غير فكرك هو ( جرأة الفكر حينما ينطق )

نوره بابعير

غير فكرك هو ( جرأة الفكر حينما ينطق )
بعض الكتب محاولة تغيير بطريقة هادئة تلامس الداخل رغم عنها ، تبين إبداع الكاتب في أختيار أسلوب يتلاءم مع القارئ ، و يترك أثر فيه يجعله يعيد ترتيب أولويته من البداية .
أهتم الكاتب رود جودكينز في مبدأ غير فكرك أن يضع لنا ٥٧ عادة مهمة لدى المبدعين في العالم لفت إنتباهي في الكتاب ( غير فكرك ) أنه لم يُكتب عن الصفر في مراحل التغيير ، وكأنه يقول للقارئ أنك متغير بالفطرة و لكن ما سلطة الضوء عليه هو وسائل مساعدة في تحرك الداخل لها للوصول إلى الإبداع المفرط إليك .
تنوع في ذكر المبدعين حتى يُبين أن كل شيء يقدم عليه الإنسان هو معرض لتغير و للإبداع ، التفكير هو من يزيد للأشياء تفاصيلها أو يناقضها حتى يقتل وجودها به .

في النص تأملات توعوية بحته ..
مختاراته للمواضيع قوية تستطيع أن تقترب من داخل القارئ لها ، أن يفكّر فيما تحرض به و الغاية من افتعالها ، قال ( أنت ما تؤمن به عن نفسك ) كان محق فيما يقول ، الإنجاز هو قرار من النفس في استمراها للنهاية المؤدي للإنجاز المطلوب و الإبداع بينهما هو تمييز الفكر في تنفيذها .
كان يُكتب كتوصية للقارئ أن لم تفهم ما تقرأه لن تخرج من ذلك الكتاب أو العادات بشيئاً يهيء لك فائدتها . لأن مختاراته عميقة في تفكيرلا يقبل السطحية فيه .

الثقة مقابل التغيير ..
كان يتعمد في إختلاق الثقة مع كل موضوع يتطرق فيه لأنها من الأشياء الأساسية في تفعيل التغيّر و الفكر في آن واحد .
يُصنَع الإنسان ثقته بنفسه كلما إجاد حرفتها ، فكيف تكون صنيعته وهو مغاير لفكره كلّما إنتهى من إنجاز يخوض إلى فكّر مغاير حتى يتميز في جميع أفعاله و مهامه تجاه متطلباته الحياتية و البشرية .
كان رود جودكينز يدخل القارئ في النص ثم يترك الخيار الأخير له ، ينثر الكلمات في صفحاته وهو يعلم أن القرار يعود إليك .

نص يبحث عن نهوضه ..
كان يعرف الكاتب أن الجدلية في القراءة تفتح للقارئ مدارك أخرى فلذلك كان يلامس الأشياء المثقلة يدرك من بقاء أثرها عليه .
تحدث عن ( توقّف عن كونك منطقيًا ) كان ملفت الحديث عن المنطقية بينما القرّاء دائما يخرجون من القراءات بمنطقية قولها ، أضاف في كتابة رؤيته للمنطقية المرهقة للأشخاص المتمسكين بها دون أن يفرقوا أثرها العائد عليهم . تمكّن من إظهار خلفية رؤيته لها وأن الإفراط في جميع المواصفات قد يضر بقدر ما يُعتقد البعض إنها مفيدة .
كلما يتجرد الإنسان من نفسه هو لا يحسّن التصرف و التدبير فيما يفعل أو يقوى عليه .
المنتصف المشبع بالفكر ..
تحدث عن التنافس بطريقة أنيقة تجمل لك التفكير فيما يقصده ، إقناعه لذلك يجعلني أقول أستطاع الكاتب أن يخترق الأفكار كلها و تعدى العادية بينهما ليرفع قارئه إلى الإبداعية الملائمة له .
قال الكاتب رود جود كينز (لا تنافس .. أبداع ) كلمتين لكنّها قوية في التفكير و الأخذ بجدية قولها و معناها المحمل في تنفيذها على واقعية أرض الإنسان .
تطرق في التنافس و الإبداع ، لأن الإختيار بينهما صعب و بالوقت نفسه هزيمة لأخريات ، البعض يختار التنافس ثم يفقد الإبداع تصبح بصيرته مراقبة للآخرين و عمياء تجاه ذاتها ، أما الإبداع يدخل الإنسان في عوالمه يجعله ينسى الخارج ومنافسات الآخرين له .
المنافسة حينما تكون بين الذات و الذات تستطيع أن تغيّر معناها له قد تفيد فاعلها ، لكن حينما تتشبث في الآخرين تشبه النار تأكل شخصها ولا تسمح له بتقديم إنجاز متكامل ينسب إليه .

الصورة المتكاملة ..
الكتاب سهل فيما يتحدث لكنه عميق فيما يقصد يعتمد التفعيل المبدع للقارئ ، و الاجتهاد المكتوب من قبل الكاتب كان وسيلة تبحث عن غاية التغيير في جميع المهن القابلة لخوض الإنسان لها ، والأجمل من ذلك أن الكتاب يجرد الأعذار لدى الكسلاء الذين يتحججون فيما يفشلون به أو يرهقون به أو يرون التميز لا يليق بهم .
أختصر البداية في النهاية حينما قال أنهم أشخاص عاديون ، لكنهم أصبحوا استثنئيين .

أجعلها تحدث ..
كان يُعلم القارئ الوصول إلى معنى الدراية فيما يعمل وفيما ينجز من قبل إجتهادك و تحقيقك للأهداف و المقاومات التي تغيرك للأفضلية في كل إنجاز لا يرضى بالإنجاز فقط ، بل بالوصول إلى المبتكر ، حينما وضع العادات بين يد القارئ كان يدري التغيير الذي يصدر منها قد لايُحدث كما أرد الكاتب إيصاله ربما يتفوق الإبداع بحجم مفهوم القارئ و أستخدامها بطريقة تجعل جميع الأشياء متوقفة في صالحة ويصبح هو الغاية المرضية لها .

