تيّة الصعود و السقوط بين أجنحة أفكارك ..

نوره بابعير

تيّة الصعود والسقوط بين أجنحة أفكارك..

-اختلاق الأفكار من أهم الدوافع التي تهيئ للإنسان قابلية التوسع و النضوج الملحوظ في إضافة سمات جديدة لذاته.

-متى تدرك أن أفكارك تحتاج إلى تغيير حينما تنبت في داخلك فكرة مغايرة لطريق مختلف عن السابقة لك وقتها تكتشف أن التغيير أصبح شيء ملزم في ذلك وأن انتباهك في هذا الأمر هو الأهم من كل شيء لأن الإنتباه يحرك ساكنك الداخلي تجاه أمر لا يشبهك ولكنه يحتم عليك التشريح في وصفه و جدواه منك .

-أن العقل السليم مقيد بالفكر الحكيم ، وأن الأفكار هي من تولد لك كل ما ذكرته من قبل لأنها تمررك في سطحية بدايتها لكنها لا تنهي مرورها إلا وقد اعطتك ما تستحقهُ منها .

– التصادم الفكري يفتح الآفاق بين تعاكس المعنى في أعجوبة الفهم البشري ، حينها كل إنسان يعلن فكرهُ بالمعنى المستحقة رغم أن المعنى دائمة التنوع بتنوع العقل و مستوياته المخزونة في ذاكرة الإنسان والاختلاف الذي يميزهُ عن غيره .

-التناقض الفكري مجهر الحياة والإنسان ، كلما وقعت به زادت مساحاتك الفكرية وكلما زادت مساحاتك تمكّنت قدراتك من مواجهة الحَيَاة بالاتزان المطلوب .

_ التأمل يجلب الفكر الدقيق في وصفك للأشياء و موقفك منها ، يعطيك أحقية التشريح من جميع زواياها ، لتدرك كل الإدراك فيما تعنيه منها ، الوضوح الذي يحدث حينها قد يأتيك من السكوت الذي جعلك بالتحديق إليها ، لذلك تتميز أفكارك التأملية عن عجلة أفكارك في الحياة وصخبها .

-الإقناع بالفكر من الأقوى الفرضيات العقلية في القبول بالشيء ربما قوة الحجة فيها تثبت قابليتها أو احتياجها المنطقي يجعلها تأخذ الحيز الأكبر في إقناعها .

-الحوار يولد للفكر قيمته يحرك ساكن العقل بتشغيل فكرهُ الدائم اتجاه المناقشات الفردية و الاجتماعية ، يضيف للتوسع والاسترسال قدرة كافية في مخارج استيعابها لكل ما يحدث معها ، تبين لك توازن الحوار بنفس المستوى الواعي في إنهاء رسالة معينة تليق ببداية حوار العقل و إيصال المغزى من ذلك الخيار .

-غالبًا التغيير يحدث ، من صحوة الأفكار الخاملة بك ، مجرد ما تعلن صحوتها بك تلزمك بالعديد من الأشياء لتحرك دوافعك لها و اندفاعك عنها ، لتبقى متغيراً فيما يحقق لك التطوير .

-هناك اختلاف بين الباحث عن الأفكار وبين المقلد لها ، الأول يريد بنائها من بنيته الداخلية الخاصة المجردة من تداخلات غيره ، أما الآخر فهو لا يبالي للفكر ولأهمية تطويره فيجد الأخذ بأفكار الآخرين من أسهل الأشياء في تغيير حياته ، رغم أن التغيرات التي تحدث مع الإنسان لايمكن لها أن تشبه غيرها فلكل إنسان ميزة وضعت به ليدرك التغيرات الحاصلة من حوله .

في أجنحة الأفكار تأخذنا أفكارنا حيثما نريد وأين نقف على أكتافها ، والإدراك الذي يحدث من خلفها هو نتيجة مفهوم تكون من محاولات عدة ربما باتت بالفشل وأخرى بالنجاح ، ولكن يعود الأساس عند خيار الإنسان في قابلية فهمه للأشياء ، أن يفهم معنى الفهم بالوعي التام سوف يدرك القيمة المطلقة في بناء افكاره كلما قلة به زادت رغبته في تحسينها .

