكير ناقد يحلّل للأشياء وجودها به ويترك الأخريات تأخذ أنصافها من غيرها . لذلك حينما تتكاثر الأفكار حول المواضيع تبقى رهينة البقاء حتى تجد جدواها من البحث عن المعنى وتبقى المفاهيم اساس يقود للعقل طريق فكرهُ .
لذلك غالباً ما يلامس العقل أفكاره بأشياء تلحُ عليه الاطلاع نحوها والأخذ بالانطباع من خلفها ، وهذا ما يجعلني دائماً أكتب عن الفن والجماليات و الحس مما ادرك الاثر الذي تستطيع أن تغير مجرى الانسان الذاتي إلى حس ذوقي يترك من بعده التهذيب الاخلاقي .
تهميش الفن عند البعض ليس إهمالاً منهم بقدر الجهل والتوسع للمفهوم الذي يحمله الفن للمعنى الحقيقية في حياة الإنسان . الفن في المعرفة و الثقافة والأتساع الفلسفي هو ليس مجرد مادة تُعرض ، ولا الجمال هو مشهداً يشاهد ، بل أنهما تجربة داخلية تبدأ من الحواس ، لكنها واسعة لا يمكن أن تنتهي عندها ، أن يتذوق الإنسان الفن ، هو لا يستخدم بصره دون سمعه ولا يمكن له أن يستخدم سمعهُ دون بصره وما إلى ذلك ، بل هو يُجنّد كل ما في كيانه من المشاعر و الذكريات و الخيال وهذا يولد التذوق الحسي ، بصفة تبين للإنسان مفهومها أن ما وصّل إليه من هذا الفن هو أرقى الأشياء لتفاعلك الإنساني مع الجمال .
التعمق في التفكير يولد التساؤلات المفرطة و الذي لا يرضيها إلا الفهم ، حينَما تتساءل عن التذوق الحسي نبدأ في محاولات عديدة لتفسر التذوق الحسي سواءً من منظورك أو من منظور الآخرين تبحث عن المعنى الناتجة من خلق الكلمة ما هو التذوق الحسي ؟ قد يكون هو الاستجابة الشعورية العميقة التي تحدث في النفس و عندما تتعرض لمثير جمالي مثل لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو مبنى معماري، أو عادات بشرية تميز الأساليب بين شخص وأخر ، حتى لو كانت تقتصر على زهرة في طريق، أو مشهد طبيعي بسيط. هو ما يجعل العين تُضيء عند رؤية لون متناغم، يلامس القلب و يخفق لسماع نغمة موسيقية تتسلل دون استئذان و يخلق شعور الدهشة لأشياء غير معتاد عليها فتنفض ركودها وتستبدلوا بالتذوق الحسي العميق ليفسر كل ما شعر به الإنسان من تلك اللحظة وتميزت من زاوية شعوره .
ثم تعوّد للتفكير مرّة اخرى تنغمس في المفاهيم الواسعة لهذا الوصف تجد أنه شعور خفي لا يمكن لك أن تشرحه بالكلمات لكنهُ فعلاً يعاش بالكامل ، حينما يقف عند للوحات فنية أو الميول إلى مقطوعة موسيقيّة أو تأملات في الطبيعة ، هو يعلم تماماً ما الذي يعنيه من هذا الوقوف و الاكتساب الذي أضيف له من حراك الذوق الحسي حينها .
حينَما نرى أن الفن يتشكل على مدى حواسنا، نستطيع أن نضعه بوصف جسوراً للحواس تعبر الأشياء من وجهتهُ ، الفن يتشرب حواسنا لكنه لا يبقى على سطحيتها ، العين لا تكتفي برؤية الخطوط والألوان إذا تحدثنا عن الأعمال الفنية ، بل تترجمها إلى مشاعر ، والأذن لا تسمع فقط الالحان بل تلتقط المعاني من خلف الإيقاع، واليد حين تلامس خامة فنية لا تكتفي بإدراك الملمس بل تُحسّ بالحرفية التي صنعتها ، بالزمن الذي عبرها و احتفظ فيها في أعمال فنيّة و هنا، يتحول التذوق من مجرد “إدراك” إلى “إحساس”، ومن مجرد “نظر” إلى “رؤية داخلية”. فالجمال ليس شيئًا نراه فقط، بل شيء نُحسّ به، ونتفاعل معه على مستوى أعمق.