كتاب : غير فكرك
الكاتب : رود جودكينز
ترجمة : أمين عليا

مراجعة كتاب قلق السعي إلى المكانة

ندى الأشرم

في عالم كل شيء به قابل للتعديل وقابل للتغيير المفاجئ والغريب تختلف به المعايير القديمة ويأتي بجديدة تلبث قليلًا ثم تختفي هي الأخرى لتفسح المجال لمعايير أجد وهكذا يتكرر المشهد فيه، لا شيء يثبت بهذا الزمان، غير النفس البشرية في حاجاتها ورغباتها هي هي على مر الزمان لا تتغير، في كتابه الذي بين أيدينا يُسلط آلان دُو بوتون- الكاتب والفيلسوف البريطاني- الضوء على ما يمكن القول عنه واحد من الثوابت الموجودة في النفس البشرية وهو من المشكلات التي يتفاوت تأثيرها علينا ألا وهو (قلق السعي إلى المكانة).

فهل نحن فعلًا نعيش هذا القلق؟

وماهي الأسباب التي تجعلنا نقع في شباكه؟

وهل من حلول؟.

يجيبنا الكاتب على تساؤلاتنا تلك واضعا في الجزء الأول من الكتاب أسباب هذا القلق مختصرًا إياها بالتالي:

افتقاد الحب، الغطرسة، التطلّع، الكفاءة، والاعتماد.

فيكون فقر الحب فينا من وجهة نظر بوتون أول محرك لهذا السعي، فالرغبة بأن نكون محط إهتمام أحدٍ ما، أن يُلتفت لنا في هذا الزحام، أن نكون علامة فارقة بحياة أحد، هي أول ما يدفعنا نحو ما قد لا نرغبه، ثم تأتي الغطرسة وهذا الفصل المجتمعي الذي يُصنف به المرء حسب اسمه ولقبه ورصيده المالي والويل كل الويل لمن لا يملك منها شيء، ويعود بنا بوتون لذواتنا وإلى تطلعنا المرهق لما هو أفضل أو -نظنه أفضل -هذا الشعور المرير الذي يسكن الصدر أحيانًا ولا ينفك عنه حتى يحولنا إلى حاسدين، فوفق معيار الكفاءة الذي بالعادة نضعه نحن بأنفسنا ونُقيّم من خلال المحيطين بنا ونخلق منه حلبة للمصارعة لا يهدأ بها الصراع أبدًا والتي تعتمد على ما نملكه من مواهب وحظ وعلاقات عمل وكأننا في حالة تساؤل دائمة لماذا لم أحقق ما حققه زميلي؟ لماذا لست أنا؟.

أما عن الحلول فقد ذكرها بوتون في الجزء الثاني من الكتاب وعن امتدادها في كلًا من الفلسفة والفن والسياسة والدين وجاء بآخر فصل هنا بالحديث عن البوهيمية حيث من الممكن أن يدفع فقد المكانة بالبعض نحو الاعتزال ونحن خلق مجتمعاتهم الخاصة المنغلقة، ووفق هذه التصنيفات يرى بوتون أن من الممكن للفن -وخاصة الأدب الروائي- معالجة النفاق المجتمعي فيُعرِّف بوتون الرواية: كوسيطٍ فني يساعدنا في فهم وتقدير كل هؤلاء الذين عاشوا حياةً خفية في الظل ثم استراحوا في قبورٍ لا يزورها أحد”.

أما على صعيد السياسة ومرورًا بالإلمحات التاريخية الإجتماعية التي استعرضها بوتون والتي يمكن اختصارها بما ذكره فيقول “بصرف النظر عن مقدار ما نشعر به من سُخطٍ أو حيرة إزاء نظام التراتب الاجتماعي، فإننا ننزع إلى مجاراته بافتراض مسلم به أن هذا النظام عميق الجذور ولا بد أنه راسخ الأساس بحيث يستحيل نقده أو التشكيكات فيه.

بعبارة أخرى، تم توجيهنا للاعتقاد بأن المجتمعات والمبادئ الداعمة لها غير قابلة للتغيير من الناحية العملية، بل ربما تكون بطريقةٍ ما فطرية شأن مظاهر الطبيعة.”

ويرى بوتون تأثير أن الدين وخاصة في فكرة الموت ومغزى الحياة فتبدو يجعل كل الأفكار الدافعة نحو السعي إلى المكانة بلا قيمة أو شأن في مقابل فكرة الموت.

ورغم كل ما عددّه بوتون تبقى أول خطوات حل هذه المشكلة هي الاعتراف الحقيقي بوجودها، اذ يجب على الفرد أن يُدرك حقًا حجم المشكلة وتوابعها فالأمر اليوم بات مختلفًا خاصة مع هذا الانفتاح والتواصل المتسارع مع أقطاب العالم الذي يشكل عبئًا هائلًا على النفس مالم يتخذ الفرد منا موقفًا جادًا في ايجاد الحل المناسب له.

ماذا بعد القراءة؟

في الحياة لن يأتيك دومًا ما أردته ولا حتى ما ظننت أنك تستحقه، لن تنال فيها غير ما قد كتبه الله إليك، قد تكون هذه هي بالفعل الفكرة التي نؤمن بها جميعًا لكننا مع الأسف نقع دومًا رهن رغبات النفس وتأملاتها، وإن أخطر ما نقع فيه هو مقارنة أنفسنا مع الآخرين وهذه المقارنة وحدها قادرة على إحالة الحياة إلى جحيمٍ لا يُطاق فكيف إذا مُزِجت مع السعي لتحقيق المكانة؟!

إن أكثر ما يُخشى على هو أن يفقدك هذا السعي ذاتك فتذوب حتى لا يبقى منك أنت سوى ظلك.

مراجعة كتاب قلق السعي إلى المكانة
للكاتب: البريطاني آلان دُو بُوتون.
عدد الصفحات: 311 صفحة
دار النشر : دار التنوير للطباعة والنشر.