الفن الروائي في الأدب الانكليزي

سلام التميمي

الفن الروائي في الأدب الانكليزي

ماكنت لألصق مثل هذا العنوان الذي يوحي بالشمول على هذه المقالة القصيرة التي تفتقر بالضرورة إلى أي نوع من الأكتمال، عن موضوع قد تذهب بنا معالجته معالجة تامة بعيداً، وقد تكلم عن هذا الموضوع السيد والتر بزانت تحت نفس العنوان، في محاضرة التي ألقاها في المعهد الملكي تدل فيما يبدو على أن الفن الروائي يثير أهتمام كثير من الأشخاص، الذين يعبئون بمثل هذه المحاضرات، التي يحاول أولئك الذين يمارسون هذا الفن ابداءها عليه، ولذا فأني حريص على أدع هذه الفرصة المواتية تمر دون أن أزج ببضعة كلمات، مستغلاً ذلك الأهتمام الذي لابد أن السيد والتر بزانت قد أثاره، فمن المشجع جداً أنه قام بالتعبير عن بعض آرائه في سر قص القصص .
ففي ذلك دليل على الحياة وحب الأستطلاع _ من جانب الروائيين ومن جانب القراء على حدٍ سواء، فمنذ فترة وجيزة كان من الممكن أن يفترض المرء في الرواية الأنكليزية غير صالحة للمناقشة أو مشكوك فيه كما يقول الفرنسيون، إذ لم يكن يبدو أن ورائها نظرية أو عقيدة أو أحساس بذاتها _ أحساس بأنها تعبير عن عقيدة فنية، وليدة الأختيار والمقارنة، لأنني لا أزعم أنها كانت بالضرورة أسوء حالاً نتيجةً لذلك، إذ يعوزني ذلك القدر من الشجاعة الذي يمكنني من أن أزعم أن شكل الرواية كما كان يراه ديكنز ووليم ثاكري مثلاً كان يتسم بشيء من عدم الأكتمال، ولكن الرواية على أي حال كانت ساذجة، ومن الواضح أنه إذا كان من المقدر لها أن تعاني بشكل ما نتيجة لفقدها هذه السذاجة، فمما لا شك فيه أنها تنوي أن تعوض ما تفقده من مزايا، فقد أنتشر في الفترة نفسها أحساس مريح، لطيف المزاج، بأن الرواية هي رواية وكل ماعلينا فعله تجاهها هو أن نهضمها بالقراءة، ألا أنه في الفترة الأخيرة _ فترة نهوض الرواية الانكليزية _ ولسبب ما ظهرت علامات تدل على عودة الحيوية إلى الرواية، ويبدو أن عصر النقاش قد بدأ لحدٍ ما، والفن يعيش على النقاش وعلى التجربة، على حب الأستطلاع وعلى تبادل الآراء ومقارنة وجهات النظر، وهناك أعتقاد بأن تلك الأوقات التي لا يجد المرء فيها شيئاً مفيداً يقوله على الفن الذي يمارسه أو سبباً يبرر به تفضيله له على غيره من أنواع النشاط ليست أوقات تطور، بالرغم من أنها قد تكون أوقات مجيدة، بل قد تكون أوقات ركود إلى حدٍ ما، أن ممارسة أي فن بنجاح أمر يبعث السرور إلى النفس، ولكن مناقشته مناقشة نظرية أمر شيق أيضاً ومثير للأهتمام، وبالرغم من وجود الشيء الكثير من هذه دون تلك فأني أشك في إمكان تحقيق نجاح حقيقي على الأطلاق، دون وجود عقيدة راسخة كامنة، فالنقاش وتقديم مقترحات والتعبير عن الآراء كلها أشياء مخصبة عندما تتسم بالصراحة والأخلاص، ولقد قدم السيد بزانت مثلاً رائعاً لذلك بتحدثه عما يعتقد أنه الطريقة التي يجب أن تكتب بها الرواية، والطريقة التي يجب أن تُنشر بها كذلك، إذ أن رأيه بالفن الذي تكلم به في محاضرته يعالج ذلك أيضاً، ولا شك في أن غيره من العاملين في نفس الميدان سيتابعون معالجة الموضوع، وألقاء الضوء عليه بما لديهم من خبرة فتكون النتيجة دون شك أزدياد أهتمامنا بالرواية عما كنا نخشى ألا يتحقق، طوال فترة من الزمن سيصبح أهتماماً حيوياً، نشطاً، لا يكف عن التساؤل .
يجب على الرواية أن تأخذ ذاتها مأخذ الجد ليأخذها الجمهور مأخذ الجد، فمما لا شك فيه أن الخرافة القائلة بأن الرواية أثم قد ماتت في إنكلترا، ولكن روحها مازالت باقية في تلك النظرة غير المباشرة التي ينظر بها إلى أية قصة لا تعترف بشكل أو بآخر بأنها ليست سوى مَلَحَة، وحتى أكثر الروايات مرحاً تشعر إلى حدٍ ما بثقل هذا الحكم الذي كان يوجه من قبل ضد الخفة الأدبية، فالخفة لا تفلح دائماً في أن يتقبلها الناس كأمر معترف به، فما زال الناس يتوقعون بالرغم من أنهم يخجلون من المجاهرة بذلك، أن يتقدم الأنتاج الذي لا يعدو أن يكون لعباً تمثيلياً _ وهل القصة غير ذلك؟ _ بتبرير لوجوده أو أعتذار منه، أي أن يرفض التظاهر بمحاولة تمثيل وتصوير الحياة فعلاً، وهذا بالطبع ما ترفض أية قصة عاقلة يقظة أن تفعله، إذ سرعان ما تدرك أن ما يمنح لها من تساهل نتيجة لهذا الشرط، ليس إلا محاولة لخنقها، محاولة تخفي وجهها الحقيقي خلف قناع من الكرم، فإن العداء التقليدي للرواية الذي كان صريحاً بقدر ما كان ضيق الأفق، والذي كان يعتبرها أقل نفعاً للجانب الأزلي في الإنسان من المسرحية، كان في الواقع أقل إحتقاراً لها من ذلك، أن المبرر الوحيد لوجود الرواية هو
أنها تحاول بالفعل تصوير الحياة، وعندما ترفض هذه المحاولة نفس المحاولة التي نراها على لوحة المصور، فأنها ستكون قد وصلت إلى حالة غريبة، لا يطلب أحد من الصورة أن تتواضع لكي نغفر لها وجودها، والتشابه بين فن الرسام وفن الروائي في رأيي تشابه تام فمصدر الوحي فيهما واحد وعملية الأبداع في كل منهما هي نفس العملية مع أختلاف الوسائل، ونجاحهما أيضاً واحد، وبوسعهما أن يتعلما كلٍ من الآخر، وبوسعهما أن يشرحا ويساندا بعضهما الآخر، فقضيتهما واحدة ومجد الواحد هو مجد الآخر، يعتقد المسلمون أن الصورة شيء غير مقدس ولكن وقتاً طويلاً قد مضى منذ كان يعتقد أي مسيحي ذلك، ولذا مما يبدو أكثر غرابة أن يبقى في العقل المسيحي آثار شك وإن كانت مقنعة في القصة، وهي أخت الصورة إلى هذا اليوم، ولعل الطريقة الوحيدة الفعالة للقضاء على هذا الشك هي تأكيد التشابه الذي أشرت إليه منذ لحظة أي الأصرار على أنه كما أن الصورة هي الحقيقة فالرواية تاريخ، وهذا هو الوصف الوحيد العام الذي يمكننا أن نصف به الرواية، فالتاريخ يسمح له أيضاً بتصوير الحياة ولكنه مثله في ذلك مثل التصوير غير مطالب بالأعتذار ومادة الرواية مثل مادة التاريخ مخزونة أيضاً في الوثائق والسجلات، وحتى لا تفصح عن ذاتها كما يقولون لابد أن تتحدث بثقة، بنبرة المؤرخ، لقد أعتاد بعض الروائيين الذين أكتملت لهم جميع المزايا، أن يكتشفوا عن أنفسهم دون قصد بطريقة كثيراً ما تبعث الدمع إلى عيون أولئك الذين ينظرون إلى قصصهم نظرة جدية، ولقد أستوقف نظري وأنا أقرء الكثير من صفحات أنتوني ترولوب أفتقاره إلى الحكمة في هذا الصدد، فهو يعترف للقارئ في فقرة أستطرادية بأنه هو وهذا الرفيق الطيب أنما يوهمان أنفسهما بوجود ما ليس قائم بالفعل، ويعترف بأن الأحداث التي يرويها لم تحدث بالفعل، وأنه يستطيع أن يوجه قصته أية وجهة يريدها القارئ، وأعترف أن مثل هذه الخيانة لمهمة الروائي المقدسة، تبدو لي جريمة مروعة وهذا هو ما أعنيه بموقف الأعتذار، وهو يصيبني بصدمة لا تختلف في شدتها عندما يكون المتحدث ترولوب عما لو كان المتحدث جيبون أو ماكولي .