ما زال التذوق الحسي قابل لطرح التساؤلات ، هل التذوق الحسي فطري أم مكتسب؟

هو سؤال فلسفي قديم و اختلف فيه الفلاسفة والنقاد: هل نحن نولد بحسّ جمالي فطري، أم أننا نتعلم التذوق؟ في الواقع، ربما يكون كلاهما الأمرين صحيحان . فثمة إحساس فطري يجعلنا ننجذب للجمال منذ الطفولة و طفل صغير يتأمل فراشة ملونة أو يُصغي بانبهار لصوت الناي – لكن هذا الحسّ يظل خامًا حتى تصقله التجربة، والثقافة، والمشاهدة.
من يقرأ الادب و الشعر كثيرًا، تتشكل لديه ذائقة لغوية مرهفة، ومن يزور المتاحف ويتأمل الأعمال الفنية، تتسع رؤيته للجمال، ويبدأ في تذوق ما لم يكن يراه من قبل. وهكذا، و يصبح التذوق الحسي مهارة تُنمّى، لا موهبة فطرية فقط.
أما إذا تواجد التذوق يصيح الجمال قيمة شعورية كيف ؟ الجمال ليس دائماً ما هو “متناسق” أو “مألوف”. أحياناً يكون الجمال في الغرابة، في كسر الروتين في المفارقة. أو قطعة فنية قد تكون مربكة بصرياً، لكنها توقظ فينا مشاعر غير متوقعة. وهنا يأتي دور الذوق الحسي في استقبال الفن بروح متفتحة، لا تكتفي بما تعرفه مسبقاً، بل تجرّب وتغامر وتُنصت إلى الجديد.التذوق الحسي لا يبحث عن “الإعجاب السريع”، بل عن الأثر البعيد. عن ذاك الشعور الذي يصيبك حين ترى شيئًا لا تعرف لماذا أحببته، لكنك أحببته بقوة. عن المشهد الذي يظل عالقًا فيك بعد زمن طويل.

من المفترض أن يكون التذوق الحسي هو تربية للنفس و ليس ترفاً ثقافيًا، بل ضرورة إنسانية. تهذيب للمشاعر، وتوسيع لأفق الحياة. فالحياة، رغم صعوبتها، تصبح أكثر احتمالاً حين نراها بعيون تعرف كيف تلتقط الجمال حتى في التفاصيل الصغيرة. اقرأ لوحة. استمع إلى مقطوعة. امشِ في معرض، أو شاهد فيلماً فنياً، لا لتُعجب به فقط، بل لتتركه يتسلل إليك، ويُعيد ترتيبك من الداخل. لأن التذوق الحسي في جوهره، ليس فقط ما نُحب… بل ما يجعلنا أكثر إنسانية، وأكثر اتصالاً بالمعنى الأعمق لما نراه ونعيشه .

فلسفة الذوق ” حينَما يتشكّل الإنسان بالجمال “

نوره بابعير

فلسفة الذوق ” حينَما يتشكّل الإنسان بالجمال ”

للذوق فلسفة عميقة مما نعتقد لأنها تنتج من خلال أفكارنا الواعية ثم تتشكل بين الاخلاقيات و التهذيب الذاتي اتجاه الذوق الفردي و الذوق العام بين البيئة والإنسان . لذلك ، قد نظن أنّ الذوق” هو أمر بسيط أو ثانوي، لا يتجاوز اختيار اللباس أو تفضيل نوع معين من الطعام أو الموسيقى. لكن حين نتأمل نتعمق لهذا المفهوم، نكتشف أنه يتجاوز كل ما هو سطحي، ليغدو تعبيرًا جوهريًا عن ذات الإنسان، بل وسيلة لفهم العالم والوجود.

الذوق هو أنعكاس مرآة للذات .

الذوق ليس مسألة شكلية يهتم الإنسان من خلال المظهر فقط ، بل هو جوهر يتشكل داخل النفس، ويتجلّى خارجها في السلوك والتفضيلات والأسلوب العام في الحياة. عندما نقول عن شخص ما إنه “ذو ذوق رفيع” فإننا لا نصف فقط أناقته أو اختياراته الفنية، بل نشير ضمنيًا إلى رقيه الأخلاقي ووعيه الثقافي وهذا الترابط العميق بين الذوق والأخلاق ليس جديدًا، بل هو جزء من الإرث الفلسفي والإنساني الذي تعامل مع الجمال بوصفه قيمة مرتبطة بالحق والخير، ودائماً الفلسفة تأخذ من التفكير حقها في مفهوم المعنى ومدى بقائها في حياة الإنسان وتأثيرها عليه لذلك كلما تأمل الإنسان نحو الذوق يجد هناك طرقات مترابطة بين المعنى و التأثير الناتج عليه اتجاه حياته .

فطرة الذوق ومساحة التكوين..

