بوابة أعضاء جدل
فصل من كتاب | ماذا علينا أن نفعل؟ لـ: ليو تولستوي
مصارحة الذات
رأيت أنّ سبب الآلام والحياة الفاسدة التي يعيشها الناس هو أنّ بعض الناس عبيدٌ عند آخرين، لذلك وصلت إلى هذا الاستنتاج البسيط: إذا أردت مساعدة الناس فعليّ، أولاً، التوقف عن التسبّب في بؤسهم؛ أي أن أتوقف عن المشاركة في استعبادهم. ما جذبني إلى استعباد الناس هو أنني اعتدت، منذ طفولتي، ألا أقوم بأيّ شيء، واعتدت الاستفادة من جهود الآخرين، وعشت وما زلت أعيش في مجتمع ليس معتاداً على استعباد الآخرين فحسب، بل يبرر استعباده لهم أيضاً بمغالطات مثيرة وغير مثيرة للانتباه.
وصلت إلى النتيجة الآتية: كي لا أتسبّب في إفساد الآخرين، وإلحاق الأذى بهم، عليّ أن أقلل، قدر ما أستطيع، من استخدامي جهودَ الآخرين، وأن أعمل قدر ما أستطيع.
هذه النتيجة التي سلكتُ مساراً طويلاً حتى وصلت إليها، وصل إليها الصينيون قبل آلاف السنين؛ حيث تقول العبارة المأثورة: إذا كان هناك شخص خامل وكسول، فهناك شخص آخر يموت من الجوع في المقابل.
وصلت إلى هذه النتيجة الطبيعية والبسيطة وهي إذا كنتُ مشفقاً على الحصان المنهك الذي أركبه، فعليّ أولاً أن أنزل عن ظهره، وأن أتابع رحلتي ماشياً.
هذه الإجابة، التي تمنحنا شعوراً أخلاقياً كاملاً بالرضا، خزعت عينيّ وعيوننا جميعاً، ونحن لا نراها، وننظر إلى الجوانب.
ونحن نبحث عن شفائنا من أمراضنا الاجتماعية، نبحث في كلّ الجهات؛ في الجهات الحكومية وغير الحكومية، وفي العلوم، وفي الخرافات الساذجة، لكننا لا نرى ما يوخز عين كلّ واحدٍ منا.
نملأ مصارفنا بالقذارات، ونريد أن يتحمل الآخرون عنّا عبء تنظيفها، ونتظاهر بأننا نتألم كثيراً من أجلهم، ونبتدع كلّ الحيل الممكنة، ونترك أبسطها وأسهلها، وهي أن ننظفها بأنفسنا.
من يشعر بصدقٍ بآلام المحيطين به، عليه أن يلجأ إلى أبسط وأسهل طريقة ممكنة لمعالجة الشرور من حوله، ولمعرفة شرعية حياته، وهي تتلخص في ما قاله يوحنا المعمدان عندما سألوه: ماذا نفعل، وهو القول الذي أكده المسيح: لا تمتلك ثوبين، ولا تمتلك المال؛ أي لا تستعن بجهود الآخرين، ولكي تتمكّن من فعل هذا، عليك أن تفعل كلّ شيء بنفسك.
هكذا بكلّ بساطة ووضوح، لكن هذه البساطة وهذا الوضوح لا يتوافران إلا عندما تكون المتطلبات بسيطة، ويكون الشخص متمتعاً بالحيوية، ولم يفسده الكسل والخمول. أعيش في القرية، وأستلقي بجانب المدفأة، وآمُرُ جاري المديون بأن يقطع الحطب، ويشعل المدفأة. واضح جداً أنني أتكاسل، وأشغل جاري عن عمله، وسأشعرُ بالخزي وبالملل أيضاً من استلقائي من دون عمل. وإذا كانت عضلاتي قوية، وكنت معتاداً على العمل، فسوف أقوم بتقطيع الحطب بنفسي.
لكنّ العبودية بكلّ أشكالها وُجدت منذ زمن بعيد، وتولّد، بناءً عليها، الكثير من المتطلبات المصطنعة، التي يشترك الكثير من الناس، في مستويات مختلفة، في أنهم اعتادوا عليها. وهكذا تسببت الأجيال القديمة في إفساد الناس وعوّدتهم على الدلال، من خلال هذه الغوايات المعقدة والحجج في صوابية الرفاه والكسل الذي يعيشون فيه، وأقنعتهم بأنه ليس من السهل على الشخص، الذي يتصدر قمة الهرم في قائمة الكسالى، أن يشعر بالخزي أكثر من ذلك الفلاح الذي يجبر جاره على تقطيع الخشب.
يصعب على من هم في قمة هذا الهرم أن يفهموا ما الذي عليهم أن يفعلوه. عندما يجب عليهم أن يهبطوا إلى الأسفل يجدون أنّهم مُثقلون بكمٍّ هائل من الوهم في تلك القمة التي يتربعون عليها، ولذا إن هذه الحقيقية البسيطة والواضحة تبدو لهم غريبة جداً.
يبدو الأمر -لا شك- غريباً ومضحكاً لمن لديه عشرات الخدم والطباخين والحوذيين، وعشرات اللوحات والآلات الموسيقية. هذه أبسط وأوّل ردة فعل طبيعية، لا أقول إيجابية، بالنسبة إلى الإنسان وليس الحيوان؛ أن يقطع بنفسه الحطب الذي يشعل به مدفأته ويطبخ به، وأن ينظف حذاءه أو نعله الذي لوثه دون أن يحرص على إبقائه نظيفاً، وأن يجلب الماء الذي يستخدمه لنظافته الشخصية، أو أن يصرّف بنفسه الماء الملوث الذي استحمّ فيه.
بالإضافة إلى بُعدِهم عن الحقيقة، هناك سببٌ آخر يمنع الناس من رؤية واجبهم، الذي يتمثل في خدمتهم لأنفسهم، وهو أكثر بساطة وقرباً من طبيعتهم وفطرتهم، هذا السبب هو حالة التعقيد وتداخل الظروف والمصالح المتصلة بعضها مع بعض التي يعيش فيها الغني.
صحيح أنّ مصالحهم متشابكة، لكن، من دون عناء كبير، ضمير كلّ واحد منهم سوف يميّز بين النشاط والكسل. ليس الضمير هو الذي يميّز بين العمل والكسل فحسب، بل السجل المالي كذلك. من يسرف في صرف المال سيعتمد، بكل تأكيد، على الآخرين لإنجاز أعماله، وكلّما قلّل من صرفه اعتمد على نفسه أكثر.
إن ترفي سببٌ لإعالة أسرٍ كثيرة. أين سيذهب خادمي إذا سرحته؟ إذا كنا سنقوم بكلّ واجباتنا بأنفسنا: نلبس ونقطع الحطب، فماذا عن توزيع العمل، والصناعة، والمؤسسات الاجتماعية، وأخيراً، أكثر الكلمات فظاعة: الحضارة والعلم والفن؟
الفلسفة وإتقان الحوار: من تشكّل الهوية إلى وعي الأثر
نوره بابعير
يُعدّ الحوار أحد أرقى أشكال التعبير الإنساني، إذ لا يقتصر على تبادل الألفاظ، بل يتجاوز ذلك ليصبح مرآة للهوية، ونتاجًا للفكر، وميدانًا تتجلّى فيه الأخلاق والسلوكيات. ومن هنا، تستمدّ الفلسفة جوهرها العميق في إتقان الحوار مع الإنسان والآخرين، بوصفها علم التساؤل، وفن الفهم، ومنهج البحث عن المعنى.
تنطلق الفلسفة من سؤال الذات قبل سؤال الآخر، فالحوار الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل يتكوّن أولاً داخل الإنسان نفسه. حين يختار الفرد طريق تفكيره، تتشكّل هويته الذاتية، وتتبلور مواقفه، وتُبنى منظومته القيمية التي تحكم طريقة تفاعله مع العالم. هذا الاختيار الفكري لا يحدث بمعزل عن الوعي، بل هو حصيلة تراكم معرفي وتجربة إنسانية، تتحوّل مع الزمن إلى قناعة، ثم إلى خطاب.
ومن هنا، ترتبط الهوية الذاتية بالألفاظ والكلمات ارتباطًا وثيقًا؛ فالكلمة ليست مجرد أداة لغوية، بل هي وعاء للفكر، وحامل للمعنى. وكلما نضج الفكر، ارتقت اللغة، وتحولت من تعبير سطحي إلى خطاب واعٍ قادر على التأثير. فالارتقاء الفعلي للحوار لا يتحقق إلا حين تنسجم الفكرة مع اللفظ، ويتوازن المحتوى مع الأسلوب، ليخرج الحوار صادقًا في أدائه، عميقًا في دلالته.
إن نجاح الحوار مرهون بوجود قواعد ذاتية تحكم أداءه، وتمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ في اختياراته الحوارية. فالحوار ليس ساحة للغلبة، بل مساحة للفهم. وليس وسيلة لفرض الرأي، بل جسر للتقارب. وعندما يدرك الإنسان هذه القواعد، يصبح الحوار أداة تخدم الفكر واللفظ معًا، في توازٍ يحفظ للمعنى قيمته، وللآخر إنسانيته.
ولا يمكن إغفال الدور الجوهري للسلوكيات والأخلاقيات في بناء الحوار. فالبدايات التي تُطرح على الإنسان في علاقته بالآخرين هي التي تحدد مسار الحوار، إما أن يتمدد وينمو، أو أن ينتهي ويتلاشى. والسلوك الإنساني هو العامل الحاسم في توليد القبول أو الرفض، وهو ما يكشف عن قيمة الأخلاق الذاتية في إدارة الحوارات. فحين يتحلى الإنسان بالاحترام، والإنصاف، والقدرة على الإصغاء، يجد طريقه نحو حوار مثمر، حتى في الاختلاقات .
تسهم الفلسفة في إتقان الحوار حين تجعل الإنسان مدركًا لقوة “الضوء” الكامن فيها؛ ذلك الضوء الذي يتمثل في الوعي، والدافع الداخلي نحو الفهم، والبحث عن المعنى العميق بدل الاكتفاء بالسطحي. فالفلسفة لا تعلّم الإنسان ماذا يقول فقط، بل كيف يفكر قبل أن يقول، وكيف يزن كلماته بميزان العقل والأخلاق. وعندما يحدث هذا الإدراك، تتغير مجريات الحياة، وتتبدل المفاهيم، ويصبح الإنسان أكثر إنصافًا في ترتيب اختياراته، وأكثر اتزانًا في أحكامه.
طرق تساعد الإنسان على صناعة حوار جيد يترك أثرًا واعيًا:
1. الوعي بالذات قبل الحوار: أن يدرك الإنسان دوافعه، ونقاط قوته وضعفه، وأن يسأل نفسه: لماذا أتحاور؟ وما الهدف من هذا الحوار؟
2. الإصغاء العميق: فالحوار لا ينجح بالكلام وحده، بل بالقدرة على الاستماع الحقيقي، وفهم ما وراء الكلمات، واحترام وجهة نظر الآخر.
3. التوازن بين الفكر واللغة: اختيار الألفاظ بعناية، بحيث تعبّر عن الفكرة دون إساءة أو تعالٍ، وتخدم المعنى بدل تشويهه.
4. الالتزام بالأخلاق الحوارية: مثل الصدق، والاحترام، والإنصاف، والابتعاد عن السخرية أو التقليل من شأن الآخر.
5. الانفتاح على الاختلاف: تقبّل التباين في الآراء بوصفه مصدرًا للثراء الفكري، لا تهديدًا للهوية الذاتية.
