المدونة

في الفكاهة

 

بمزيج من الفكاهة، والكوميديا السوداء، والخيال العلميِّ، عُرفت أعمالُ الكاتب الأمريكيِّ كورت فونيجت (1922-2007). كانت بداياتُ رحلة فونيجت الأدبية مع كتابة القصص القصيرة للمجلاتِ في سنٍّ مبكرة، ونُشِرت أولُ رواية له عام (1951) وكانت بعنوان (عازف البيانو)، ومنذ ذلك الحين استمر في كتابة العديد من الأعمال الشيقة؛ منها: رواية صفارات إنذار تيتان (1959)، ليلة الأم (1961)، مهد القط (1963)، ومجموعة من القصص القصيرة بعنوان (مرحبًا في بيت القرود) في عام (1968)، المسلخ رقم خمسة (1969)، وفطور للأبطال (1973)، وأليف السجون (1979) وغالاباغوس (1985).

سُجن فونيجت خلال الحرب العالمية الثانية في ألمانيا، وكان شاهدًا على قصف مدينة دريسدن، وهي التجربةُ التي أثمرت عمله الأكبر، والرواية الأكثر شهرة حتى الآن (المسلخ رقم خمسة) والتي تُعد من أفضل الرواياتِ الإنجليزية في القرن العشرين.

في عام 2005 صدر له كتاب بعنوان (رجل بلا وطن) تضمن مجموعة مقالات قصيرة تناولت مواضيعَ شتى من منظور إنسانيٍّ؛ مثل: الفكاهة ودورها وأهميتها، ومشكلات التكنولوجيا الحديثة، وآراء في الاختلافاتِ بين الرجل والمرأة، وفي السياسة، وفي قضايا المجتمع الأمريكي المعاصر.

وإليكم المقال الأول في المجموعة:

وأنا طفلٌ، كنتُ الشخص الأصغر.

أيُّ موضوعٍ في الحياة هو قابلٌ للضحك، وأعتقد أنَّ هناك جانبًا طريفًا ما في معسكر أوشفيتز المروع. النكتةُ هي استجابةٌ فسيولوجية مضادة للخوف. قال فرويد: إنَّ النكتة هي واحدةٌ من عدة استجاباتٍ لمواجهة الإحباط

عندما كنتُ طفلًا، كنتُ الشخصَ الأصغرَ بين أفراد عائلتي، وغالبًا ما يكون أصغرُ طفل في أيِّ عائلة هو صانعُ الدعابة والباحثُ عنها؛ فالطريقةُ الوحيدة التي تمكِّنه من الدخول في محادثة الكبار هي الدعابة. كانت أختي أكبرَ منّي بخمس سنوات، وكذلك كان أخي أكبر مني بتسع سنين، ومن يتحدث دائمًا هما والداي؛ لذا عندما نجتمع على مائدة العشاء كان حديثهم يبعث على الملل ويثير ضجري، إنهم لا يريدون أنْ يسمعوا عن أخباري الصبيانية التي وقعت اليوم، بل يريدون فقط التحدثَ عن الأشياء المهمة التي وقعتْ في المدرسة أو في الكلية أو في العمل؛ لذا فالوسيلةُ الوحيدة التي يمكنني أنْ أقطع بها سيْر هذا الحديث هي أنْ أقولَ شيئًا مضحكًا! أعتقدُ أنني فعلتُ ذلك دون قصد في البداية، فعندما تلفظتُ بعبارات تلاعبتُ بكلماتها في منتصف حديثهم توقفوا عن الكلام، ثم اكتشفتُ أنَّ النكتة كانت وسيلةً لاقتحام محادثة الكبار.

