تفكيك سلطة الذكر واستعادة المهمّش الأنثوي حضورَه المُقصى

«ضحك النساء»… تفكيك سلطة الذكر واستعادة المهمّش الأنثوي حضورَه المُقصى

ثق بي إذا قلت لك إن هناك الكثير من الأشياء التي يمكن أن تكون رأيتها أو سمعتها أو قرأت عنها، لكن الكتاب الذي يستولي على شغفك ويمسك بك ويأسرك هو ما يقدّم لك ما رأيت وما سمعت وما قرأت عنه كما لم ترَ ولم تسمع ولم تقرأ… هذا هو كتاب «ضحك النساء»، الذي تقرأه وفي الخلفية موسيقا كلِّ الدراسات المضادة المتمرّدة التي رفعت شعار تفكيك السائد والمهيمن والسلطوي واستعادة المُقصَى والمهمَّش… فالنصوص المهيمنة والسائدة والسلطوية، على كل حال، تحمل في كلماتها بذور تفكيكها، فإذا كان إدوارد سعيد قد استطاع أن يهز أركان عرش الاستشراق، وأن يسقط تماثيل معبوداته المرمّمة، وأن يعري ثقافة الغرب الإمبريالية الروائية والسينمائية والموسيقية، وإذا استطاع ميشيل فوكو أن يسقط سلطة صناعة السجون ومستشفيات الأمراض العقلية الخفية، وإذ استطاع جاك دريدا أن يسقط المركز الذي لا يكون مركزاً بلا هوامش، نقرأ سابين مليكيور بونيه وهي تسقط عرش الذكر من خلال سرد قصة صراع النساء المهمَّشات والمقصيّات في استعادة سلطتهنّ على الضحك؛ ضحك النساء، في عرض تاريخي شيّق وغزير ومتخم بأناقة البحث والعرض والتحليل والنقد... إنه كما يقول الفيلسوف آلان: «انتقام جميلٌ من الاحترام الذي لم يكن مستحقاً».

تاريخياً وكعادته لم يطلب النصّ الذكوري تغطية جسد المرأة فحسب، بل أراد تغطية عقلها، فبعناوين مثل اللباقة، وقواعد المحادثة الجدية والمحترمة، والأخلاق، أراد النص الذكوري للمرأة أن تكون قلباً نقياً وجسداً صامتاً، بعيداً عن الإغواء الذي يفجره الضحك بقوته الجنسية التدميرية، فللمرأة فموان فمها الذي تتحدث به وتضحك وفم رحمها، وقد اجتهد الرجالتاريخياً كثيراً ليؤكدوا أن الفم الأول يستحضر الفم الثاني، وأن اهتزاز الأول بالضحك يؤدي إلى اهتزاز الثاني.

منذ أرسطو وأريستوفانس وكلاسيكيات الأدب والأسطورة،إلى النصوص المقدسة، إلى فرجينيا وولف، وكوليت، ومارجريت دوراس، وناتالي ساروت، إلى عروض النساء الكوميدية اليوم، خاضت المرأة رحلة طويلة لاستعادة سلطتها على حريتها، وضحكها، وجسدها، لتكون امرأة ضاحكة ومضحكة، جميلة وربما شريرة، لا مبالية وربما سخيفة، لكنها ملكة منتقمة من كلّ ما حرمها حريتها باسم الاحترام الذي يسمح لها بأن تبتسم فحسب بدافع الرقة والتسلية، أو تبتسم، كما وُصفت ابتسامة الموناليزا الغامضة والمغلقة، ابتسامةً تكون «أفضل تعبير عن الانسجام الداخلي».

تقدم الباحثة والمؤرخة في الكوليج دو فرانس سابين ملكيور بونيه لنا قصة رحلة النساء هذه في استعادة ذواتهن وحريتهن بعد تاريخ طويل من الإقصاء والتهميش، واستعادة قدرتهن على الضحك وقدرتهن على إضحاك الناس، ورفض احتواء لغة أجسادهنّ باسم الجمال الأنثوي ونعومته تارةًوباسم الأدب والاحتشام تارة أخرى، لكن إذا كانت هذه الدراسة تطلق اليوم صوت المهمَّش والمقصَى، فإنها تؤكدأيضاً أن النساء على مر التاريخ لم يرضخنَ يوماً لتلك الكراسات الإكراهية، فقد كنّ يضحكن رغم كل شيء في الأرياف والمدن، في الأحياء الفقيرة والراقية، لكن متوارياتٍ عن أنظار الذكور، في الحمامات، وفي مخادعهن، وفي الأسواق، وفي الصالونات الأرستقراطية، وأحياناً في البلاط، متجاوزات قوانين الطبقية، حيث في المجتمع الراقي النبيلاتُ يتواطأن في الضحك مع الخادمات، حتى إنهن كسرن في ما بعد جدران الجليد بما يتمتعنَ به من محادثات مرحة وممتعة مع الرجال المتسللين إلى جلساتهنّ، لينتقل من ثَمَّ الضحكُ إلى كتاباتهنّ الممتلئة بالسخرية والاستهزاء من سلطة الذكر متحرراتٍ من صنميّة المرأة المشتهاة، كما نقرأ روايات كريستين دو بيزان ومارغريت دي نافار، ثمّ يظهرن في الكوميديات الساخرة الإيطالية والفرنسية يضحكن ويسخرن من الرجال والزواج، إلى أن يعلنّ ثورتهنَ فيصعدن مع بدايات القرن العشرين المسارح يرقصنَ في قاعات الموسيقا بفساتينهن القصيرة المضحكة.

هذا السرد التاريخي لقصة ضحك النساء لم يكتفِ برصد الحوارية الجدلية بين الذكر والأنثى، بل امتد ليرصد الأحداث الكبرى التي أثرت في الضحك صعوداً وانحداراً، حركةًوجموداً، فالثورة الفرنسية، بعد عقودٍ ازدهر فيها الضحك فيالمسارح والملاهي وحفلات المقاهي، أدت إلى جموده وانحداره، حيث ساد العمل الجاد كما سادت البرجوازية ومن ثم أحاديث السياسة والأعمال، فاختفت البهجة مع اعتزال الرجال وعزل النساء عن الجلسات المختلطة.  

وكما كشف إدوارد سعيد تورط روايات جين أوستن وجوزيف كونراد كولونيالياً في «الثقافة والإمبريالية» تكشف هنا سابين تورط روايات بلزاك وزولا في إقصاء النساء وتهميشهن، ولا سيما أولئك الجريئات اللواتي يرغبن في إظهار براعتهنّ، لكن النساء حتى لو أظهرنَ أنهن امتثلنَ لما هو متوقّع منهنَّ، كنّ دوماً نساء لا ينخدعنَ؛ إنهنَّ يعرفنَ جيداً عيوب الرجال، كما يلمسنَ بحدسهنّ الأنثوي الادعاءات الكاذبة، والفجوة بين استيهام الخطاب و صدق الواقع.

لقد نجحت النساء، في النهاية، في تحدي قدرتهنّ على الضحك وإضحاك الناس، ونزع وصمة العار عن ضحكهنّ،وفي تحدي احتكاره من قبل الرجال بوصفه ترفيهاً لهم وعزاءً لحزنهم، بل إن إحدى نقاط القوة العظيمة لضحك النساءهي أنهن تَمكنَّ من تجسيد الاستهزاء الذاتي. لقد سخرنَ من أنفسهنَّ، معترفاتٍ بعيوبهنَّ، كانتظار الأمير الفاتن على حصانه الأبيض، والسعي وراء السعادة بأيّ ثمن، ومكانةالأمّهات ضمن العائلة، وعمل النساء... إن ضحك النساء حقيقةً يؤكّد شفافيتهن أمام جدية الرجل الفارغة وغموضه وانخداعه وتعلّقه بالأوهام؛ إنّه الضحك الذي، كما تقول فرجينيا وولف، «يظهر الكائنات كما هي، خالعةً رداء الثروة والمكانة الاجتماعية والتعليم»؛ إنه الضحك الذي ينقذ الحياة، الضحك الذي يجب أن نظفر به، الضحك الذي يستمدّجذوره من الطفولة ببراءتها ونقائها؛ إنه ضحك النساء الذي يقدم العالم بشكل هزلي من وجهة نظرهنّ.

أختم بقول ميلان كونديرا الذي اختتمت به سابين كتابها: «ليست أفضل القصص الساخرة تلك التي تجعلك تضحك أكثر، بل تلك التي تكشف آفاقاً جديدة». قد لا يجعلنا هذا الكتاب نضحك كثيراً لكنه لا شك يكشف لنا آفاقاً جديدة.  

هل اقتبس عبدالرحمن الكواكبي أفكار كتابه طبائع الاستبداد من كتاب الطاغية لفيتوريو آلفيري؟

فيتّوريو آماديو آليفيري

شاعر وكاتب وممثل مسرحي إيطالي، وُلد في مدينة آستي، في أقليم بيامونته، في ١٦ كانون الثاني ١٧٤٩، وتوفى في مدينة فلورنسا عام ١٨٠٣؛ حيث دُفن في كاتدرائية سانتا كروتشه، في فلورنسا.

ينحدر من عائلة نبيلة وشريفة السمعة. أبوه الأمير أنطونيو آماديو آليفيري، أمير مقاطعة كورتيميليه، إلا أنه فقده مبكراً. تزوجت أمه مونيكا مايلّراد دي توُرنون للمرة الثانية من الفارس كارلو دجياتشينتو آليفيري.

منذ نعومة أظفاره، كان فيتّوريو حساساً للغاية، مفعماً بالحيوية، لكنه في أغلب أوقاته كان يعيش منعزلاً، رافضاً قواعدَ مجتمعه. كان يعاني من مرض عصبي غالباً ما كان يسبب له الاكتئاب. في عام ١٧٥٨ حلّ ضيفاً على معلّمه وعمّه بلّيچرينو آليفيري، الذي كان حاكماً لمدينة كوُنيو في عام ١٧٦٢، ومن ثَمّ نائب ملك ساردينيا. ألحقه عمّه بالأكاديمية المَلَكية في مدينة تورينو؛ حيثأكمل دراسته في قواعد اللغة والبلاغة والفلسفة والقانون. لغته الأم كانت لغة مدينته تورينو، بالإضافة إلى اللغتين الفرنسية والإيطالية الكلاسيكية (لغة إقليم توسكانا).

كانت نشاطات ڤيتّوريو الأدبية قصيرة، لكنها كانت كثيفة وعاكسة لآلام روحه ولحياته المغامرة. درس، بعمقٍ، بلوتاركو، ودانته، وفرنشيسكو بيتراركا، وماكيافيللي، كما درس، باهتمامٍ، المتنورين؛ مثل: ڤولتير ومونتسكيو، ومنهم جميعاً استمدَّ نظرته الواقعيةالكلاسيكية. كان مؤيداً للحرية بشكلها المثالي. وبشكل قاطع، كان أيضاً معارضاً لكلّ ما هو استبداد.

خلال إقامته في فرنسا، شجّع الثورة الفرنسية، وبعدها عاد إلى إيطاليا، واستمر في الكتابة معارضاً نابوليون إلى حين وفاته عام ١٨٠٣. قبل موته، في سنواته الأخيرة، صار مصدر إلهام للكثير من الأدباء المتنورين مثل إوغو فوسكولو. من أهم أعمال فيتوريو ألفيري في الكوميديا ​​والهجاء والواقعية: من الاستبداد، مدح بليني لتراجان، في الفضيلة المجهولة وفي الأمير والرسائل: وفي هذا العمل بالذات يحلل الكاتب علاقته مع السلطة المطلقة. لكن هناك من يرى أنّ أهم أعماله كانت سيرته الذاتية؛ الحياة التي كتبها، واستعاد من خلالها القصة العاطفية لكيفية اكتشافه نفسه وميوله الأدبية. ألفيري كتب أيضاً الكثير من الأشعار، التي أعطت صوتاً لازدرائه الأرستقراطي للخسة والنفاق.

كتاب الطاغية وأهمية ترجمته

في كلّ كتابات ألفيري، بما فيهم كتابه هذا، سادت فكرتان أساسيتان هما: إعطاء شكل واضح لمفهوم الإنسانية، وبلورة شخصية الإنسان وربطها بالحرية. وهذه الفكرة، التي لا تُفارق فكر وحياة الكاتب، نراها جلية في كتابه هذا؛ إذ يبحث ألفيري في الآليات النفسية التي تؤثر في الشخصيتين: من يُسيطر ومن يجب أن يخضع، وهناك من يُهيمن عليه التعطش للسلطة، ومن يُسيطر عليه حبّه وتعطشه للحرية. هذه الفجوة العميقة بين الطرفين تظهر جليةً في كتاب آليفيري (الاستبداد)، الذي حلّل فيه المؤلف خصائص الطاغية، والأدوات التي يستخدمها لقمع الرعايا، وكذلك الطُرق التي يستطيع بها الرجال الأحرار، الذين يعانون من هذا الظلم، القضاء عليه.

في كلّ العصور، بما فيها عصرنا هذا، شكّل الاستبداد قوةً معادية للإنسان بشكل عام، وللرجال الأحرار الأبطال بشكلٍ خاص؛ لأن البطل يتربّى على كراهية كلّ ما يُعيق حريته وإنسانيته؛ أي على نبذ الطاغية.

من الواضح في هذا الكتاب أنه لا توجد إمكانية تفاهم بين البطل والطاغية، وغالباً ما يُصبح البطلُ الضحيةَ، وهذا ما يُخيف أكثر مخاوف الطاغي؛ لأن البطل الضحية يُثير في الناس ردود فعل كبيرة، ويُوقظ في داخلهم تعطشهم للحرية وللحياة الكريمة.

في الحقيقة، الطغيانُ والطاغي لا علاقة لهما بعالم السياسة، ولا يُشكّلان من الناحية التاريخية حالة طارئة محددة. منشأهما حتماً متعلقٌ بطبيعة الإنسان وخوفه من المجهول.

الكراهية الشديدة للطاغية تتحول في هذا الكتاب إلى دعوة لحب كلّ ما هو مُطلق، إلى توقان لتجاوز الظروف والقيود الإنسانية، من أجل التأكيد الكامل والشامل على الذات والإنسان الحر. يتوقف كثيراً آليفيري على أهمية تجاوز العقبات كي لا يشعر البطل المدافع عن الحرية بالإحباط، ولكي لا يرى الهزيمة كأنها قدر محتوم، وأنّ الإنتحار هو الحلّ اليائس المُتَبقي.