موظف في كلية دجلة الجامعة

سلام التميمي

من أجل فرجينيا وولف

لقد قيل أحياناً إن فرجينيا وولف في أهتمامها المُعلن بالوعي بوصفه ” هطولاً لا ينقطع من الذرات اللاتحصى ” وفي توكيدها على ظاهرة التأمل الذاتي الذي يدوم برهة قصيرة, قد عزلت نفسها عن التيارات الرئيسة في الحياة الحديثة, ورواية ” بين الفصول ” قد بعثت هذه الفكرة, فقد قال عدد من النقاد أنهم وجدوا في كتابها الأخير دعماً جديداً للفكرة الغربية التي مفادها إن مؤلفته فنانة عظيمة ولكنها في الوقت نفسه فنانة لا قيمة لها, وهذا القول المُتناقض يعترف بصعوبة إكتشاف أي جريان درامي خلال كل صفحاتها ذات الومضات الواهنة أو أي تطور للأحداث الجلية الصريحة التي تتناول قيماً ذات إهتمام واسع لدى الناس في الوقت الراهن, ولكن على الرغم من أن رؤياها للهالة اللامعة للواقع لقد حيرت كثيرين ممن سحرتهم هذه الرؤيا في الوقت نفسه, فربما تكون روايتها ” بين الفصول ” قادرة على أن تجتذب عدداً من القراء إلى مقربة منها, وذلك بإن تعرض لهم أن التأمل الذاتي في رواياتها ليس غريباً غرابةً مقصودة ولا هو تأمل ذاتي تقوم هي بتعظيم شأنهُ من غير إحساس نقدي, وكذلك تعرض لهم هذه الرواية إن فرجينيا وولف تقوم فعلاً بالربط بين الفردية الذاتية والنظام الأجتماعي .
تبدو روايتها الأخيرة ” بين الفصول ” عملاً بارزاً في سلسلة أعمالها الكاملة, فأنها تُعالج مُعالجة قديرة بعضاً من أشد المواد المُعاصرة صعوبة وإلحاحاً معاً, وإن إعادة النظر في أعمالها الأولى, وهي إعادة تحث عليها هذه الرواية, لابد أن تكشف من داخل لمعانها شيئاً مُشابهاً لهذه القوة الحادة التي نجدها في روايتها الأخيرة, وأهتمام فرجينيا وولف بالحساسية لم يكُن غرقاً في هذه الحساسية وضياعاً فيها, فلقد حاولت أن تحكم على أهواء العقل الواعي بذاته بوصفِهِ حقيقة تاريخية, أي على أنهُ ثمرة عصر النهضة والعصر الرومانسي بل ربما كان أيضاً نمواً لا يمكُن تفسيره لشيء جاء في أوانه, وقد نظرت فرجينيا وولف في هذه المُعطيات المُحيرة الموضوعة على الطاولة من قبل كثيرين من أولئك المشغولين بالمشكلات الأجتماعية والسياسية .
وفي رواية ” أورلاندو ” تلك الفنتازيا الدينامية حول روح التاريخ الإنكليزي, أظهرت فرجينيا وولف وعياً بالتحول والتخصص في إستجابة العقل للمحيط الدائر حوله, وفي رواية ” السيدة دالاواي ” قامت وولف بدراسة شمولية ساخرة بشأن الحساسية الحديثة, وذلك على مستويين, مستوى إنغمار السيدة دالاواي المحمي ذي الأمتيازات, وعلى مستوى العائد من الحرب المصدوم بفعل القنابل وتفسخه الشديد, ورواية ” بين الفصول ” تدمج هاتين الثيمتين الموجودتين في كل من رواية ” أورلاندو ” ورواية ” السيدة دالاواي ” وتستكشف أبعد منها المكانة الشخصية والأجتماعية لبعض الناس الإنكليز في أيام أندلاع الحرب العالمية الثانية .
والقضايا المطروحة في الرواية الأخيرة قضايا جديدة, فالآن لاتوجد السيدة دالاواي وأمثالها في مُنجاة من صدمات الحرب, سواء المباشرة منها أم غير المباشرة, وإذا ما كانت هذه عسيرة على أن تتحمل من مثل حساسيات راقية فتاريخ إنكلترا هذا أذن قد يكون وصل محطته النهائية, وقد ينهار أورلاندو أو إذا ماكان لإنكلترا أن تبقى وتصمد, فإن روحها اذن قد تمر في تبدلات أشد حده حتى من التحول من الذكورة إلى الأنوثة الذي عاناه أورلاندو في بداية القرن الثامن عشر, ألا إن رواية ” بين الفصول ” أبعد ماتكون عن الدلالة على إن مثل هذه التعديلات ستزيل الحركة الحرة لتداعي الأفكار وتيار الوعي, وعلى الرغم من إن أهواء السيدة دالاواي الفكرية تظهر داخل جَو حطمتهُ الحرب وإن السلام المؤمل قد لا يستطيع أن يُعيدها إعادة كبيرة, فإن هذه الأهواء الفكرية تأخذ تلوينها من المحيط وأنها لتبدي وظيفة متطورة للذكاء الذي لايحتمل أن يتهاوى تحت ظروف سياسية وإقتصادية جديدة, مهما يكُن الأنتقال بين العهدين مؤلماً, وهذه الذبذبة في الخيال وهذا الوهج في الوعي يُشار إليهُما على أنهما خصيصتان إنسانيتان تثيران بفعل التمثيل الإضافي الذي يقوم بهِ سيبتيموس في الرواية, وإن مصيره نقيض مصير السيدة دالاواي لسبب صدفة أحدثتها الظروف, غير إن المزاجين ينتميان إلى المعدن ذاته, وإذا كانت فرجينيا وولف قد شكت في قدرة أي من هذين الطرازين من البشر على البقاء بوصفهُما شخصيات, فلا أهمية لأي شيء يحدث للأفراد المُحيطين بهما ولا للتغيرات التي مرت على طبيعتهُما وإذا كان لدى فرجينيا وولف مخاوف بإن الأرض سيرثها جنس جديد من الناس الذين يتحركون تحركاً ميكانيكياً, بحيث يكون مُعتذراً أن يؤثر فيهم أية مؤثرات سوى تلك المسموح بها والمؤثرات المُقننة المشهود عليها, وبحيث يصبحون عديمي القدرة على التجوال الفكري, فلابد أنها وضعت تلك المخاوف جانباً, وقامت والقنابل تنهال على إنكلترا بكتابة شهادتها الأخيرة .