6. تحويل الحوار إلى تجربة إنسانية: بحيث يخرج الطرفان بشيء من الفهم، أو مراجعة الذات، أو إعادة التفكير، لا بمجرد الانتصار الجدلي.
ويبقى الحوار الفلسفي أداة للارتقاء الإنساني حين يُمارس بوعي، ويُبنى على أخلاق، ويُوجَّه نحو المعنى. وحين يدرك الإنسان أن كل حوار هو فرصة لترك أثر، لا لإثبات ذات، يتحول الحوار من مجرد كلمات متبادلة إلى فعل حضاري يسهم في نضج الفرد، ورقي المجتمع .
اسمها الثانى حنجرة .. المسقط الروحى حكاية عائشة المرطة ، بقلم : إبراهيم فرغلي
المطربة الكويتية الكفيفة عائشة المرطة بطلة روائية
ميس العثمان تستعيد حضورها الفني الذي امتد في الخليج وأجواءها الغنائية الشعبية.
شهدت الرواية العربية في السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً باستلهام السير التخييلية لشخصيات كان لها أثر ثقافي واجتماعي عابر للحدود العربية. ويأتي ضمن هذا السياق عمل سردي حديث يتناول سيرة متخيلة للفنانة الكويتية الرائدة في الغناء الشعبي الخليجي عائشة المرطة، المعروفة بصوتها المميز وبحتها العذبة.
اختارت الكاتبة الكويتية ميس العثمان عائشة المرطة محوراً لعملها الصادر عن منشورات جدل، مستحضرة حضورها الفني الذي امتد في الخليج عبر أغنيات قدمت في أجواء فلكلورية نسائية تعبر عن الذاكرة الشعبية والاحتفاء بالغناء. ولم يقتصر حضورها على طبيعة صوتها وأغانيها، بل شمل أيضاً أناقتها وألوان أثوابها الصارخة وإكسسواراتها المميزة، إضافة إلى نظارتها السوداء التي ميزت إطلالتها منذ فقدان بصرها في طفولتها، كما ظهر ذلك في الحفلات والمناسبات الغنائية أو على شاشة التلفاز.
تحت عنوان “اسمها الثاني حنجرة… المسقط الروحي لحكاية عائشة المرطة” أصدرت الكاتبة الكويتية ميس العثمان نصاً سردياً وصفته بالملامسة السردية، وينتمي للسيرة المتخيلة، تناولت فيه تفاصيل حياة عائشة المرطة منذ طفولتها (ولدت في عام 1931)، ومروراً بمحطات مسيرتها الفنية والإنسانية وحتى وفاتها متأثرة بالمرض في عام 1978.
اتسم النص من بدايته بالحساسية الشديدة التي يتناول بها هذه الشخصية التي عاشت طفولة صعبة، إذ توفي والدها إبراهيم المرطة وهي طفلة، وأعقبته الأم، ثم فقدت بصرها، مما أدى أن تعيش جانباً من طفولتها في حال من الألم واليأس. ووزعت الكاتبة الأصوات السردية على ثلاثة رُواة: عائشة، وحنجرة، والكاتبة.
وبينما يتولى صوت الكاتبة “السرد” الذي يمثله صوت الراوي بشكل ما، لرسم السياق العام والأحداث، فإن صوت عائشة يأتي لتوضيح الحالة النفسية والعاطفية والهواجس الباطنية والأسئلة والمخاوف. أما الحنجرة فهي تمثل “الصوت – الوجود”، الذي يأتي موازياً لخواطر عائشة في بعض الأحيان، وشاهداً في أحيان أخرى، ورمزاً لفكرة الصوت الذي وصف بالعورة، فاختارت التحدي والإصرار ليكشف الصوت عن نفسه ويتجلى بأبدع صورة. فالحنجرة، وفق السياق السردي، هي البديل ومصدر الصوت الذي جعلت منه عائشة بطلاً يكشف عن حضورها في العالم، وعن قوتها وقدرتها على مواجهة التهميش والظروف الصعبة، بدءاً من فقدان بصرها في الطفولة، ومروراً بتعرضها لليتم، وانتقالها إلى بيت خالها النهام سالم المرطة، الذي منحها الرعاية وأصبح بديلاً للأب والأم معاً.
سرد حنون
وعلى رغم أن صوت الكاتبة يقتضي نوعاً من الحياد السردي فإنه حمل في غالب الأوقات لوناً من التعاطف، بحيث بدا صوتاً سردياً حنوناً، ليس فقط انتصاراً لسيرة امرأة اتسمت بالرقة والحساسية التي عبرت عنها أغنياتها، ولم تستسلم لإرادة المجتمع، بل وكأنه لون من ألوان تعايش طويل بلغ حد تماهي الكاتبة مع الشخصية.
ولعل هذا ما يمكن أن نستشفه من تأكيد العثمان أنها فكرت كثيراً في شخصية المرطة لسنوات طويلة تسبق الشروع في كتابة المشروع، وأن هذا الانشغال بلغ حداً تسبب في إصابتها هي أيضاً بالمرض خلال فترة من فترات القراءة والكتابة المخصصة لهذا النص.
لا يسعى السرد لإثارة الشفقة على مواضع ضعف المرأة، بل لإظهار أن وراء رقتها حنجرة دافعت عن وجودها منذ الطفولة، حين كانت ترتل القرآن بصوت وصفه الخال بأنه عذب وسلس كالمياه، أو “مويه” بالدارجة. ثم غنت لنفسها للشعور بالونس، ولاحقاً كفنانة وهبت هبة فريدة، وجدت في صوتها الجمهور تعبيراً صادقاً عن مشاعرهم وشجونهم. وأخيراً، كمرأة لم تستسلم للمعوقات الاجتماعية ومحاولات قمع صوتها باسم الأعراف والأخلاق، بل واجهتها بصلابة حتى أصبح صوتها مرآة لهوية المجتمع ومشاعر إنسانية عامة.
يتجلى ذلك في شغف الفنانة المصرية أيقونة الطرب أم كلثوم بصوت عائشة المرطة أثناء زيارتها للكويت، وإعلان إعجابها بها، ودعوتها لمصر، وتعاونها معها في أداء إحدى أغنياتها باللهجة الكويتية، وهي “علامك يا القاضي زعلان”.
اختيار ميس العثمان للأصوات السردية الثلاثة منح العمل مساحة للتعمق نفسياً وفكرياً، بعيداً من الانسياق لحكاية تقليدية للسير التخييلية، وأتاح التعبير عن هواجس امرأة ترى العالم بقلبها أو بصيرتها، لكنها مع ذلك نجحت في خلق جمال حسي وبصري عبر دقة اختيار ألوان أثوابها وأكسسواراتها.
غير أنه ثمة أصوات أخرى تظهر في بعض الفصول، وبينها صوت فاطمة، مساعدتها المصرية التي كانت تقريباً ملاكها الحارس، أو ظلها وعينها أحياناً. السيدة المصرية التي تتولى مساعدتها في شؤون اللبس والطعام وغيره في حياتها اليومية وفي حفلاتها الغنائية. ولا يظهر صوتها إلا باللهجة المصرية. وصوت راشد، الحبيب والزوج، الذي عاش صراعاً دائماً بين انحيازه لقلبه المؤمن بها، وخضوعه لصوت المجتمع المطالب بانضمامه إلى الجوقة الرافضة لـ”الصوت العورة”. وتتقاطع مع هذا الصوت أصوات ثانوية تظهر بين حين وآخر لتستكمل ملامح المشهد وتعمق دلالاته.
البعد النفسي
كشف السرد عن البعد النفسي لامرأة أصرت على أداء أدوارها جميعاً بإخلاص، كإنسانة حولت فقدان البصر من محنة إلى بصيرة، وكرست وجودها عبر صوت صار علامة فارقة، وكعاشقة ارتبطت برجل أحبها وأحبته، لكنها واجهت انحيازه لمجتمع يدين صوت المرأة بوصفه عورة، حتى غدا صوتاً إعلامياً ومعترفاً به شعبياً ورسمياً، ثم كأم أولت تربية ابنها وابنتها عناية تامة وفق ما تؤمن به.
نقلا عن اندبندت عربية
قصّة قصيرة جدًا: الذئب.