قد يولد الإنسان بميل فطري إلى الجمال والتناغم، لكن الذوق يُصقل بالتربية، ويتشكل بالتجربة، ويُهذّب بالقراءة والفن والتفاعل مع محيط راقٍ. فالشخص الذي ينشأ في بيئة تقدّر الجمال، وتعلّم احترام الآخر، وتغذي الحس الفني لديه، يكون أكثر قدرة على تطوير ذوقه وتوسيعه. فإن الذوق ليس ثابتًا بل قابل للنمو، مثل أي بعد من أبعاد الوعي الإنساني ، لان نمو الذوق قد يعتمد على وعي العقل في مفهومه وقد يكتسب من خلال البيئة التي يعيش بها . فيحتاج الإنسان إلى انتباه عميق ليحرك الرغبة الناضجة في بناء الذوق المتلائم مع قيم ذاته وقدرات وعيه .

الذوق في الفلسفة: ما وراء التفضيلات ..

غالباً مفهوم الذوق من زوايا متعددة. يساهم في تغيير الفكر والتفكر اتجاه المعنى للذوق فيصبح اختلاف الاّراء يعود إلى ذلك الانطباع الفكري والحسي للمعنى ، مثل إيمانويل كانط اعتبره أن الحكم الجمالي، الذي يُعد تعبيرًا عن الذوق، وبانه لا ينبع فقط من الشعور، بل من عملية عقلية تأملية. وقد رأى أيضاً أن الذوق يحمل طابعًا “كونيًا” بمعنى أنه يتجاوز الأذواق الفردية نحو إحساس مشترك بالجمال.

أما ديفيد هيوم شدد على أن الذوق يمكن تهذيبه وتطويره، لكنه أقر بانه هو بوجود تباين بين الأفراد. وعلى الرغم من أن الناس يختلفون في تفضيلاتهم، إلا أن هناك مبادئ عامة للجمال يمكن الاتفاق عليها، مثل التناسق، التوازن، والبساطة.

ينمو الذوق في جذور الاخلاق وسلوك ..

إذا تاملنا في تصرفات الناس بتفاصيل دقيقة نجد أن الذوق لا يظهر فقط في الملابس أو ترتيب المنزل، بل في أبسط تفاصيل الحياة: في طريقة السلام، في اختيار الكلمات، في نبرة الصوت، في احترام خصوصية الآخرين في أبدا الاراء والعديد من الأفعال التي لها صلة بإبراز الذوق اتجاه شخصها و إن الذوق الحقيقي هو ذلك الذي يتجلى في التعاملات اليومية، ويعكس احترام الإنسان لذاته أولًا، ثم لمن حوله وهذا الأمر جداً دقيق قد يتنبا له الإنسان المهتم في اختلاق ذات انيقة المظهر الداخلي قبل الخارج يدرك القيمة الناضجة من هذا الميول أو المكتسب من حوله . الشخص الراقي في ذوقه لا يجرح بكلمة، ولا يرفع صوته في وجه الآخرين، لا يتعدى على خصوصية الآخرين، يدرك التأدب مع ذاته قبل الآخرين ، لأنه يرى في كل فعل انعكاسًا لجوهره الداخلي. إنه يُراعي مشاعر الناس دون تكلّف، ويمارس الاحترام كعادة فطرية، لا كقناع اجتماعي الشخص الواعي دائما يحرص أن يمثّل ذائقته بالطريقة الملائمة مع وعيه .

للذوق تأثير في تكوين الهوية ..

يتشكل الذوق عبر التفاعل مع الثقافة، والاطلاع، والتجربة، ثم يساهم في تكوين الهوية الشخصية والذهنية. فالذوق لا يختصر في “ما نحب” بل يشير إلى لماذا نحب ما نحب؟وما القيمة التي تمنحها أذواقنا لذواتنا. اعتقد أن التساؤلات الذاتيّة لها دور في حراك الدوافع و الفهم اتجاه أذواقنا الفكرية و الحسية و الفعلية، تلك العادات والانطباعات الصادرة هي تمثل داخلنا في أطار هويتنا الثقافية و البيئيّة و المكتسبه من تجارب الحياة اليومية .
و المجتمعات التي ترتقي بذوق أفرادها، تكون أكثر تحضرًا، لأنها تنتج أفرادًا يقدّرون الجمال،ويحترمون النظام ويتواصلون برقي. بينما غياب الذوق، أو تسطيحه، يؤدي إلى الفوضى البصرية، والسلوكية، وحتى الفكرية تجرد الإنسان من أخلاقياته وسلوكياته المفترض أن تتواجد به كانسان ملم بانسانيته