موظف في كلية دجلة الجامعة

سلام التميمي

الرواية في عصرنا

كتب الناقد والمؤرخ الأدبي جورج سانتسبري في عام 1926، وهو زمن ليس بعيداً في التاريخ، قائلاً أنهُ لايجد مُدعاةً لكل ذلك الأهتمام بالتكنيك الذي عاصرهُ، ففي الفن كما قال ” يكون التكنيك ذا منفعة لا تُذكر بالنسبة لك وهو في الوقت ليس أمراً قليل الخطورة “، وأستخدام التكنيك كان يعني في نظره كتابة صاحبها شديد الشعور بذاته وشخصيات تولد ميته، فالروائي لا يُمكن أن يتعلم التكنيك فهو أما أن يكون قادراً على الإمساك بحكايته من أطرافها وخلق شخصيات مُلائمة لها، وأما أنهُ لا يستطيع أن يفعل ذلك _ أي هو أما أن يكون قادراً على أن يصبح روائياً وأما أنهُ لا يستطيع ذلك _ ، وليس لنا أن نستنتج من ذلك أن الرواية في أعتقاد سانتسبري لم تكُن تزيد على أن تكون حكاية فيها شخصيات تبعث على الأهتمام كما يكون فيها أحداث مُثيرة، وكما يبدو فأن سانتسبري لم يكُن يعتقد بأن أشكال المعرفة أو وجهات النظر للواقع التي يكون الروائيون قد حازوها وطرحها القرن الذي يعيشون به تلزم الروائي على إيجاد أشكال تكون مُلائمة أفضل التلاؤم مع التعبير عن تلك المعرفة والوجهات .
ومما يدهشنا أن سانتسبري تعرف على أعمال هنري جيمس و جوزيف كونراد، إن لم نقل على أعمال غيرهم، لم تجعل من البَيِن الذي لا لَبسَ فيه لدى سانتسبري قيمة أنواع معينة من التكنيك مثل قيام هنري جيمس بأداء الرواية بدلاً من القيام بالأخبار عن أحداثها، وكذلك وضع جوزيف كونراد لراوي الرواية داخل الحكاية إبتغاء عكس صورتها وإيضاحها، لقد دعا فورد مادوكس هنري جيمس و جوزيف كونراد بأنهما ” سحابة غريبة ” كانت في أثناء عبورها فوق الأرض التي تحيا عليها الرواية الأنكليزية قد تركت وراءها شعوراً بأن الحكاية البسيطة قد أنتهت، ومن ذلك الوقت أصبح للروائي إحساس أعظم بذاته، وكان من المُحتمل إذا أستخدمنا تعبير جوزيف وارن بيتش أن ينتج الروائي ” رواية مصنوعة صناعة جيدة “، ومنذ عام 1885 كما أستطرد وارن بيتش في القول أصبح هناك أهتمام مُتعاظم على الدوام بالشكل كما بُذِلَ مجهود من أجل جعل الرواية تختلف قدر الأمكان عن المقالة الفلسفية والسجل التاريخي للأحداث وهما الأمران اللذان كانت الرواية في البداية مُتصلة بهما أقرب الأتصال .
على أنهُ من الناحية الأخرى جرى النظر إلى ” الرواية المصنوعة صناعة جيدة ” على أن فيها محدودياتها، ومن تلك المحدوديات أن مادة الرواية قد حددت تحديداً مُتشدداً وأنها قد أشبعت بالدقة الشكلية وأن فيهـا لطافة مشعوراً بها، كما أنها تخلو من الفيضان العاطفي والفكري، وكانت ردود الفعل كثيرة، ومن بينها الطلاق الذي حدث مع اللطافة والعذوبة كما نجد ذلك في واقعية سنكلير لويس وتيودور درایزر، وكذلك محاولة إصطياد المشاعر التي تقرب من وتندمج مع اللاوعي وتيار الشعور الذي يجرى بين الشخصيات كما فعل د. هـ . لورنس، ثم هناك محاولة التركيز على التشابك تنوع للأفكار والمشاعر والتأثرات في دواخل العقول الفردية كما فعل جيمس جويس وفيرجينيا وولف، ونضيف إلى هذا ذلك الأهتمام وضع وجهات نظر مُتعددة جنباً الى جنب كما فعل كل من أندريه جيد والدوس هكسلي، وكل من هؤلاء الروائيين قد حاول أن يجد شكلاً يستطيع معهُ أن يموضع فهمه لعصرنا، أن يصوغه صياغة درامية .