يوسف يونس
الذئب
في أقصى الشرقِ لقريتنا، هناك في البعيدِ، يسكنُ ذئبٌ يكرههُ كلُّ مَن في القريةِ. كثيرًا ما كنتُ أسمعهم يَصِفونَه بعباراتٍ يشوبُها الحنقُ من قبيلِ: الشريرِ! القاتلِ! الخدّاعِ! يُقالُ إنَّه التهمَ أكثرَ من حقِّه من محصولِ الصيفِ، ولطَّخَ حقولَ القمحِ الذهبيّةَ بدماءِ المساكينِ ممّن لا يستطيعون في وجهِه دفاعًا. وكنتُ أسمعهم يتهامسونَ في المساءاتِ الهادئةِ، خِفيةً، عن شراستِه في التهامِ زهورِ الأقحوانِ في أيدي الصبيةِ، وعوائِه المحمومِ عندَ مصبِّ النهرِ، ووقاحتِه غيرِ المتناهيةِ في أنَّه يفكِّرُ بتنصيبِ سلالتِه أُمناءَ على أعناقِنا، وحُرّاسًا لكرومِ العنبِ التي بات يفوحُ منها رائحةُ لُعابِ عائلتِه القذرِ. كثيرًا ما فكرتُ في الأمرِ لأضعَ له حلًّا ما، إمّا بمواجهةِ الذئبِ الشريرِ لأجعلهِ ينتهي عن أفعالِه الشنيعةِ تلك، أو بمحاولةِ إشعالِ تمرّدٍ من أعضاءِ القريةِ الذين قد يتحلَّون بشيءٍ من الشجاعةِ. ولكنَّ الذئبَ كان قليلَ الظهورِ، ينزوي في أكثرِ الأماكنِ حُلْكَةً وغموضًا – كما يقولُ فئةٌ قليلةٌ من الأشخاصِ الذين يدّعون أنَّهم قابلوه في أزمنةٍ غابرةٍ – ولم يره أحدٌ منذُ زمنٍ طويلٍ. غيرَ أنَّه في ليلةٍ قمراءَ، كنتُ أجلسُ في فناءِ منزلِنا أرقًا، بعد أن توقَّفت أصواتُ الصفيرِ والموسيقى الصاخبةِ من عرسٍ في الجوارِ لأحدِ العائلاتِ الثريّةِ في القريةِ. أظنُّه عرسُ ابنةِ سرحانَ أبو الخيرِ، أحدِ أفرادِ عائلةِ أبو الخيرِ الكبيرةِ التي تمتلكُ كثيرًا من النفوذِ والأراضي داخلَ القريةِ، ممّا يجعلُ الجميعَ يقدّرونها ويمنحونَها منزلةً عظيمةً. فهم – على حسبِ قولِ أهالي القريةِ – لم يبخلوا على أحدٍ قطُّ، وبدمائِهم سقَوا ترابَ القريةِ للدفاعِ عنها ضدَّ العدوِّ، كائنًا مَن يكونُ. كان العرسُ صاخبًا، كعادةِ أعراسِهم – فهذه الصبيةُ الثالثةُ التي تتزوّجُ تاجِرًا كبيرًا من خارجِ القريةِ – تتخلَّله أصواتُ إطلاقٍ ناريٍّ وهديرُ طبولٍ عميقٍ، ممّا جعل النومَ يهربُ من عينيَّ. في هذه الأثناءِ من هدأةِ الليلِ، لمحتُ الذئبَ في المدى وحيدًا يتهادى في سيرِه في قلبِ الظلامِ. فكّرتُ أن أعودَ القهقرى، ولكنَّ الذئبَ كان يبدو جميلًا، وله من اللمعانِ ما يكفي ليستأثرَ بانتباهِ مَن يراه. حثثتُ الخطى وقد استهلكَ منّي الأمرُ شجاعةً كبيرةً، ودنا بدورِه ببطءٍ نحو فناءِ منزلِنا بعد أن شقَّ طريقَه عبرَ السهلِ، إلى أن صار منّي على مسافةِ صفرٍ، غيرَ آبهٍ بتلك العصا التي أحملها، وجعل يحكُّ فروهُ الأسودَ الكثيفَ بساقَيّ المسمرّتَينِ في مكانِهما من الخوفِ. ترددتُ قبلَ أن أداعبَ وجهَه برفقٍ، ممّا حمل الذئبَ على أن يشرئبَّ بعنقِه إلى الأعلى فأعلى، مطلقًا من صدرِه أنينًا شديدَ العمقِ. جلستُ القرفصاءَ لأرى في إحدى ساقيهِ جرحًا عميقًا غائرًا. نام الذئبُ على جنبِه وقد زاد صوتُ أنينِه عمقًا، غيرَ أنَّه الآن جاءَ موجِعًا أكثرَ. توهّمتُ أن هناك رصاصةً داخلَ الجرحِ، فهرعتُ نحو المطبخِ لآتي بملقطٍ كي يتسنّى لي التقاطُ الرصاصةِ، وخرقةٍ قماشيةٍ ألفُّ بها ساقَه بعد أن أغسلَ له الجرحَ. ثبّتُّه على الأرضيةِ، وأمسكتُ بحذرٍ ساقَه، وباليدِ الأخرى أدخلتُ الملقطَ داخلَ الجرحِ الذي كان ينزفُ بشدّةٍ، وأخرجتُ الرصاصةَ برفقٍ. كانت تلك رصاصةَ بندقيةِ صيدٍ ثمينةً، من التي تبتاعُها عائلةُ أبو الخيرِ ويضعونَها زينةً على كلِّ جدارٍ من جدرانِ منزلِهم. ويبدو أنَّها استقرّت في ساقِ الذئبِ أثناءَ إطلاقِ رصاصٍ في الهواءِ خلالَ احتفالِهم بالعرسِ. وضعتُ الرصاصةَ المدمّاة على طاولةٍ قريبةٍ، ثم بعد أن لففتُ ساقَه، وبعد أن انتهى من شربِ الحساءِ الذي صببتُه في الطشتِ، أحضرتُ له غطاءً كي يتمكّنَ من الراحةِ أو النومِ بقيةَ الليلِ. أمضيتُ قليلًا من الوقتِ في تنظيفِ الملقطِ من الدماءِ وغسلِ الطشتِ قبل أن أستلقي على أريكةٍ عند عتبةِ فناءِ المنزلِ. كان الذئبُ ينامُ على جنبِه، واستطعتُ أن أرى ارتعاشاتِ جسدِه القلِق قبلَ أن يغرق تدريجيًا في النومِ، فيغلبني النعاسُ معه، وأنامَ حتى أيقظني الفجرُ. تفتّحت عينايَ لأولِ خيطٍ من خيوطِ الشمسِ. نهضتُ ببطءٍ، وتراءى لي مكانُ الذئبِ الأسودِ خاليًا. تقدّمتُ رويدًا رويدًا أتطلّعُ يمنةً ويسرةً، ولكن ما من أثرٍ. نظرتُ صوبَ المدى الذي كان عندئذٍ يتلوّنُ بلونِ السماءِ بزُرقةٍ مهيبةٍ. بدا لي المدى مرعبًا من فرطِ اتساعِه وتركيزِ هدوئِه. خمّنتُ أن يكون قد عدا إلى البعيدِ وقد استوحشَ ضيقَ المكانِ، أو أنَّه قرّر ببساطةٍ المغادرةَ. ولكن كيف؟ إنَّ جرحَه لا يزالُ حديثًا، ومن شبهِ المستحيلِ أن يكون قد التأمَ. اقتربتُ من الموضعِ الذي نامَ فيه، وقد هممتُ بإمساكِ الغطاءِ، عندها بزغَ الذئبُ من بينِ الأشجارِ الصغيرةِ يعدو عدوًا مندفعًا، بيدَ أنَّ عرجًا في ساقِه المصابةِ كان واضحًا. وثبَ نحو صدري باندفاعٍ كبيرٍ غيرَ آبهٍ بالإصابةِ. سقطتُ معه على الأرضيةِ الصلبةِ، وراح يلعقُ يديَّ اللتين كنتُ أحمي بهما نفسي خوفًا منه. كان يلهثُ بشدّةٍ، وتراءت لي عيناهُ بوضوحٍ أكبر هذه المرة: مفتوحتينِ على اتساعِهما، ويبدو عليهما لمعانٌ غريبٌ. نهضَ من فوقي. راقبتُه باندهاشٍ وهو يتعثّرُ بخطوهِ في الباحةِ بصورةٍ لا تخلو من البهجةِ، ثم راح يعدو إلى السهلِ، وغاب بعد ثوانٍ معدوداتٍ في المدى الواسعِ. أطلقتُ من صدري زفيرًا طويلًا، واستغرقتُ في التفكيرِ بأشياءَ كثيرةٍ في مكاني، قبل أن ألمحَ على الأرضِ الرصاصةَ المضرَّجة بالدماءِ التي استقرّت في ساقِ الذئبِ وقد سقطت من الطاولةِ عندما أطاحَ بي أرضًا منذ قليلٍ. أثارَ منظرُ الرصاصةِ فيَّ سخطًا شديدًا. ولم أستطع أن أمنعَ نفسي، وأنا أحدّق في المدى الواسع، من أن أتمتمَ بحنقٍ: أيُّها الذئبُ! الشريرُ! القاتلُ! الخدّاعُ!
حين تختارنا الأسئلة: كيف تبدأ قصة الفلسفة الفكرية؟
نوره بابعير
تبدأ الفلسفة الفكرية منذ اللحظة الأولى التي يُلقى فيها السؤال على الإنسان، لا بوصفه استفهامًا عابرًا، بل كشرارة توقظ العقل من سباته. فالسؤال هو الحدّ الفاصل بين السكون والحركة، بين التلقي الأعمى ومحاولة الفهم. وما إن تُطرح الأسئلة، حتى يبدأ العقل في التفاعل معها، متجاوزًا حدود المعرفة السطحية، باحثًا عمّا يكمن خلف المعنى الظاهر.
لكن، هل المحرّك الأساسي لتفعيل المعرفة هو الرغبة في الحصول على الإجابة؟ أم أن التحليل الذي يحدث أثناء البحث هو الإجابة الحقيقية بذاته؟ يبدو أن الإجابة لا تكمن في النتيجة النهائية بقدر ما تسكن في الرحلة نفسها. فحين يضع الوعي لمساته الأولى على العقل، يبدأ الفكر في التشكّل، وتنمو المخيلة الفكرية، وتتجه نحو استيعاب أعمق للمعاني، لا باعتبارها حقائق جاهزة، بل كمساحات مفتوحة للتأمل.
إن بعض الأسئلة لا نختارها بقدر ما تختارنا. تظهر فجأة حين نشعر بالفراغ تجاه المعنى، حين يتسع الداخل أكثر مما يحتمل الصمت. في تلك اللحظة، لا يكون السؤال ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. وهنا، يتدخل الوعي ليملأ ذلك الفراغ، ليس بإجابات سريعة، بل بممارسة التفكير ذاته، ليُشبع احتياج الوعي الناضج الذي لا يهدأ إلا حين يفهم.
ومع تقدم العقل في رحلة الفهم، يدرك أن العالم ليس فوضى من الأفكار، بل شبكة من المفاهيم التي تحتاج إلى مسميات وصفات، تُرتب وجودها في العقل كما تُرتب حضورها في الحياة. فالتسمية ليست فعلًا لغويًا فقط، بل ممارسة فلسفية تمنح الأشياء معناها، وتُعيد تشكيل علاقتنا بها.
وتبقى القوة الذاتية، مهما بلغت، بحاجة دائمة إلى وعيٍ نيّر، وعي يسعى باستمرار إلى ترجمة المفاهيم إلى صور متوازية بين الفكر والواقع، بين الداخل والخارج. فالفلسفة لا تبحث عن إجابات نهائية، بل تدرّب الإنسان على أن يكون أكثر وعيًا بأسئلته، وأكثر قدرة على الإصغاء لما يقوله عقله وهو يفكر.
وهكذا، لا تبدأ قصة الفلسفة عند أول إجابة، بل عند أول سؤال صادق، سؤال يطرق باب العقل، ويتركه مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي
” حصلتُ على شهادة في الفلسفة”
نوره بابعير
حينما حصلتُ على شهادة الفلسفة، لم أكن أستلم ورقة اعتمادٍ أكاديمي فحسب، بل كنت أفتح بابًا جديدًا في داخلي. تلك الفلسفة التي كانت تتسع في مساحات العقل، تُلحّ بالأسئلة وهي تدرك الحراك الذي يفيض من بحورها، كانت تدرك الأعماق المخبأة خلف أضوائها. حينما يفتش الإنسان عن عقلٍ نَيِّر، يجد نفسه أمام مرآة الفلسفة؛ يدخل في دهشة الأفكار، والتحليل، والتخييل الذاتي، والانتباه، والتنبؤات التي تسعى إلى تكوين المعنى بالمفهوم المُقَرَّب. لذلك كنت أدرك أن النمو العقلي يبدأ من وجود الفلسفة في المعنى، وأن لكل شيء أسلوبًا فلسفيًا يقود الوعي إلى وجهته.
ومع هذا الإدراك، يتضح أن الفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا ولا معرفة مؤجلة للحياة، بل هي اختيار واعٍ للتطور. حين يقدّم الإنسان لنفسه شيئًا من هذا العلم، فإنه لا يضيف معلومة إلى مخزونه العقلي بقدر ما يعيد تشكيل طريقة تفكيره. الفلسفة تعلّمنا كيف نسأل قبل أن نُسلّم، وكيف نُفكك المسلّمات التي اعتدنا عليها، وكيف نرى ما وراء الظاهر دون أن نفقد اتزاننا أمام التعقيد.
اختيار الفلسفة هو اختيار للوعي؛ وعيٌ بالذات، وبالعالم، وبالعلاقات التي تشكّل وجودنا. إنها تدفع الإنسان إلى مراجعة أفكاره، وتمنحه شجاعة إعادة النظر، وتحرّره من الأحكام الجاهزة. ومع كل سؤال فلسفي، يحدث تطور خفيّ في الداخل؛ يتسع الأفق، ويصبح العقل أكثر مرونة، وتغدو الفكرة مجالًا للتأمل لا للصراع.
وحين يتطور الإنسان فلسفيًا، ينعكس ذلك على حياته كلها. يصبح أكثر قدرة على الفهم لا على الإدانة، وعلى التحليل لا على الانفعال، وعلى اختيار مواقفه بوعي لا بردّة فعل. الفلسفة لا تغيّر ما نراه فقط، بل تغيّر الكيفية التي نرى بها، وتمنحنا أدوات للتمييز بين ما يُقال وما يُفكَّر فيه، بين الحقيقة والرأي، وبين المعنى والفراغ.