الفشل في التجرؤ على الخيال – جون بيرجر

نوره بابعير

حوار – سوزان سونتاغ و جون بيرجر
الفشل في التجرؤ على الخيال – جون بيرجر

وحينما يكون الشخص هناك حقًا لأنني أعتقد أن كلينا من الناس الذين يشعرون و يتحملون المسؤولية بقدر كبير لكن ليس تجاه فكرة ما عن الحقيقة باستثناء المعنى المنطقي إجمالًا .

أعتقد أنني حينما انتقلت لكتابة القصة لم يكن ذلك من أجل أنني سمعت قصة ما لأنني سمعت – كأي شخص آخر -الآلآف من القصص .

بل لأنني أسمع لغة ما في رأسي ، أسمع جملة ، أسمع صوتًا ، أسمع صوتًا ثم أحيانا لا يكون لدي إلا الجملة الأولى . و تستمرين بسماع ذلك الصوت ؟
نعم ، الصوت ..
الأمر أشبه ما يكون بالإملاء .
نعم ، إملاء يمكنني مراجعته لأكثر من مرة .
أتذكر ذات مرة في واحدة من القصص ، سمعت جملة في رأسي ” وذهبت لأرى الأشياء الجميلة ” ثم يقول صوت آخر .

آه لا ، يقول الصوت : ” وذهبت لأرى الأشياء الجميلة ، ثم أتعلم ماذا ؟ ” فيرد صوت آخر قائلًا : ماذا ؟!
ثم يقول الصوت الأول ” إنهم لا يزالون هناك ”
ثم يرد الصوت الآخر : ” آه ، لكنهم لن يظلوا هناك لفترة طويلة ” ثم قلت لنفسي : ” من هولاء الناس ؟ ماذا يقولون ؟ عما يتحدثون ؟

لذلك هو ليس إملاء بالتحديد ، بل أشبه ما يكون بالاستنباط حيث أصبح لدي أربعة أسطر على الصفحة الآن ، ما الذي يمكنني أفعله بها ؟

وأحيانًا يتوجب على التوقف ، وقد يستغرق ذلك أيامًا قبل أن أستطيع معرفة السطر التالي وأحيانا أكتب خمس صفحات ثم أتوقف ، فالاصوات لم تعد تتحدث أو في حالة إحدى القصص سمعت السطر الأخير كان السطر الأخير ” سيزيف. أنا لا شيء ولا شيء يمكنه إبعادي عن هذه الصخرة وقلت في نفسي : من هذا الشخص الرواقي المتجهم الذي يصرح بإخلاصه لهذا الوضع الذي لا يطاق و بدأت التفكير عكسيًا ” ربما قد تكون هذه قصة لأحدهم الخ ..”

لذلك بالنسبة لي هي عملية إبداعية قطعًا و مرتبطة إرتباطا وثيقًا باللغة ، و بالأسلوب ، و بالصياغة قد يكون ذلك كذلك ، هذا مثير للاهتمام جدأ ؛ لأنه يتكرر ، ولقد ناقشنا ذلك في كثير من الأحيان ، لأننا ربما قد وصلنا إلى نتيجة مشابهة تمامًا ، لكن بطريقة عكسية .

بالنسبة لي ، لم يكن هناك ذلك الصوت قط في البداية هناك تلك الصعوبة الهائلة كي أرى ذلك الوضع ، ذلك الشخص .
أنا لا أرى ، أنا أسمع
لا ، أنا أرى .
ربما لهذا السبب أحبُ صناعة الأفلام .
لأنني لا أرى ، أنا أسمع فقط حين أكتب .
و لذلك أرغب بشدة في أن أرى . وهذا ما أحب فعله مع الصور وحينما يكون الشخص هناك حقاً ، ويكون ذلك على الأرجح في وقت الكتابة الفعلي بعد حوالي الثلثين ، ليس ثلثي النص ، بل ثلثي وقت الكتابة ، الأشهر أو السنين ثم فجأة تأتي الأصوات و حينئذ كل ما أفعله هو الكتابة لكنها تأتي بعد أن تتضح الصورة أو الشخصيات ، و ليس قبل ذلك .

لا، بالنسبة لي الشخصيات تأتي من اللغة .
أما بالنسبة لي فإن اللغة تأتي من الشخصيات ، أعتقد أن موقفي ، حسنا ، من ناحية ، من الواضح من خلال حديثنا .

أنني مخلصة حقًا لبعض الافتراضات الحداثية حول الفن و الأدب و التي أعتقد بأنك تسائلها ، و تخليت عن تطبيقها ، لأنني أفكر في أعمالك القصصية السابقة ، كرواية “جي” مثلًا وما كنت تفعله حينها قريب مما أنا مستمرة في فعله الآن ككاتبة قصص لكن أعتقد أن القصص التي كتبتها مؤخراً عن حياة القرويين .

-ولا أعرف إن كنت تشعر بذلك – تحمل نمطا مختلفًا جدًا. لأن الموضوع مختلف جداً ، كما أعتقد هذه صحيح .
ألم تتغير ؟ ألم تتغير أنت نفسك ؟ لا أعلم ، لقد كان علي إعادة تعلم الكتابة .
هذا صحيح ..
لأن تجربة المعوزين أو القرويين في غاية الاختلاف عن تجربة الكتابة عن أصحاب الامتيازات .
و رواية ” جي ” كانت عنهم .
لكن هل تعتبر نفسك مخبرًا عن تجربتك ؟
أنا لا أشعر بأنني مُخبرة عن تجربتي على الإطلاق .
لا ، لا أعتبر نفسي كذلك .لأنني أومن بشكل مطلق في كون التجربة قابلة للمشاركة . أؤمن بأن المخيلة هي هذه على وجه الدقة التي تبدأ في وقت مبكر جدًا من الطفولة في وقت تماهي الطفل مع لعبة أو مع حيوان ما ، تلك القدرة على التعاطف تبدو أول ثمرة لهذا الإبداع الاجتماعي ، إلا وهو الخيال و بشكل عام ، أرى أن هناك نوعًا من الفشل في الجرأة في الأدب القصصي .
ما الذي أعنيه بذلك ؟
نعم ،
ماذا تعني بذلك ؟
حسنًا ، ما أعنيه هو أن معظم الروايات الآن هي سيرة ذاتية مُتنكرة ، ومن جهة أخرى ، يقول أناس ” بأي حق تكتب عن القرويين ؟ انت لست قرويًا ”

وبالنسبة لك ” بأي حق تكتبين عن الرجال ؟ أنتِ لستِ رجلًا ، أو العكس وهذه الأسئلة حاضرة بقوة . و أزمة الجرأة ، فشل الجرأة هو أنه من غير الممكن الكتابة عن شيء لم يعشه المرء أو لم يراه، لكنني لا أعتقد بذلك .