هذه المرحلة الهدّامة للأسس الإنسانيّة، التي يمّر بها العالم العربي بشكل خاص، والعالم بأسره بشكل عام، تجعل من ترجمة هذا الكتاب واجباً أخلاقياً ومعرفياً دقيقَ الخبر، الذي يهدف إلى دعوة البشرية إلى االتوحد من أجل إنقاذ كلّ ما يجعل الإنسان إنساناً، فالواقع الحالي للبشرية أليمٌ يكتنفه الجهل والغموض؛ لهذا حرية الإنسان من التعسف هي الحل الأول لبدايات حياة كريمة. المشكلة لا تكمن في السلطة أو الحكم، بل في السلطة التعسفية الشيطانية، والحكم الأرعن الذي لا هدف له إلا وجوده كغاية مطلقة وبأي ثمن.

هذا الكتاب أشبه بمخبرٍ طبي يشرّح أمراض الظالم، وأوجاع المظلوم، وطرح الحل الأسلم للطرفين، ومن منّا اليوم لا يبحث عن الحل الأسلم؟ لقد صار حاجة ملحةً لجميع البشر في كلّ أنحاء المعمورة من أجل العودة إلى ما أراده الله للبشرية جميعاً من خير، وهذا لا يأتي بالتخاذل والاستسلام أمام قوى الشر.

الهرطقة مرآة عاكسة للخريطة الذهنية الفلسفية

 

إرنستو ساباتو

يقترنُ أدب أمريكا اللاتينية والحركة ِالفكرية وفن الرواية مَطلع القرن العشرين باسم الكاتب الأرجنتيني إرنستو ساباتو (بوينوس آيرس ١٩١١-٢٠١١). ويُعتبر إرنستو ساباتو من شيوخ الرواية في أمريكا اللاتينية وقد نال باقة من أرفع الجوائز في إسبانيا وأمريكا اللاتينية على مدار مسيرته الفكرية والأدبية ومنها جائزة ثربانتس (١٩٨٤) والتي يُطلق عليها نوبل اللغة الإسبانية، فضلاً عن ترشحه لجائزة نوبل مع الكاتبين فرانسيسكو أيالا و ميجيل دي ليبيس عام ٢٠٠٩ كما تم تكريمه في العديد من المحافل الأدبية والفكرية العالمية. 

ويظل إرنستو ساباتو من النماذج الأدبية والفكرية التي حيَّرت النقاد والقراء على حد سواء لندرة كتاباته وعمق تأثيرها. ولعل ملابسات وطبيعة نشأته في عائلة من المهاجرين من أصل ألباني إيطالي إلى الأرجنتين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وأسرته الكبيرة، فقد كان الابن الحادي عشر في أسرته لأب يعمل في مهنة بسيطة وفي أسرة كادحة اتسمَّ الأب بالباترياركية التقليدية القاسية مقابل الأم الرؤوم، من الموضوعات البارزة في أعمال ساباتو، ولا سيما السيرة الذاتية.

 أبدى نبوغاً هائلاً منذ صغره، وميلاً إلى العزلة والقراءة والانطواء، وهو ما دفعه إلى الدراسة المعملية غير أنه كان قطباً فاعلاً في عملية الإصلاح الجامعية.  تبنى مبادئ الشيوعية، وانضم إلى الحزب الشيوعي، وقضى فترة في موسكو. وعلى الرغم من تخصص إرنستو ساباتو في الدراسات الفيزيائية، فقد حصل على الشهادة الجامعية في تخصص الفيزياء والرياضيات من جامعة لابلاتا الأرجنتينية عام ١٩٣٣، ثم نال درجة الدكتوراة عام ١٩٣٨، حصل إثرها على منحة للدراسة في باريس في مختبر “ماري كوري” أرفع المؤسسات العلمية العالمية في التخصص لإجراء أبحاث حول الإشعاع الذري، ومنها إلى معهد ماستشوستش في الولايات المتحدة الأمريكية ودرس على يد العالم الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء.

 في تلك الأثناء يمر ساباتو بأزمة وجودية عنيفة تهز كيانه لاستخدام العلوم في تدمير البشرية من خلال القنابل، فيعود إلى مدينته الأم، ويعتكف الحياة، وإثر هذه العزلة يقرر أن يهجر المجال العلمي ويتفرغ للكتابة. وربما كان تأثره بوجوده في فرنسا في الثلاثينيات من القرن المنصرم، وتواصله وتماسه مع الحركات الفنية والأدبية في عاصمة النور قد أثرَّ على قرارِه المفاجئ. ويروي ساباتو بشأن هذا التحول في كتابه “قبل النهاية” أنَّ العنف والقسوة التي صار العلم سلاحاً فيها قد أفقده الثقة في مصيره بوصفه إنساناً إزاء العالم، إذا ما واصل هذا الطريق. وبناء عليه اتخذ قراره بتحويل المسار الى الأدب. ويُشار إلى أنَّ المفكر والناقد الأدبي الأشهر في أمريكا اللاتينية بدرو أنريكي أورينيا الدومينيكاني الأصل (١٨٤٦- ١٩٤٨) كان هو مدرس اللغة والأدب لساباتو في المدرسة الثانوية، وحين سأله ساباتو ذات مرة “لماذا ترهق نفسك على هذا النحو مع كل هؤلاء؟”  فما كان منه إلا أن أجابه: ” علني أرى بين حدقات هؤلاء الطلاب حدقتي كاتب في المستقبل”. لقد كان التأثير الأدبي يتفوق على العلمي، وحسم ساباتو أمرَه في النهاية. وكان إلى جانب نشاطه الفكري والأدبي رئيس لجنة البحث عن المفقودين وهم عشرات الآلاف إبان الديكتاتورية الأرجنتينية. 

استهلّ ساباتو نشاطه الأدبي والفكري بكتابة مجموعة من المقالات النقدية والأدبية في المجلات الأدبية الشهيرة بمدينة بوينوس آيرس- باريس أمريكا اللاتينية- نشر مقاله النقدي الأول عن رواية “اختراع موريل” للكاتب الأرجنتيني وصديق خورخي لويس بورخس (١٨٩٩-١٩٨٦)، بيوي كاثاريس (١٩١٤-١٩٩٩) وواصل نشر مقالاته تباعاً في مجلة “الجنوب” التي كانت ترأس تحريرها الكاتبة والشاعرة الأرجنتينية سيلفينا أوكامبو. تحول ساباتو في تلك المرحلة من الكتابة النقدية الى الفلسفية ونشر كتابه الأول “الفرد والكون” عام ١٩٤٥، وما لبث أن أعقبه نشر روايته الأول “النفق” (١٩٤٨)، التي أحدثت جدلاً رحيباً مدوياً اهتزتْ له أركان المؤسسة الأدبية والفكرية في عاصمة النور الأرجنتينية. ومن المثير للدهشة أن ساباتو يذكر في سيرته الذاتية أنه عرض الرواية على إحدى دور النشر، التي كان بورخس و بيوي كاثاريس مستشارين لها، فرفضاها، وانتقدا أسلوبيتها بشدة معقبين أنها لا تصلح للنشر.

تصدرتْ الرواية الأولى لـ إرنستو ساباتو المشهد الروائي في أمريكا اللاتينية جنباً إلى جنب مع روايات أخرى، ونذكر _على سبيل المثال_ رواية  “البئر” (١٩٣٩) للكاتب الأوروجوائي “خوان كارلوس أونيتي (١٩٠٩-١٩٩٤)، وهي من أهم الروايات التي أحدثت لحظة فارقة في مسيرة الكتابة الروائية والقصصية في أمريكا اللاتينية مطلع القرن العشرين ذلك أنها مهدت لطراز الرواية القصيرة نائيةً عن الرواية الطويلة الممثلة في نماذج سابقة حاكت طراز بلزاك الفرنسي مثل “السيدة بارابارا” و “دون سيجوندو سومبرا” وغيرها من الروايات الكلاسيكية.  ويأتي القالب والموضوعات الجديدة في الفن القصصي في أمريكا اللاتينية كنتيجة حتمية للتغيرات العالمية وتداعياته على دول العالم ودول أمريكا اللاتينية مثل الحرب العالمية الأولى والثانية والثورة البلشفية والكساد في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما انطبع في بزوغ التيارات الفنية الحديثة لمدارس الطليعة التي انبثقت في الفن التشكيلي ومنها إلى الشعر والرواية والمسرح وعلى راسها السريالية والتكعيبية والدادائية والمستقبلية وغيرها. وقد تأثر ساباتو تاثراً مباشراً بهذه الفنون خلال اقامته في أوربا فتعرف على المدارس الفلسفية وخاصة الوجودية وبالمثل المدارس الحديثة في علم النفس لفرويد ويونج ولاكان فانصهرت هذه العوامل مع خلفيته الهجين الأرجنتينية من ناحية وذاتية إرث عائلته المهاجرة من جهة أخرى فأنتجت هذه المدرسة الروائية التي بدت مثل امتداد لكتاب آخرين على قدر كبير من الأهمية والتأصيل للكيان الروائي الجديد في أمريكا اللاتينية مثل فلسبرتو إرنادث وماسيدونيو فرناندث ومارتين أدان وروبرتو آرلت و بيثنتي أويدوبرو وغيرهم. من جهة أخرى، وبالتوازي مع التيارات الفلسفية والفنية المذكورة أطلت كتابات خورخي لويس بورخس، وخوان رولفو، وخوليو كورتاثار، ومن بعدها غابرييل غارسيا ماركيز، لتدشن الكتابة الغرائبية أو العجائبية، وهي الظاهرة التي لم يتأثر ساباتو بها في كتاباته مصراً على الواقع ووجود الإنسان في العالم ومثابرة التساؤل عن ماهية الوجود.    

كتاب الهرطقة وأهميته:   

يُعتبر كتاب الهرطقة الصادر عام ١٩٥٣ هو الكتاب الرابع لساباتو بمثابة سبيكة فكرية انصهرت في أتون الفكر والنفس. يتألف من مئة وواحد وأربعين فصلاً قصيراً، ويُعد من أهم الكتب الفكرية التي تناولت بالرصد والتحليل إيديولجية مواطن أمريكا اللاتينية المثقف في مختلف دول أمريكا اللاتينية من ناحية، وبالمثل فهو مرآة عاكسة للخريطة الذهنية الفلسفية للقرن العشرين والواحد وعشرين أيضاً؛ إذ ضمّنَّ فيه ساباتو خلاصة رؤيته الفكرية بعد قراءاته وأبحاثه المتعمقة في الفلسفة التاريخية والعلمية العالمية والمعاصرة.  يتشكل الخطاب في هيئة محاورات ذاتية بشأن الكون والانسان والأدب والوجود والدين والسياسة ونمطية الكتابة الأدبية، ومفهوم اللغة وأسرارها والحيرة الفلسفية والالحاد، والكُتَّاب وبرجهم العاجي، وعلاقة الكاتب بالشخوص الذين يبدعهم، وجدلية التاريخ وغيرها من المفاهيم الكونية التي لا غنى عنها للعقل الإنساني في أمريكا اللاتينية بشكل عام، والمفكر والأديب والعالِم العالمي بشكل خاص.  

ويرى بعض النقاد أنَّ أهمية هذا الكتاب تنصب على المعضلة الأزلية للخير والشر، ومجابهة الإنسان لأشباح القلق والوجود والعدم والموت بين عناصر أخرى. ويمكن قراءة كتاب الهرطقة لإرنستو ساباتو باعتباره السيرة الروحية للكاتب الأرجنتيني. وربما يكون من الصعب فهم الإنتاج الروائي لساباتو أو سيرته الذاتية دونما الرجوع الى هذا الكتاب الذي يُعتبر العمود الفقري للمشروع الأدبي و الفكري لإرنستو ساباتو. ويتمتع الكتاب إلى اللحظة الراهنة بصلاحية مدهشة وكاشفة. وتميز الكتاب ببصيرة ورؤية “تنبؤية” لما سيصير عليه حال العالم. إن كلماتَه تضع إنسان القرن الواحد والعشرين على عتبات التساؤل اليومي، وتشحذ الرغبة في اكتشاف العوامل التي تهدد الهوية والمعرفة والثقافة وغيرها من دعامات قيام الحضارة الإنسانية. هو نص نموذجي للتعرف على أزمة استيعاب العالم، إنه ينحاز لمبادئ الحق والخير والجمال التي نادي بها جان جاك روسو ولكن بنكهة طازجة لا تغيب فيها الفلسفة المعاصرة ومن نماذجها برتراند راسل الذي ترجمه بنفسه إلى الإسبانية، إن نموذج ساباتو للفكر الإنساني وتماسك أطروحته يحملان قوة فاعلة للتغيير الروحي، ويتصديان لمعركة شاقة مع اللامبالاة الإنسانية. إن هذه العوامل السابقة جميعها تجعل ترجمة الكتاب نشاطاً إنسانياً قادراً على إغناء المكتبة العربية، وتقريب فكر وأدب أمريكا اللاتينية إلى الثقافة العربية، من خلال المنشأ الفكري الرئيس بقلم أحد أهم رموزها، إرنستو ساباتو.          




اثنان الرواية التي تُضمِرُ الكثير من الحب، والكثير من العنف، والكثير من السخرية

قد لا تكون رواية «اثنان»، للكاتبة الفرنسيّة من أصلٍ روسيّ إيرين نميروفسكي، أهمّ روايةٍ لها؛ فابنة كييف المولودة عام 1903 عرفت شهرتها الحقيقيّة من خلال روايتها «دافيد غولديه»، التي صدرت عام 1929، وما بين «دافيد غولديه» و«اثنان»، عرفت الكاتبة تقلّباًفي المستوى نتجَ عنه تقلّبٌ في تلقي أعمالها المنشورة في تلك الفترة، وذلك إلى حين صدور هذه الرواية التي بين أيدينا، والتي ربّما يمكن القول إنّها الرواية التي، مع النجاح الكبير الذي حقّقته،حمت كاتبتها من النسيان المطلق عقب وفاتها؛ فهي آخر روايةٍ نشرتها وهي على قيد الحياة قبل ترحيلها إلى معسكر أوشفيتس النازي ووفاتها هناك عام 1942.

في هذه الرواية، الصادرة بطبعتها الفرنسيّة الأولى على شكلِ فصولٍ عام 1938، في مجلّة Gringoire (وعلى شكل كتابٍ عن Albin Michel عام 1939)، يستطيع القارئ القول إنّ نميروفسكي انقلبت على مسارها الأدبي الذي دأبت عليه طوال فترة حياتها، واتّجهت نحو ثيمةٍ جديدةٍ ترسمُ واقع الشباب الفرنسيّ في السنوات العشرين ما بين الحربين العالميّتين، وذلك على الصعيد العاطفي؛ وهي ثيمةٌ لم يسبق لها أن اشتغلت عليها، ولن يُقدّر لها تكرارها، وهو ما يعطي هذه الرواية تفرّداً خاصّاً في تجربة نميروفسكي الأدبيّة، القصيرة نسبيّاً والخالدة.