الذوق في أنصاف الـزمن و التّيه من نافذة التقليد

حالياً في وسائل التواصل الاجتماعي تُفرض علينا يوميًا آلاف الصور والمقاطع والمؤثرين، أصبح الذوق مهددًا بالسطحية والنسخ و لم يعد كثير من الناس يختارون بناءً على ذائقتهم الحقيقية، بل بناءً على ما يفرضه “ الوقت ”. وهذا يشكّل خطرًا على الهوية الفردية، إذ يُفقد الإنسان خصوصيته، ويجعله تابعًا لأذواق الآخرين دون وعي ، لكن لا ننسى أن ما زال هناك من يحرص على تشكيل ذوقه الخاص، بقراءة الأدب، والتأمل في الفن، وملاحظة الجمال في تفاصيل الحياة اليومية، لا في مظاهرها الصاخبة. وهؤلاء هم من يُعوّل عليهم لإعادة الاعتبار للذوق كقيمة إنسانية وثقافية.

الذوق كفعل فلسفي وحضاري وانساني.

الذوق ليس رفاهية، ولا مختصّ بجودة قيمة للنخبة، بل هو فعل يومي يعكس درجة وعي الإنسان بنفسه وبالآخرين. حين نرتقي في ذوقنا، فإننا نرتقي في إنسانيتنا. نغدو أكثر رهافة في الشعور، وأكثر اتزانًا في ردود الأفعال، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يليق وما لا يليق تصبح القابلية في الأشياء و رفضها تفتح أفاقنا الأخرى من الأذواق المختبأة في مسار حياتنا ، حتى الانسجام الذي قد يفرض بقائهُ علينا يعيدنا إلى المبدأ الذوقي القائم عليه ، مجرد الفهم في مراحل الذات وانغماسها في الذوق هنا كل إنسان بفطرته يقدر يشكل فلسفته الخاصة اتجاه مفاهيمه للذوق وانسجامه معها في اداء حياته .

الأهم من ذلك أن نفهم بأن الذوق هو فلسفة شخصية، واختيار وجودي، يعكس كيف نرى أنفسنا، وكيف نريد أن نُرى وأن نترك الاثر من ذلك العبور لكل ما يصدر منا .

فن الجمال في حياة الإنسان

نوره بابعير

” الجمال أسلوب حياة يعزز من جودة الإنسان وعلاقاته ومشاعره”

في عمق ضجيج الحياة وتسارع وتيرتها، يظل الجمال ركيزة أساسية تهب الإنسان لحظات من السكينة والتأمل. و”فن الجمال” ليس رفاهية كما يظنه البعض، بل هو حاجة نفسية و روحية تعزز التوازن الداخلي، وتمنح للحياة معناها الإنساني العميق.

منذ أزمنة بعيدة، يسعى الإنسان إلى تجميل محيطه، سواء من خلال الفن أو العمارة أو الملبس و الزينة وقد اعتبر الفلاسفة الجمال هو من أحدى فروع الفلسفة، لما له من أثر عميق في تشكيل الذائقة والسلوك والخلق و التهذيب فليس غريبًا أن نجد الجمال متجذرًا في تفاصيل الحياة اليومية؛ من ترتيب المنزل، إلى تنسيق الألوان، بل وحتى في الكلمة والتصرف والإبداع والإنجاز.

الجمال لا يُقاس بالمظهر وحده، بل هو أوسع من ذلك بكثير فهو يكمن في الأخلاق، في التعامل الراقي، في الكلمة الطيبة، وفي البساطة التي تعكس رقيًّا داخليًا. وكلما ازداد وعي الإنسان بقيمة الجمال في سلوكياته، ارتقت علاقاته بالآخرين، وازدادت جودة حياته الشخصية والاجتماعية والإبداعية .

و أن تذوّق الجمال سواء عبر الفن أو الموسيقى أو الطبيعة له تأثير إيجابي في تقليل مستويات التوتر، وتعزيز الشعور بالسعادة والرضا والانتماء و هذا ما يسعى إليه الإنسان لدمج مفاهيم الجمال في أنظمة التعليم، والهندسة المعمارية، وتصميم الأشياء العامة ، ليفهم الإنسان قيمة هذه المفاهيم و الأنظمة اتجاه جودة الحياة .

فن الجمال ليس رفاهية كما يُظن، بل هو أسلوب حياة ينعكس على طريقة تفكير الإنسان، ونظرته للكون، وتفاعله مع الآخرين. وعندما نبني في النفس عادة حب الجمال، نزرع فيها قيم الذوق، والإبداع، والتقدير، والسلام الداخلي.

و يظل الجمال رسالة صامتة من الحياة هادئة ، تقول لنا إن في التفاصيل قد نجد دهشة تستحق التأمل، وأن في كل لحظة فرصة لاكتشاف معنى أعمق للوجود .