أتعتقد أن هذا هو سبب وراء كثرة الروايات عن أساتذة الجامعات . نعم ، بالطبع ! بالطبع ! أو عن الكتّاب .
نعم ،
بشكل واضح .
وأخيراً ..
أتعتقد أن لهذا علاقة أيضاً بالمنافسة مع الأساليب الأخرى السرد القصصي ؟ لأننا انتقلنا من أوسع معنى للقص ، ألا و هو القصّ الشفوي .

ترجمة: رزم

الصلـة

الجازي مطر الشمري

(الصلـة)

لطالما كانت الصلاة مفتاح نجاحٍ وتوفيق، أدركتُ ذلك منذ مرحلتي الإعدادية، حينما كنتُ أريد أن أصير مثل الأخريات في هذا العمر اللاواعي، حيث لا تدرك الفتاة أو الفتى على العموم سوى الطيش واللهو متناسين ما لهم وما عليهم. وفي الحقيقة هذا دور الآباء والمربين على الأغلب، فالشاهـد لا أنسى ذلك الوقت الذي تعمدتُ ألّا أصلي؛ لأني شعرت أو بالأحرى وسوس لي الشيطان أن إذا صليت فلن أؤدي الاختبار جيداً، وفعلاً ظلت الفكرة تراودني لفترة، لكن لم يتركني الله فجاهدت نفسي وقمت وصليت وذهبت للاختبار في اليوم التالي وأديته بأحسن مما يكون. وكان يصحبني انشراح صدر يغمرني شعوره إلى الآن وكلمة تلك المعلمة والمديح عالق إلى الآن بسمعي، ومن يومي ذاك وأنا أحرص على ذلك العهـد وتلك الصلة التي بيننا وبين الله. لا أذكر أن لدي عمل أفعله سوى أنني أحافظ عليها، إلى الآن أشعر أن الله في ذلك الوقت حماني من أشياء كثيرة بسببها وبسبب ذلك الاتصال على الرغم من التقصير الذي كان يختلجهـا، وكم فُتحت لي أبواب وتيسرت لي أمور وتوافيق لا أدري بأي عمل سوى تلك الصلاة التي لم تكن تأخذ من الوقت سوى الخمسة دقائق.

جرائم وأسباب

رحاب إبراهيم عجم

جرائم وأسباب
بأي ذنب قُتلت وبأي ذنب قُتل….بعد كل تلك الجرائم البشعة بين الأزواج التي مرت علينا جعلتني أفكر مليًا في الأسباب التي جعلت كلٍ منا متحفز للقضاء على الآخر خاصةً إذا كان شريك حياتك….
سيداتي وسادتي الكرام، عندما يمر على أحدهم طوال الوقت الكثير من المشكلات، والتنمر والتذمر والتحكم والسيطرة بلا أي حق، أن يواجه كل يوم غضب شخص آخر وليس له حق الرد، أن يكتم أنفاسه ويحقن غضبه وعليه الطاعة في أي أمر كان… قد يجعله قنبلة موقوتة تنفجر في أي وقت…هذا ما حدث مع إحدى ضحايا العنف المنزلي ومشكلات “بيت العائلة الكبير” انفجرت الزوجة وهي تحت قبضة يد زوجها التي تلتف حول عنقها -هل تدعه يقتلها خنقًا أم تقتله هي وتعيش- انفجرت قنبلتها ولكن انفجرت حياتها هي الأخرى تباعًا.
عندما يكون هناك احترام بين الزوجين، احترام يمنع تدخل لغط العائلات بينهما تحت مسمى لقب عائلة سيصبح الأمر أفضل… في بلادنا العربية تتعرض أغلب الزيجات للفشل بسبب تدخل عائلة الزوج على الدوام بحكم بيت العائلة، وقد أيضاً يكون بسبب غيرة الأم على ولدها وغيرة السلفات والأخوات وبعض الأعراف التي تختلف من بيت لآخر وأيضاً الحالة الإجتماعية والثقافية…. يجب أن يعترف الجميع بأنه لا يوجد حق لأي شخص بالتدخل بين زوجين وخصوصيتهما إلا برضاهما واتفاقهما هما الاثنين لدخول حكم خارجي بينهما….الإحترام أولاً قبل الإهتمام والحب، قد يحب شخص أحدهم ويهتم به لكن كحيوانه الأليف فينشأ عن ذلك مشاعر الحقد والغل والكره اتجاهه وتتحول أخيراً إلى قنبلة موقوتة وتنفجر…. احترموا بعضكم البعض.
ومن أحد الأسباب الأخرى؛ الاستضعاف عندما يستضعف شخص أحدهم؛ تتولد مشاعر الكراهية على الدوام من المُستضعف، وتتولد مشاعر النشوة والمرض عند الذي يمارس قوته على ضحيته…. فتقتل الضحية الجاني أو يقتل الجاني ضحيته إن حاولت الهرب منه، كما فعل الزوج الذي أرادت زوجته الإنفصال عنه فطعنها ٢٧ طعنة في مقر عملها وهذا السبب لا يندرج على الأزواج فقط.
أن تتابع صيانتك النفسية أفضل من أن تنكرها فتتحول لقاتل.

أن أنتقم

تسنيم

أن أنتقم

الانتقام كصرير أمل عند بعض النفوس الكسيرة، كأنه حاجة ملحة مرتبطة براحتهم ، و ينبع هذا كله من شدة ماكانوا يعانون الأذية ثم الإحساس بالدونية. إن أبسط الأمور التي منها يتحفز شعور الانتقام هو ذلك الخذلان المتواصل في نفس المنتقم ، وقد يختار الانتقام كسلاح لاثبات وجوده.