إن تقديم الإنسان للفلسفة لنفسه هو فعل شجاعة معرفية؛ لأن هذا العلم لا يمنح إجابات نهائية، بل يضعك في مسار دائم من التساؤل والنمو. لكنه مسار يقود إلى نضجٍ أعمق، وإلى وعيٍ أكثر صفاءً، وإلى قدرة على العيش بفهمٍ أوسع للذات والعالم. وهكذا، تصبح الفلسفة ليست شهادة تُعلّق، بل تجربة عقلية تُعاش، وخيارًا للتطور المستمر، ونقطة انطلاق نحو إنسانٍ أكثر وعيًا بذاته وبمعنى وجوده
فصل من كتاب | سيرتي لـ: أنتوني ترولوب
رغم أنني لا أعتزم في هذه الصفحات العودة إلى أصل آل ترولوب بأسرهم، لا بد من كتابة بضع كلمات عن والدتي، ويعود ذلك إلى أن واجب البر بالوالدين يدفعني إلى ذِكرها، وأن والدتي صنعتْ لنفسها اسماً مهمّاً في أدب زمانها، ومن جانبٍ آخر كذلك؛ أنّ في حياتها المهنية ظروفاً جديرة بالذكر. كانت ابنة القسّ ويليام ميلتون، قسّ قرية هكفيلد في هامبشاير، الذي كان زميلاً في نيو كوليدج، وكذلك والدي. كانت في الثلاثين من عمرها عندما تزوجت والدي عام ١٨٠٩، وقبل ست أو سبع سنوات مضت، وقعتْ في يدي مجموعة من رسائل الحب التي أرسلتها إليه بطريقةٍ فريدة للغاية؛ حيث وُجِدتْ في منزل شخصٍ غريب أرسلها إلي بلطف كبير. مرَّ على هذه الرسائل قُرابة ستين عاماً منذ ذلك الحين، كتبتْ عدداً منها قبل زواجهما، والقسم الآخر بعد الزواج، على مدى -ربما- عام.
لم أقرأ في أي روايةٍ رسائلية لصموئيل ريتشاردسون أو الأستاذة فرانسيس بورني رسائلَ في غاية العذوبة، جميلة، ومفعمة بمشاعر نبيلة في الوقت ذاته، لكن أعجوبة هذه الرسائل كانت في الفرق الغريب الذي تُضفيهِ على رسائل الحب في يومنا هذا؛ إذ كانت كلها مكتوبة على ورق مربّع الشكل، ومطوية ومختومة، ومرسلة إلى والدي بكل حب. إلا أن اللغة في كُلِّ رسالةٍ -رغم أنها بلغتْ حد الرومانسية-كانت مُنتقاةً ببراعة ونضج، دون تغيير المقطع اللفظي في نظر العين الناقدة. ففي يومنا هذا، أيّ فتاة تنتقي الكلمات التي ستخاطب بها حبيبها، أو تسعى لسحره بطلاوة الحديث؟ لقد كانت تحب توظيف القليل من الألفاظ العامية، وتجد متعةً بالغةً بترف التعرف الكامل على كيان جديد وغريب. وكان ثمة مغزى في ذلك، مغزىً محببٌ لأفكارنا، لكنني أخشى أن هذه المرحلة من الحياة لا تُفضي إلى شغف الشعر بين فتياتنا؛ غير أن والدتي كانت كاتبة في النثر الأدبي، وتجد متعتها في الهِجاء، وهكذا، تشبث بها الإحساس الشعري على الدوام.
في السنوات العشر الأولى من حياتها الزوجية أصبحت أمّاً لستة أطفال؛ توفي أربعة منهم بسبب مرض السل بأعمار مختلفة. تزوجتْ أختي الكبرى وأنجبت أطفالاً، وما يزال أحدهم على قيد الحياة؛ لكنها كانت واحدة من الأربعة الذين تبعوا بعضهم بعضاً وماتوا على فترات خلال حياة والدتي. ولم يبقَ لها غيري أنا وأخي توم؛ لنواجه نحن الثلاثة مصير كتابة كُتبٍ أكثر من أي وقت مضى، قد تكتبهُ عائلة واحدة. رفعتْ أختي المتزوجة الرقم بكتابة قصة قصيرة عن كنيسة عليا مجهولة الهوية أسمتها تشوليرتون. ومنذ تاريخ زواجهما حتى عام ١٨٢٧ -عندما سافرت والدتي إلى أمريكا- أخذتْ شؤون والدي تتدهور في العالم باستمرار. كانت تحب المجتمع؛ الأمر الذي عكس على شخصيتها دوراً ليبرالياً إلى حد ما، وجعلها تبدي نوبة كراهيةٍ نحو الطغاة؛ انبثقتْ من أخطاء قتلة الملوك المحتملين وفاقة المنفيين الوطنيين؛ حتى إن الماركيز الإيطالي، الذي فرَّ بثيابٍ مستعملة من براثن أرشيدوق كان راغباً في إبادته، أو البروليتاريّ الفرنسي الذي يفكر -بطريقةٍ غير مباشرة- في التضحية بنفسهِ في سبيل قضية الحرية، كان موضع ترحيبٍ دائم في الضيافة المتواضعة لمنزلها. وبعد عدة سنوات، حين أبدى ماركيز من طبقة أخرى لطفاً معها، أصبحتْ مؤيدةً شرسة للمحافظين، ورأتْ أن الأرشيدوقات جميلات. وهكذا، طالما كانت معتقداتها السياسية شأناً من شؤون القلب، كما كانت في الحقيقة قناعاتها كلها. وعليهِ، أحسبُ أنها -بعد التفكير في الأسباب- أظنها لا تعرف شيئاً. كانت ذات قلب سليم النيّة من النواحي كلها، ورغبتها في فعل الخير لكلّ من حولها شاملة جداً، وقوة تضحيتها كبيرةً للغاية؛ إلى درجة أنها تحصل على الحق عادةً، مع أنها تفتقر إلى المنطق؛ ولكن لا بد من التسليم بأنها كانت امرأةً عاطفية. أتذكر كتبها جيداً، وبإمكاني رؤيتها تؤدي أنشطتها. كانت تُحب الشاعرين دانتي وسبنسر، لكنها أيضاً كانت تُفرط في مديح من تثني عليهِ السيدات في ذلك الوقت. أبهرتها الشهرة والمشهورون، فذرفت الدموع على ظلم اللورد بايرون. كانت من بين أولئك الذين يتلقفون الروايات بنهمٍ عند صدورها؛ مثل روايات السّير والتر سكوت غير المعروف آنذاك. ومن بين أولئك الذين ما يزالون يتحدثون عن انتصارات الآنسة ماريا إدجوورث، كانت على درايةٍ بالأدب في تلك الفترة، وبشعراء الماضي. أما بالنسبة إلى قراءات أخرى، فلا إخالها أتقنت الكثير. أعدُّ حياتها -مع أنها كانت تُخيم عليها في الفترة الأخيرة متاعب جمة- مُريحةً، منغمسةً بالترف، ولا معنى لها؛ حتى أبعدتها شؤون والدي وتطلعاتها الخاصة إلى أمريكا. كانت تحظى بأصدقاء أعزاء بين الأدباء، أتذكر منهم ماتياس، هنري ميلمان، الآنسة لاندون؛ لكنها، حتى بعد مضي فترة طويلة من نصف حياتها، لم تكتب سطراً واحداً جاهزاً للنشر. سافرت إلى أمريكا عام ١٨٢٧، بعد أن أثارتها -إلى حدٍ ما-الأفكار الاجتماعية والشيوعية لسيدة أتذكرها بوضوح تدعى الآنسة رايت، والتي أعتقد أنها كانت أول المُحاضرات الأمريكيات من النساء. ورغم ذلك، كانت رغبتها الرئيسة هي إنشاء عمل لأخي هنري، وربما كان العمل على ذلك هو مدعاة أخرى لتفكيك بيتها الإنكليزي دون الاعتراض على ثرواتها المنهارة أمام العالم بأسره. في سينسيناتي بولاية أوهايو، قامت ببناء بازار، وأحسب أنها خسرت الأموال كلها؛ التي ربما تم الشروع فيها في تلك المضاربة. لا أظن أن الأمر دام كثيراً، كما لا بد أن آخرين عانوا كذلك؛ لكنها أمعنت النظر في من حولها، إلى أبناء عمومتها الأمريكيين، وقررتْ أن تكتب كتاباً عنهم. جلبت هذا الكتاب معها في عام ١٨٣١، ونَشرَتهُ في أوائل عام١٨٣٢. كان عمرها خمسين عاماً آنذاك. وعند نشرها هذا الكتاب كانت تُدرك أنه إذا ما لم تنجح في كسب المال، فلن يكون ثمة مال لأيِّ فرد من أفراد الأسرة. لم تكن قد كسبتْ شلناً واحداً في حياتها من قبل، وتلقتْ على الفور مبلغاً كبيراً تقريباً من الناشرين، وإذا لم تخني ذاكرتي مبلغاً بقيمة أربعمئة جنيه إسترليني في غضون أشهر قليلة؛ ولأكثر من عشرين عاماً أخذتْ منذ ذلك الوقت حتى وفاتها تتلقى إيرادات كبيرة من خلال كتاباتها. لقد كان عمراً متأخراً لبدء مثل هذه المهنة. كان كتاب «الأصول المحلية للأمريكيين» أول سلسلة من كتب الرحلات، وربما كان الأفضل من بين السلسلة، والأشهر بلا ريب. ولن يكون من المبالغة أن نقول إنه كان ذا تأثير جوهريّ على سلوك الأميريكيين في ذلك الوقت، وإن ذلك التأثير حظي بتقدير كامل من قِبَلهم. ولا جرم أنه ما من شاهد كان أقل كفاءة من أي وقت مضى ليحكم على آفاق الشباب أو حتى على سعادتهم.
ما كان لأحد أن يتكيف بطبيعته على نحو أسوأ مع مهمة المعرفة؛ ما إذا كانت الأمة في طريقها إلى الازدهار؛ إذ أيّاً كان ما تراه، إنها تحكم عليه -كما تفعل معظم النساء- من وجهة نظرها، وإذا كان الشيء قبيحاً في عينيها، فيجب أن يكون قبيحاً في أعين الآخرين، وإذا كان قبيحاً، فلا بد أن يكون سيئاً.
ماذا لو كان لدى الناس الكثير من الطعام ليأكلوه، والكثير من الملابس لارتدائها، وهم يدوسون الموائد بأقدامهم، ولا يحترمون أفضل ما يملكون؟ كان الأمريكيون يعاملونها بخشونة وفظاظة وابتذال، ولقد أخبرتهم بذلك. أما تلك الأفكار الشيوعية والاجتماعية، التي ظنتها عظيمة في غرفة الجلوس خاصتها، فقد تبعثرتْ مع الرياح. كانت مجلدات الكتب التي كتبتها حادة اللهجة للغاية؛ لكنّها كتبتها على نحوٍ ذكي جداً؛ الأمر الذي أنقذ العائلة من الفقر. وهكذا بدأ الكتاب يتبع الكتاب مباشرةً؛ كتبتْ في البداية روايتين، ومن ثم كتاباً عن بلجيكا وألمانيا الغربية. وأعادتْ تأثيث المنزل الذي أسميته مزرعة أورلي، وأحاطتنا مرة أخرى بوسائل راحة بسيطة.