للعلاقات تاريخ انتهاء | قصة بعنوان: ذو شأن عظيم

ستمر به لحظة يُسَائل فيها نفسه، ويقرر بعدها أن يكون شخصًا غير الذي اعتاده، سيضاعف من مجهوده في السنة الأخيرة له في الثانوية، ثم سيتخرج بمعدل عالٍ، سيحتفي به من في المدرسة، سيعلّق اسمه في لوحة الطلاب الأوائل والمتفوقين، وسيشيد به أحد المعلمين أمام والده حين يلتقيه، سيخبره أنه أب لطالب متفوّق، الجميع هنا يحبه، وأنه سيكون ذا شأن عظيم مستقبلًا.

  سيفرح والده، سيعود دون أن يعطيه هدية نجاح أو تخرج كما سيحصل عليها أقرانه، ولكيلا يلعب هو دور الضحية، سيردد أنه ليس الوحيد الذي لم يحصل على تقدير كافٍ من والديه، بل إن غيره لم يحتف به.

  سيتجَاهله الجميع في اليوم التالي من انتهاء العام الدراسي، لكن والدته ستظل تردد لأشهر قصة تفوقه أمام صديقاتها، وستحجب الأمر عن قريباتها اللواتي تخشى حسدهن، ستمر الإجازة سريعًا، وسيذهب إلى الجامعة في غير تخصصه الذي يريده، لن يعرف أحد من عائلته التخصص الذي يرغب فيه، وسيشكك بعدها فيما إن كان هو يعرف بدوره، سيفاضل بين هذا التخصص أو ذاك، وسيتظاهر أنه يرغب في التخصص الذي قُبل فيه، لربما يكون هو التخصص الذي سيقوده لأن يكون ذلك الشخص، ذا الشأن العظيم.

  سيقضي سنوات في التفكير في شأنه العظيم، وسوف يتساءل: عظيم في ماذا؟ وإن كان قد قال له ذاك المعلم، إلا أنه لم يحدد في أي مجال سيكون ذا شأن عظيم، أي طريق عليه أن يسلكه ليصل إليه، ما هو ذاك الشأن على أي حال!

   وحين يسترجع طفولته لا يعثر على أية أمارات تَدلّه على ذلك، كان الأكثر تفوقًا، لكنه كان الأقل حظًا، الأقل فرحًا، الأقل صداقة، والأقل تلقيًا للحب، لكن حين يعود الأمر بينه وبين إخوته، فهم جميعًا، لا ينالون إلا ذلك القدر الشحيح من الحب، يقتسمونه فيمَا بينهم، فلا يكاد يبدو أنه تم تقديمه.

  ثلاثة إخوة كانوا، هو ثاني الأبناء ترتيبًا بعد أخيه الأكبر، ثم يأتي أخوهم الأصغر الذي تأخر أعوام قبل مجيئه.

  كانوا إخوة لبعضهم أكثر مما هو مفترض، يلعب كل واحد منهم دور أحد والديه للآخر؛ يعطي كل منهم ما يملكه لأخيه، ويطلب هذا من والديه ما يريده ذاك، ويبرر الأول تصرف الأخير، ويقفون جميعًا صامتين، ليغطوا على الفعل الخاطئ لواحد منهم.

  حين يفكر في الأمر أكثر مما ينبغي له، يبقى مرتبكًا، تُرى هل سيقوده التفوق لذلك الشأن؟ سيفقد ثقته في ذلك، فما إن يبدأ سنواته الجامعية حتى يبدأ بالتعثر، سيتعثر في مادتين في السنة الأولى، ثم في أربع في السنة الثانية، ستزيد وستنقص في السنوات القادمة، وحين يتخرج بعد ست سنوات في تخصص كان من المفترض أن ينهيه في أربع، سيعرف أن الجميع قد مضى بحياته، لن يعرف والديه أنه قد تجاوز المقرر منه بعامين، ولكن كلمته ستكون كافية لهم لتصديقه، أو كافية على الأقل ليشعروا أنهم قد سألوا، وبإجابته هذه، تجنبوا هم التفكير فيما يمر به، وفيما يجب عليهم تقديمه له، لكن إن لم يكن هناك ما يقدمونه له في سنوات دراسته الماضية، فماذا يمكنهم تقديمه له في السنوات الجامعية؟ سنوات دراسية أدرك بنهايتها أن التفوق لم يعد طريقًا يقوده نحو ذاك الشأن العظيم.