يعطينا عنوان الرواية «اثنان» فكرةً شاملة عن الأساس الذي تقوم عليه الرواية: العلاقات الثنائية؛ وفيها نجد علاقةً ثنائيّة أساسية تتمحورُ من حولها علاقاتٌ ثنائيّة فرعيّة سيكون لها الدور في رسم حبكة النص الروائي. هذه العلاقة جمعت بين كلّ من ماريان سيغريه، ابنة الرسام المعروف والعائلة الأرستقراطيّة الغنيّة،التي لا ترغب في شيءٍ في هذا العالم سوى الاستمتاع، وأنطوان كارمونتِل، ابن العائلة البرجوازيّة وأحد الذين شاركوا في الحرب، الذي يتمتّع بقدرة كبيرةٍ على سحر الفتيات وإغوائهن… وينتهي بهما الأمر إلى الزواج من بعضهما. هذه العلاقة الثنائيّة، التي جمعت بين شخصين متشابهين ومتناقضين في آنٍ واحد، ستعيش التقلّبات والتحوّلات كافّة التي ستلاقي من خلالها بقيّة شخوص الرواية (الحب، الخيانة، الألم، الخلافات الأسريّة، الموت، الخوف، المرض…) من خلال تكوين ثنائيّاتٍ مختلفة (أنطوان ونيكول، أنطوان وإيفلين، ماريان ودومينيك، دومينيك وصولانج، صولانج وجيلبير…) لن تلبث أن تنهار أو تتلاشى أمام صلابة زواجهما الخارجيّة، هذا الزواج الذي قُدِّر له الاستمرار رغم الهشاشة الداخليّة التي سادت علاقتهما.

رغم أنّ الفئة المستهدفَ الحديثُ عنها في الرواية هي فئةُ الشباب، نلحظُ حضوراً مهمّاً للآباء والأبناء أيضاً في النص؛ حيث جمعت ماريان وأنطوان مع آبائهما علاقةٌ مضطربة ومتوتّرة وغير صحيّة؛تحديداً أنطوان مع والدته، هي العلاقة التي من الواضح أنّها على وشك التكرار، ولكن مع فرانسوا وجيزيل؛ ولدي الزوجين، وهو ما يعطي إشارة إلى إعادة التاريخ نفسه مع مختلف الأجيال العائليّة.

هذا ولم توفّر إيرين نميروفسكي عنصراً من العناصر المشكّلة لبيئة هذين الشخصين، بدءاً بالأماكن التي تدور فيها الأحداث (شقّة جزيرة سان لوي، منزل ماريان العائلي، منزلا والدي أنطوان في سان إلم وشارع مالُزِرب، المطاعم والحانات التي يلتقيان فيها أو يلتقي كلّ واحدٍ منهما بأصدقائه…)، مروراً بالأزياء السائدة في تلك الفترة، التي كرّست نبرة الإغواء والفتنة بين الشبّان، وصولاً إلى ديكورات الأمكنة التي تفنّنت الكاتبة في رسمها… غير أنّ ما نلحظه من قاسمٍ مشتركٍ بين كلّ هذا هو اللون الأحمر، هذا اللون الذي استخدمته ماريان بتدرّجاته ودلالاته كافّة؛ فهو لون النار، لون فستان ماريان، لون الورود، لون الإضاءة الخافتة في ليالي العشّاق… بيد أنّها لا تكتفي بذلك، بل تدفعه أيضاً، باجتهادٍ خاصٍّ منها، لتجعله بتدرّجاته كاملةً ذاك اللون الذي يجمع المتناقضات كلّها، كلون بديلٍ للون الرمادي الدالّ على الفتور والبرودة؛ فما يجري بمختلف أحداث الرواية يكتنز من السخونة والعنف العاطفيين ما يكفي لإثارة عصب القارئ ودفعه لتخيّل حال الشباب الفرنسيّ في تلك المرحلة التي، ربّما، تكون غير واقعيّةٍ له.

باختصار: نحنُ أمام روايةٍ إنسانيّة عظيمة، رواية لا تتردّد في سبر أغوار الحال الذي وصل إليه الفرد الشاب في تلك المرحلة الزمنيّة العصيبة. لعلّ معظم النقّاد يتّفقون على أنّ نبرة نميروفسكي في صلب النصّ هي تلك النبرة الساخرة، نبرة الهجاء الاجتماعيّ التي تحلّل العاطفة بصرامةٍ، وتشرّحُ العلاقات الزوجيّة في فئةٍ مجتمعيّةٍ توقّف عندها الزمن عند اندلاع الحرب، فوجدوا أنفسهم ما زالوا في فترة المراهقة إلى حدٍّ ما؛ غير أنّ هذه السخريّة لا تخلو من الشفقة التي أبدتها صاحبة «الكلاب والذئاب» تجاه هذه الفئة، شفقة كاتبةٍ يسبقُ وعيها عمرها، ليصحّ القول إنّ هذه الرواية تُضمِرُ «الكثير من الحب، والكثير من العنف، والكثير من السخرية».

أمينة المكتبة وَ دوناتيين من أفضل عشر روايات عالمية تم ترجمتها للعربية

اختلفت الآراء حول قبول ورفض الروايات العالمية المترجمة، فمنهم من يراها ثقافة دخيلة تساعد على تهميش الكتاب العربي، وبعضهم يرى فيها إثراءً للثقافة العربية، ولا شك في أن قراءة الروايات العالمية بمواقفها وأحداثها سيوسع من مداركك ويجعلك شخصاً أكثر تفتحاً وأكثر قدرة على تقبل الآخرين، فلطالما أخرجت قراءة روايات عالمية كثيراً من الأشخاص من الوحدة لعالم زخم مكتظ بالحكايات الجديدة والقصص الغريبة، وأخذتهم بأحداثها وشخوصها لعوالم أخرى مدهشة بعيدة تماماً عن تقاليدهم وثقافاتهم.. وساعدتهم على رؤية الكثير من الظروف، والمآسي، والآلام، والأحداث بصورة مختلفة، وكلها متغيرات وتحديات ألقت بثقلها وهمومها على مجتمعاتنا وثقافتنا العربية الأصيلة والتي تُعد أحد أغنى الثقافات في العالم، في السياق التالي وعبر موقع goodreads.com، سيدتي ترشح لك أفضل عشر روايات عالمية تمت ترجمتها للعربية..

رواية ظل الريح … كارلوس زافون

هذه الرواية من ضمن روايات عالمية حصلت في زمن قصير على تقدير في كل العالم، وتدور القصة في مدينة برشلونة في وسط القرن العشرين حيث إن هناك رجلاً مسناً يصطحب ولده دانييل إلى مكان يدعى مقبرة الكتب. ويقع هذا المكان أسفل المدينة، ولا يعلم سره إلا القليل، كانت ترمى فيها الكتب التي كتبت ولم تنجح، ومن عادة هذه المكتبة أن من يدخلها يجب عليه إذا خرج أن يأخذ معه كتاباً ويأتمنه على حياته. يأخذ الولد كتاب ظل الريح وعندما يعود إلى البيت يشرع في قراءته ويتعجب من وجود هذا الكتاب في مكان كالمقبرة تلك، ويريد أن يقرأ مزيداً من كتب مؤلف الكتاب، خوليان كراكس، فلا يعثر على شيء. يبحث ليعرف أن رجلاً يدعى لاين كوبيرت يحرق جميع كتب خوليان لاعتقاده أنها مبعث للشر أو للشيطان.

رواية مكتبة منتصف الليل … مات هيغ

وهي أول رواية للكاتب، ونجد بطلة الرواية شابة تعاني من شعور بالذنب يلاحقها دائماً لفشلها في حياتها، ثم تجد البطلة نفسها في مكتبة تحوي كتبها المرصوصة على كل الاحتمالات الممكنة لشكل حياتها، فبطلة الرواية التي أوشكت أن تقتل نفسها، عوضاً عن ذلك تجد مكتبة يمثل كل مجلد فيها نسخة من حياتها، حيث اتخذت خيارات مختلفة واحتمالات لا حصر لها. هناك أصبحت نجمة موسيقى الروك، ومرة فازت بميداليات أولمبية، وثالثة تعيش على متن سفينة أبحاث في القطب الشمالي، وكل ما عليها فعله للدخول في هذه الحياة هو فتح الكتاب. إذا وجدت حياة جيدة يمكنها البقاء، وقد حصلت الرواية على اختيار القراء بموقع Goodreads كأفضل رواية صدرت عام 2020 باللغة الإنجليزية.

رواية جريمة في حفل الصيد ..أنطون تشيخوف

هي رواية جريمة نفسية اختبر فيها تشيخوف، واستغل تشيخوف الشكل البوليسي والحبكات الرائجة في ذلك الوقت ليقدم لنا عملاً رائعاً يكشف لنا عن حجم موهبته الأدبية في مرحلة مبكرة، فيجد القارئ نفسه أمام موهبة مبهرة تعرف طريقها إلى رسم أعماق الشخصية الروسية والإنسانية عموماً، والرواية واحدة من بواكير أعمال الكاتب الروسي أنطون تشيخوف.وهذه ثلاث روايات واقعية عن الحياة!!  تعرفي عليها وأخبرينا برأيك.

رواية البحث عن الزمن المفقود … مارسيل بروست

رواية مارسيل بروست “البحث عن الزمن المفقود” هي الرواية الأطول في العالم، تصل عدد كلماتها إلى 1.2 مليون كلمة. نُشرت الرواية خلال أربعة عشر عاماً في سبعة مجلدات، واعتُبرت واحدة من الروايات
العظيمة على الفور. بأسلوب شديد الحساسية يبتعث فيها الكاتب ماضيه بدقة تعطي للذكرى من الواقعية أكثر مما كان للأحداث نفسها. ألفه ما بين 1905 و1910.

رواية كأنك لا تراها … للكاتبة ماري هيجينز كلارك

الكاتبة ماري هيجينز كلارك التي احتلت جميع كتبها، والبالغة 51 كتاباً، قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في كل من أمريكا ومختلف الدول الأوروبية، سوف تأخذك في عالم مُشوق تبحثين فيه عن حل الجريمة مثل أبطال الرواية تماماً وكأنكِ تعيشين الأحداث معهم، وهي رواية تشويقية تحكي عن جريمة قتل حدثت، لكنها ليست رواية بوليسية بقدر ما هي رواية أحداث مشوقة وتجارب إنسانية.

رواية الحب ليس شفقة … ستيفان زفايغ

يقدم الكاتب رؤيته الخاصة للحب والشفقة من خلال علاقة الضابط والفتاة المعوقة.. موضحاً أو مفسراً لأنواع التأثيرات المدمرة لكل من الحب والشفقة من خلال الفعل ورد الفعل.. تبدأ العلاقة بصداقة مثالية دافعها الرحمة، ثم تتحول إلى نوع من الإعجاب والصداقة والحب، فنرى الحب يحمل ذلك التأثير الهائل القادر على أن يحقق المعجزات، ونرى الحب من جهة أخرى يخلق أزمة وجودية لا قدرة للفرد على تحملها، ولا يوجد منفذ من هذا الحب المدمر إلا في الهروب إلى مكان آخر، ويمكنك التعرف على أهمية القراءة وفوائدها للفرد والمجتمع

رواية لم يبق أحد .. أغاثا كريستي

نُشرت للمرة الأولى في المملكة المتحدة وتشتهر باسمين آخرين، هما عشرة زنوج صغار Ten Little Niggers، وعشرة هنود صغار Ten Little Indians، حققت مبيعات أكثر من مائة مليون نسخة، وهي أكثر كتب كريستي مبيعاً. تدور أحداثها حول عشرة أشخاص لا يجمعهم أى قاسم مشترك ولا انسجام بينهم، اجتذبتهم دعوة غامضة إلى جزيرة مقفرة معزولة ، وفجأة وخلال تناول العشاء سمعوا صوتاً للمضيف المجهول يتهم كل واحد منهم بارتكاب جريمة، وشيئاً فشيئاً يُدركون أن القاتل شخص من بينهم.

رواية بندقية صيد … ياسوشي إينويه

تتناول رواية “بندقية صيد” عواقب علاقة حب مأساوية، تُروى من خلال ثلاث رسائل توجِّهها إلى الرجل نفسه ثلاث نساء مختلفات: أولاً “شوكو”، التي تكتشف العلاقة من خلال قراءة يوميات والدتها، ثم “ميدوري”، التي كانت على علم منذ فترة طويلة بعلاقة زوجها مع “سايكو”، وأخيراً “سايكو” نفسها.
والرواية تغلي بتوتر دائم، وبضبط نفس وغضب مكتوم لا ينفجر حتى في النهاية، عندما تُكشف كل كذبة، وتكتمل كل عاطفة، وندرك أن لكل إنسان حياة سرية خاصة به، وقد حازت الرواية على جائزة “أكوتاجاوا”، وهي أعلى جائزة أدبية في اليابان.

رواية أمينة المكتبة … ماري بينيدكت ، فيكتوريا كريستوفر موراي

تُعدُّ هذه الرواية من أكثر الروايات مبيعاً لسنة 2021 بحسب صحيفة النيويورك تايمز، كما اختارها نادي الكتاب الأمريكي بوصفها أفضل رواية لهذا العام، وبطلة الرواية هى بيل دا كوستا جرين، وهى امرأة من أصحاب البشرة السوداء عاشت في العصر الذهبى في مدينة نيويورك، وأثرشغفها وفطنتها بالفنون علامة لا تمحى في مكتبة بيربونت مورغان حيث كانت تعمل أمينة للمكتبة.

رواية دوناتيين … رينيه بازان

يستعين رينيه بازان بالعنصر الأنثويّ لتبيان التّحولات الكبيرة الّتي تلبّست بالمجتمع الفرنسيّ ككلّ إثر التّغيرات المجتمعيّة النّاتجة عن توسّع وسواد الرّأسماليّة وتضخّم الهوّة بين الأرياف والمدن ونحن أمام نصّ يعيد تأويل أسباب هذه التّحوّلات الطارئة وما أفرزته للمجتمع الّذي اتخذ تفكّكه منحىً مرتفعاً مازالت آثاره قائمةً حتّى يومنا هذا في المجتمع الفرنسيّ والأوروبيّ ككلّ.، ولا ننسى كان هناك الكثيرمن من الروايات الأنثوية البارزة

المصدر: مجلة سيدتي

https://www.sayidaty.net/node/1552636/ثقافة-وفنون/أفضل-عشر-روايات-عالمية-تم-ترجمتها-للعربية?fbclid=IwAR0iowQYJHcyuE39m6CYRmZ1w7k9GgLd6EAY-Yr5QC3urE9dhhlE-GidZg8

قصص الرعب الفيكتورية ، قصة بعنوان : رأس جان كابيه

     لم يكن مارتن ديسالوكس شخصاً شريراً بطبعه.. كان ذات يوم رجلاً نزيهاً مستقيماً؛ لكن السلطة والمنصب والنفوذ، وما رافق ذلك من ثروة ومال، أخذت مع مرور الأيام تغير شخصيته، وتبدل سلوكه حتى أفسدته، وأصبح من السهل عليه احتقار عامة الناس، وظلمهم وسلب حقوقهم.

