المدونة

قراءة لكتاب «الآلهة لا تبتسم لمن يهمل القدماء»… أو وردة للموتى

لو قُيِّضَ للأسلاف أن يُلْقُوا نظرةً على مصير ما خَلَّفُوه بعد رحيلهم، لو أُتيحَ لهم أن يُبْدوا رأيَهم بخصوص ما فعله الأحفاد بـ»التَّرِكَة» لَتَعَدَّدَتْ ردود الأفعال: موتى يُزيحون التراب عن محاجرهم، تُؤرْجِحُ الريح أسمال أكفانهم، منهم مَنْ يُرسل إيماءات انزعاج وتذمر، وهذا الذي يُفَجِّرُ عَبَرَات التَّأَثُّر ابتهاجاً، وتلك السيدة هناك (كيف نُمَيِّزُ جِنْسَ الأموات؟) كَأَنَّهَا تَرْفَعُ عقيرتها بالصراخ ولا صوت!
يَعِنُّ لِي أَن أتخيل هذا المشهد (مع تَعَسُّف سُيرياليٍّ طبعا) حين أُلقي نظرةً على طوبوغرافيا القراءات التي انصبَّت على قديم الثقافة العربية؛ ولسنا نعدم التذمر والغبطة والصراخ الذي تَعُوزُه الأصداء. كم من قراءةٍ أخلفت الموعد مع الومضات التي يُرسلها القديم، وكم من قارئ لم يهتد لليد التي تهبه خريطة الكنز في ليلِ النص ذي العَتْمَة المُرَكَّزَة؛ كَأَنَّ تاريخ قراءة القديم تاريخُ سُوْءِ فَهْمٍ متجدد لإشاراته؛ وكَأَنَّ كل مُجالسة للأسلاف لإقناعهم بأن يصيروا معاصرين لنا تنتهي بوعد لا يتحقق. ما العمل لكي نظفر بابتسامة الأسلاف العنيدة؟ أن نرهفَ السَّمْع للمستقبل في ندائهم، يقول البعض. أن ننفصلَ عنهم ليكون اتِّصَالُنَا بهم اتصالَ الأنداد لا الأشياع، يردد البعض الآخر. أن نُحَفِّزَهم على الانخراط في احتفال المعرفة المَرِحة، في رَقْصَة الفكر، يقترح طرف ثالث.
«الآلهة لا تبتسم لمن يهمل القدماء»:
تُبْدي الآلهة تَبَرُّماً من الذين لا يلتفتون إلى القديم، تُفْصِح عن غيظها إزاء انكفائهم المُريب على ذواتهم، تُبْدِي استنكارها تُجَاه مَنْ لا يؤرقهم «هَوَان الآباء والأجداد». الآلهة في هذا المشهد القاتم تتنازل عن شرطها: «عليك ألا تلتف» لِتَأْتِيَ بشرط بديل: «وأنتَ تعبرُ في عالم يَضُجُّ بنداءات تَصُمُّ أذنيك، اِلتفتْ صوب الهَسيسِ الذي يُرْسِلُه الأسلاف كي تستحق مجالستهم». لا معنى إذن للمسؤولية (مسؤولية القراءة بما هي استحقاق لصداقة الموتى) خارج تجربةِ مَنْ تَقَدَّمَنَا، كما يُعَلِّمُنَا جاك دريدا فيلسوف «الجذور المعلقة في الهواء»!
إن كل قارئ لقديم الثقافة اليوم، يقف ضداً على النسيان أمام قبور الموتى ليضعَ إكليلَ الورد وينصرفَ بتواضعٍ وخجلٍ. يغدو كل جهدٍ تأويليٍّ في إيقاظ الموتى (وجعل أصدائهم تمتد ضد الفناء) طقسَ استحضارٍ سحريٍّ يجعلهم معاصرين لنا بشكل أو بآخر. بمسؤولية لا تخلو من مرح عارفٍ، ويقظةٍ متجدِّدةٍ، وخِفَّةٍ في التقاط احتمالات المقروء، يستجيب الباحث محمد السَّاهل لنداءات قديم الثقافة العربية في نماذجها العالية: التوحيدي، والمتنبي، وأبو نواس، وقيس بن الملوح.. مُوَقِّعاً في مقالاته على استحقاق متعةِ الكَشْفِ عن المَنْسِيِّ، والعثور على العابر الذي غالبا ما يُبْخِلُ بضوئه حينَ يَتَوَلاهُ الأحفاد العميان.

الكاتب: حمدي تقوا – كاتب مغربي

المصدر- صحيفة القدس العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.