إن التفكير بالانتقام يأخذ منهم الكثير..استنزاف المشاعر، تهميش العقل ، ثم تكليف القلب بما لا يطيق. فهو يبدأ بالتساؤلات التي لا تنتهي و التي لا يجيبها إلا بنفسه مثل لماذا أتوقف عن التفكير بالانتقام؟ لماذا أسيطر على مشاعري السيئة أمام هذا المؤذي؟ لماذا لا يذوق ما أذاقني؟.. والكثير من التساؤلات التي تؤذي النفس وتغيرها للأسوء من غير أن يشعر بذلك.

كيف نصل لحقيقة أن التفكير بالانتقام مدمر للنفس؟
عندما تصل هذه النفس إلى أعلى مراتب الأذى ستتملكُها القسوة وتتمتع بالتشمت و يغذيها احتقار هذا الآخر ، و قبل هذا كله نسيان أي ذرة خير من المؤذي.

إن الثقة بالله ليست كلمة تقال على هامش الحياة،إنها كلمة وفعل عظيم يغذي النفس بل ويزيدها صرامة. قد يرى البعض أن ثقته بالله هزيلة ، فيُسير النفس إلى الانتقام لوحدها، ولو أنه تمهل وتمعن قليلاً لوجد أن الله تعالى يعلم خبايا البشر إذاً يعلم كيف يمكن محاسبة هذا المؤذي وأين و في أي وقت ، وستجد الله سبحانه يمتعك بالانتقام لك و يذيقك حلاوة النصر، ثم قد لن يسوقه الله تعالى إلى يدك بل تجده خاضعاً للظروف التي كتبها الله له و المهالك التي قد دمر مثلها غيره و ها هي تدمره، فما ألذه من انتقام.

في النهاية.. الانتقام لن يستوفي النفس حقها ، و سنظلمها دون علم، فلنختر الإجابة الصادقة لتساؤلاتنا و لنبتعد عن الانتصار الوهمي.

تسنيم

الفمنيست وحقوق المرأة

رحاب إبراهيم عجم

الفمنيست وحقوق المرآة

تدعو منظمات حقوق المرآة في الوطن العربي بالمساواة بين الرجل والمرآة، والمطالبة بحقوقها في جميع مجالات الحياة.

لكن السؤال الذي أطرحه “ما السبب الذي أدى إلى ظهور النسوية في بلادنا العربية؟!

هل كما يقول البعض بأنها أمور صدرها الغرب إلينا لإفساد المرآة الشرقية المسلمة، أم لأن المرأة تعاني في

الوطن العربي وتُظلم…

في رأيي إنه طالما تلك المنظمات شغلت حيزاً من تفكير المرآة العربية فهذا يعني إنها فعلاً تتعرض للاضطهاد

والظلم لذا ستلاحقها المرأة العربية لتحظى ببعض الحقوق المهدورة حتى وإن كان العسل يُدس به السم.

إذاً كيف ظُلمت المرأة في الوطن العربي!

ظُلمت المرأة عندما تم الإبتعاد عن الدين من قبّل الطرف الأقوى، الدين الإسلامي الذي حمى المرأة من الوئد

رضيعة،وأعطاها حق الإرث بعدما كانت تورث كالجمادات والبهائم، أعطاها الحق في اختيار الزوج والتعلم، الدين

الذى أوُصي عليهاووصفها بالقارورة لفرط رقتها التي لا تتحمل الضغط أو التعنيف في الوقت الذي كان فيه

الغرب يقتل المرأة باسم الدين الذي نشر الخزعبلات المستلهمة من الأفكار العنصرية على أن المرآة عمل

الشيطان.

وأصبحت المرأة في وطننا العربي مجرد جسد وشهوة بلا عقل أو قلب عند الأغلبية ولم يعد لها حق اختيار الزوج

أو التعلم أو أي شيء بحجة إنها ناقصة عقل ودين، وشتان ما بين ما يفهمونه وما يجب عليهم فهمه والمغزى

الحقيقي من ” ناقصة عقل ودين”، والمعنى الحقيقي من ناقصة عقل؛ أنها تستخدم عاطفتها أكثر من عقلها،

فلو خُلقت المرأة كالرجل لكرهت الطفل الذي تلده لشدة ما آلمها، لو كانت المرأة ناقصة عقل كما يفهم بعض

الرجال ما كانت ظهرت عالمات كسميرة موسى وهايدي لامار ومهندسات زها حديد وغيرهن الكثير والكثير، يا

سادة المرأة ناقصة عقل لأنها تحب أكثر مما تفكر بالمنطق، أما ناقصة دين فهذا بسبب طبيعتها التي خلقها الله

بها لتستمر الحياة على الأرض، لكن رغم ذلك ينفر الكثير من المرآة الحيضة وعاملها الجميع على مر الزمان

بطريقة بشعة؛ فكان قديماً يخرجوا المرآة الحيضة إلى الصحراء وحدها ظناً منهم بأنها تنزف نزيف لولد

شيطاني، وفي بعض الكتب؛ كتب عن المرأة بأنها تنزف كل شهر لأنها كائن لعين ويجب هجرها وعدم لمسها أو

إطعامها، بل يجب أن تدارى عن الناس وتطعم نفسها بنفسها، وكثير من الخزعبلات التي أودت بحياة الكثيرات،

والحمد لله أن الإسلام جاء وخلص المرأة من كل تلك الخزعبلات.

لذا من المخزي أن يردد البعض الآن أن المرأة نجسة لذا حُرم عليها في فترة حيضها الصلاة والصوم؛ لا لأن الله

رحمها في تلك الفترة لضعفها؛ لأنها تنزف وتعاني خلالها من الإكتئاب وتغير في المزاج والإرهاق والكسل

والخمول وانخفاض في مستوى الدم، صعوبة السيطرة على الأعصاب، فرط الحساسية، وتعب جسدي أحياناً

يكون لا يُحتمل… ثم يأتي البعض الآخر ويقول إنها تتدلل.