يكاد يكون من المستحيل التحدث بشيءٍ من المبالغة عن المرح والتعب في العمل الدؤوب الذي شكَّل شخصيتها. كان التعب شيئاً منفصلاً احتفظتْ بهِ لنفسها، وليس هناك داعٍ لأن يلاحظه أي شخص يعيش معها. كانت تجلس إلى مكتبها عند الرابعة صباحاً، تُنهي عملها قبل أن يبدأ العالم في الاستيقاظ. ورغم أن كل ما يتعلق بالبهجة والمرح كان من نصيب الآخرين؛ لكن في وسعها الرقص بأرجل الآخرين، وأن تتناول الطعام والشراب تماشياً مع أذواق الآخرين، وأن تشعر بالفخر لرؤيتها فتاةً ترتدي ثياباً فاخرة مبهرجة. يمكن لكل أم أن تفعل ذلك لبناتها؛ لكنها في وسعها أن تشعر بذلك تجاه أي فتاة يُعجِبها مظهرها وصوتها وأخلاقها. حتى عندما تكون منهمكةً في العمل، كانت ضَحِكات من تُحبهم مصدر بهجة لها. كان في قلبها الكثير.. الكثير.. لتعاني. ففي بعض الأحايين، يصبح العمل شاقاً عليها، وكان مطلوباً منها إنجازهُ، وهي مسرفة، تحب الحصول على المال لإنفاقه، ولكن من بين جميع الأشخاص الذين عرفتهم كانت الأكثر بهجة، أو -على أقل تقدير- الأكثر قدرة على الفرح. واصلنا هذه الحياة المتجددة في هارو لما يقرب من عامين، وكنت ما أزال في المدرسة خلالها، وفي نهايتها بلغتُ من العمر تسعة عشر عاماً تقريباً، عندئذٍ حلَّتْ كارثة كبيرة. حين كان والدي بصحةٍ جيدة، يعيش حياة بائسة بين الرهبان والراهبات، كان ما يزال يحتفظ بالجواد والعربة. وفي أحد أيام مارس ١٨٣٤، وتماماً كما قد تقرر أن عليَّ مغادرة المدرسة عوضاً عن البقاء حتى منتصف الصيف مثلما كان مُقرراً. استدعاني في الصباح الباكر لإيصالهِ إلى لندن. لقد كان مريضاً، ولا بد أنَّ مرضهُ كان شديداً إلى درجة أن يرضخ لأي شخص يمكنه إيصاله. وما إن انطلقنا حتى أخبرني أن عليَّ إيصاله إلى متن باخرة تُبحر إلى أوستند/بلجيكا، وهذا ما فعلته؛ لقد أوصلته عبر المدينة إلى المرسى. لم يكن من طبيعته أن يكون صريحاً، وحتى نهاية الرحلة لم يخبرني عن سبب سفرهِ إلى أوستند. كنتُ قد سمعتُ من قبل شيئاً من قبيل الرحيل بسرعة خارج البلاد ولكن لماذا كان عليه أن يرحل أولاً، وأن يسافر بهذهِ الطريقة المفاجئة؟! لم أعرف جواباً -على الأقل- حتى قفلتُ عائداً بالعربة إلى المنزل، ولمحتُ أن المنزل والأثاث أصبحا في عهدة ضباط العمدة. أوقفني البستاني الذي كان يعمل عندنا في الأيام السابقة وأنا أقود العربة على الطريق، ونبهني، بالإيماءات والإشارات والهمسات؛ إلى أن الحاجات برمتها – أي الجواد وطقم الجواد والعربة- سيجعلون منها جائزة إذا واصلتُ تقدُّمي على بعد بضع ياردات أكثر. لم أعرف السبب وراء ضرورة ألَّا يتحول الجواد وطقم الجواد والعربة إلى جائزة! لم يقدم هذا الجزء الصغير من الأعمال المضللة التي أنجزتها بنفسي، وتكللتْ بالنجاح أيَّ خدمةٍ خاصة لأيّ فردٍ من العائلة. قُدتُ العربة إلى القرية، وبعتُ المعدات كاملة إلى تاجر الحديد والأدوات المعدنية مقابل سبعة عشر جنيهاً؛ الثمن الذي ادعى أنَّه قيمة هذه المعدات. وقد امتدحني البستاني كثيراً؛ إذ بدا يعتقد أن الكثير من الناس أُنقذوا من النار بهذا التصرف. وأنا أحسب أن الرابح الوحيد من كل ذلك كان تاجر الحديد والأدوات المعدنية. وحين عدتُ الى المنزل، كان مشهد الأسى جارياً على قدمٍ وساق، ولم يكن يخلو من روح الدعابة؛ فوالدتي، بالرغم من متاعبها، وجدتْ وسيلةً للحفاظ على عدد محدد من الحاجيات العزيزة على قلبها. لم تكن حاجاتٍ فخمة لأن بهرجةَ المنازل في تلك الأيام لم تكن فاخرةً كما هي اليوم، ولكن كان هناك بعض الخزف الصيني، وقليل من الزجاجيات وبعض الكتب، ومخزون معين من أدوات الفضة المنزلية. كانت هذه الحاجات، وأشياء أخرى من هذا القبيل، تُنقَل خلسة إلى مسكن صديقنا العقيد غرانت من خلال شق بين حدائقنا. وكانت أختاي -بعمر السادسة عشرة والسابعة عشرة آنذاك- وبنات آل غرانت اللواتي كن أصغر سناً، هن اللصوص في هذهِ العملية. وكان من دواعي سروري المشاركة في مثل هذه العمليات وفي أي مشروع، وهكذا خدعنا الدائنين، فيما بيننا، وفي حدود قدراتنا، وسط اللعنات، ولكن بالابتعاد المتسم بحس الدعابة عن العنف الفردي من الرجال المسؤولين عن الممتلكات. ما أزال أمتلك بعض الكتب التي سرقناها بهذهِ الطريقة. ولبضعة أيام، عاشت العائلة كلها تحت سقف العقيد المضياف، تعتني بنا وتعمل على راحتنا زوجتهُ، أَحبُ النساء إليهِ. ثم تبعنا أبي إلى بلجيكا واستقررنا في بيت كبير خارج أسوار مدينة بروج. ومن وقتها حتى وفاة والدي، كان كل شيء يكتمل بالمال الذي تكسبه والدتي. فعادت مرة أخرى إلى تأثيث المنزل، وكان هذا المنزل الثالث الذي عملتْ على تأهيله منذ عودتها من أمريكا قبل عامين ونصف.
مضى ستّة أفراد منّا إلى هذا النفي الجديد. غادر أخي هنري كامبريدج وكان مريضاً، وأختي الصغرى مريضة، ومع أننا بالكاد يخبر بعضنا الآخر بأننا نواجه الأمر الواقع، بدأنا نشعر بذلك الشيطان المُدمِّر، مرض السل، يعيش بيننا. كان والدي كسير القلب بقدر ما كانتْ صحتهُ معتلة، لكنه ما فتئ يعمل على سجلاته الكنسيّة كلما يجلس إلى مكتبهِ. في حين كنتُ أنا وأختي الكبرى بصحةٍ جيدة؛ لكنني كنتُ عالةً، بائساً، كسولاً، إنساناً في قمة اليأس، وشاباً أخرق بعمر التاسعة عشرة؛ دون أدنى فكرة عن مهنة، أو حِرفةٍ، أو تجارة. علاوةً على ذلك، أتذكر أنني كنت سعيداً إلى حد ما؛ لأنه كانت هناك فتيات جميلات في بروج بإمكاني أن أتخيل أنني واقعٌ في حالة حب معهن، ثم أنني ابتعدتُ عن الشقاء الحقيقي للمدرسة. ولكن فيما يتعلق بحياتي المستقبلية، لم يكن لديَّ طموحٌ حتى.
ثم أخذ ينتابني شعور بين الفينة والأخرى؛ إذ يعزّ عليَّ رؤية والدتي مضطرة إلى فعل الكثير من أجلنا، وأننا نقف مكتوفي الأيدي بينما هي مجبرة على العمل باستمرار، ولكن ربما صار لزاماً علينا أن نفكر أكثر في الأمر لو أنها لم تضطر إلى العمل كما هي حالة الحياة المعترف بها لسيدة كبيرة في الخامسة والخمسين. ثم، أخذ الحزن يأخذ مكانه في المنزل بيننا شيئاً فشيئاً، وأصبح أخي عاجزاً. وأكدوا تلك الكلمة المروعة، التي ظلت أبشع كلمة بالنسبة إلينا من بين جميع الكلمات ولعدة سنوات. وهكذا باتت رئتاه هشتين، وكان كل ما يحتاجه شيئاً من العناية الخاصة بوصفها ضرورة مؤقتة، والسبب مرض السل! قال ذلك طبيب من بروج، وكنا نعلم أنه على حق. ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، باتت مهنة والدتي الأبرز هي التمريض. كان ثمة رجلان مريضان في المنزل، وكانت يداها هي التي ترعاهما. وبلا شك، واصلتْ عملها في كتابة الروايات.
كنا قد اعتدنا على معرفة أن الروايات ستكون مُتاحة قريباً على فتراتٍ زمنية محددة، وطالما كانت قريبةً. حجزت قوارير الطبيب وزجاجات الحبر أماكن متساوية في غرف أمي. لقد كتبتُ العديد من الروايات في ظل العديد من الظروف؛ لكنني أشك شكاً كبيراً في قدرتي على كتابة رواية واحدة عندما يكون قلبي بجانب سرير ولدي الذي يحتضر! لم أرَ نظيراً يوماً لقدرتها على تقسيم نفسها إلى قسمين، والحفاظ على ذكائها كما هو، ذكاءً نقياً من متاعب العالم، ومؤهلاً للواجب الذي كان عليها القيام بهِ. لا أرى أنَّ كتابة رواية هي مهمة من الصعوبة بمكان على رجل إنجازها، لكنها مهمة تتطلب روحاً تعيش حالةً من الاطمئنان والراحة إلى حد ما. فالكتابة بروحٍ مضطربة قتلت السير والتر سكوت. مرت والدتي بكل ذلك دون أن يضيرها شيء؛ على الرغم من أنها أدت عمل ممرضةٍ نهارية وممرضة ليلية لأسرة معتلة؛ لأنه سرعان ما مات ثلاثة منهم. خلال تلك الفترة جاءني عرض من جهة ما بدخول الخدمة في فوج سلاح الفرسان النمساوي وهكذا كان قدري على ما يبدو؛ أن أكون جندياً. لكن يجب أن أتعلّم الألمانية والفرنسية أولاً؛ لغتين لا أعرف عنهما شيئاً تقريباً! وكان ينبغي الالتحاق بالخدمة في ذلك العام لإتمامها دون مصاريف، فقمتُ بواجبات مرشدٍ تقليدي في مدرسةٍ كان يرعاها وليام دروري في بروكسل حينئذٍ. كان السيد دروري أحد الأساتذة في هارو حين دخلتُ المدرسة في السابعة من عمري هناك، وهو اليوم -حتى بعد مضي ثلاثة وخمسين عاماً- يرأس القداديس بصفتهِ قسّاً في ذلك المكان.