كل هؤلاء سواء أردنا ذلك أم لم نردهُ، ينتمون الى زماننا ونحن إليه وليس إلى غيره لأنهُ قام بتشكيل كياننا، وإذ عشنا فيه فأننا لن نستطيع أن نكون مرتاحين في أي زمان غيره، وعندما نستجيب إلى معرفة عصرنا وتعابيرهُ فإن حساسياتنا تكون إلى حدٍ ما مخلوقة لنا خَلقاً، إن فن كل الفترات فيه تماثلات غير إن فن كل فترة يكون فيه، اضافة الى التماثل طابعاً خاصاً بها، والأمر لا ينطوى على تقلب المزاج في كون الأشكال الأدبية تتخذ من عصر إلى عصر صِيَغاً مُختلفة أو أنها تُهجر وتُلغى، فهُناك بالتأكيد التقليعة أو الموضة يكُمن وراء هذه التبدلات في الشكل، شيء أكثر من مُحاكاة الطليعة الفنية مُحاكاة فردية وهي المُحاكاة التي تهوى التغيير من أجل التغيير فحسب، ذلك أن روح هذه الأشكال الفنية وأنواع المعرفة المنطوية عليها تتغير وبذلك تجعل من الضروري خلق أشكال جديدة، فالقارئ المُعاصر يستطيع أن يَلْتذَّ بأقصوصة طويلة أو بدراما بطولية ولكنهُ لا يقدر أن يستذوق أياً منهما إذا ما كتبهُما كاتب قصـة أو درامي ينتميان إلى القرن العشرين، ومن أجل أن يكون الأنسان وفياً لفنه لابد أن يكون وفياً لعصره، إذ ينبغي عليه أستخدام المواد الأولية التي يقدمها إليـه ذلك العصر .
لقد أشيد بكل من هنري جيمس وجوزيف كونراد، حسب طريقة كل منهُما، لأنهُما يمتلكان سيطرة على النبرة، أي أنهُما قادران خلق وحدة من الشعور والمزاج النفسي بواسطة الأبقاء طويلاً على الذبذبات الأنفعالية، بدرجات مُلائمة من الحدة خلال كل واحدة من رواياتهم، وأن هذا الأنشغال ضروري للروائي الذي يعطينا أما الشعور بموقف معين أو بنبرة مُجتَمَعِهِ، فالثيمة والموضوع يتم السيطرة عليهُما لا على أساس من التجريد أو على أساس أنهما أحداث تقع على السطح بل تتم السيطرة عليها بما فيهما من شعور أنفعالي وأصداء صوتية خافية، ولدى التحليل يجد المرء مراراً وتكراراً أن الذبذبات والشعور تسببهما رمزية مركزية أو هما يخلقان بفعل مجموعة من المجازات مُتصلة فيما بينها .
وعلى ذلك فالروائيون الذين إنشغلوا أشد الأنشغال بمشكلات التكنيك إنما كانوا يحاولون الكشف عن وسائل يستطيعون معها أن يجعلوا المواقف المُتعددة مصاغةً أفضل صياغة درامية لنا، وعلى سبيل المثال فأن الناقد ” ألين تيت ” في تحليله لرواية مدام بوفاري يُركز إهتمامه على حادثة واحدة وهي أزيز مخرطة المعادن والخشب وهذا التركيز يساعدنا على أن نتعرف على ما يجرى في عقل إيما بوفاري، ففلوبير مؤلف هذه الرواية يستخدم تكنيكاً كان إليوت سيدعوه بالمعادل الموضوعي، ويقول ” ألين تيت ” أنه من خلال هذا التكنيك وما يشابهه ” لحقت الرواية في النهاية بالشعر” .
‎ويُنظر للتكنيك أيضاً على أنهُ مُعالجة لمادة الرواية وموضوعها وذلك من أجل أن تُثار في داخليتها حيويةٌ تتوافق مع نوعها الفريد الخاص بها وذلك فيما يتعلق بالأسلوب، ولقد أظهر لنا ” روبرت بین وارين ” المُلاءمة الخاصـة للأسلوب المشدود المُنطوي على عبارات ذات مقطع صوتي واحد في كتابات همنغواي الأولى الذي كان يعتقد بالنادا _ اللاشيء باللغة الاسبانية كما جاء ذكر هذه الكلمة في قصته القصيرة ” مكان نظيف حسن الاضاءة ” _ أما ” مارك شورر ” فيُلاحظ أن مما يزيد فهمنا كيف أن مثل هذا الأسلوب ينهار ويصبح غير مُلائم، يصبح موضـوع همنغواي مُتغيراً بتحوله نحو التوكيد الاجتماعي، لقد كان أسلوب همنغواي الأول متوافق مع مجموعة من المواقف التي نجمت بعد الحرب العالمية الأولى، ويقول ” مارك شورر ” أن على المرء أن يُصحح ما قالهُ الكاتب الفرنسي بوفون : ” وهو أن الأسلوب هو الرجل “، أو نقول ” أن الاسلوب هو الموضوع ” لكي تصبح المقولة مُلائمة، أو ربما وَجَبَ علينا أن نقول أن الأسلوب حين يكون أجود ما يكون إنما قيمتهُ وحساسيته تُعبر عن نفسها في صيغة مُلائمة لموضوع مُعين وأن الأسلوب حينما يكون مُلائماً فهو جزء من المعنى، والأسلوب أيضاً تعبير عن روح مُحركة نحو غاية ما وعلى هذا فهو تعبير عن حقبة ما أو ثقافة معينة .