مُنعت المرأة في فترة كبيرة من التعلم بحجة ضرر الاختلاط، لكن لماذا لم تُأسس لها المدارس والجامعات

الخاص بها، لماذا لا يعطونها حريتها مع حمايتها، لماذا لا يُبنى لها المؤسسات الترفيهية الخاصة بها كالرجال…

هل لأنها مرأة، لا تهم!.

كما حُرمت المرأة من اختيار الزوج واختيار التوقيت المناسب لها، حُرمت من ميراثها وذلك لمصلحة تعم على راعيها الذكر.

لم تقيد حرية المرأة في ما سبق ذكره إلا لشعور بالدنو ناحيتها، لذلك أصبحت المرأة في وقتنا الحالي تهرول

خلف أي شعار يحقق لها رغباتها المكبوتة حتى وإن امتلئت تلك الشعارات قد تجور على حقوقها الطبيعية التي خلقت عليها.

الرجل والمرأة متساويان مع اختلاف طبيعة كلاً منهما، فكلاهما إنسانان.

وساد الظلم أكثر عندما ظهر مفهوم آخر للمرأة العاملة على إنها فاسقة تريد الاختلاط بالرجال، إلا أن بحث

المرأة عن العمل لم يكن إلا أنها لا تلتمس الأمان من الرجل في المركز الأول…

فبعض النساء تُهان وتُعنف ويُبخل عليهن باحتياجاتهن المادية وكذلك المعنوية في بيت الزوج أو حتى في بيت

الوالد رغم القوامة التي كُلفت عليهم برعايتهن وتحقيق احتياجاتهن كما عليهم تحقيق الرفاهية على قدر

المستطاع…

وفي المركز الثاني ليس حراماً أن تحقق المرأة أحلامها وتبني كياناً خاصاً بها.

لكن سؤالي الأكبر لماذا كلما نشرت عن حقوق المرأة اتهمتني النسويات بالتخلف والرجعية، واتهمني الرجال

بالنسوية المفرطة؛ لدرجة إنني لا أعرف في أي طرف أكون!؟….

لكن ما لاحظته أن الرجل يفضل أن يمرض على أن يقرأ عن حقوق المرأة، وأن المرأة النسوية يعجبها كثيراً التذمر على كل شيء.

بقلم/ رحاب إبراهيم عجم

معلمة مدرسة

مي الخلاق

عندما تنضج…✅

عندما خلقَ الله هذا الكون جعلَ له مركزاً واحداً، لكنّه بطبيعةِ الحال ليسَ أنت، ولا أنا…

مركزُ الكون بعيدٌ تماماً عن شخصِ أيّ إنسان، لأنّ حياتك لن تتوقف هنا أو هناك…

ستدركُ ذلك عندما يبدأ قطار ُ حياتك بالمضي سريعاً بين المحطات المختلفة…

ستكبر… وستنضج…

ستدركُ حينها أنّ تفاهاتِ الحياةِ وسطحيِاتِها باتت بعيدةً جدّاً عن إهتماماتك..

لن يجذبك ذلك الشخصُ الذي كنتَ تعتبرهُ مركز حياتك وكل آمالك…

ستتوقف عن ملاحقةِ الأشخاص الذين يديرون ظهورهم لك..

لنْ تزعجك الوحدة…

لن تؤثّر فيك الكلماتُ الجارحة التي يتلفّظُ بها اللاهون…

لن تكثرت لقولٍ أو عملٍ أو تصرفٍ لا يروق لك..

ستتعلّمُ كيف تجمعُ كل زوائد وترّهاتِ هذه الحياة وترميها وراء ظهرك… تدوسها بقدميك وتعبرُ من فوقها، وتسخر من ذلك اليوم الذي كانت الكلمة وحدها كفيلةً بتغيير مِزاجك…

ستتنازلُ عن كبريائك وغرورك حين تدرك أنّ هناك الكثيرون ممن هم أفضل منك، ولكنّكَ ستدرك أيضاً أهميّة ذاتِك…

ستبحثُ عن الشيء الوحيد الذي كنتَ تفتقده ولا تعيره أي اهتمام: راحة بالك وسعادتك الداخليّة…

ستصغي لما تُحب وليس لما أُجبرتَ عليه..

ستُجالسُ الأشخاص الذين ستستمعُ معهم، وليس من فُرِضوا عليك…

ستقول الكلمةَ التي ستشعرُ بها، وليس تلك التي ترضي الآخرين…

ستبحثُ عن سعادتكَ في داخلك، بعيداً عن قلوبِ وعقولِ الآخرين حيثُ ظننتها هناك …

ستفخرُ بالإنجازاتِ التي حقّقتها لذاتك دون مساعدةٍ من أحد…

ستُعيدُ ترتيب أولويّاتك واهتماماتك وهواياتك وأفكارك التي بعثرها الزمن…

ستدرك كم فاتكَ من أمورٍ جميلةٍ كان يمكنُ أن تفعلها بينما كنت أنت تبحثُ عن أشياء أخرى لا تشبهك …

ستُمتّعكَ تلك التفاصيل الصغيرة التي كُنتَ تظنّها سخيفة..

لن تخجل من قولِ كلمةٍ تريدها أو فعل عمل يريحك..

ستدرك أن مفتاح حياتك بيدك.. لا بيد غيرك..

وحين تصلُ إلى تلك النقطة من حياتك لن تلتفتَ بعدها إلى الوراء…

ستدركُ حينها أن حياتك أصبحت مكتملة، وأن أيّ شيءٍ جديدٍ يحدثُ فيها هو إضافةً لها، إضافةً فقط..

ستمضي في حياتك وستهملُ ما فاتك..

وستبحثُ فقط عن سعادتك!