     لقد ارتكب من خلال وظيفته أعمالاً شريرة شيطانية؛ ليس لأن ذلك يسعده، بل لأنها كانت ضرورية -كما يرى- لطبيعة عمله ومريحة لوظيفته.. والآن.. الآن فقط فهم بشكل صحيح أنه كان مخطئاً فيما قام به من أفعال.

     اعتراف مارتن بأخطائه.. واقتناعه بسوء أفعاله.. وندمه عليها.. بدت كأنها توبة منه.. بعدها.. لاحظ أن الكوابيس التي كانت تلاحقه قد أصبحت أقل معاودة له.. وعندما عاد ثانية إلى عمله بعد فترة علاجه، استغرب زملاؤه من التغير الذي أصابه.. فهو يبدو أكثر إحساساً والتزاماً بالعدالة.. والابتعاد عن الظلم.. وعلى غير العادة.. لم تتم مقاضاة أي شخص على جريمة لم يرتكبها.. وغالباً ما تم إطلاق سراح المشتبه فيهم؛ لأن مارتن ديسالوكس نفسه عدّ الأدلة ضدهم ضعيفة وغير كافية لإدانتهم..

     لقد تغيرت فيه أمور أخرى كثيرة.. تغيرت وجهة نظره حول ما هو مهم في الحياة إلى درجةٍ لا يمكن تصورها.. لم يعد يهتم بالثروة أو المظاهر أو الوضع الاجتماعي.. أصبح شخصاً أكثر هدوءاً.. شخصاً محبوباً أكثر من ذي قبل.. وكان التغير الأخير متعلقاً بمشاعره.. فقد وقع في الحب بكل جوارحه..

     ميشيل.. شابة يتيمة الأم.. والدها يعمل خبازاً يكاد دخله لا يكفي قوت يومه.. في موازين مارتن القديم إن ميشيل بعيدة كل البعد عن المرأة التي كان يريدها ويتمناها.. أما اليوم فقد أصبحت كل ما يمكن أن يتمناه مارتن الجديد!!

     كانت البداية عندما تم القبض على والدها الخباز بسبب دين عليه.. كان المَدينُ يُودَعُ في السجن.. ولكن في هذه الحالة كان المبلغ المستحق زهيداً إلى درجة أن مارتن دفعه من جيبه.. وكان نتيجة هذا العمل اللطيف البسيط، أن ميشيل حضرت في اليوم التالي لتشكره شخصياً على إنسانيته.. يومها.. أُعجِبَ بها.. وأُعجِبَتْ به.. وكانت البداية!

     الآن أصبحا -رسمياً- مرتبطين.. قبل الزفاف حاول مارتن عدة مرات أن يخبر ميشيل عن حياته السابقة.. لكنها لم تكن لتستمع إليه!

في إحدى المرات رأى أنه قد سنحت له الفرصة.. نظر إليها وقال بجدية:

  • هناك شيء يجب أن تعرفيه عني..
  • هل هناك…؟ هل ستخبرني جميعَ أسرارك المزعجة؟ قالتها وقد ارتسمت ابتسامةٌ على فمها..
  • نعم.. قالها متجاهلاً نبرتها وردَّها الفاتر.. واستطرد قائلاً: وربما تغير شعورك تجاهي عندما تعلمينها!!
  • هذا هُرَاء.. لا شيء يمكن أن يُغيّر نظرتي إليك.. أنت أطيب رجلٍ رأيته في حياتي..
  • ربما أبدو هكذا الآن.. لكن في الماضي!!… ميشيل.. أنا خائف.. لقد كنت..
  • مارتن.. الماضي هو الماضي.. لا نحتاج أن نقلق بشأنه.. سيكون رجلاً غريباً من لم يرتكب أي خطأ في حياته.. اترك الماضي لأهله.. وعش يومك..
  • لكنك لم تفهميني.. أنا….
  • الآن.. الحاضر.. وانسَ أي كلمة أخرى.. انس أي شيء عن الماضي.. أريد أن نركز على المستقبل فقط..

     لم ييأس مارتن.. حاول إثارة الموضوع معها في مناسبات عدة، إلا أن ميشيل كانت دائماً تصده، وترفض الاستماع إليه.. وفي النهاية.. وجد أنه لا سبيل لطرح الموضوع معها مرة أخرى، وأن عليه التوقف عن ذلك..

     اليوم.. يوم زفافهما.. كان هناك احتفالٌ امتد عدة ساعات.. ومأدبةٌ فخمة في الهواء الطلق.. بعد انتهاء الحفل توجهت ميشيل إلى غرفة النوم في النُّـزُل الذي يقيمان فيه هذه الليلة.. كانت مرهقةً جداً.. ويجب عليهما أن يستيقظا في وقتٍ مبكر للحاق بالعربة المتجهةِ إلى باريس..

     بعد قليل.. توجه مارتن إلى الغرفة.. كان منتشياً وفي حالة سكر بعد أن شرب الأنخاب.. فتح باب الغرفة ودخل.. كانت شمعة واحدة على شمعدان ثقيل تلقي بظلالها المتراقصة على أرضية الغرفة الخشبية المكشوفة.. كانت ميشيل ترقد في السرير الكلاسيكي الكبير ذي الأعمدة الأربعة الذي كان يقبع في منتصف الغرفة مختفياً خلف الستائر المخملية الثقيلة التي كانت تحيط به.

     ابتسم مارتن.. فهو يشعر بالسعادة.. فقد أصبحت ميشيل زوجته.. وهو الأمر الذي كان من الصعب عليه أن يصدق أنه سيتم.. نظر إلى الستائر المخملية وهو يحدث نفسه.. «ربما كانت نائمة.. أو ربما تريد أن تخدعني.. فهي مستيقظة.. ولكنها تصطنع النوم.. وتنتظر مفاجأتي..».

     خلع معطفه.. مشى بهدوء على أطراف أصابعه والابتسامة ترتسم على شفتيه.. اقترب من السرير.. سمع نفساً عميقاً من وراء الستارة.. إنَّـها ميشيل.. هي نائمة.. مد يده إلى الستارة.. وقبل أن يسحبها سمع طرقاً خفيفاً على باب الغرفة..

     تساءل هامساً: من هذا الذي يطرق الباب؟… مشى عبر الغرفة على رؤوس أصابعه باتجاه الباب.. في الصالة كان هناك شخص يحمل صينية مملوءة بالفواكه والنبيذ.

  • تهانينا سيد ديسالوكس.. هذه ضيافة إقامتكم في النُّـزُل..

حاول مارتن إخفاء انزعاجه.. لقد استغرقت المأدبة اليوم ست ساعات.. والوقت الآن يقترب من منتصف الليل.. فهل سيرغب في تناول أي شيء آخر؟!!…

  • هذا لطف منك.. أشكرك..

أخذ الصينية.. وحاول إغلاق الباب بقدمه..

  • لا تنسَ سيدي.. إن كنت بحاجةِ شيءٍ آخر.. فأخبرني فقط..
  • سأفعل ذلك.. شكراً لك..
  • في أي وقت.. ليلاً أو نهاراً سيدي..
  • نعم.. نعم.. أشكرك..

     وأخيراً تمكن من التخلص من هذا الشخص.. وضع الصينية في زاوية الغرفة.. وهو يتوقع أن تكون ميشيل قد استيقظت بسبب هذا الإزعاج..

  • ميشيل؟.. مشيل؟..

     لم يكن هناك جواب.. لا شك أنها نائمة.. لقد كان يوماً مرهقاً.. لا شك في ذلك.. اتجه إلى السرير.. لقد كانت المرة الأولى التي يكون فيها هو وميشيل وحدهما منذ أيام.. سحب الستارة ببطء.. كان نور الشمعة الخافت يومض عبر السرير.. على الجانب الأقرب إليه كانت ميشيل تنام على جانبها الأيسر، ورأسها متكئ على ذراع طويلة رشيقة.. وشعرها اللامع ينتشر على الوسادة..

     كانت نائمة تتنفس ببطء شديد وهدوء.. أغلق مارتن الستارة وتوجه إلى الجانب الآخر من السرير.. وحمل الشمعدان الثقيل ووضعه على الطاولة الصغيرة بجانبها.. ارتدى ملابس النوم.. وبكل هدوء سحب الستارة مرة أخرى..

     تجمد مارتن من الخوف.. فتح فمه.. حاول أن يصرخ دون جدوى.. فقد عَقَد صوتَه ولسانَه هولُ المفاجأة.. كان رأس جان كابيه مستقراً على الوسادة على بعد بضع بوصات من ميشيل.. عيناه مغلقتان.. والملاءة تغطي المساحة حتى بداية ذقنه حيث يبدو الرأس كأنه رجل حقيقي يستلقي في السرير إلى جانب زوجته!!… لم يكن في وسع مارتن سوى التحديق في هذا المشهد المثير للاشمئزاز.. انفتحت عيون الرأس وحدقت فيه وتحركت شفتاه وهي تقول: تهانينا!!… ثم بدأ الرأس بالضحك.. هنا استيقظت ميشيل على الفور.. تقلبت على السرير بشكل سريع ومع حركتها انسحبت الملاءة فانكشف العنق المقطوع.. صرخت بأعلى صوتها.. كان من الصعب تحديد أيهما أعلى صوتاً؛ صراخها المرعب أم الضحك الهستيري للرأس المقطوع الملقى على الوسادة!!… صرخ مارتن بجنون وأصبح كالثور الهائج.. ألقى بنفسه على الرأس الذي تدحرج بعيداً واصطدم بجبهة ميشيل محدثاً صوتاً قوياً.. ازداد مارتن غضباً وشراسة.. حمل الشمعدان الثقيل وقد غرقت الغرفة في الظلام، وانهال بالضرب على الرأس بكل قوته لإجباره على المغادرة..

51 عامًا على اغتيال غسان كنفاني.. “تسقط الأجساد لا الفكرة”


 

“إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين”.

تثبت نظرة ونظرية الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني جدواها وواقعيتها حتى اليوم في الذكرى الـ50 لاغتياله، في 8 من تموز، من قبل مخابرات الاحتلال الإسرائيلي (الموساد)، في شارع الحازمية في قلب العاصمة اللبنانية، بيروت.

الاغتيال الذي قابلته الصحافة العربية حينها بمنحه صدر صفحاتها الأولى، وقابله المناصرون للقضية الفلسطينية بالدعوة للثأر والانتقام، وتعاملت معه فصائل المقاومة بالوعيد، كان انتصارًا بعيون رئيسة الوزراء الإسرائيلية حينها، جولدا مائير، التي قالت تعقيبًا على الاغتيال، “بمقتل غسان تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان كان يشكّل خطرًا على إسرائيل أكثر من ألف فدائي مسلح”.

استهداف من هذا النوع يؤكد البعد اللامرئي والخطر الذي استشفه الاحتلال الإسرائيلي في قلم غسان، وفكره ومنطقه.

وبالنظر إلى مجمل الإنتاج الفكري المكثف، قياسًا بالوقت الذي منحه الكاتب الثلاثيني للرواية والأدب والفكر، تتجلى القضية الفلسطينية بتفاصيلها ويومياتها انطلاقًا من الحرب والمقاومة إلى اللجوء والنزوح وصولًا إلى المخيمات والتأقلم، في أكثر مناطق السرد بعدًا عن القضية، فغسان لا يكتب دون جدوى، ولا يترك الكلمات تسوسه، وفق ما هو محفوظ من إرث أدبي وفكري ووطني لكاتب اغتاله عدوه وهو في الـ36 من العمر.

الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، رثى غسان وخاطبه في حضرة غيابه قائلًا، “نسفوك، كما ينسفون جبهة، وقاعدة، وجبلًا، وعاصمة، وحاربوك، كما يحاربون جيشًا (…) لأنك رمز وحضارة جرح”.

ولد غسان كنفاني في عكا، وعاصر في ريعان الطفولة احتلال فلسطين، وجرّب مرارة النزوح واللجوء، لينخرط في العمل النضالي والفكري باكرًا، من بوابة الصحافة، و”منظمة التحرير الفلسطينية”، والاجتماعات واللقاءات والمقابلات، والمشاريع النضالية، خدمة لقضية بلاده، متسلحًا باللغة المكتنزة بالمشاعر والقدرة على التحريض وخلق حالة تعبئة نفسية قائمة على المنطق أيضًا، إلى جانب المشاعر.

ومن أبرز مؤلفاته في هذا الصدد، “القميص المسروق”، وهي مجموعة قصصية طرح غسان عبرها مجموعة من القيم والمفاهيم، وفصّلها لا باعتبارها قيمًا ثورية فقط، بل أخلاقية ضرورية لنجاح كل ثورة، ولا بد منها من أجل حياة مطمئنة.

وفي المجموعة المكوّنة من ثماني قصص، لا يناقش كنفاني القيم الأخلاقية للثورات، فهي ثابتة وصلبة لا تتماشى مع المرحلة بمقدار ما تسعى لتطويعها وإخضاعها، لتثبت أنها أقوى من المتغيرات.

وفي زحمة كل ذلك، وفي سبيل حب جارف حمله للكاتبة السورية غادة السمان، لكنفاني كتاب باسم “رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان”، هذه الرسائل حملت دروسًا في عمق اللغة ومنطقها وكثافة المشاعر الإنسانية المفرغة على الورق، كما حمل كاتب تلك الرسائل أيضًا مرض السكري والنقرس وهمّ البلاد على الجسد النحيل.

ومن أبرز أعمال غسان كنفاني أيضًا، “عالم ليس لنا”، و”موت سرير رقم 12″، و”رجال في الشمس”، و”ما تبقى لكم”، و”أرض البرتقال الحزين”، ورواية “العاشق”، وهي رواية ناقصة، لم تكتمل، أو ربما اكتملت بنقصها طالما أن الاغتيال لم يمهل الكاتب ليضع نقطة النهاية ويسدل الستار على أبطال قصصه الثلاث.

يقدّم غسان في “العاشق” وجهًا أدبيًا لم يعهده به القارئ، فرغم نشر غادة السمان رسائله إليها، بما تفور به من حب جامح يحمله رجل متزوج أتعبه المرض، وأنهكه النشاط السياسي في سبيل قضيته، وهو في ريعان الشباب، فإن “العاشق” تصوّر غسان مراقبًا لحب مختلَق، لا بطلًا وضحية معًا.