موظف في كلية دجلة الجامعة

سلام التميمي

عوالم التخييل عند الروائيين

إن كتاباً من أمثال ديكنز وكافكا وبروست هم الذين يبسطون عالمهم المطبوع بطابعهم على مجالات تجاربنا، ذلك أن الروائي يقدم عالماً أكثر مما يقدم قضية، أو حادثاً، أو شخصية، فالروائيون الكبار جميعهم يملكون مثل هذا العالم، ويمكن التعرف إليه بأعتباره يفيض ويتداخل مع العالم التجريبي، وأن كل متميزاً بكونه قائماً بذاته ومفهوماً بذاته .
ذلك أن الأدب عالم مغاير، ألا أن الرواية حالة خاصة ضمن هذا العالم، حالة مرتبطة بالتاريخ، فهذا العالم لكي يكون عالماً يجب أن يوجد في زمان ومكان، وأن تجري فيه أحداث بحسب قانون مرسوم ومعلوم، وبذلك لاتنقل الرواية عالماً من الحياة، بل عالماً شبيهاً بالحياة في أحداثه ومجرياته، فالناس في الحياة يتزاوجون ويتحاربون ويتخاونون ويتلاومون وكذلك في الرواية، إلا أن الرواية تخلو من هذا التسرب البطيء في الزمان مثلما تخلو من الأحساس بإنفلات العالم وسيرهُ البطيء .
أن الهدف الأمثل للروائي أن يخلق عالماً محدداً، وكل تحديد عزل وأستقلال وأنفصال وتخصيص، والعزل الذي نعنيه ليس إنعزالاً عن العالم، بل هو عزل لحالة معينة من حالات الحياة عما عداها من شؤون الفكر والحياة، فأوسع الروايات شمولاً كالحرب والسلم أو أعمقها فكراً وأنشطها تجسيداً كالأخوة كرامازوف هي _ في واقعها الفني _ حالة معزولة عما سواها من شؤون الحياة الأخرى وبقية البشر الآخرين، ومع ذلك فهذا العزل بالذات هو الذي يؤسس علاقة الرواية بالواقع وشبهها بالحياة، فحين ينجح الروائي في إنشاء عالم خاص يكون قد نجح في إنشاء صلة لروايته بالحياة، ذلك أن الأدب تخييل أي أن الفنان أو الأديب يُخَيل لنا، يُوقع في روعنا، ويجعل الأمور تتراءى لنا، أن مانسجهُ من بنات أفكاره وخياله هو صورة عن الواقع، حدثت أو قابلة للحدوث، فالمهم أن تدخل الحادثة في حيز الأحتمال، وهذا ما أتفق عليه الباحثون في شرح كلمة أرسطو عن أن الشعر أكثر نزوعاً فلسفياً من التاريخ، فالتاريخ يعالج ماكان هو محدود في الواقع وماكان من أمور، في حين أن الأدب محدود بالتخييل أي بكل مايجوز أن يقع الأدب تخييلي، أي أنه محاكاة للواقع وللحياة، غير أنها محاكاة منتقاة، فالفنان أو الأديب لا يحاكي أحدهما كل ماتقع عليه عينه من شؤون الحياة بل يقتصر من ذلك على مايخدم هدفه في وحدة التأثير وفي العرض الذي يشبه البرهان على رأي غير منطوق، هو موقفه من الحياة أو نظرته الشاملة إليها، وفي مقدرة الفنان على الانتقاء وتنظيم المواد يُكمن مفعول التخييل، تأثير الأديب في النفس ومكانته من مجمل التجربة الأنسانية، وأعتقد أن تأثير الأدب في النفس _ بأعتباره ناتجاً عن أنتقاء المواد وتنظيمها وتكثيفها _ هو من جملة الأسباب التي دفعت بأفلاطون وكل من يتخوفون من الأثر الضار للفن إلى رفضه، فإذا أخذنا الرواية مثلاً لنا وجدنا أن الروائي وهو يعرض حالة معينة يسوق الأشخاص ويحلل الدوافع ويجند الظروف والصدف كلها بإتجاه واحد، مما هو مقنع ولكن لامثيل له في الحياة الواقعية، لامثيل له في كثافته وتساوقه وإنسجامه وتوارده، إن تأثير الرواية _ وكل الأدب _ مقنع وخطر، وخطره في إقناعه بأمكان إيجاد مثل هذه المشاعر والأحداث، علماً بأن من الصعب أن تجود الحياة على المرء بمثل تلك الكثافة والتنظيم .
ولكي لايكون المقال مطول سأكتفي بنقل أقتباس للناقد البريطاني ريتشاردز ذكره في كتابه ” مبادئ النقد الأدبي ” يقول فيه : ” أنني لو قلت أن معظم الشباب من الطبقات العليا والوسطى يتلقون تعليمهم الخلقي من الروايات التي يقرؤونها لأتُهمت بأنني أبالغ في تأكيد سلطان الروائيين، إذ ستتذكر الأمهات بلا شك ما يقدمنه من دروس عذبه، وسيتذكر الآباء تلك الأمثلة التي يقدمونها لأبنائهم لكي يحتذوها، وسيتذكر المدرسون ما يعطونه لتلاميذهم من نصائح وإرشادات رائعة، أن البلد الذي يكون فيه مثل هؤلاء الأمهات والآباء والمدرسين إنما هو بلد سعيد جداً، ولكن الروائي يزحف بخفة صوب الشبان حتي يصبح أقرب إليهم من آبائهم ومدرسهم بل أقرب إليهم من أمهاتهم، انه المرشد المختار، المعلم الذي تصطفيه الشابة لنفسها، فهي تخلو به وتجلس إليه دون أن تظن أنه يلقنها درساً، وإذا به في هذه الخلوة يعلمها كيف تحب وكيف تستقبل حبيبها حينما يأتي إليها، وإلى أي حد يجب أن ترضيه ولماذا ينبغي لها أن ألا تصارحه وتنغمس مباشرة في هذه النشوة الجديدة “، وأنا مع هذا الروائي في الرأي، خاصة في أمة فقدت سلم القيم في حياتها التربوية ، وصار على الناشئة أن يلتقطوا قيمهم ويرتبوها من السينما ومن وسائل الأعلام ومن الكتب، شرها وخيرها على السواء .
أما كلمة ” تخييل ” فلها قصة طريفة، ذلك أنني حين كنت أٌقرأ كتاب ” نظرية الأدب ” للناقدين الأمريكيين ” أوستين ارين و رينيه ويليك ” أصطدمت في الصفحات الأولى بمصطلح ” Fiction ” ولم أجد له في قواميسنا ولا آثارها النقدية المعاصرة عديلاً ولا كفوءاً بين المصطلحات المستعملة من ” إيهام “، ” أختلاق “، ” توهم “، ” خيال ” … ألخ، وفي قراءة أخرى لكتاب ” تاريخ النقد الأدبي عند العرب ” للأستاذ الدكتور إحسان عباس، وجدته يستعمل مصطلح ” تخييل “، وحين أوغلت في الكتاب وجدت أن الفارابي ينقل عن أرسطو أن الأدب تخييل فقارنت النص العربي مع الترجمة الأنكليزية فتطابق المصطلحان، وتبين لي أن كلمة تخييل دارجة في النقد العربي القديم وأن لم يبقَّ منها الآن إلا قولنا ” خيلَّ لي أنك فعلت كذا وكذا ” .