مجموعة قصص قصيرة – قُصور المعرفة

نوره بابعير

مجموعة قصص قصيرة – قُصور المعرفة

1- ” حراك الداخل”
يفتش في منافذ الحياة ، يبحث عن قولهُ المستحق عن منطقيته في العقل ، كاد أن يخترق كل ما تلبس به ، تعثر في منتصفها ، كان يدرك حجم الإنصاف و مغالطة الأفكار لها ، لكنه لم يقف وقوف اليأس المعتقد في رؤية الأنظار ، تمكن من خلق المحاولة حين أراد أن يفصل الخارج عنه ، كان يعلم أن محاولة قاهرة مع محيطه الخارجي لكن افتعلها مرة ، وكانت المرة ترتبه و تربت على أكتافه ليكون مستعدا في وقوعالفشل مثل كل مرة ، لكن الإصرار يقتحم هزائمة حتى لا يفقد نفسه في الاستلام منذ بداية أمره ، أصبحت تتكاثر عليه المحاولات و الفشلقائدهما مثل كل مرة ، لكنه كان  ينبت على فشلة بذرة قوة ، يعلم أن الخفي الذي بالداخل لا احد يقيم مصدره سوى يقينهم بحضوره رغمبعدهُ عنه ، كان يدرك كل ما يفعله رغم صخب الأشياء بين خطيئة تقع في مكانة الصواب و صواب يقع في مكانة الخطيئة ، يلزم عليه أن يقربذلك القول حتى يتمكن في جمع الشتات و الصورة التي لم تجتمع في داخله حتى يتفهم ما يبحث عنه منذُ الشعور و التبؤ بذلك ، كان يقتربمن شيء ربّما لا يتضح له ملامحهُ لكنهُ كان شيئاً يجذبه نحوه دون أن يتردد في القدوم إلى ذلك الاتجاه ، شعر أنهُ قد وجدها ، نعم وجدها وتبلل بوجودها في داخله حينها شعر أن لا شيء يعوضه مكانته سوى ذاته .

2- ” غليان الماء  ”
مظلته تعطلت فما عادت تحميه من تبلل المطر ، كاد أن يغرق في تلك المياه، ثم قال : أيعقل أن الماء الذي يرويني ، كاد أن يحبس أنفاسي ،كان متعجبًا فيما أصيب ، متسائلًا عمّا يحدث ، أصبح مشوشًا لا يستطيع أن يحافظ على توازن الأمور ، فقد قدرته في حادثته ، عاريًا من الملامح لا شيء يهدئ رياحه من ذلك ، كان يظن أنه قريب من الوضوح ، لكنه تفاجأ مما انتابه من شعور مختلف لم يشعر به من قبل ، تفصلت الأشياء فوقها ، تبقت الأجزاء تبحث عن أجزاء أخرى ترتب مكانتها عليه ، كان في ارتباكها عالق ، لا يدري كيف يصدق الحقيقة من تلك الكذبة التي كانت تهيئ له الارتياح ، كان يخشى من لحظة أعتراف يلطخ الداخل من خطيئته ، حينها قال ، مظلتي العقلية لم تعد تسعفني في بعض الأحيان و أفكاري لم تعد درع حمايتي في كل الأوقات ، لقد خشيت من حقيقة القول أن العقل لا يؤهلني في المناجاة ، و الأفكار لا تبني لي بيوتًا أسكن بها بكل اطمئنان .

3- ” مخالطة الأنفس ”
كان متكلفًا بإتقان قيد الآخرين ، تحت إطار التقاليد ، لا شخصية له ، كان يفعلها كل مرة ، دون أن يشعر بالضجر  ، كان الرضى يملؤه ،فيما يتجسده من الآخرين و انتقاله بينهما دون أن يسترجع هويته ، أصبحت عادة يمثلها كل يوم ، ولم تعد  تصف انعكاس أفعاله لها ،تمكنت القيود في حصارها و تمكن معها دون أن يتطرق لنفسه ، و لو بزاوية منه ، كان يركض خلف الأشياء ، دون التفكر  أو الإنتباه إليها ،كان يخيط الأسباب ببعضها ، حتى لا يجد رقعة ثوب تفسد مجملها عليه ، كان عميقًا بالآخرين ، إلا نفسه يتعمد في سطحيتها ، حتى لايصدم باختلافه عنهم، ربما اعتاد أن يعيش فوق غيره ، و لا يقوى بأن يخوض شخصية مستقلة ، تفرض على الآخرين مطالبها ، دون أنتتلبس في مخالطة الذوات الأخرى ” كان قريبًا من كل شيء، إلا ذاته بعيدة عنه” .

الأدب الياباني بعد الحرب العالمية الثانية: “حب محرم” نموذج

دعاء تيسير

“أليس الأوروبيون بقسوة روحهم هم مَن تنقصهم الرشاقة الضرورية لفهم الأدب اليابانيّ؟”.

بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً بدأ الأدب الياباني مرحلة إعادة تشكّل أو ولادة، وقف فيها الأدب كطفل يحاول المشي من جديد، وكان طفلاً كاملاً وجميلاً جمالاً آسيوياً خالصاً لا يختلط بشُقرة ولا زُرقة تامة.

كان لا يزال محافظاً على السّحرية السّردية الوصفيّة الأدبيّة الإبداعيّة، واللغويّة الشعريّة الإيجازية لكنه أضاف حينها جزئيّة ستختفي فيما بعد كلياً تقريباً حين يقرر التوجه إلى ما يحمله الأدب الغربيّ والفن الغربيّ ككلّ.

وهذه الجزئيّة بالضبط هي ما جعل الأدب اليابانيّ حينها أكثر الآداب إثارة للاهتمام عالمياً، حافراً له مكاناً مهماً في الأدب: تحليل الطريق النفسيّ والأدبيّ للكاتب خلال عمله وشخصيّاته مشاركاً القارئ تلمّسه واكتشافاته في العتمة.

مثلاً:

بعد أن كان الفنان اليابانيّ بطل الرواية قبل الحرب، يتسلّق جبلاً هائلاً ومتأبطاً لوحته الفارغة ومتأملاً السماء والجبال المحيطة والطبيعة الصخريّة الجبليّة في رحلته، متسائلاً في عقله عن مكمن الروح في الأشياء وصورتها التي قد تظهر بها،

عاد هذا الفنان بطلاً في الرواية بعد الحرب متأبطاً نفس اللوحة الفارغة ومتسلقاً نفس الجبل الهائل، متأملاً وجهه في صفحة السماء والعقبات الصخريّة المعنوية التي تجرح ساقيه القويّتين متسائلاً إن كان هناك روح فعلاً في داخله وإن كان لها حتى معنى كما هو مزعوم!