وحققت هذه الأعمال التي لم تنتهِ، أو لن تنتهي، أو ربما منحتها الأقدار نهاية مفتوحة، التأثير والغرض منها، باعتبارها ما زالت حاضرة لا على رفوف المكتبات العربية فقط، بل وبين يدي وفي أذهان أجيال تتعاقب منذ 51 عامًا، منذ الاغتيال، لتثبت مقولة غسان عليه شخصيًا، “تسقط الأجساد، لا الفكرة”.




“النسوية للجميع”.. بيل هوكس تعالج ثغرات النظرية والممارسة النسوية | بقلم: هيڤا نبي

يواجه كل من الخطاب النسوي والممارسات النسوية سوء فهم كبير قد يكون من بين أسبابه العميقة النسوية نفسها، في جانبيها النظري والتطبيقي، وهذا ما لا يطرح بشكل جدي للنقاش والبحث، وتستغله المنظومة الأبوية التقليدية ضد الحركات النسوية. وهذا ما دفع الناقدة والمفكرة النسوية بيل هوكس لتعيد تقييم واقع النسوية بشكل لافت.

في كتابها “النسوية للجميع: السياسات العاطفية” تتوجه الناقدة والمفكرة النسوية بيل هوكس بالدرجة الأولى إلى مَن لم يتعرّف إلى النسوية إلا من خلال الأفكار والكتابات المستهلكة حولها، أي كل من عرف النسوية من خلال خطابات النظام الأبوي. فتتناول مراحل النضال النسوي والإسهامات والتغيرات التي نتجت بفضل الثورة النسوية في الستينات والسبعينات وما بعدها.

لكن الكتاب الصادر عن دار جدل الكويت، بترجمة منير عليمي، موجه بدرجة أكبر للنسويات أنفسهن، إذ تهتم الكاتبة بتسليط الضوء على مكامن النقص والخلل والضعف في النظرية والممارسة النسويتين.

 

الطبقية والعنصرية والحب

الكتاب يبحث عن لغة مشتركة مع النساء والرجال من كافة الطبقات لتجاوز النقص في النظرية والممارسة النسويتين

الكتاب يبحث عن لغة مشتركة مع النساء والرجال من كافة الطبقات لتجاوز النقص في النظرية والممارسة النسويتين

يمكن القول إن هوكس تقف في المنتصف بين الدفاع عن النسوية ونقدها: دفاع عنها بتسليط الضوء على الإنجازات والتغيرات التي حصلت للعالم بفضل الحركات النسوية وإسهاماتها، ونقد للنسوية من حيث إنها حركة سياسية لم تتخلّص في بعض مواطنها من العنصرية والطبقية والعرقية، وعجزت أو أحجمت في بعض المواطن عن تقديم بدائل للخطابات الذكورية. فالهدف الذي تتطلع إليه النسوية كما تراها بيل هوكس هو إنشاء مجتمع متطهر من الطبقية والعبودية والاستغلال والتحيز الجنسي “عالم مجرد من كل هيمنة، حيث الإناث والذكور ليسوا متشابهين أو متساوين دائما، ولكن حيث الرؤية التشاركية هي الروح التي تشكل تفاعل (هم)”.

ومن أبرز النقاط التي تثيرها الكاتبة في هذا الشأن هي قلة وعي النسوية وإغفالها أحيانا الفروقات الطبقية داخل النسوية نفسها. فما إن تسلّمت النسوية البيضاء راية النضال حتى زاد الشرخ بينها وبين النسوية السوداء ونسوية الطبقة العاملة، إذ جعلت النسوية البيضاء نفسها النموذج المعياري في الممارسة والنظرية النسويتين. وبهذا تم تجهيل خصوصية هذه الطبقات والتي لا تنسجم غالبا مع مطالب وخصوصية النسوية البيضاء.

ترى هوكس أن النسوية يجب أن تعمل على محاربة العنصرية والتمييز على أساس العرق، بل إن خطاب الأختيّة وممارستها سيكون مستحيلا في ظل الإبقاء على الطبقية والعنصرية، وهي على تعارض كبير أساسا مع أهداف النسوية، تقول “لقد شهدتُ لسنوات إحجام المفكرات النسويَّات البيض عن الاعتراف بأهمية العرق، لقد شاهدت رفضهنَّ تجريدهنَّ من التفوق الأبيض، وعدم رغبتهنَّ في الاعتراف بأنَّ الحركة النسوية المناهضة للعنصرية هي الأساس السياسي الوحيد الذي من شأنه أن يجعل الأختيَّة حقيقة واقعة. وشهدت ثورة الوعي التي حدثت عندما بدأت النساء الفردانيَّات في التحرر من الإنكار، والتحرر من التفكير التفوقي للبيض. هذه التغييرات الهائلة تعيد إيماني بالحركة النسوية، وتقوي التضامن الذي أشعر به تجاه جميع النساء”.

إلى جانب الوقوف في وجه التحيز العنصري والعرقي، تؤكد هوكس الحاجة إلى ربط النظام الأبوي بالنظام الرأسمالي، والتركيز على أن التخلص من الثاني مقرون بالتخلص من الأول. فالرأسمالية هي التي غيرت شكل الأسر والعائلة وشكل العمل ولم تتوقف حتى بعد أن جعلت الاكتفاء الذاتي الاقتصادي غير ممكن للنساء كما للرجال. أما الأبوية فقد بررت العنف بأشكاله وجعلت ممارسته جزءاً من الحياة الأسرية سواء على النساء أو الأطفال أو حتى الرجال. تكشف الكاتبة هنا مثلاً عن عدم وجود تدخل نسوي لتسليط الضوء على دور الأمهات في تعزيز النظام الأبوي ومن ضمن أخطر نتائجه العنف الموجه ضد الأطفال. هؤلاء الأمهات اللاتي تبنين الرؤية الأبوية يستمررن في ممارسة العنف على الأطفال حتى وهن أمهات عازبات.

ما إن تسلّمت النسوية البيضاء راية النضال حتى زاد الشرخ بينها وبين النسوية السوداء ونسوية الطبقة العاملة

ولأن ارتباط هذين النظامين متداخل بشكل كبير، فإن النضال ضد الرأسمالية كرديف للأبوية يحتم الحاجة إلى إعطاء بدائل كثيرة عن المنظور الأبوي والرأسمالي للجمال والتربية والعلاقات وشكل الزواج والحب. رغم ثورتها على المعايير الجمالية الذكورية التي تحصر جسد المرأة في قالب واحد، عجزت النسوية عن تقديم بدائل عن الجمال التقليدي، وبالتالي تركت فراغاً وحاجة إلى معرفة الجمال أو حدود الجسد الممكن خارج القوالب، ما أعاد النساء إلى طلب الجمال وفق المعايير الشائعة. وهذا ما استغلته الرأسمالية أشد الاستغلال.

وبنفس الدرجة عجزت النسوية عن خلق خطاب نسوي إيجابي عن الحب يصبح مرجعاً نسوياً للرجال والنساء على حد سواء. تقول هوكس “بينما كان الكثير منا يحب في حياته الخاصة، وهو حب متجذر في الممارسة النسوية، لم نخلق حواراً نسوياً واسع النطاق حول الحب”. والأمر لم يكن بعيداً في التربية، حيث الأسس التي تقوم عليها الأبوية لم تُهدم تماماً، بل استمرت في حضورها من خلال الأمهات المتبنيات للخطابات الأبوية. تضيف هوكس “فالأم التي قد لا تكون أبداً عنيفة، لكنها تعلم أطفالها، ولاسيما أبناءها، أنّ العنف وسيلة مقبولة لممارسة السيطرة الاجتماعية، لا تزال متواطئة مع العنف الأبوي. على تفكيرها أن يتغيَّر”.

هذا القصور لا يعني أن النسوية لا تمتلك خطاب حب يختلف اختلافا جذرياً عن الحب في المؤسسة الأبوية، بل يعني أن النسويات لم يلتفتن للتركيز على ذلك إلا متأخراً، مما سمح للإعلام الأبوي تصدير النسوية كلها كسياسة ترتكز على كراهية الرجال والأسرة والعائلة. أما الرؤية النسوية للحب فتتلخص في أن الحب بين الجنسين لا يمكن أن “يتجذر في علاقة تقوم على الهيمنة والإكراه”. إن الحب الذي تتطلع إلى تأكيده النسويات هو حب رافض لكل الروابط السلطوية والتملكية.

إيجاد لغة مشتركة

إلى جانب نقد التحيزات العرقية والجنسية والإكراهات الممارسة من قبل الرأسمالية، لا تغفل الكاتبة الجانب الذي تجد فيه النسويات حاجة ملحة للانغماس والممارسة وهو جانب الروحانية. إن روحانية الأديان تم تخريبها بشكل كبير من قبل رجال المؤسسة الدينية وخطاباتها النافية للمرأة عامة. ودفاعا عن الروحانية التي تحتاجها النساء ويمارسنها تتولد الحاجة إلى تسليط الضوء على الشروخات التي أحدثها الدين المؤدلج بين الذكر والأنثى بدءا من الخطيئة المنسوبة لحواء. تقول هوكس “لقد ساعدنا تمثيل الله بطرق متنوعة، واستعادة احترامنا للمرأة المقدسة، على إيجاد طرق لإعادة تأكيد أهمية الحياة الروحية”.

أما المطلب المهم الذي تطرحة هوكس في كل تصور رؤيوي للنسوية فهو إيجاد لغة مشتركة مع النساء والرجال من كافة الطبقات وعودة إلى بدايات النسوية التي عملت على التوعية العامة والشاملة للجميع قبل أن تحصر نشاطاتها في الأكاديميات والجامعات وتعزل نفسها.

الاهتمام الذي توليه هوكس لجوانب النقص في النظرية والممارسة النسويتين إنما يأتي من الحاجة الملحة إلى الانتباه إلى الفراغات التي أهملتها، أو لم تعمل عليها النسوية بشكل كاف وجاد

 تطالب هوكس كذلك بعمل فعال لا على مستوى النخبة والأكاديميات بل على مستوى العامة، من مثل إنشاء كتيبات مدرسية ونشر التوعية برؤية النسوية في الأوساط الاجتماعية، إضافة إلى فتح محطات تلفزيونية وإذاعية نسوية وتمويل برامج تعليمية وفتح مدارس وكليات نسوية لا تضم فقط النساء البيض كما جرت العادة، بل تفتح الباب بشكل جاد أمام الملونات والمنتميات للطبقات الفقيرة، تقول “يلقي منتقدو النسوية باللوم على الحركة في كلّ الاستياء الذي تواجهه المرأة العصرية، إنهم لا يتحدثون أبداً عن النظام الأبوي أو الهيمنة الذكورية أو العنصرية أو الاستغلال الطبقي”.

إن الاهتمام الذي توليه هوكس هنا لجوانب النقص في النظرية والممارسة النسويتين إنما يأتي من الحاجة الملحة إلى الانتباه إلى الفراغات التي أهملتها، أو لم تعمل عليها النسوية بشكل كاف وجاد، بحيث إنها بعد وقت أُعيد ملؤها بالخطابات الأبوية وصارت سلاحاً ضد النسوية نفسها. هذه الثغرات استغلتها النظم الأبوية لأن النسوية لم تقدم لها بدائل في الوقت المناسب، تقول “تعتقد جماهير النَّاس أن الحركة النسوية دائماً تتعلق بالمرأة التي تسعى إلى أن تكون متساوية مع الرجل فحسب. والأغلبية العظمى من هؤلاء الناس تعتقد أن النسوية مناهضة للذكور. يعكس سوء فهمهم للسياسات النسوية حقيقة أن معظم الناس يستقون معارفهم عن النسوية من وسائل الإعلام البطريركيّة”.

 

لا يمكن حصر أهمية هذا الكتاب في اللمحات العديدة التي تقدمها الكاتبة عن الممارسة النسوية، ولا في فتحه الباب أمام المزيد من العمل الفعال، بل على الأخص لأنه يُظهر أن:

 

 اختيار السياسة النسوية هو اختيار للحب.

 أنك إذا كنت ضد الرأسمالية فهذا يعني أن طريق النسوية هو طريقك.

 إذا كنت ضد سلطة رجال الدين والدين المؤدلج فطريق النسوية أمامك وهو طريقك.

 إذا كنت ترغب بالاحتفاظ بالروحانية وترفض في ذات الوقت بقايا السلطوية الدينية التي تنبذك من أرض الله فطريقك يتقاطع مع طريق النسوية.

 إذا كنت ضد العنف ضد الأطفال سواء أكان ممارسه رجلا أو امرأة فإن طريق النسوية يتقاطع مع طريقك.

 إذا كنت ضد السلطة كمفهوم وممارسة على البشر والكوكب سواء بسواء فطريق النسوية هو طريقك.

 إذا كنت ضد الطبقية والعرقية في أصغر تفاصيلها فإن النسوية لا تخالف مطلبك، هي ضد كل تحيز وعنصرية حتى عنصرية النسوية البيضاء الغنية ضد نساء الطبقة العاملة.

المصدر: صحيفة العرب

لا تولد قبيحاً – قصة بعنوان المنتحر، رجاء علّيش

 

المنتحر

كان على وشك أن يرتكب أخطر عمل في حياته.. أن يقتل نفسه.. وللمرة الأولى بدأ يدرك سخف الفكرة الشائعة بأن الانتحار عملية تلقائية يقوم بها المنتحر دون إعداد سابق.. تطرأ على ذهنه فجأةً، فينفذها على الفور.. هكذا ببساطة شديدة.. الآن، وهو يقف أمام الموت، تأكد له أن الانتحار ليس عملاً من هذا النوع.. إنه شيء معقد مخيف يحتاج إلى كل شجاعة الرجل وعقله وحواسه.. على الأقل الجانب المادي الإرادي منه.. سيهلك جانباً من طاقته العصبية المختزنة؛ حيث يحتاج إلى أن يتفرغ له تماماً، وأن يعدّ له.

المنتحر.. إلى حد ما.. إذا لم يرد أن يترتب على عمله مضاعفات قد تسيء لآخرين يحبهم في هذا العالم، يشبه الجراح الذي يقوم بعملية بتر كاملة للعضو المصاب بالغرغرينا.. ينظف مكان العملية الجراحية ليتأكد له أنه لن تحدث مضاعفات خطيرة قبل أن يغلق مكان الجرح المفتوح.. المنتحر يصفي كل علاقاته القديمة.. يقطع كل الخيوط التي تربطه بأناس بعنيهم في هذا العالم حتى لا يرحل عن الدنيا وهو مدين لأحد.. حتى لا يسبب إزعاجاً لأحد.. هذا كله يحتاج منه إلى أن يخطط لهذا العمل الخطير قبل فترة مناسبة.. أن يقوم بمبادرات معينة، ثم عليه أخيراً أن يواجه أهم وأخطر المراحل على الإطلاق.. في لحظة ما.. من مكان ما.. بوسيلة ما.. أن يحول الفكر المجرد إلى عمل.