  ستمضي الفترة التي سيقضيها بعد الجامعة في البحث عمّا يميزه، سيفكر كيف يفتتح مشروعًا يقوده نحو الثراء السريع، مشروعًا يبدأه صغيرًا ثم يقوده ليكون عظيمًا، وبمال المكافأة الذي كان يجمعه، سيفتتح محلًا يبيع فيه أغلفة واكسسوارات للهواتف المحمولة، لن يستطيع الاستمرار فيه طويلًا، سيكتشف أنه لم يكن ذلك العمل هو طريقه نحو الثراء، بالكاد كان يستطيع تغطية تكاليف إيجار المحل الذي قام باستئجاره، وفي نهاية العام، سيبدأ بجَرد لكل ما في المحل، ثم سيأخذ كل ما تبقى معه للبيت ليعرضه لاحقًا للبيع في أحد المواقع بثمن زهيد.

  سيقرر في الأخير أنه يجب عليه أن يجد مشروعًا يقوم به من البيت، دون دفع إيجارات تجعله يسعى طوال الشهر لتأمينها لا لكي يربح من مشروعه، وقد وجد الفكرة، وجدها من شيء كان يفعله لمن حوله بالمجان، خدمات إلكترونية! لطالما كان يقوم بالتسجيل لهذا أو ذاك في موقع ما، ولطالما فتح حسابات للكثيرين في جهات أو قدم لهم فيها، وأصلح لمرات عديدة هواتف من حوله، سيكون الأمر سهلًا عليه، والعمل الذي لم يمر عليه قبل ذلك سيتعلمه مع مرور الوقت.

  سيبدأ بإنشاء التصاميم التي سيعرض فيها خدماته، سيرسلها لكل من يَعرف، سيشاهدها أقاربه ومعارفه وأصدقاؤهم ممن يحفظون رقمه لطلب خدماته.

  سيتجاهلها الجميع، وسيتوقفون عن طلب خدماته، ستبقى إعلاناته ورقم الأعمال مهجورًا إلى أن ينقطع الخط لعدم استخدامه، سيعرف أن بعضًا منهم أصبح يذهب إلى مكاتب الخدمات لينجزوا ما كانوا يطلبونه منه، وآخرين قد استقروا على مقدم خدمات غيره، سيعرف أنهم يفضلون أن يدفعوا لغيره على أن يدفعوا له نصف ما يدفعونه هناك، سيتفاقم شعوره بالحنق تجاههم، وسَيُقنع نفسه أنه على الأقل قد ارتاح من عناء العمل دون تقدير منهم.

  ستمضي ثلاث سنوات بعد انتهاء مرحلته الجامعية، ستختلط عليه الأيام فلا يعرف أن السبت هو الأربعاء، سيتلقى الكثير من رسائل إعلانات الوظائف من أصدقائه الموظفين، وممن يعرف من أقاربه أنه ما زال عاطلًا عن العمل، سيقدم هنا وهناك، سيلاحظ أن الكثير منهم أصبح يعيد إرسال كل ما يصادفه له، وسيلومونه على تقصيره وعدم سعيه للبحث عن وظيفة، سيظن البعض الآخر منهم أنه تروق له جلسة البيت دون عمل، لن يقول لهم: إن تلك الإعلانات الوظيفية التي يرسلونها له تتطلب تخصصات غير تخصصه، أو خبرة لا يمتلكها، أو أن هذه العروض الوظيفية قد فات موعد التقديم عليها.

  سيستمر في التقديم في كل ما يجده، ستنخفض درجة تَطلبه، سيدرك أنه لا يمتلك رفاهية اختيار الوظيفة التي يرغب بها، ولكثرة ما أصبح يقدم عليه من الوظائف، سيجهل أي وظيفة هي التي قدّم عليها وجاءته منها طلب للمقابلة، سيسافر لمدينة ثانية ليجري المقابلة، ستصله رسالة الرفض ما أن ينزل من رحلة العودة، سيصاب بخيبة لإدراكه أنه خسر الكثير من المال دون جدوى، وسيبقى محبطًا لوقت طويل قبل أن تصله مقابلة وظيفية أخرى، وبتثاقل وتردد سوف يسافر لإجرائها هذه المرة أيضًا، ولكن هذه المرة سيُقبل فيها، وسيعود من جديد للتعجل في الحياة التي شعر أنها فاتته حين كان الكثيرون قد سبقوه إليها، الحياة التي تجعله يتطلّع إلى الأمام باحثًا عمن تجاوزه في حياتهم دون النظر للخلف ليرى من كان معه.