لقد نشأتُ في وقت كانت فيه الكوميديا نوعًا من الترف في فترة الكساد الكبير. كان هناك العديدُ من الكوميديين في برامج الراديو كنتُ أستمع إليهم، ومن دون قصد بدأتُ دراسة أسلوبهم بجدية. وفي فترة الشباب حرصتُ على الاستماع إلى هذه البرامج الكوميدية لمدة ساعة على الأقل في كل ليلة، ومن يومها أصبحتُ مهتمًّا بمعرفة الفكاهة وأساليبها وتأثيرها.

عندما أثير أيَّ طُرفة، أحاول جاهدًا ألّا أسيء إلى أحد. لا أعتقد أنَّ الكثير مما قمتُ به كان خادشًا للذوق، أو أنني قد أحرجتُ الكثير من الناس، أو سببتُ لهم الضيق. في بعض الأحيان، قد استخدم بعض الكلمات البذيئة وهذا أسوأ شيء فعلته. بعض الأمور ليست مضحكة، فعلى سبيل المثال، لا أستطيع أن أتخيل كتابًا فكاهيًّا أو ملاحظةً ساخرة عن معسكر أوشفيتز النازي. كما إنه من غير الممكن أنْ أقول طرفة عن موت جون كينيدي أو مارتن لوثر كينغ. خلاف ذلك فأنا لا أستطيع التفكير في أيِّ موضوع آخر لا يمكنني أن أفعل شيئًا حياله.

كم كان فولتير محقًّا حين قال: «الكوارثُ مدهشةٌ بشكل مرعب»!

لقد رأيتُ تدميرَ مدينة دريسدن، رأيتُ هذه المدينة قبل الغارات الجوية وبعدها، وبالتأكيد كانت ردة فعلي هي الضحك؛ الله وحده يعلم سببها، كان ضحكًا للروح الناجية من الموت! أيُّ موضوعٍ في الحياة هو قابلٌ للضحك، وأعتقد أنَّ هناك جانبًا طريفًا ما في معسكر أوشفيتز المروع. النكتةُ هي استجابةٌ فسيولوجية مضادة للخوف. قال فرويد: «إنَّ النكتة هي واحدةٌ من عدة استجاباتٍ لمواجهة الإحباط». فعندما لا يستطيع الكلبُ الخروجَ من قفصه، يبدأ في النباح والهمهمة والحفر في الأرض، والقيام بحركاتٍ لا معنى لها؛ للتعامل مع هذه الحالة من الإحباط أو المفاجأة أو الخوف.

من الخوف، يأتي القدرُ الأكبر من الضحك. قبل عدة سنوات كنتُ أعملُ في برنامج فكاهيٍّ في التلفزيون، وكنا نحاول أنْ يكون عرضنا الأساسي في كل حلقة عن الموت، وهذا العنصرُ من شأنه أنْ يجعل ضحكَ الجمهور أعمق من دون أنْ يدرك الجمهور كيف كنا نحفز فيهم الضحك الداخليَّ. إنَّ هناك نوعًا سطحيًّا من الضحك، فعلى سبيل المثال الممثل بوب هوب، لم يكن في الحقيقة فكاهيًّا، فقد كان ممثلًا يتناول المواضيع البسيطة جدًّا، فهو لم يتناول أيَّ شيء مثير للقلق أو الخوف. ولطالما ضحكتُ بملء فمي وأنا أشاهد لوريل وهاردي، فلدى هذين الممثلين مشاكل مستمرة بطريقة أو بأخرى، وكان يراودني شعور بأنه من الغريب أن ينجو هذان الرجلان ويبقيا على قيد الحياة في هذا العالم المليء بالمغامرات والمخاطر الرهيبة طوال الوقت؛ فلقد كان من الممكن أنْ يُقتلا بسهولة.

 

الكاتب: كورت فونيجت – ترجمة: بندر الحربي

المصدر: مدونة المترجم بندر الحربي

One thought on “في الفكاهة

  1. يقول أمين صليبا:

    طريفة جدا، كم نحن في لبنان والمنطقة بحاجة إلى ذلك، مواقف شجاعة إزاء الأهوال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.