تلك الصورة المخبأة في جدار الحياة

نوره بابعير

تلك الصورة المخبأة في جدار الحياة

الصورة ،
ربما يرى البعض التقاطها ، بقائها في إطار في ممرات الجدار في أكتاف الصمت ، و ثمار العقل ،
قد تقف عند الذاكرة ،
أو انعكاس الهوية ،
وقد تكون صورة بلا تعقيد .
بلا قيود تحيط أطرافها .
أو تبلل الطرقات بماء سرابها .
صورة ،
تحولت من لحظتها إلى ماضيها .
تشبّثت في الحفظ دون مطالب أساليبها .
قد تكون بملامح ،
أو لا تكون ،
تهيئ للعين رؤيتها
وتهيئ للعابرين التفاتها.
وتهيئ للشعور مخيلتها .
الكل قد ينشغل بالصورة دون أن يفتش ما كان خلفها
الوصف ،
اللحظة
الزمن
المكان
الحكاية
لماذا هي
لا غيرها .
لماذا تبقت دون صورة حقيقة تكونت من لا شيء
وتركت في الذاكرة كل شيء .
تعمَّقت في أختلاق أثرها .
الكل يرى الصورة المعلقة على الممرات ،
إلا أنا أنغمس في الحكاية التي تشكلت من بعدها
تلك الصور و الخيار الذي أنتهى بمذاقها .
أن الصورة لم تكن مرسومة على الأوراق أو محفوظة
على الإطار ،
كانت دائمآ محفورة على الطرقات ،
على الحياة ،،
على الوجوه و الأفواه.
تعرف بقائها اين ومتى ولماذا،
الصورة تبدأ وتنتهي مع إنسانها ،
مع تفاصيل ذكرها ،
و تعابير وصفها ،
الصورة قابلة للتغيير
للتشريح ،
للمخيلة
للحديث عنها .
قد تكون الصورة تأمّلات
ومجاراة
ومحتويات
ما لم تعرفه أن الصورة لا محدودية لها
هي متسعه باتساع الإنسان لها ،
كلما يفهم تكبر معه ،
” أن الصورة مقابل الهوية ، وأن الهوية مقابل الإنسان وأن الإنسان مقابل الحياة وأن الحياة تحيا مجرد احيائها بك ”
لن تفهم تلك الصورة المخبأة في ستار الحياة ،
أن لم تفهم من انت من بين تلك الصور المماثلة لك .

ذَات عالقة في مقتبس فكرها !

نوره بابعير

ذَات عالقة في مقتبس فكرها !
لم أفكر من قبل في المعنى أو التلازم العالق بها من قبل الأشياء الأخرى و المرتبطة بمفهومها الأساسي في مصطلحات اللغة ، كما إنني حينما قرأت عنها وجدتها تمثل للنص و للنص المنقول أو العبارة أو الجملة الخاصة بالأصالة المقصودة من قِبل قائلها .

شد إنتباهي موضوعها ، فكانت رؤيتي مختلفة أو ربما رأيتها من زاوية أخرى تشبة ذلك الوصف في ” الأقتباس “و الجمل من ذلك .

بعض الكتّاب تحدثوا عن فكرة الأقتباس أو بالأحرى المعنى الموجودة بها ، كان للتأمل دور في تفعيل فكرها وتشريح معناها ، رغم ذلك الحديث المفرط بها هناك جوانب أخرى قد تقع في مستوى الاقتباس نفسه .

كانت البداية في هذا الأمر بدأت مع قراءة كلمة أقتباس حينها خطر لي سؤالًا لم يكن في البال ” هل أنا أقتباس لدى غيري ؟ ” مما جعلني أدخل في تفاصيل متعلقة بالكلمة و بالمعنى التي تنتج عنها وتتناسب مَع تلائمها ، حتى أن هناك انعكاس للسؤال ” وهل الإنسان يقع مكانة المقتبس أو الأقتباس ، حينما يستطيع أن يفعل المعنى المشابه لها ؟

إذا كان يقال و ينقل على أفواه غيره ولكن يعود القول في الآصل إليه !

قال أحدهما في كتابة المقالات عن فكرة الاقتباس أنها تمثل الاقتباس و الأصالة وكان يقصد بذلك جُذور الاصل للشيء وأن أراد الإنسان نشرها عليه بأن ينشرها بأصالتها .

قد تعمق البعض في تقسيم أنواعها وتخيلها وإلى انتحال و سرقان بعضها جعلتني أرى دائرة السيناريوهات تتوسع بقدر رؤيتها من عدة زوايا ، بين حياة الإنسان في الحياة ذاتها و بين الشغف المكمن في فهم الفكرة و إضافتها لعدة أمور تشبه وصفها في المعنى من وجهة نظر أخرى .

العُمق في الفهم دائمآ تخلق للعقل أجوبة مفصلة تهيئ للأسئلة أن تتغذى عليها مما تدفعنا إلى الاستمرارية في بحث المعنى ، حينها نكتشف أن المعنى هي حراك عقولنا الواعية و المنطقية في تقريب مفاهيمها للأشياء ، كلما أكتب تزداد الأسئلة حتى وجدت النهاية توقفت عند سؤال ترك للابواب متسعها وفي التكوين معانيها .

هل الإنسان مقتبس الحياة ! ام الحياة مقتبس للإنسان ؟

هل حرية الإرادة وهم ؟

نوره بابعير

هل حرية الإرادة وهم ؟
حوار مع سوزان بلاكمور
.
وما تبعات التخلي عن مفهوم الأنا ، على حرية الإرادة ؟ هائلة ! لا وجود في هذه الرؤية لحرية الإرادة بمعناها التقليدي إذ أن حرية الإرادة مرتبطة أشد الارتباط بالأنا .

يرى أغلب الناس أن حرية الإرادة هي قدرتي على فعل أي شيء دون مُسبب من دماغي أو غيره .

أن أفعل ما أريد وأنا مسؤول عن فعل ذلك لا يمكن أن يكون ذلك ، كذلك أن رأيت كيفية عمل الدماغ و كيفية تدفق المعلومات في الدماغ ، ألخ

فلنتخلى عن حرية الإرادة ! مرنّت نفسي على ذلك أغلب فترات حياتي ، لأنني كففتُ عن الاعتقاد فكريًا بحرية الإرادة منذ سنوات مراهقتي .