هذا هو الموقف الآن الذي يجد نفسه فيه، والذي يدرك معه أن كل أفكاره السابقة عن الانتحار كانت نوعاً سخيفاً من الوهم من أناس لم ينتحروا على الإطلاق، أو يفكروا في الانتحار.

إنه يدرك تماماً الآن أن الانتحار عمل مخيف، على الأقل الجانب المادي الإرادي منه.. أن يصل الإنسان إلى تلك الدرجة من الهوان على نفسه.. الإحساس الكامل بالضياع واليأس من الحياة؛ حيث لا يجد صعوبة في أن يضع رأسه في مواجهة مسدس، ثم يطلق الرصاصة.

لو أنهم اقتحموا جمجمته الآن لرأوا عن قرب ذلك الصراع المخيف الدائر فيها بين رغبته في البقاء ورغبته في الانتحار.. بين الشجاعة والخوف.. بين كل مغريات الحياة وجاذبية الموت الرهيبة.

لكن تردده لم يكن راجعاً إلى أنه لم يختر بعد أن يموت.. على مدى أيام طويلة كان قد اختار.. تذبذبه كان شيئاً غريزياً تماماً يتحرك في نفس كل إنسان يواجه الموت الإرادي، وتشده مغريات الحياة إلى الوراء.. تذبذبه كان إنسانياً تماماً؛ لأن الخوف الغريزي، الذي كان يشعر به تجاه الموت.. على الأقل الجانب المادي الإرادي من الموت، لم يكن شيئاً مخجلاً على الإطلاق.

كان عليه أن يحسم هذا الصراع المخيف على الفور.. أن يضع نفسه وجهاً لوجه أمام المخرج الوحيد من مأزقه.. أن يموت.

كان قد هيأ المسرح تماماً للعمل الخطير الذي ينوي ارتكابه.. اختار وقتاً هادئاً للغاية لتنفيذ مخطّطه الجنوبي.. كان يدرك أن زوجته المريضة طريحة الفراش منذ سنوات بعيدة، عاجزة تماماً عن إنقاذه في اللحظة المناسبة حتى لو

 

أحست به.. وكان قد طلب من ابنته الطالبة في الجامعة ألا تعود في فترة الظهر لتعطي أمها الدواء كالعادة، قائلاً لها إنه سينوب عنها في أداء هذه المهمة، ولم تشكّ ابنته في شيء، فقد كان حريصاً تماماً على إخفاء مشاعره الحقيقية عن أقرب المقربين إليه، ابنته وامرأته طريحة الفراش، بل إنها رحبت بهذا العمل من جانب والدها؛ لأنه سيعفيها من مشقة الرجوع إلى البيت، ثم العودة إلى الجامعة من جديد لتكملة باقي المحاضرات.

الحجرة، التي يوجد فيها، يخيم عليها الظلام.. مصراعها الخشبي المغلق يحجب ضوء الشمس المتوهج في الخارج.. الظلام سيضفي شاعرية غريبة على عمله الجنوني.. سيجعل كلّ الأشياء، التي لا يريد أن يراها، تذوب في الظلام.

كان واقفاً فوق مقعد صغير وسط الحجرة.. حبلٌ يتدلى من خطاف حديدي صغير في السقف يلتف حول رقبته.. صمت تام يخيّم على الشقة كلها.. صمت يحمل بين طياته رائحة الموت الطيبة العطرة.. ليس عليه أن يتردد طويلاً، بل أن يحسم الأمر بسرعة لمصلحة فكرة الموت، التي جاء من أجل تنفيذها.. دفعة بسيطة من قدمه للمقعد الذي يقف فوقه، ويجد نفسه جثة متأرجحة في الهواء، كما أراد تماماً، وبذلك تنتهي كلّ متاعبه في لحظات.

الثواني تمرّ عليه، وهو عاجز عن أن يصل إلى حسم الأمر لمصلحة فكرة الموت المسيطرة على كلّ خلجة في نفسه.. شجاعته تخونه مع الوقت.. العمل الذي تصوّره بالغ السهولة.. مجرد أن يدفع المقعد الصغير بقدمه إلى الأرض أصبح مستحيلاً بدرجة خرافية.. قدمه تحوّلت إلى صخرة من الجرانيت تعجز كل الدوامات الساخنة، التي تفور في داخله، عن تحريكها لتدفع بالمقعد الصغير إلى الأرض.. إنه يعيش لحظة تجمع بين الحقيقة ومنتهی الوهم.. عاجزاً عن رؤية أيّ شيء أمامه.. عن حسم أيّ شيء.

بدأ يقوم ببعض الأعمال التافهة ليكثف اللحظات التي تمرّ به.. اللحظات التي تشبه الهواء الساخن المتسرب من بين أصابعه.. ليعطيها شحنات أكبر من الحقيقة.. بدأ يتحسس الحبل الملتف حول رقبته.. مسند المقعد الذي يقف فوقه.. جسمه المسترخي في بلادة شديدة كأنّه مات فعلاً، وليس في طريقه إلى أن يموت.. ثمّ بدأ يفكر في زملائه في العمل.. الخطوة الأولى ليمتلئ بالغضب الذي يدفع به بسرعة في طريق الموت.. بدأ يحسّ أنه يمضغ إحدى الثمار الشديدة المرارة.. كان يشكّ طول الوقت في أنّ الأوغاد عرفوا شيئاً عن السر الدفين، الذي حاول، باستهانة بالغة، أن يخفيه عن عيونهم المستريبة الحاقدة.

الذي كان يعذبه أكثر هو أنه لم يكن مؤكداً له تماماً أنهم عرفوا شيئاً على الإطلاق، وإلا لما التزموا الصمت حتى الآن، ولجابهوه بعدوانية صريحة لا مواربة فيها.. ليس مؤكداً له أنهم عرفوا شيئاً على الإطلاق.. إنّه فقط يشك فيهم، وهو بالتأكيد ملك أسباباً حقيقية لذلك الشك.. هو نفسه أعطاهم مبررات الشك فيه؛ إذ لا ريب في أنهم لاحظوا أنها المرة الأولى في تاريخه الوظيفي الطويل، الذي يتميز بالانضباط الشديد، والتي ينصرف فيها عن العمل قبل أن يحين ميعاد الانصراف الرسمي دون أن يعطي لذلك مبررات معقولة لزملائه.. وفاة قريب مثلاً، أو عملية جراحية في مستشفى، أو عشرات أخرى من الأسباب.. كلّ ما برّر به هذا العمل أنه أحس إرهاقاً مفاجئاً يمنعه من الاستمرار.

كان لا بد لهم من أن يشكوا في رجل لم يشعر، خلال تاريخه الوظيفي الطويل، بأيّ ارهاق من العمل، ولم ينصرف أبداً قبل أن يحين ميعاد الانصراف الرسمي، مهما كانت الأسباب والمبررات.. أحس من نظراتهم إليه أنهم لا يصدقون حرفاً واحداً مما قال.. إنهم يتبادلون في ما بينهم شفرة صامتة غريبة في محاولة استجلاء السرّ الدفين الذي يحاول باستهانة بالغة إخفاءه عن عيونهم المستريبة الحاقدة.

المأساة أنه يعرف أنهم لم يصدقوا حرفاً واحداً مما قاله لهم، لكنّه لا يستطيع أن يصارحهم بذلك.. هم أيضاً يعرفون أنّه كذب عليهم، لكنهم لا يجرؤون على مصارحته بذلك.. ويتكهرب الجو بينه وبينهم، وترتفع حدّة الكراهية المشتركة إلى الذروة، وهو يعلم أنّ مرؤوسيه الصغار يتمنون من صميم قلوبهم أن يقع مرة واحدة على الأرض، فيسارعون إلى إحضار سکاکينهم الحادة، التي لا ريب في أنهم أعدّوها لتلك المناسبة والإجهاز عليه.

نظراته الخائفة، التي تتلصص عليهم من وراء أكوام الملفات الموضوعة على المكتب، أسهمت هي الأخرى في خلق حالة الشك المتبادل بينه وبينهم.. السجائر، التي يشعلها واحدة من الأخرى، ثمّ يطفئها قبل أن تنتهي.. محاولته المكشوفة في أن يبدو منهمكاً في أيّ عمل، فيرتبك أكثر وأكثر.. ارتعاشة يديه.. العرق الذي يتصبب بغزارة فوق وجهه، والذي كان يجففه بمنديله المكتوم المتّسخ، كلّها ساهمت في خلق حالة الشكّ بينه وبينهم.. وأخذت الهوة تتسع بينه وبينهم.. إنه يعلم أنّهم يضمرون له الكراهية التقليدية، التي يشعر بها الموظفون الصغار تجاه رئيسهم العجوز العاجز عن فهم عقليتهم الشابة المتفتحة.. الذي يقف أمامهم كالصخرة التي تسدّ طريقهم إلى المستقبل..

طريقته في العمل مختلفة.. إحساسه بالحياة مختلف، لكنّهم مضطرون، في نهاية الأمر، إلى الخضوع لتلك العقلية المتحجرة، التي تتحكّم في حياتهم ومستقبلهم الوظيفي؛ لذلك يكرهونه ويتمنّون له أن يقع مرّةً واحدةً، فيسارعون بالإجهاز عليه.

الخوف منهم.. كراهيتهم من قلبه بمزيجٍ غريب مقرفٍ من المشاعر… عيونهم التي تتلصّص عليه من وراء أكوام الملفات، دوائر من الضوء المركز تحاصره؛ حيث لا يمكنه الفرار من حصارها.. الجبناء يحسون بغريزتهم التي لا تخطئ.. بلؤمهم الوظيفي التقليدي، أنّه وقع في مأزق غير عادي.. مخجل على الأرجح، وأنّه لا يعرف طريقة للخروج منه؛ لذلك يشعر بالخوف والارتباك أمامهم؛ لأنّ المؤكّد أنّهم يعرفون سرّه الدفين، وإن كانوا لا يجرؤون على مصارحته بذلك.. لكنّهم لا يعرفون نوع ذلك السرّ، وإن كان مؤكّداً أنّهم سيظلون ينبشون بأظفارهم وراءه حتى يعرفوا ماهيته، وعند ذلك لن يتورعوا عن إحداث أكبر فضيحة له لن يستطيع بعدها أن يرفع رأسه.. لكنه لن يمنحهم أبداً الفرصة التي يتوخّونها.. لن يمكنهم أبداً العثور على السرّ الذي يسعون وراءه.. كلّ ما عليه أن يفعل هو أن يظلّ متماسكاً حتی يخرج من هذا المكان اللعين، ثم بعدها يعطي نفسه حرية الانهيار.. إنه لن يبالي حينئذٍ لو عرف كلّ الناس السرّ الذي يحمله بين ضلوعه؛ لأنه ببساطة سيكون في وضع لن يؤثّر فيه افتضاح هذا السر؛ لأنّه سيكون في طريقه إلى الموت.

جاءت اللحظة، التي قرر فيها الانصراف من المكتب.. أدخل الملفات بسرعة إلى داخل المكتب، ثم اختلس نظرة أخيرة على الوجوه المحنطة المحيطة به، وعلى الأخص عيونهم الزجاجية المضيئة المركزة فوقه، والتي تصيبه بارتباك فظيع.. أطفأ السيجارة العاشرة في المطفأة، وهي لا تزال في منتصفها.. وجهه قناع سميك من الجلد يخفي وراءه كلّ اضطرابه وخوفه من المستقبل الذي ينتظره.. وقف على قدميه متحاملاً بيده على سطح المكتب.. يجفف العرق الغزير، الذي يتصبّب فوق وجهه وجبهته العريضة، بمنديله المكتوم الذي يخرجه من جيبه.. أخذ يساوي ملابسه المتهدلة من الخلف.. رفع حزام بنطلونه الساقط إلى أسفل.. اختلس نظرة أخيرة إلى العيون، التي تشجعت وراحت توجّه إليه نظرات صريحة مليئة بالاتهام.. تصوّر لو أنه بقي أكثر من ذلك، لانهار تماماً أمام تلك العيون المليئة بقسوة فظيعة.

غادر الحجرة بسرعة بعد أن وجّه تحية إلى زملائه بإيماءة من رأسه.. حيث لم يجرؤ على النظر الصريح إلى عيونهم، التي اعتقد أنها مليئة بالضحك.. تنهّد في راحة، وهو يغلق وراءه باب الحجرة.

أحسّ أنّ عبئاً ثقيلاً انزاح من فوق كاهله.. لم يعد همّه أن يعرفوا السر الذي يخفيه بين ضلوعه، بل أنه لا مانع الآن من العودة إليهم وإخبارهم بذلك السر، فهو في طريقه الآن إلى عدم الاهتمام بشيء على الإطلاق.. في طريقه إلى أن يموت.

ابتسم في مرارة شديدة راضية.. لم يكن يتصور أن الموت يمكن أن يكون حلاً سحرياً لكلّ مشكلات الحياة المعقدة، وهو الذي كان يتصور الموت مشكلة في حدّ ذاته، والمنتحر مخطئاً عقابه الجحيم.

وهو واقف أمام الموت وجهاً لوجه.. الحبل المتدلّي من سقف الحجرة ملتفّ حول رقبته.. دفعة بسيطة من قدمه للمقعد الصغير، الذي يقف فوقه، وينتهي كل شيء كما توقع تماماً.. وهو في هذا الموقف المأسوي الحزين، تغيّر كثير من مفاهيمه السابقة عن الموت.. الجانب الإرادي منه على وجه الخصوص.. لم يكن يتصور أن قتل الإنسان نفسَه يمكن أن يكون بهذه الصعوبة.. إنّ على الإنسان أن يفكر مئة مرة، قبل أن يُقدِم على هذا العمل الفظيع.. الشجاعة، التي تصوّر أنها موجودة على طرف حذائه، اكتشف الآن أنّها لم توجد على الإطلاق.. دخل منطقة انعدام الوزن المحيطة بالموت؛ حيث يفقد الإنسان قدرته على التفكير العقلاني الهادئ، ويصبح مصيره معلقاً بعمل غير مقصود يقدِم عليه في لحظةٍ ما.. مجرّد غلطة بسيطة مروّعة تكلّفه حياته.. الحياة بكلّ قوی الجذب في داخلها.. بكلّ جاذبيتها العارمة، نشدّها إلى الوراء.. تبدّدت فكرة الموت من عقله بسرعة مذهلة.. تكسب مواقع جديدة في داخله، وهي تطارد أمامها ظلال الموت المنهزمة.. دوائر عديدة من الضوء المركز تتكون بسرعة داخل مسطح الظلام الرمادي الموجود في داخله.