   سينتقل لمدينة أخرى لأجل الوظيفة، سيقضي شهرين عند أحد أقاربه، ثم سيبحث عن شقة يستأجرها، سينتقل لها ثم سيعود للبحث عن الشأن العظيم، وحين تقترح عليه والدته أن يتزوج ليجد من تُؤنس وحدته سيوافق مباشرة، فلربما كان معها الشأن العظيم، أليس وراء كل رجل عظيم امرأة؟

  سيختار له والداه إحدى قريباتهم، سيوافق عليها، وسيقرر أن يستخرج قرضًا للزواج، وسيصرف كل ما يملكه ليتم الزواج في مدينته، سيتزوج بعدها وسيسافر ليقضي شهر العسل في المدن التي حوله، سيكون غارقًا في سعادته كما هو غارقٌ في ديونه، وستكون حياته الزوجية رغم بعض الأمور التي سيتجاهلها حياة مثالية في العام الأول، وجيدة في العامين التي تليها، وستبدأ بعدها زوجته بمطالبته بالخروج للتنزه أو التسوق عوضًا عن بقائها وحيدة في البيت، بينما يذهب هو للعمل، سيخبرها أنه يذهب ليعمل لا للتنزه، وأنه بالكاد ينتظر وقت انتهائه من العمل ليعود للبيت لكي يرتاح، لا لأن يخرج من جديد، سيحتَدّ النقاش بينهما، سيتنازل حين يدرك أنها لا ترى أحدًا هنا ولا تعرف غيره، سيتحامل على تعبه في البداية، ثم سيشعر أنها لا تقَدّر تنازلاته ومجهوده الذي يقوم به كفاية، ستتفاقم المشاكل، ستعود إلى عائلتها، وستصلح العائلتان فيما بينهما، ثم سيعود الاثنان لبعضهما معتذرًا كل واحد عن تصرفه، وبعد أن يجرب كل واحد منهما الحياة دون الآخر، ستعود العلاقة كما كانت في بدايتها.

   ستمدد رقعة الرتابة لتحاوط أيامه، لتعود من جديد لاعتياديتها، سيتجاهل الاثنان تقصيرهما تجاه الآخر، سيخونان بعضهما، سيخونها بالجسد وستخونه بالفكرة، وسيعود الاثنان لبعضهما دون أن يعرف أحد عما فعله الآخر، لكنهما حينها سيقدّرَان قيمة بعضهما، متأخرين.

   وفي إجازة يسافر فيها مع زوجته سيحاول سدَّ الفجوة التي اتسعت بينهما، وحين يعود من السفر قبل انتهاء الإجازة بثلاثة أسابيع، سيكون البيت هو المكان الذي يقضي فيه جلّ وقته، ستعود معها النزاعات بينهما من جديد، وسيقرران الانفصال في النهاية.

  ستعرف زوجته بعد قرار الانفصال بشهر أنها تحمل جنينًا في بطنها، وسيعودان للعيش معًا، ستنجب الطفل الأول، وستصبح كل الخلافات مركونة في زاوية يتجاهلان النظر إليها، سيتغاضيان عن أي مشكلة تَعقب ذلك لأجل الطفل، وستصبح حياتهم روتينية تمامًا، هي تنشغل برعاية الطفل وهو ينشغل بالعمل، سيدرك حينها أن لا شأن عظيم سيأتي من هذه الحياة التي تتكرر كل يوم دون حَدث فارق فيها، لكنه سيقبل بها، سيقبل بالحال الذي أصبح عليه، ممنيًا نفسه، أن كثيرًا من العظماء لم يصبحوا ذوي شأن إلا في نهاية حياتهم.

  سيتجاهل بعدها جملة المعلم التي كانت ملحّة في سنواته الماضية، سيتظاهر أنه قد بدأ في تناسيها، سيكبر وتكبر زوجته، ويكبر أبناؤه، سيحاول أن ينمي أي هواية أو موهبة يرى بذورها في أبنائه، سيسعى ليمرر رغباته التي لم يستطع تحقيقها فيهم دون أن يدرك، محاولًا أن يكون أحد أبنائه هو من يقوده للشأن العظيم، سيتخلى أحد أبنائه عن تلك الهواية في مرحلة مبكرة من عمره، وسيتخلى الآخر عنها في مرحلة متأخرة يتحسر فيها والده على الوقت الذي قضاه في تنميتها، ستبدأ اهتماماتهم بالتغير، سيحاول، مرة أخيرة، في تنمية الاهتمامات التي طرأت عليهم فجأة، ثم سيتوقف عن المحاولة، ستتحطم آماله في الأول، وسيمضي الثاني حياته دون حدث يُذكر.

  وحين تنتهي سنوات عمله، سيتقاعد ويبقى في البيت دون شيء يشغله، سيعرف أن زملاءه ما هم إلا محض زملاء لا أصدقاء، وسيختفي تواصله معهم تدريجيًا.

  سينقص راتبه بعد التقاعد، وسيقلص من التزاماته، سيتخلى عن فكرة المزرعة التي كان قد قرر شرائها بعد التقاعد، وسيشعر حينها بعدم حاجته للكثير من الأشياء التي كان يرى أنها ضرورية.