لكنني عانيتُ من سؤال : كيف تعيشين حياتك من دونها ؟ لكن ذلك ممكن في واقع الأمر كأنك تقص على نفسك قصة مختلفة ، قصة أن هذا الشخص هنا يفعل ما يفعله لأسباب موجودة ” هناك ”

وأن تثق بأن الطبيعة البشرية ليست شريرة ، خصوصًا الطبيعة البشرية آلتي نشأت في محيط مُتحضر و مُتعلم و التي اتعلم الطيبة وتأدية دورها في المجتمع من الغير .

فلا بأس! يُمكنك التخلي عن حرية الإرادة ! ولكن ، من ناحية تفكيري تفكيرًا ظاهريًا ، أعتقد بأنني حرّ الإرادة ، لكنني لم أعد أرى ذلك .

يتلاشى هذا الاعتقاد المُلح مع الوقت إذا قاومته . فقد تتلاشى ولم أعد أشعر به !

ولكن مع ذلك ما زلت أشعر بشعور مُلح بوجود الأنا ، ما زلت أشعر بأن أحدًا ما ” هنا “أعتقد فكرياً بأن ذلك وهم .

لكن نفسيًا وشعورياً ما زلت أعتقد بأن ” الأنا” موجودة لكن لا ينطبق ذلك على حرية الإرادة .

-مــا التحليل الفيزيولوجي الذي يُمكننا من التخلص من حرية الإرادة ؟ أن ثمة عمليات وتفاعلات تحدث طوال الوقت أغلبها لا تندرج ضمن ما نُسميه عادةً ” عمليات واعية ” وأكثرها يُحدث بسرعة فائقة وغيرها تحدث ببطء دون وعي منا .

كل ذلك يشكل الجزء الأكبر منا ، كما الفتات الذي نتشبث به ونسميه ” أفكاري و قراراتي ” الخ ..

وأن كل هذه العمليات تحدث بطرق رهيبة وبشكل متوازٍ في نفس الوقت و تولّد الفعل أو الفكرة أو السلوك .
نعم !

هذا ما نراه إذا ألقينا نظرة على الدماغ وفهمنا ما يجري أفضّل أن أعيش وأن تكون هذه الحقيقة أساس حياتي .

ترجمة : رزم

حينما ينفض الحوار عُقولنا !

نوره بابعير

حينما ينفض الحوار عُقولنا !

-أعتقد لابد أن يكون واسعًا حتى يترك اعتداله على الإثنين أو أكثر ، أن يعرف أحدهما مداخل المبدأ و المنتهى ليحفظ قيمة توازنه في الحوار .

-الوعي كفيل بأن يسمح للإنسان أن يتقبل الإختلاف في الآراء يكون متمكنًا مما يملكه و يرغب بالإطلاع فيما يملكه غيره حتى يقيم القبول فيه أو الرفض . غالبًا القبول و الرفض يأتيك في الإنصاف لأن الأحاديث التي تسترسل تعود إلى مقدار العقول آلتي تلفظت بأساليبها و سلوكياتها .

-لا يوجد حوار من طرف واحد و أنصات من طرف واحد ، وأن حصلت يبدو هناك خلل في أحدهما .

-الحوار قد يأتيك بدون استأذن يحدث مع ظروف الأفكار التي فرضت في تلك اللحظة فتصبح العقول تبرز قواها دون آي وعي منها أو تركيزًا فيما يخرج منها ، قلة من يتفوق في الحوار بالشكل المتكامل .

-تأملك في الحديث قبل النطق يعطيك فرصة الفهم المقرب من المقصد ، لكن أغلب الأفواه تسبق فهمها وهذه كارثة تعيق الإكمال في حوار .

-التوافق الذي يحدث بين الأشخاص هو رغبة حاضرة في قابلية الفهم و التواصل إلى مستوى فكري متوازن يؤهل كل ما يصدر منهما على إنها إضافة قيمة بعضهما البعض الإقناع في ذلك يسهل على الطرفين العُمق في حواراتهم دون آي عواقب .

__

الجازي مطر الشمري

*العنصـرية الفتاكة*

لا أدري من أين أبدأ وكيف لي أن أنتهي؟
أعصر الجاهلية نعيش؟! ألم تولي تلك السنين الغابرات التي كان الإنسان فيها يُعير بشكله ونسبه وعرقه وجده الذي لم يره؟!
بل وبذنبٍ لم يقترفه؟!
إلى متى ونزعة الجاهلية بين ضلعي كفوفنا تحمل، وعلى ألسنتنا تلهج؟!
فهذا الابن يُحرم من بنتٍ يريدها بسبب لونها،
وهذا الأب لا يزوج بنته من غير قبيلته، والأم لها شأنٌ آخر أعم وأطم!

ألم يأت الإسلام ليطهرنا من خبث الجاهلية ودواعيها؟!
ألم نعتق من ذاك الزمن الغابر؟!
بماذا نأبه؟!
إلا أن نعود لها وتتوارث الأجيال تلك العنصرية القاتلة المميتة؟
كلنا من آدم وآدم من تراب ..

فلماذا تورثون أبناءكم ضغينة الجاهلية وعنصريتها الفتاكة؟
لماذا تُعيّر الأخت بأختها التي تزوجت من قبيلة لا تليق؟
لماذا يُعيّر الشخص بأمه التي تحمل جنسية نراها مستحقرة؟
لماذا نُعيّر شخصا لم يختر أن يكون بهذه القبيلة ولا بهذا اللون ولا بهذا النسب؟

إلى متى الفتاة والشاب يمنعان ممن يردان بحجة الجنسية، وهذا ليس من مقامنا،
ألم يحد الإسلام لذلك حدًا؟
(إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)

متى يفقه العالم أن الشخص و ُلِد ولم يختر أبويه، فضلا عن جنسيته ولونه وشكله وعرقه؟

متى يفقه العالم أن الأخلاق الفاضلة لاتعادلها كنوز الدنيا ولا أنسابها؟

متى يفقه العالم أن الرجل الصالح والمرأة الصالحة لاتُعوض بملء الأرض ذهبا، ولو كانوا أقل الناس نسبا؟

فاتقوا الله، وارتقوا بأنفسكم، ولا تركنوا للجاهلية، وقد جاء الإسلام ليطهركم من رجسها ودنسها.