في تلك اللحظة يدور صراع تقليدي رهيب بين قوتين تتنازعانه بشدّة؛ لكلّ منهما جاذبيتها التي لا تقاوم.. فلولها التي تنتشر بسرعة في داخله أو تختفي.. هو حائر بين هاتين القوتين لا يحسّ بالانتماء الحقيقي إلى أي منهما.. القوتان متعادلتان تماماً في داخله، لكن عليه، رغم ذلك، وبإرادة معدومة تماماً، أن يغلّب إحدى هاتين القوتين على الأخرى.. إنه في تلك اللحظات النادرة، التي يملك ولا يملك الإنسان فيها مصيره تماماً.. إنه إله صغير يستطيع، بعيداً عن أي تأثير خارجي، أن يتحكم في مصيره ومستقبله.. أن يعيش أو يموت.

في تلك اللحظة، يحس بأنه يريد أن يعيش، فهو خائف من الموت، لكنه أيضاً يريد أن يموت، فهو خائف من الحياة.. ضائع.. مبعثر.. لا يمكنه العثور على إرادة الإله الصغير الذي يحسم الأمور ببساطة شديدة؛ لأنه فوقها.. الآن يحس أنه ليس فوق المشكلة، بل في صميمها.. إنه ليس إلهاً يحل مشاكل إنسان آخر، بل إنسان في محنة شديدة وبحاجة إلى مشورة إنسان آخر إلى جانبه، لكنه لا يجد هذا الإنسان أبداً.. المهمة التي عليه أن يقوم بها الآن تبدو مستحيلة تماماً.. قدمه ثقيلة مليئة بالرمل ملتصقة بجسمه المتخاذل الذي يشبه کیساً من القطن.. بدأ يدرك الآن أنّ عليه أن يقوم بدور الجلاد والمحكوم عليه في الوقت نفسه، واعياً بكل ما يحدث له من الآن فصاعداً.. لا يمكنه ببساطة أن يضيع الوقت أكثر من ذلك، أو أن يترك الأحداث تدفع به إلى نتيجة لا يریدها.. عليه هو أن يدفع الأحداث إلى النتيجة التي يختارها، وهو قد اختار أن يموت، وجاء إلى هذا المكان ليضع اختياره موضع التنفيذ، لكنه يشعر الآن بأنه عاجز عن اتخاذ قرار مريع وحاسم بالمضي في طريق الموت إلى غير رجعة، وتلك مأساته الآن.. وبدأ يحسد المحكوم عليه بالإعدام؛ لأنه يجد على الأقل من يقوم عنه بهذا العمل الفظيع.

بدأ يفكر بطريقة عكسية تماماً ليتخلص من تأثير جذب الحياة له.. ليدفع بنفسه أكثر في اتجاه الطريق الآخر نحو جاذبية الموت الرهيبة.. بدأ يفكر في الفضيحة التي ستعقب اكتشاف عجز الخزانة التي في عهدته.. قنبلة ستنفجر في صرح حياته الطويلة الشديدة الهدوء والنصاعة، فتهدمها فوق رأسه.. ليس فوق رأسه فحسب، بل أيضاً فوق رأسي أعزّ مخلوقتين لديه.. زوجته وابنته.. الموت بعد أن فكر طويلاً هو الحل السحري لإنقاذه من المأزق الرهيب، الذي أوقعته فيه ظروفه السيئة.

تراءت له عيون زملائه في الحجرة ممتلئةً بوميض باهر من السخرية والشماتة لا يمكنه، بحال، احتماله، ثم بدأ يسمع أزيزاً کالكهرباء يزنّ إلى جوار أذنه.. إنهم يلوکون سيرته في أفواههم.. يقطعونه إلى عشرات القطع الصغيرة من اللحم النيء، ثم يقذفون بها إلى فوهات البراكين الجائعة في داخلهم.. يحس برغبته تتزايد في الموت.. يرفع ساقه إلى أعلى مستوى المقعد، الذي يقف فوقه ليدفع به إلى الأرض.. ساقه تتجمد في الهواء… تعود في تخاذل شدید، بعد لحظةِ ترددٍ قصيرةٍ، لتستقر إلى جوار قدمه الأخرى.

الآن يتأكد له مع الوقت أنه اختار وسيلة مستحيلة تماماً، وسخيفة في الوقت نفسه، للهروب من مأزقه.. الحياة تشده من جديد إلى مرافئها الدافئة القديمة.

فكر في ابنته التي ستصاب بإغماء مؤكّد عندما تعود من الجامعة لتكتشفه معلقاً من رقبته في حبل يتدلى من سقف الحجرة.. يتأرجح في الهواء ككيس من القطن فارقته الحياة.. عيناه جاحظتان بشكل مخيف داخل محجريهما.. فکّه ملتوٍ بشدة كأنه ضُرِب فوقه.. لسانه يتدلى من فمه المصاب بزرقة شديدة.. لونه شمعي باهت.. جسمه كلّه مسترخٍ في بَلادةٍ شديدة، كأن أشياء كثيرة قد سُحبت من داخله.. ابنته بالتأكيد لن تتحمل منظره المخيف، وستصاب بحالة إغماء مؤكدة على الفور، ثم زوجته المريضة طريحة الفراش منذ سنوات بعيدة، بقلبها العليل، لن تتمكن هي الأخرى من أن تظل على قيد الحياة بعد أن يبلغها خبر وفاته المفجع الذي سينزل عليها كالصاعقة.

إنها جريمة قتل متعمدة، إذاً، يرتكبها ضدهم.. ضد أحبّ مخلوقتين إلى قلبه، ولو أنه مهّد لهذا العمل الخطير، بأيّ صورة من الصور، لشجعه ذلك على المضي في تنفيذ مخططه الرهيب، دون أن يخشى التأثير المدمر له على زوجته وابنته، لكنه لم يفعل ذلك.. لم يشر بكلمة واحدة، ليس إلى ما انتوى الأقدام عليه فقط، بل حتى إلى مشكلته نفسها.. وبذلك تهاوى آخر معقل من معاقل الموت الرهيبة أمام الهجوم العنيف والمتصاعد لقوى الحياة في داخله.. صمم على أن يعيش من أجل المرأتين اللتين يحبّهما أكثر من أيّ شيء آخر في العالم.

رفع الحبل بتصميم من حول رقبته، وهو يحس أنّه أفلت بأعجوبة من أعجب ورطة وضع نفسه فيها بإرادته.. تنهّد في راحة شديدة.. نزل بسرعة وجلس على الفراش ممسكاً رأسه بين يديه يفكر بعمق في الخطوة التالية.. ما زال يحس أنه لم يبتعد تماماً عن خطر الموت، الذي يلاحقه، فهو لم يجد باقتناع کامل بديلاً له حتى الآن، فالحياة بكلّ مغرياتها، وقوة الجذب فيها، ليست قادرة تماماً على جذبه من الموت.. إنها على الأقل تحمل بين طياتها خطر افتضاحه أمام الآخرين.

غادر مقر العمل.. يسير بخطوات ذاهلة في الشارع المزدحم بأناس لا يشعرون بمأساته الحادة.. تسيطر عليه فكرة الموت كحلّ نهائي وسعيد لمأساة حياته.. يحسّ أنه بالون صغير ممتلئ بغاز أخفّ من الهواء، وهو على وشك أن يقطع الخيط الرفيع، الذي ما زال يشدّه إلى الأرض، منطلقاً إلى غير رجعة في فضاء لا نهائي.. خفيفاً كالأحلام.. كطيور السماء البعيدة، لا تثقله المشكلة الحديدية، التي يحملها في داخله.. قبل ذلك ظلّ يقارن في نفسه بين نوعين من العار لا بد من أنه واقع في واحد منهما.. العار وهو ميت، والعار وهو حي، مفضوح بين الناس.. واختار أخفّ العارين.. اختار أن يموت.. ربما كان موقفاً أنانياً منه لم يعمل حساباً لآخرين يحبّهم في هذا العالم، لكنه بدا له الحل الوحيد المفجع والسعيد للخروج من مأزقه.

اكتسبت خطواته خفة مذهلة وهو يفكر على هذا النحو.. وصل أخيراً إلى البيت.. كزورق وصل إلى مرفأ الأمان.. ألقى بكلّ همومه وراء ظهره، وبدأ يتطلع إلى حياة بلا هموم على الإطلاق في مكان بعيد عن الأرض.

وقف في بئر السلم يتطلع بضيق وعصبية إلى صف السلالم الطويل، الذي يتعين عليه أن يصعده ليصل إلى شقته في الطابق الخامس من المنزل.. لأول مرة منذ سكن هذا البيت يبدو له هذا العمل الروتيني المألوف نوعاً ثقيلاً من العبء عليه أن يؤديه.. أحس أن وزنه زاد بمقدار طن من العذاب، وأن عليه أن يحمل هذا العبء الإضافي، ويصعد به إلى شقته في الطابق الخامس.. أحس بإعياء شديد، لكنه تحامل على نفسه، وقرر الصعود على الفور كي لا يضيع الوقت الذي يحتاج إلى كلّ دقيقة منه.. بذل مجهوداً خارقاً ليرفع جسمه المترهل الضخم إلى درجة السلم الأولى.. استند بيده على سياج السلم الحديدي ليعاونه ذلك على الصعود إلى أعلى… أطلق كل البخار المختزَن في داخله كما تفعل القاطرة البخارية، وهي تحاول التحرك من حالة الجمود الأولى.. تصور أنه سيصعد باقي الدرجات بقوة الدفع الذاتي، وبشيء من السهولة النسبية.

في صعوده بدأ يحس بشعور غريب يجتاحه للمرة الأولى في حياته.. شعور يفتح مسام نفسه إلى الحد الأقصى لتفهّم عمیق وحقيقي للحياة.. يهزها لحب الأشياء الصغيرة، التي لم تلفت نظره قبل الآن.. الأشياء الدافئة المشحونة بقوة العاطفة الإنسانية الخلاقة.. بدأ يتنبه، للمرة الأولى في حياته، إلى رائحة الطعام العذبة السابحة في جو السلم الفسيح، مختلطة بذرات الغبار، ودفء الشمس، الداخلة من النوافذ المفتوحة العالية، صانعةً أعجب رائحة شمها في حياته.. أيقظت تلك الرائحة المثيرة كلّ الأشياء النائمة في صدره.. جعلت عينيه تغرورقان بدموع حقيقية.. أهاجت فيه حنين الإنسان العميق إلى الحياة والدفء، واللذات اليومية المألوفة.. كل الأشياء التي هو في سبيله إلى فقدها الآن.. تحول هذا الشعور بسرعة إلى حزن عميق يسيطر على حواسه.. إلى نوع فظيع من اليأس، فهو في سبيله إلى فقد كل الأزهار اليانعة في حديقته الخاصة، التي توشك على الذبول، في الوقت الذي ستظل فيه أزهار الآخرين حية يانعة تتقبل دفء الشمس كلّ صباح.. سيموت هو بينما سيظل الآخرون قادرين على الاستمتاع اليومي المألوف بكل الأشياء الصغيرة الدافئة، التي تهيج حاستهم العميقة للحياة.. استمتاعهم بها.. الضحكات.. الدموع.. الحب.. المشاكل اليومية الصغيرة.. وجبات الطعام الشهية.. وجوه الناس التي تطلّ من وراء النوافذ الصغيرة.. فوقها طبقة سميكة من حب الحياة والدفء الإنساني.. وفي عيونها فضول غريب.

أحس أنه مات قبل أن يبدأ يموت، لكنه حاول باستماته شديدة أن يكبت هذا الشعور في داخله، فهو قد جاء إلى هذا المكان وفي نيته أن يموت، وهو بالتأكيد لن يسمح لأية مشاعر إنسانية مفاجئة أن تفسد تدبيره.. وبدأ يتابع الصعود إلى أعلى، لكن ببطء أشد، وبقدرة أكبر على التأمل والاستمتاع والعذاب.

لفتت نظره صفائح القمامة الممتلئة الموضوعة أمام أبواب الشقق المغلقة.. كان هذا يسبب له إزعاجاً دائماً في الماضي؛ حيث لم يكن في المنزل العتيق سلّم للخدم.. الآن يحس بشعور مختلف تماماً وهو يرى تلك الصفائح الممتلئة حتى حوافها، والموضوعة أمام أبواب الشقق المغلقة.. يشم رائحة تلك الصفائح الكريهة بالشعور الغريب نفسه الذي يشم به رائحة الطعام السابحة في جو السلم.. دلالة هذه الصفائح تبدو له الآن واضحة تماماً.. إن معنى وجودها في تلك الأماكن أن وراء الأبواب المغلقة أناساً يعيشون.. يستهلكون، وأنهم لفترة طويلة قادمة سيظلون على قيد الحياة، في الوقت الذي يكون هو فيه قد اختفى تماماً من الوجود.. وبدأ الشعور الحزين يهاجمه من جديد بضراوة فظيعة.. إنه الآن في طريقه إلى أن يتحول إلى صفيحة قمامة يأخذونها مع هذه الصفائح، ويفرغونها في مكان بعيد عن العيون.. هذه الصفائح ستعود، أما هو فسيبقى هناك إلى الأبد.

فتح باب الشقة بهدوء حتى لا يوقظ زوجته النائمة في الفراش.. فتح باب حجرة نومها.. أطل عليها من فرجة الباب بحذر شديد.. اطمأن عندما أدرك أنها لم تشعر بوجوده.. أغلق الباب من جديد بهدوء شديد.. تقدم ناحية حجرة ابنته المجاورة لحجرة نوم زوجته.. فتح الباب.. الحجرة يخيم عليها ظلام نسبي.. تقدم إلى المصراع الخشبي المغلق وفتحه.. الضوء غمر الحجرة فجأة.. أعمى عينيه.. خرج بسرعة إلى الشرفة الصغيرة المطلة على الشارع المزدحم.. الناس من تحته مجموعة من الأشباح والظلال الذائبة في ضوء النهار المتوهج في الشارع.. ناس مصنوعون من دخان في عالمٍ كلّ ما فيه دخان.. أحسّ أن هذا التفكير يقربه أكثر من الموت الذي جاء من أجله.. فجأة خيّم صمت شديد على الشارع.. الأصوات الصادرة منه لا تصل إليه.. الناس تحولوا إلى حشرات صغيرة التصقت بإسفلت الشارع الذي ساح من حرارة الشمس القوية فوقه.. ثم بلعهم الشارع من تحته.. أحس فجأة أنه يقف في صمت وسكون أمام الموت الرهيب الذي جاء من أجله.. الموت قابع الآن داخل تلك الحجرة الصغيرة، فليدخل لمقابلته.. تصور أنه منوّم مغناطيسياً، أو أنه نوع من الإنسان الآلي المدرّب من قبل على هذا العمل، وأن كل ما سيقوم به بعد الآن من خطوات سيتم بطريقة آلية تماماً، ومجردة من مشاعره إنساناً.. سيتم بتلقائية مذهلة كأنّه انتحر عشرات المرات من قبل.. تحسس الملابس المنشورة فوق حبل الغسيل الممتد بعرض الشرفة الصغيرة.. الملابس جافة كما توقع.. جمعها ودخل بها إلى الحجرة، وألقى بها على الفراش.