سافرتُ إلى بروكسل، وقلبي يغوص في داخلي من التفكير في أن هناك من أودعَ بين يدي مهمة تعليم ثلاثين صبياً! ولايسعني إلا أن أرجو أن يذهب هؤلاء الأولاد إلى هناك لتعلم اللغة الفرنسية، وأن آباءهم ليسوا متخصصين بما يتعلق بتحصيلهم الدراسي الكلاسيكي. أتذكر في مرتين، أرسلوني لاصطحاب التلاميذ في نزهة، ولكن بعد المحاولة الثانية قالت السيدة دروري إن ملابس الأولاد لن تصمد أمام أي تجارب أخرى من هذا النوع. لا أذكر أي تعليم تعلمته من لغات أخرى، ولكن لما كنت لم أمضِ سوى ستة أسابيع في هذا المنصب، فربما لم تكن دروس الاستئناف قد بدأت بعد. وفي نهاية الأسابيع الستة وصلتني رسالة عُرِضَ عليَّ فيها وظيفةٌ مكتبية في مكتب البريد العام، فقبلتها.
ومن بين أعز صديقات أمي ممن كان المرء يُعول عليها، السيدة فريلنغ؛ زوجة كلايتون فريلنغ، الذي كان والدهُ السير فرانسيس فريلنغ، يُدير مكتب البريد آنذاك. كانت قد سمعت بمنصبي البائس، فرَجَتْ والد زوجها كي يجد لي وظيفةً في مكتبه، فأسرعتُ عائداً من بروكسل إلى بروج في طريقي إلى لندن، ووجدتُ أن عدد المصابين في عائلتي قد ازداد؛ فأختي الصغرى، إميلي، التي عندما غادرت المنزل كان وضعها الصحي على المحك، كانت متوعكة، ولكن بلغة الأمل الكاذب المدرك للحقيقة؛ إلا أنه يكذب خوفاً على أصحاب القلوب الضعيفة، فوصفتها على أنها متوعكة؛ غير أنَّ مرضها كان شديداً ومصيرها محتوماً. كنتُ أعرف ذلك عن كليهما؛ مع أنني لم أسمع ذلك بالمعنى الصريح للكلمة، ولم أتحدث به لأحد، كان والدي مريضاً للغاية، مريضاً حتى الموت؛ مع أنني لم أكن مُدركاً، فقررتْ أمي إرسال أختي الكبرى إلى إنكلترا، معتقدة أن العيش قرب هذا القدر الكبير من المرض قد يكون مؤذياً لها. حدث كل ذلك في أواخر خريف عام ١٨٣٤، في الربيع الذي وصلنا فيه إلى بروج. بعد ذلك تُرِكتْ والدتي وحيدةً في منزل كبير خارج المدينة، مع سيدتين بلجيكيتين عاملتين؛ لترعى هؤلاء المرضى المحتضرين -زوجها وأطفالها- ولتكتب روايات لإعالة الأسرة! وقد كتبتْ أفضل رواياتها في هذه الفترة من حياتها المهنية. سأعود في الفصل التالي إلى بداية عملي في مكتب البريد. قبل عيد الميلاد مباشرة مات أخي ودُفِن في بروج، وفي فبراير التالي توفي والدي، ودُفِن إلى جانبه، وماتت معهُ تلك المهمة المضجرة التي كان يؤديها، والتي لا يسعني إلا أن آمل أنها كانت مصدرَ عزاءٍ لهُ خففتْ من وطأة أيامهِ الأخيرة. أحياناً أنظر إلى الماضي، ولساعات أُفكِرُ ملياً في مصيره الوخيم؛ فقد كان رجلاً متعلماً تعليماً رائعاً، يؤدي أدواراً مميزة، ولديه قدرة هائلة على العمل، ويتمتع بقوة بدنية تفوق بكثير متوسط قوة الرجال. لم يكن من المدمنين على الرذائل والملذات، وكان محباً بطبيعته، حريصاً على رفاهية أطفاله، وُلد وهو يملك ثروات متوسطة المستوى؛ حتى يمكن القول عندما بدأتْ حياتهُ، إنه كان يملك كل شيء تحت قدميه. لكن سارت الأمور كلها على نحوٍ خاطئ معه، وكأن لمسة يدهِ تزرع الفشل. فشرع في مشروعٍ ميئوس منهُ يتلوه المشروع الآخر، وأنفق كل ما في حوزتهِ من مال في ذلك الوقت. بَيْدَ أن أسوأ لعنة حلتْ عليهِ كانت مزاجه سريع الانفعال! إلى الحد الذي عجز معه حتى أولئك الذين أحبهم أكثر من غيرهم عن تحملهِ. كنا جميعاً مبتعدين عنه، ومع ذلك أحسبُ أنه كان سيضحي بدماء قلبه من أجلنا فرداً فرداً. كانت حياته مأساةً تراجيدية طويلة الأمد، كما رأيتها. بعد وفاته انتقلت أمي إلى إنكلترا، فاستأجرتْ وأثثت منزلاً صغيراً في هادلي؛ بالقرب من بارنت. كنتُ آنذاك موظفاً في مكتب البريد في لندن، أتذكر بوضوح كيف كانت تُضفي بهجةً على المكان بطهيها وجبات عشاء صغيرة، ورقصات بسيطة، ونُزهات قريبة، في حين كانت هي نفسها تتوجه إلى العمل كل صباح قبل وقتٍ طويل من مغادرة الآخرين أسرّتهم، لكنها لم تمكث في هادلي أكثر من سنة؛ حيث سافرت إلى لندن، وأخذت منزلاً وأثّثتْه من جديد. ثم تزوجتْ أختي الناجية وانتقلتْ إلى كمبرلاند، وسرعان ماتبعتها أمي. وفي هذه المرة، قامت بما هو أكثر من مجرد استئجار منزل! لقد اشترت قطعة أرض صغيرة -حقلاً من ثلاثة أفدنة قرب البلدة- وبنت لها مسكناً. حصل ذلك عام ١٨٤١ حسبما أذكر، وهي بذلك قد أنشأتْ وأعادتْ تشييد حياتها ست مرات خلال عشر سنوات؛ لكنها وجدتْ المناخ في كمبرلاند قاسياً للغاية. انتقلتْ في عام ١٨٤٤ إلى فلورنسا؛ حيث بقيت حتى وفاتها في عام ١٨٦٣. واستمرتْ في الكتابة حتى عام ١٨٥٦؛ حين بلغت ستاً وسبعين عاماً من العمر، وكتبتْ خلال ذلك ١١٤مُجلداً؛ كتبتْ أولهُ بعمر الخمسين فحسب. تُقدم حياتها المهنية تشجيعاً كبيراً لأولئك الذين لم ينطلقوا في حياتهم ويحققوا طموحاتهم مبكراً، لكنهم ما يزالون يطمحون لإنجاز شيءٍ قبل أن يغادروا هذا العالم. كانت امرأة غير أنانية، مُحِبة، وفي غاية المثابرة والدأب، لها قدرةٌ كبيرة على التفكه ولها مواهب جمة. وكانت تتمتع كذلك بقدرٍ كبيرٍ من الطاقات الإبداعية الخلاقة وحس الدعابة، والشعور الصادق في الحب، لكنها لم تكن واعية الرؤية ولا دقيقة، وفي محاولاتها لوصف الأخلاق والآداب وحتى الحقائق، لم تتجنب مزالق المبالغة.
لماذا نُفرِط في الاستهلاك؟ ترجمة: محمد الدندن
تفيدُ الدراسة أنّ شُرودَ الذهن أثناء ممارسة الأنشطة اليومية الممتعة، قد يسبّبُ تقليلَ مشاعر الرضا والسرور لدى الفرد، وقد يؤدي إلى التعويضِ المُفرِط عمّا فقدَهُ المرء من تلك المشاعر.
واشنطن– وفقاً لبحث نشرَتهُ الجمعية الأمريكية لعلم النّفس، فإنّك لو كنتَ تميل لعمل أشياءَ غير ضروريةٍ أثناء تناول وجبة العَشاء، فقد تقعُ لاحقاً في خطرِ الشّراهة في استهلاكِ المُتَع اليوميّة؛ لأنّ شُرودَ الذّهن قد يتسبّب في تقليص شعورك بالمتعة.
بحثَتْ الدّراسة في كيفيّة تأثير شرود الذّهن في “الاستهلاك اللّذي” أو في شراء واستخدام المُنتجات والخدمات؛ ذلك لأنّها تَهبُنا شُعوراً بالارتياح وليس بالضرورة لأنّنا نحتاج تلك الأشياء.
قال المؤلّفْ ورئيسُ الدّراسة، ستيفن لي مورفي، الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة جينت: ” قد يحظى الإنسان بلذّة كبرى بواحدة أو أكثر من تلك المُتَع اليوميّة في أيّ يوم، لكنَّ عامّةَ الناس يستهلكون سِلَعاً ذات مُتع حسيّة، أكثرَ ممّا يرغبون أو يستفيدون”.
ويرى د.مورفي، أنّ شُرودَ الذّهن قد يكون أحد الأسباب للإفراط في الاستهلاك. تُشيرُ الأبحاث إلى أنّ شرود أذهان الناس عند انخراطِهم في عملٍ مُمتع، سيمنحُهم قدْراً أقلّ من الشعور بالمُتعة، في حين أنّ مُتعتهم ستكون أكبر لو كانوا متيقّظي الذّهن. ويُمكنُ أن يؤدي ذلك التّشتُّت إلى مشاعرِ السّخَط والاستياء، وقد يدفعُ الناس أيضاً للإفراط في الاستهلاك؛ تعويضاً عن تِلك المُتعة النّاقصة.
وقد نُشرت هذه الدّراسة في مجلّة “الشّخصيّة وعلم النّفس الاجتماعي”.
لفَهمِ تأثير التّشتّت في الإستهلاك المُفرِط بدرجة أكبر، فقد أجرى الباحثون في البداية تجربةً شملت 122 مشاركاً (معظمهم من الإناث وتتراوح أعمارهم إجمالاً بين 18 و24 عامًا) وقد أُبلِغُوا أنّ يتوقّعوا مِقدار المتعة التي سوف يحظون بها، قبل أن يأكلوا وجبة الغداء. بعد ذلك، طُلب منهم أن يتناولوا غدائهم، ولكن ضِمن تلك الشروط الثّلاثة: الأكل مع عدم وجود عُنصر تشتيت، أوالأكل مع وجود عُنصر تشتيت مُتوسّط الشدّة (مشاهدة مقطع فيديو)، أو الأكل مع وجود عُنصر تشتيت عالي الشّدة (لعبة تَتريس1). وبعد انتهاء المشاركين من تناول وجبة الغداء، أبلَغوا أصحابَ الدّراسة بمِقدار استمتاعهم الفعلي ورضاهم بالطّعام، بل ورغبتِهم بمزيدٍ من اللّذة والكمّية من الطعام الذي أكلوه.
(Tetris)1- لعبة فيديو روسيّة، لصفّ القِطع مربّعة الشكل.
تَتريس. (بالإنجليزية: Tetris)؛ و(بالروسية: Тетрис)هي لعبة فيديو من نوع الألغاز
توجد اللعبة تقريبا على كل أجهزة الألعاب وأنظمة تشغيل الحواسيب ( المصدر: ويكيبيديا)
وبعد ذلك، طلَبَ أصحابُ الدراسة من المشاركين، في نفس اليوم، أن يقدّموا تقريراً أثناء تناول وجباتِهم الخفيفة، تماماً كما فعلوا أثناء تجربة وجبة الغداء الرئيسية. أفاد المشاركون الذين أكلوا الغداء أثناء التّشتّت، بأنّهم شعروا بمتعة ورضا أقل قدرا، وارتبَط ذلك باستهلاك وجبات خفيفة بكَثرةٍ بعد تناوُلِهم وجبة الغداء، إضافةً إلى رغبتهِم المُشتعلة لإشباعِ مشاعِر اللّذة إلى أقصى حد.