   سيبحث عن شيء ما يملأ فراغ وقته الذي خلا فجأة من كل شيء، ولن يجد، سيحاول أن يعود للعمل، سيخبرونه أنهم لم يعودوا بحاجة لخدماته، سيكتفي حينها بالجلوس في البيت، وسيكثر بعدها من زيارة أقاربه.

  سيموت والداه وأحد إخوته، سيبدأ بعدها بالتلفت إلى الماضي أكثر مما كان معتادًا، سيعتب في كل مرة على أبنائه لعدم زيارتهم له، سيزورهم هو وزوجته، وستنزعج عائلاتهم لكثرة زياراتهم، سيتوقف بعدها مكتفيًا بزياراتهم حين يرغبون، سيُرزَق ابنُه الأكبر بحفيده الأول، ثم بعد عام بحفيده الثاني، سيحاول أن يعيد فيهم أبنائه، سيغدق عليهم بكل الحب الذي لم يعد يطلبه منه أحد، سيشعر حينها بفارق السنوات الكبير بينهم، وبين اهتماماته واهتماماتهم، وسيجهل الكثير مما يعرفونه، سيحاول مجاراتهم في البداية، ثم سيتوقف عن محاولاته، سيرضى بما بقي له من حياته، وسيترك كل شيء يسعى إليه دون أن يسعى له.

   سيرى الجميع يبتعد حين لا يبادر إليهم، سيدرك أنه قد كَبر على كل شيء إلا الموت حين يرى الذين يعرفهم يموتون تباعًا عامًا تلو الآخر، سيمضي في عزاءاتهم فاقدًا لكل شيء، مسترجعًا كل ما مضى من حياته، وسيبقى منتظرًا دوره، ستموت زوجته قبله بعامين، وسيبقى حينها بمفرده، سيعيش مع نفسه لأول مرة منذ زمن طويل، وحينها ستعاوده تلك الفكرَة الملحة، سيحاول فيما تبقى من عمره أن يفعل شيئًا يجعله ذا شأن عظيم، وإن كان ذلك في سنواته الأخيرة، لكن كل شيء سيكون قد شَاخ معه، سيبدأ في التقاط أفكار زارته متأخرة، سيبدأ في محاولات إتمام هذه أو إنجاز تلك، سيموت في أثناء محاولاته، وسيدفن في المقبرة التي دفنت فيها زوجته ومن مات من أقاربه، وسيضيع قبره بين قبور متشابهة لن يفرّق بينها أحد.

وفي المعارض عقولاً ناهضة وثقافة واسعة

نوره بابعير

وفي المعارض عقولاً ناهضة وثقافة واسعة
معارض الكتب تحدث العقول الناضجة المستنيرة الراغبة في مجال العلم و المعرفة الهادفة في أتساع وعيها إلى مدى البعيد و الشغوفة بالإبداع الثقافي بين الفكر و الفكر الأخر بين التوافق وَ الاختلافات بين التواصل في المخيّلات و تعمّق فيَ الفلسفات بين تساؤلات مجهولة و أجوبة مدروسة بينَ الحوارات الثمينة وَ الورشات الحكيمة تسيّر الأقدام وكلها شغفًا فيَ الاكتساب بالنهوض الدائم بالتوسع الناتج عَن الغزارة التوعوية فيَ المجالات المسرحية و الأفلام السينمائية و الموروث التاريخي و ما يخص معرفته وبين إلكترونيات و وسائل الاجتماعية والإعلام ، تصنع المحتوى من المحتويات لتخرج بزوارها البارعين في الإختيار الناجحين بقضاء أثمن الأوقات .
تبقى الثقافة طريقًا طويلًا تضع الحقائب في أيادي باحثيها ليكملوا تِلْك المسافات الفارغة بأثر علمها، تخلق الأتزان في علم و أساسيات الفهم فيَ رصانة العقل الواعي و العقل المحتاج إلى هذا الوصول من الوعي المكتمل.
تِلْك التجربة الذي تتسع في المساحات الثقافية تجعلنا في إطلاع مزهر يخلق في النفوس منابت ثمارها تستطيع من خلالها تفهم العقول الملائمة معها و المنافسة لها ،تلك الخطوة تجعل القراء و الزوار فيها شيئًا من الضوء يُرافِق العقول في مسائل السطور وضوءً يرافق الذهول في مفارق الحضور ، رغم أن المعارض ذات أوقات محددة الأيام إلا أنها تستطيع أن تغير حقولنا بقفزات واعية و قد تبني في الأطفال جوانب قيمة وفي الإعلام إزدهار مكانها .