بحث عن شفرة حلاقة سرعان ما وجدها.. خرج بها إلى الشرفة، وقطع بها حبل الغسيل، وحمله إلى داخل الحجرة.. أغلق المصراع الخشبي ليعود الظلام النسبي فيخيم على الحجرة من جديد.

راوده شعور غريب وهو يجلس إلى جوار الملابس المكومة على الفراش.. ملابسه وملابس زوجته وابنته، وقد اختلطت بعضها ببعض.. رائحة الصابون والشمس والهواء المنبعثة منها تملأ رئتيه.. تصور أن ملابس الناس يمكنها أن تحس بشعور الاغتراب المصاحب للموت، وأنها عندما تنتزع من جوار بعضها البعض تحسّ بشعور الأصدقاء القدامى عندما يفترقون.. بل إن الملابس يمكنها أن تحسّ بألفة تجاه أصحابها الذين تعودوا ارتداءها، والذين انبعث العرق من مسامهم ليختلط بنسيج تلك الملابس، فتشعر بالحزن لفراقهم، ولم يستطع إلا أن يتخيل شعور ملابس الغريب بعد أن يضمها إنسان آخر فوق جسمه.. أهاج هذا الشعور كلّ الخواطر الحزينة في داخله.. إنسانيته.. دفع به أكثر في طريق الموت الذي جاء من أجله.. الموت الذي يحس الآن أنه يحبه من أعماقه.. إنه الآن يدمر كلّ الجسور المشيدة وراءه ليبدو الرجوع إلى الخلف مستحيلاً تماماً.. ليبدو الموت هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يسير فيه.

أحس في تلك اللحظات الفريدة المليئة بالحنان أنّ علاقته قد قويت بكل الأشياء الصغيرة التي استعملها في الحياة.. فرشاة أسنانه.. ماكينة حلاقته.. مشط شعره.. وامتلأت عيناه بدموع الملح الصامتة، بينما يده تعتصر کومة الملابس، وتقرّبها بحنان وفظاعة من أنفه كي يملأ صدره برائحتها الغريبة الدافئة.

نظر إلى سقف الحجرة.. تنهد في راحة عندما وجد الخطاف الحديدي الصغير في مكانه كما توقع أن يجده.. كان يخشى، طوال الطريق إلى البيت، ألا يجده في مكانه.. أحضر مقعداً صغيراً من الصالة، وصعد فوقه.. ربط الحبل بقوّة في الخطاف الصغير.. تأكّدت له متانة العقدة أكثر من مرّة.. في الطرف الآخر من الحبل صنع عقدة أكبر أدخل فيها رأسه، ثمّ وقف ينتظر.

جالساً على الفراش.. رأسه المزدحمة الثقيلة بين كفيه.. يفكّر بعمق شدید.. إن الأمر، عندما تدوّي الفضيحة من حوله، لن يكون قاصراً على سخرية الموظفين وشماتتهم، أو ثرثرة الجيران ونهشهم الدائم اللحوح لسيرته، إنه بالتأكيد سيصل إلى أبعد من ذلك.. سيصل به إلى السجن.

تساءل، بينه وبين نفسه، هل يمكنه احتمال السجن في هذه السن المتأخرة، أو حتى في أيّ سن أخرى.. إنه بالتأكيد يفضل أن يموت على أن يسجن.. ثم إنه سيصمُ أسرته إلى الأبد في حالة سجنه.

ذبابة الموت تطنّ داخل رأسه من جديد وبإلحاح أكثر.. نظر بحنان شديد إلى الحبل المتدلي من سقف الحجرة.. الحبل يمثل له الخلاص من أزمته الحاضرة.. صمّم على أن يموت.. صعد، بسرعة وبلا تردد، فوق المقعد الصغير.. رفع قدمه إلى أعلى ليتمكن من دفع المقعد إلى الأرض.. قدمه تجمّدت في الهواء في حالة عجز تامّ عن تنفيذ الأمر الذي أصدره إليها.. بإحساس شدید بالإحباط والتخاذل عادت قدمه لتستقرّ إلى جوار جسمه المتبلّد المسترخي.. أدرك أنه لا يمكن أن يموت.. ليس الآن وليس بهذه الطريقة.. إنّ عليه مسؤوليات جسيمة تجاه أسرته الصغيرة، التي لم يَعدُّها، بأيّ صورة من الصور، لتقبّل صدمة موته المفاجئة.

ثمّ لماذا لا يحاول أن يجد حلاً لمشكلته التي يضخّمها الوهم أكثر من اللازم.. لقد امتدّت يده إلى الخزانة التي في عهدته.. فعل ذلك من أجل توفير الدواء لزوجته المريضة بالقلب.. من أجل مستقبل أفضل لابنته الطالبة في الجامعة.. كثيرون غيره فعلوها من قبل، وكثيرون غيره سيفعلونها في المستقبل.. عليه أن يفكر بحكمة ليخرج من مأزقه.. إنه لم يجرب مصارحة زملائه الموظفين الكبار في السن.. ربما وجد عندهم حلاً لأزمته المستعصية.. إنه واثق بأنهم سيساعدونه بكلّ ما يقدرون عليه.. إنه، إذاً، تقصير خطير في حقّ حياته الثمينة وحياة أسرته الصغيرة أن يموت بهذه السهولة.. هذه الأسرة التي لا يعتقد أنها ستتخلّى عنه مهما حدث له، بل إنه واثق بأنها ستقف إلى جواره، وتشد من أزره.

قوي في داخله الإحساسُ العميق بالحياة.. دقّت ساعة الحائط أولى الدقات في الساعة الثانية عشرة، وهو الميعاد الذي تتناول فيه زوجته دواء القلب، وهو عادةً يقدّمه إليها بنفسه عندما يكون موجوداً في المنزل.. اليوم وعد ابنته بأنّه سينوب عنها في هذه المهمة، ولا يمكن بحالٍ أن ينكث بوعده.. تخيل وجه زوجته وقد بدأت تسمع دقات الساعة وكل حواسها متنبهة انتظاراً لدخوله أو دخول ابنته إلى الحجرة ليعطيها واحد منهما الدواء، كالعادة، وهو يطبع قبلةً حانية فوق جبينها، بينما هو يتمنى لها الشفاء العاجل.. أحس أن شيئاً يعتصر قلبه بشدة، ويخرج منه كلّ ما فيه من مرارة.. وأخذت دقات الساعة تتابع في سكون الشقة الرهيبة، ومع كلّ دقة كانت أعصابه تتنبه أكثر، وإحساس عميق بالحياة في داخله يقوى أكثر.

فجأة خُيِّل إليه أنه سمع صوت زوجته الخافت تنادي على ابنتها.. بدأ الصوت يتّضح تدريجياً في أذنيه.. الآن تأكّد له أنّها استيقظت، وتريد أحداً يعطيها الدواء، ويجلس إلى جوارها.. هفّت كلّ مشاعره الطيبة نحو زوجته.. أراد أن يتحرك إليها بسرعة ليقبل يدها، ويطلب منها الغفران والصفح.. قلبه ممتلئ بالحب.. ذكريات السنين الطويلة تحرك خياله.. قوة أكبر من إرادته دفعت به ليتحرك من فوق المقعد كي ينزل على الأرض، ويلبي نداء زوجته.. الحبل ملتفّ حول رقبته.. المقعد الصغير الذي يقف فوقه يمكن أن ينزلق بسهولة شديدة من تحته لو لم يتحرك بحذر شديد.

ساد سكون فظيع أرجاء الحجرة التي يوجد فيها.. اكتشفوا الجثة في المساء… جثة رجل تحوّل إلى كيس من القطن يتدلى من سقف الحجرة بحبل معلق في رقبته.. عيناه جاحظتان إلى الأمام، وفكه ملتوٍ كأنّه ضُرِب فوقه.. لسانه يتدلى خارج شفتيه الزرقاوين المتضخمتين، وبشرته شمعية شاحبة يلمع فوقها اصفرار الموت الرهيب.. الموت الذي لم يتوقعه على الإطلاق.. ارتسم فوق وجهه تعبير غريب ينمّ عن منتهى الدهشة والإحساس بالألم.. حاول الذين تجمعوا حول الجثة في المساء أن يفسروا سرّ هذه الدهشة الغريبة، لكنهم عجزوا عن ذلك.. واحد فقط كان في مقدوره أن يكشف لهم عن السر الذي يحيّرهم.. إنه هو نفسه، لكنّه ببساطة شديدة كان قد.. مات.

التجريد والحرف العربي والفن الإسلامي ، بشرى بن فاطمة

 

 

التجريد والحرف العربي والفن الإسلامي

 

الخط العربي .. كلاسيكيات الأصالة تثبت قواعد التجريد والمفاهيمية المعاصرة .. تشكل الرمزيات البصرية

 

 

رغم أصالته المعتقة بالتاريخ والحضارة وعمق الفكر والهندسة وحسابات التشكيل والرسم، يُعدُّ الخط العربي من أبرز العناصر الحداثية في الفنون البصرية والتشكيلية المعاصرة، وخاصة أنه، بوصفه مجالاً فنياً، يُعدّ أولى خطوات المدرسة التجريدية والأسلوب الحداثي الخاضع لمميزات التجديد في مرونة الممارسة التشكيلية مع كتلة الحرف وتعبيراته الرمزية.

 فالخط العربي من أبرز الأشكال الفنية الحديثة المؤثرة في الصورة والمعنى؛ حيث يجمع مختلف عناصر التصميم والهندسة المعاصرة في الشكل والكتلة والفراغ والحجم، ويحوّل التفاعلات بينها إلى حركة جمالية موظفة فنياً.

 فالخط يرسم ويحفر ويشارك كعنصر أساسي في اللوحات الفنية والمنحوتة والزخرف، وهنا يتحوّل بفضاءاته إلى أفق رحب يحوي المعنى والمفهوم التشكيلي والخامات التي تندمج من خلال الخطوط والأشكال على حساب قوالب الفكرة التي تحرّك المضمون.

وقد بدأ الخط من منطلقات الذات وصولاً إلى تجميع المقاصد في الأشكال الغامضة والترميزية في تجسيد الطبيعة والحالات انطلاقاً من الانفعالات التعبيرية التي يطرحها الفن التشكيلي كأول عناصر تجريدية عرفها تاريخ الفن الحديث.

يتفاعل الخط العربي مع التجسيد الكلاسيكي في فكرة الإثبات والبناء والخلود والتوافق الشكلي والمعنوي بقواعد التصميم الهندسي وقيم التشكيل الجمالي الحداثي والمعاصر، الذي حرك مفاهيم التجريب نحو البناء الفني المعاصر في تجريدياته للحروفيات كعلامات بصرية برؤى عميقة ضمنياً.

فالتعبير الحرفي بعلاماته البصرية له مفاهيمه المقروءة، سواء لمن يعرف اللغة أم لمن يجهلها؛ لأن الخط العربي تجاوز بأبعاده البصرية التعبير المباشر إلى التجريد الذي يوصل الفكرة إلى الذهن من خلال إحداثات المشهدية التشكيلية، التي تخدم المعنى الجمالي، وتحوي التجديد وحتى تكنيكات اللغات الأخرى في هندساتها الخطية مثل الخط الياباني والصيني، وتلك التجربة التي حاول تأكيدها الخطاط والفنان العراقي حسن المسعود، الذي خاض التجريب والتجديد، وتحمّل عناصر الفرجة في تشكيل الخط العربي على مزاج خطوط العالم والتفوق الجمالي من خلال المعنى والصور.

 

وهنا لا يمكن التغافل عن تجارب مجددة اعتمدت الخط العربي بحضوره التشكيلي، الذي تجاوز المعنى اللغوي، وارتحل بالحرف نحو دروب أبعد في التوليف اللوني والتعبير عن الصخب والفراغ في النقاط والشكل والخطوط التي تمازج المعنى وتحاوره جمالياً، كما في تجربة الخطاط إبراهيم أبو طوق من الأردن أو الخطاط وجيه نحلة من لبنان، فتجربة أبو طوق حمّلت الحروف كيان المعنى لتتجسد مع اللوحة في تفاعل الضوء والعتمة واختراق الفضاء كأبعاد هندسية دقيقة ومدروسة لحركة كل حرف وتواصله وانفصاله. أما وجيه نحلة، فقد حرك الحرف بتناغمات لونية عزفت إيقاعات صاخبة في حالاتها النفسية وهادئة في محاورتها للطبيعة والحياة.

كما حمل الخط العربي عنصر الصورة كمشهدية تحوّل الخيال في معنى الحرف الى تعبير وموقف وحضور وتلاوين مكثفة في عناصرها التي تسبق التفسير بالرؤى الجمالية المقنعة ليتكامل العنصر الحروفي مع الموقف المعلن من رموز الصورة، كما في التجربة الحروفية عند التشكيلي اللبناني عدنان المصري.

ولعلنا بالبحث في تشكيلات الحرف العربي بين الحروفية والتنقل الخطي من التجريد الكلاسيكي المألوف إلى المفاهيمية التجريبية، التي تتحدى الصورة، وتتوحد مع عناصرها، نجادل التعبير والأسلوب الذي يعتمده الفنانون في هذا التجريب الجمالي البصري والمعاصر، ومن ثَمَّ الخروج بالخط من أطره المعتادة إلى تحميله رسائل تشكيلية لها دلالاتها التعبيرية، التي تحاكي الحضارات، وتسرد بصرياً الصدامات والتوافقات، وتحكي الشرق الإسلامي مثل تجربة التشكيلي اللبناني الإيطالي علي حسون، فقد بات الخط والحرف يتلازمان تعبيرياً في خدمة الصورة وأسلوب «البوب آرت» بتمازج مع الواقع والخروج به من توظيفاته نحو أبعاد أعمق كالتعبير عن الهوية الثقافية والاجتماعية عن قضايا الإنسان والمرأة. وهنا يحيلنا التجريب إلى أعمال خالد ترقلي أبو الهول، الذي اعتمد الخط مرجعيةً تاريخية حضارية اجتماعية وإسلامية لها رموزها الدلالية الموظفة للتعبير عن قضايا المرأة.

إن الخط العربي يتفرد بصرياً خاصة بدمجه المعاصر؛ فالتطوير التقني ساهم في تعبيرية الخط والحرف الرمزية بدلالاتها المختلفة، وخاصة أنه حرف مشحون بالروحانيات والعمق النفسي والتذكر الغارق في المخيال الجماعي، كما يتداعى إلى الصور التي حملها المستشرقون في تحويل الجوانب الجمالية من الزخرف والابتكار التزويقي للحرف في مختلف الخامات؛ الحفر على الخشب والحجر والخزف، والحضور الفني في عناصره الجمالية.