ويعتقد الباحثون أنّ هذا التّأثير المُشار إليه، والذي يُطلقون عليه مصطلح “التّعويض اللّذي”، لا يقتصرُ على تناول الطعام فحسب، بل ينطوي على أنشطة أخرى. فمثلاً، من يتشتّتُ أثناء مشاهدةِ فيلم ما أو ممارسة لعبة ما، قد يُصبح أكثرَ عُرضةً للإنخراطِ في نشاط إضافي (مثلَ استعمالِ تطبيقاتِ التواصل الإجتماعي) ليُعوّضَ عن مُتعتِه التي نقَصَتْ من نشاطِه الرئيسي.
واصلَ الباحثون أيضًا متابعة 220 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 18 و71 عامًا (أكثرهم من الإناث أيضاً) لمدة أسبوع؛ للبحثِ في هذا التّأثير الأكثر شمولا، إلى ما هو أبعد من قضية تناول الطّعام فحسب. قام المشاركون في هذه الفترة بتعبئة سبعة استبيانات قصيرة، في كل يوم، عبر هواتفهم الذكية فيما يتعلق باستِهلاكهم اللّذي، وتشتيتِ انتباهِهِم، ومدى رِضاهُم. وإضافةً إلى النّتيجة السابقة في تجربة تناول الطّعام، فإنّ الباحثين قد استنتَجوا أنّ الأشخاص المُشتّتين أثناء الاستهلاك، غالباً ما يشعُرونَ بمتعةٍ أقلّ عند استهلاكِهِم، خلافا لما كانوا يأمَلون، وشعروا كذلك برِضاً أقل وبِحاجَةٍ مُلحّةٍ للحصول على المزيدِ من مشاعر المُتعة واللّذة.
وقال د.مورفي: “إنّ الإفراط في استهلاك الأشياء، غالبا ما ينشأ نتيجةً لضعفِ السّيطرة على شهوات النّفس، بيدَ أنّ نتائج الدراسة أشارت إلى أنّ الإفراط في الاستهلاك قد ينشأ بسبب النّزعة البشرية للوصول إلى درجة مُعيّنة من المتعة في ممارسة عملٍ ما. وعندما يغدو التّشتُّت عائقاً في بلوغ تلك الدّرجة من المتعة، فغالباً سنسعى للتّعويضِ عنها من خلال استهلاك المزيدِ من الأشياء”.
يعتزم مورفي وزملاؤه إجراء العديد من الأبحاث؛ للوصول لنتائج متكرّرة، تؤكّدُ على وجود تأثير التّعويض اللّذّي عند الناس. وإذا أكّدَتْ أبحاثٌ أخرى ذلك التأثير، فإنّ فريق البحث سيُطبّق تدخّلات علاجية على الناس لمساعدتهم في التّركيز بدرجة أكبر عندما يستهلِكون الأشياء؛ وذلك لمحاولة تقليل احتمالية الإفراط في الاستهلاك. وقال مورفي: “من خلال فهم المسبّبات الرئيسية للإفراط في الاستهلاك اللّذي، يمكننا وضع استراتيجيات تساعد في الحد من نشوئِه”.
المقال: المُتع المُخيّبة للآمال: نحو تفسير ذاتيّ التّنظيم للإفراط في التّعويض اللّذي والإفراط في الاستهلاك، بقلم د.ستيفين لي مورفي، جامعة جينيت، ود.فلور فان مير، ود.لوتي فان ديلين، ود.هينك فان ستينبيرجين، جامعة لايدن، ود.ويلهلم فوفمان، جامعة رور روكوم. مجلة الشّخصية وعلم النّفس الاجتماعي، نُشرت على الإنترنت في 16 مايو 2024.
رابط المصدر:
https://www.apa.org/news/press/releases/2024/05/why-do-we-overindulge
إعصار الحياة رحلة طبيب بين القيود والإبداع في غرفة الطوارئ
“إعصار الحياة: رحلة طبيب بين القيود والإبداع في غرفة الطوارئ”
يشاركنا جي باروخ خمسة أفكار من كتابه إعصار الحياة
1. الناس هم قصصهم، وليسوا بيانات بوجوه.
في منطقة الكوارث السردية داخل غرفة الطوارئ، تركيزي الأساسي هو التأكد من أن القصة التي يرويها المريض هي نفسها التي أسمعها. ففي بيئة سريعة الإيقاع ومليئة بالتحديات والقيود، من السهل أن يُختزل الإنسان إلى ملف طبي. لكن كل مريض يستحق أن يُسمَع صوته.
المريض يواجه مهمة صعبة: أن يصيغ قصة شخصية عميقة ويثق بطبيبٍ لم يلتقِ به من قبل. ولا يمكنني أن أعتني بمرضاي إن لم أعتنِ بقصصهم الفريدة.
وصفت الباحثة السردية كاثرين مونتغمري هذا التحدي بعبارة بليغة:
“الأطباء يسعون إلى إتقان خرائط المرض، لكن كل مريض، وكل حالة مرض، هي أرض مجهولة.”
في الطب، تساعد الأدلة البحثية على اتخاذ القرارات، لكن الوصول إلى جوهر معاناة المريض أو حاجاته يتطلب الإصغاء لأعراضه الظاهرة والانتباه أيضًا لأعبائه الاجتماعية والنفسية غير المرئية.
القصص العظيمة تتمحور حول شخصيات مثيرة، ذات رغبات وتوقعات، تواجه عوائق ومشكلات. والمريض هو الكاتب والبطل في قصة عميقة عن معنى الحياة. وغالبًا ما تتعقد مشكلات الجسد بسبب مشكلات أخرى: كالعلاقات، والمال، والصحة النفسية، والإدمان، والوحدة.
قال عالم النفس جيروم برونر:
“السرد هو دعوة للبحث عن المشكلة، لا درس في حلّها. إنه معنيّ بالمحنة، بالطريق أكثر من الغاية التي تؤدي إليها.”
وقد يقودني هذا الطريق إلى أراضٍ غير معروفة، لكن على الطبيب أن يكون مستعدًا للسير فيها.
فالأصل اللغوي لكلمة طوارئ يعود إلى اللاتينية ويعني ما يُجلب إلى الضوء.
كل مريض يأتي إلى الطوارئ لأسباب مختلفة، لكن لدى كل واحد منهم قصة تحتاج لأن تُروى.
2. الشكّ هو حليفنا.
الشكّ حاضر في كل تفاصيل الطب، من التشخيص إلى التواصل.
لكنّ الشعور بعدم اليقين ليس مريحًا، وللتخلص منه نسعى إلى جمع مزيد من البيانات، أي إلى مزيد من الفحوص. لكنني تعلمت من مريضتي جيل ل. أن كثرة البيانات لا تعني بالضرورة زيادة اليقين.
“إذا لم نرحّب بالشك، سنضيّق نوع المشكلات التي نبحث عنها، ونحصر ما نصغي إليه، ونُعلي فقط من شأن ما يدعم أفكارنا المسبقة.”
جاءت جيل ل. في ليلة سبت تشكو من ألم في الصدر وضيق في التنفس، فبحثت عن علامات نوبة قلبية أو جلطة رئوية. كنت طبيبًا شابًا، مجتهدًا، مهذبًا، لكن خيالي محدود. ركزت على “ما هو المرض؟” دون أن أسأل “لماذا جاءت حقًا؟”
وفي النهاية أخبرتني أنها ضحية عنف أسري، وأنها تلك الليلة بلغت حدّ الانهيار ولم تجد ملاذًا سوى غرفة الطوارئ.
تُظهر الدراسات أن الأطباء الذين لا يحتملون الشكّ يفرطون في الفحوص، ويتجنبون الاعتراف بعدم اليقين أمام مرضاهم، ما يسبب لهم ضيقًا نفسيًا.
قال الشاعر مارك دوتي:
“ليس من السهل تذكّر أن الشكّ، في أي عملية بحث، هو حليفنا.”
التصالح مع الشكّ يعني تغيير علاقتنا به: لا يجب تجاهله أو إنكاره أو حصر التفكير في أسئلة ذات إجابات جاهزة. علينا أن نستفيد من الشكّ كمؤشر يدعونا للتعمق أكثر.
3. علاج الشكّ هو “اللا-معرفة”.
التعايش مع الشكّ يتعزز بقبول قيمة “اللا-معرفة”. استعرت هذه الفكرة من الكاتب دونالد بارتلم في مقاله الشهير “اللا-معرفة”، حيث وصف الكتابة والفنون بوصفها عملية مواجهةٍ مع ما لا نعرفه.
المشكلات أساسية لفكرة اللا-معرفة، فبدون مشكلات لا يكون هناك إبداع.
لكن في الطب، يُكافأ الطبيب على امتلاكه الإجابات، لا على اعترافه بجهله.
ولذا تصبح اللا-معرفة عضلة تحتاج تدريبًا مستمرًا كي لا تضعف.
نحن من نختار المعلومات التي نراها، لا العكس.
فلماذا ركزتُ مثلًا على ألم الصدر وضيق التنفس في قصة جيل ل. وتجاهلتُ تفاصيل أخرى؟
عندما علِقتُ في التفكير، شعرت بالإحباط. في الطب، الوقوع في “الجمود” يُعدّ فشلًا، لكن في منطق اللا-معرفة هو فرصة للتفكير المختلف.
“التعايش مع الشكّ واللا-معرفة صعب في بيئة تكافئ من يملك الإجابات، لا من يملك الشجاعة للاعتراف بعدمها.”
اللحظة التي ندرك فيها أن شيئًا ما غير صحيح، هي لحظة نحتاج فيها إلى تغيير زاوية الرؤية.
عندما أشعر بالارتباك في قصة أكتبها، أتعلم أن أتراجع وأسأل:
كيف وصلت إلى هنا؟ وأين مكمن التوتر؟ وماذا أجهل؟
هذه الأسئلة هي مدخل لإعادة التفكير، شرط أن تتبناها بيئة عمل تشجع على مواجهة المشكلات لا إخفائها.
4. أفضل علاج لن ينجح مع القصة الخاطئة.
بصفتي طبيب طوارئ، فأنا مستمع محترف لقصص يرويها أناس مضغوطون في لحظات صعبة.
لكن القصص التي نسمعها ليست دائمًا مكتملة أو دقيقة؛ إنها غالبًا مسودات أولى. وكثير من الإخفاقات الطبية أو التواصلية سببها ببساطة أننا فهمنا القصة خطأ.
تخيل أنك مريض: خائف، متعب، تحاول أن تُفهم الطبيب ما تشعر به…
ليس من السهل صياغة تجربة مؤلمة أو محرجة ومشاركتها مع غريب.
الكتابة تجعلنا ننتبه ليس فقط لما يُقال، بل لما لا يُقال — لتلك الصمتات والت evasions التي تخفي ما هو أهم.
كما قالت آنا ديفير سميث:
“يمكننا أن نتعلم الكثير عن شخصٍ ما في اللحظة التي تخونه فيها اللغة.”
أدمغتنا تميل إلى ملء الفجوات بحثًا عن التناسق السردي، فننسج من بيانات ناقصة قصة متكاملة — لكنها ليست بالضرورة القصة الحقيقية.
الطب الحديث، بانبهاره بالتكنولوجيا، ينسى قوة القصة.
لكن التكنولوجيا لا تُخبرنا متى يكون سؤالنا خاطئًا أو تفكيرنا منحرفًا.
وأفضل علاج في العالم لن يجدي إذا استند إلى القصة الخطأ.
5. طريقة استجابتنا للقيود تكشف الكثير عنا.
قال لي أستاذ طب مرموق بعد محاضرة ألقيتها في جامعته:
“أنت طبيب طوارئ، لا وقت لديك لسماع القصص.”
وكان محقًا من ناحية: فهناك قيود حقيقية — الوقت، الانقطاعات، نقص المعلومات، الزحام، والإرهاق النفسي.
وهناك قيود خفية أيضًا: تراجع التعاطف، وضغط نظام صحي يبدو أحيانًا وكأنه نسي أن المرضى هم الأساس.
لكنني أجبته: هذه القيود بالذات سبب يدعونا لاستخدام كل الأدوات الممكنة، بما فيها القصص.
فالقصص تكشف كيف يتعامل الناس مع العقبات في حياتهم، كيف ينهزمون أو يتغلبون عليها، وكيف يشقّون طريقهم في عالمنا المشترك.
“القصص نوافذ للتفاعل الاجتماعي، تُوصلنا عاطفيًا بتجربة الآخر.”
لقد أظهرت الجائحة أن الاستعداد الحقيقي يتطلب المرونة والإبداع، والرغبة في فهم تجارب الآخرين غير المألوفة.
وهذا لا يحدث إلا إذا اعترفنا بقيود تفكيرنا نحن أولًا.
يجب أن نخفض دفاعاتنا، ونتسلح بالشجاعة، وندعو الآخرين إلى عالمنا — ولو بخطوات صغيرة.
وعندما يفتح الآخرون بابهم قليلًا، علينا أن نملك الشجاعة للاقتراب أيضًا.
طريقة استجابتنا للقيود تكشف من نحن حقًا.
بعد ثلاثة عقود من عملي كطبيب ومُنصتٍ محترف، أدركت أن أهم ما في الأمر هو التواضع.
فهمُ إنسانٍ آخر ليس أمرًا سهلًا، لكنه ممكن وضروري.
قد لا نكون مثاليين، لكن مجرد المحاولة تصنع فرقًا.
ملاحظة:
جاي باروخ هو طبيب طوارئ ممارس وأستاذ طب الطوارئ في كلية الطب “ألبرت” بجامعة براون، حيث يشرف على برنامج العلوم الإنسانية الطبية والأخلاقيات الحيوية.
“الطاووس” لنيقولاي ليسكوف.. تشريح للتمزق الأخلاقي عند البشر.. قراءة: زينب محمد عبدالحميد
تدور أحداث رواية “الطاووس” لنيقولاي ليسكوف في فضاء اجتماعي مرصود بدقة، حيث تتقاطع البنية الطبقية القاسية، لتواجه نُبلًا مستترًا تحت قشرة خشنة. وتبرز الشخصية الأساسية بافلين كأحد النماذج الإنسانية الهامة التي صاغها ليسكوف، إذ يجمع الرجل بين آثار العبودية القديمة وبين محاولة يائسة لبناء كرامته الخاصة من خلال الطاعة والصرامة؛ ليرى في العدالة التي يحققها بيده رحمة للفقراء من بطش غيره من الظالمين.
في مستهل الرواية يُقدَّم بافلين بصفته الذراع الأيمن لصاحبة منزل قاسية لا تتردد في إيذاء مستأجريها بإزالة نوافذهم في عزّ الشتاء إن تأخروا في دفع الإيجار. ينفّذ بافلين هذه الأوامر الوحشية بدقةٍ، رغم احتقاره لسيدته. هُنا يصوغ ليسكوف شخصية تعاني نوعًا من الانقسام الداخلي بين ما يُملى عليها وما تُضمره في تمزق يتجلى في السلوك المزدوج لبافلين؛ فهو مخيف بوصفه تابعًا، لكنّه رحيم بوصفه إنسانًا.
يتبدّى الوجه الآخر لبافلين حين تشهد له الخالة أولجا بالصلاح؛ إذ تجد خلف صرامته شهامة لم تتوقعها، ثم تتأكد هذه الشهامة حين يشفق على فتاةٍ يتيمة صغيرة تدعى لوبا، ويربيها كابنة له. وتظهر ملامح تدبيره العقلاني حين يخطط لمستقبلها عبر تعليمها العمل اليدوي. لكن عالمه وتجربته يظهران انغلاقًا وخوفًا من العالم الأكبر، وتتجلى رؤيته هذه حين يجد أنه من المناسب للوبا أن توجز في تعليمها ثم تعمل بحرفة بسيطة. وهذا ما فعله حين تجنب أي محاولة لمجادلة واقعه واختار “حدودًا” تبدو ذات سلطة إلا أنها في النهاية تشي بتبعيته الكاملة لصاحبة المنزل.
يأخذنا ليسكوف إلى منعطف جديد حيث الرؤية الدونية المهيمنة على فكر بعض أفراد الطبقات المتشبثة بصورتها الاجتماعية الواهنة؛ فصاحبة المنزل تستخدم لوبا وتزج بها في طريق ابنها الطائش لتغدو عشيقته بدلًا من أن يبدّد أمواله على المومسات؛ إذ أن لوبا ستكون خيارًا اقتصاديًا “أقل تكلفة”. هنا يتحرك العمل نحو منطقة تهتك فيها الأخلاقيات، ويتلاشى الحدّ الفاصل بين الرعاية والاستغلال.
تنمو لوبا وتنجذب إلى صاحبة المنزل وابنها، وتزداد ازدراءً لمحسنها الفقير الذي ينفق كل مدخراته على متطلباتها. يمكن القول إن لوبا لم تر في بافلين زوجًا، لكن توهم النضج يجعلها تحاول السيطرة على زوجها /البواب بإهلاكه بمتطلبات زينتها. وفي هذا الفعل تحديدًا يضعنا ليسكوف أمام تباين آخر غير التباين الطبقي؛ إذ يصبح تطلع لوبا وخنوع بافلين شاهدًا على تحولات العصر ومغرياته.
تبلغ المأساة ذروتها حين يُرسل دوديا عشيق لوبا إلى المنفى بعد تورطه في سرقة بسيطة. وهنا تكشف الرواية عن قوة التحوّل الداخلي في بافلين، فالرجل الذي تزوج لوبا ليمنحها الحماية، يجد نفسه أمام حبّها القاطع لرجل آخر. وبدلًا من القسوة، يعمد إلى مسار أخلاقي غير متوقع، فيفكّر في ملاحقة دوديا وإجباره على الزواج من لوبا، ثم يعلن موته بطريقة رمزية ليفسح المجال لهما كي يعيشا تحت حماية قانونية جديدة. هذا الفعل يحوّل بافلين من مجرد تابع لسيدة المنزل إلى كائن يملك قدرة على التضحية، وإن كانت تضحيةً تُفكّك جذور وجوده نفسه.
هكذا تُغلق الرواية على معنى مركب يتجاوز حدود الحكاية؛ فالإنسان ليس محكومًا بماضيه الطبقي، ولا بملامحه الأولى، ولا بالاسم الذي يولد به. إنما يُعاد صنعه كلما اختبر ألمًا يُعيد ترتيب وعيه
تمثل لحظة تحوّل بافلين انكسارًا للقشرة الرمزية للاسم الأول، إذ يتحول اسم بافلين والذي يحمل معنى مباشر وهو “الطاووس” من كونه علامة على الزينة والمظهر الخارجي إلى عبء يُذكّر بالتناقض بين ما يبدو عليه الرجل وبين جوهره الحقيقي. وبافلين بموته الرمزي وتغيير اسمه، يختار الولادة الثانية. يغيّر بافلين اسمه إلى سبيريدون، وهو اسم يحمل في التقليد القديم دلالة الحماية الروحية والرفق. فالاسم الجديد ليس قناعًا رمزيًا، بل شهادة ولادة جديدة. وفي التقليد الأرثوذكسي الروسي، يمثل تغيير الاسم (خاصة في الرهبنة) انتقالًا رمزيًا من الهوية الاجتماعية إلى الهوية الروحية، وهو إعلان عن التخلي عن سُلطة العالم والانخراط في عهد الضمير والتوبة. ويتوافق هذا مع ما اختاره سبيريدون/ بافلين وتحول طبيعته الأخلاقية اللاحقة حين يتوارى عن الأنظار، ويرسل المال إلى لوبا من دون أن يطالب بحقّ أو يُذكّر بجميل.
أما لوبا نفسها، فتنتهي إلى مصير يعبّر عن انكسار داخلي، إذ يصبح دوديا – الذي زُيّفت وفاة بافلين من أجله – زوجًا بائسًا لا يمنحها سوى الخيبة. وبعد سلسلة من الفواجع تنتهي بموت دوديا، تقرر لوبا التحول جذريًا هي الأخرى، كما لو أنها الآن صارت بمعنى جديد ربيبة بافلين أو لنقل ربيبة حقيقية لسبيريدون الذي راح يدعم داخلها فكرة التسامح. تختار السيدة الرهبنة وهو قرار يقرؤه ليسكوف ضمن سياق التطهر عبر الألم. وفي هذا الإطار، تتخذ نهاية لوبا معنىً تراجيديًا، إذ تختار الانعزال الروحي بعد أن فشلت في معرفة قيمة من أحبّها واحتضنها.
إن قراءة تحوّل الاسم من بافلين إلى سبيريدون لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي للشخصية. فالرجل الذي عاش تابعًا لامرأة شرسة، والذي ورث عن العبودية القديمة خوف الطاعة، ينجح عبر تجربته في إعادة اختراع ذاته. تتحول الطاعة إلى رحمة، وتتحول السطوة الشكلية (الطاووس) إلى محبة صامتة تُشبه قداسة البسطاء في التراث الروسي. يختفي سبيريدون ليمنح الآخرين طريقًا، ويترك اسمه الأول خلفه كما يترك الإنسان جلده القديم.
هكذا تُغلق الرواية على معنى مركب يتجاوز حدود الحكاية؛ فالإنسان ليس محكومًا بماضيه الطبقي، ولا بملامحه الأولى، ولا بالاسم الذي يولد به. إنما يُعاد صنعه كلما اختبر ألمًا يُعيد ترتيب وعيه. ولعلّ هذا ما قصده شستوف في فلسفته عن التحول الوجودي، التي ترى أن الإنسان يمر بولادتين؛ مرة في عالم التجربة الحسية، وأخرى في ضميره الذي ينقذه من قيود هذا العالم. وهذا ما فعله بافلين/سبيريدون تمامًا.
من الجدير الإشارة إلى أن نيقولاي ليسكوف، من الشخصيات المثيرة في تاريخ الأدب الروسي الكلاسيكي، فقد أُلصِقت به تهمة باطلة في بداية نشاطه الأدبي عن تحريض السلطات ضد المعارضين، ما جعل دوائر الليبراليين والناشرين يضعون العراقيل في طريقه الأدبي. أفضت أيضًا استقلاليته الفكرية إلى أن يُرفض من دوائر السلطة والمعارضة على السواء، الأمر الذي عطّل شهرته الأدبية لبعض الوقت إلى أن فرضت جودة أعماله المتنوعة والقيّمة احترام القراء والنقاد، وقد وُصِف بأنه أصدق تعبير عن الروح الروسية في زمانه.
تُرجمت مؤخرًا أعمال عديدة له إلى العربية بترجمة يوسف نبيل ومنها (الطاووس – على حافة العالم – رجال الرب – السيدة ماكبث من مقاطعة متسينسك – طيور الليل – المحاربة)، ما شكل فرصة للاطلاع على علم روسي كلاسيكي خلاف الأسماء المعروفة في عالمنا العربي.