وبدلاً من أن يصل الفنان في الرواية الأولى إلى قمة الجبل ملتقياً معلمه الشيخ الجليل في موعد قديم بينهما، وفي خلفية معبد بوذيّ مهيب ليسأله بإجلال كيفية الإرتقاء بتعاليم الحياة،

يصل الفنان في الرواية الثانية إلى قمة الجبل ملتقياً صدفةً مالكة وديعة للحمام الشمسيّ الذي يزوره الأدباء والفنانين عادةً في الربيع، فتُصغي المالكة لتساؤلاته النفسيّة عديمة الأجوبة وعُقده الفلسفية العدَمية وقد وجدت نفسها في النهاية واقعة في حب كل نواقصه المشوّشة!

وبينما يُغلق القارئ الرواية الأولى على مشهد اللوحة المنعشة للروح، والتي رسمها الفنان بريشة عريضة يُظهر فيها خلفية طبيعية يتقدمها بريشة نحيلة فتى متأمل يرتدي كيمونو زاهٍ يتناسب مع ألوان الخلفية المتناسقة ويجلس الشيخ متأملاً لوحة تلميذه،

يُغلق القارئ الرواية الثانية على مشهد غرق في انتحار جماليّ مزدوج للفنان والمالكة العاشقة معاً، واللوحة الفنية اليتيمة المعلقة على السانِد تصوّر تقليداً للوحة الشهيد القديس سيباستيان!

ولا يفوت القارئ الفارق في الحشوة بين البداية والنهاية، الفنان الأول كان “هنا” بينما الفنان الثاني لم يكن هنا ولا هناك! والفارق ليس بين حياة الأول وموت الثاني، بل بين الحياة واللاموت!

في المراسلات بين كاواباتا الحائز على نوبل في الآداب وتلميذه ميشيما اللذان اشتُهرا بالضبط في الفترة التي تلَت الحرب، نجد ظلاً واضحاً ومرئياً لميشيما الذي جسّد نقطة التحوّل هذه في الأدب اليابانيّ.

يظهر ميشيما في الكتاب روائيّ أدبيّ واعد وشاب مفتون بالتفاصيل: بالأدب، والتحليل الأدبيّ، والنقد، والشجاعة، والشباب، والفكرة العدَمية للحياة، بالموت والعنف، بالجمال والوجود، وميشيما المفتون بقوة جسده!

“حين يقوّي المرء جسده، يبلغ أوج الشِّعر”.

وفيه أيضاً ميشيما الذي يعشق الشيء حدّ قتله، أو كما تقول الأسطورة اليابانية: يعشق الشيء حدّ أكله!

وفيه ميشيما القلِق، رغم كل ما يظهر عليه من قوة وثقة، من زواجه ومن طفلته الرضيعة التي لا تكفّ عن توزيع الابتسامات كلما رأت والدها، وعلى أطفاله بعد موته، وعلى إبداعه الذي لطالما جعله يمزّق الأوراق ويُعيد تحبيرها.

في “حب محرم” لميشيما، تبحث الشخصيات عن حقيقتها ورغباتها وميولها، وتدرس كل شخصية تأثيرها الخاص على الأخرى بكثير من التحليل والتركيز، بعضها بسحق قيمة الذات كلياً وبعضها بوضع الذات كبؤرة تركيز في وجوه الشخصيات الأخرى.

في الرواية، “شنسوكي” هو روائيّ شهير وعجوز ستينيّ وُلد بالقُبح وعاش بالقُبح، وكان يرى القدَر بعين مرآةٍ له تتربص وتفسخ علاقاته، خاصة المتعلقة بالنساء، كنسيج قماش رخيص.

يكتشف، بفضل وجوه الشخصيات النسوية الجميلة التي عرفها في حياته، أن غياب الجمال كلياً عن وجهه يعني بالضرورة أنّ هناك تناسب حضوريّ جماليّ يُفضي إلى حقيقة أن النساء أيضاً يغيب عنهنّ شيءٌ آخر ألا وهو الروح!

فيمتلكن بدلاً عنها إرادة جامدة تتكفّل بسير حياتهنّ وتصرفاتهنّ بلا معنى للروحانيّة ولا العاطفة التي لطالما وُصفن بها، ولا حتى في أنقى صورها كما الأمومة مثلاً.

وأنّ التعامل معهنّ يجب ألا يتجاوز صورة التعامل مع قطعة خشب أو قطعة لحم من جزّار، مجسم إرادة بلا حب ولا غيرة ولا علاقة معينة.

لكن.. تماماً في الوقت الذي يظنّ فيه “شنسوكي” أن جدار الحقيقة يقول بموته بنفس القُبح، يدرك بالصدفة أن الجدار لم يكن إلا ستاراً ثقيلاً سُرعان ما سيسقط كاشفاً عن “جمال” باهر.

فتقفز له تلك “الفكرة”، فالانتقام الآن بات ممكناً!

وتبدأ الرواية في التحوّل إلى تحليل، نفسيّ وفلسفيّ وأدبيّ، دقيق ومعقد مع سير الأحداث.

تحليل ما كان ليظهر مطلقاً في الرواية اليابانية قبل الحرب.

وإذاً، فالجمال المثاليّ الذي حاول “شنسوكي” تصويره في رواياته يتجسد الآن أمامه في “يوشي” التحفة الفنية التي ظهرت من خلف الستار، والقادرة فضلاً عن الانتقام، على اثبات نظريته المهمة:

التحفة الفنّية تولّد تجربة فريدة للمرء تسلبه حياته العادية وتجبره على عيش حياة ثانية لفترة زمنية محدودة، مثل فكرة الحياة الثانية التي تهبها أي رواية، ويسميها “شنسوكي” بالشكل الأدبيّ،

لكن هل يمكن مطابقة تأثير اللوحة الفنية بحدَث عاديّ من الحياة اليومية؟

يقول:
“تجربة التحفة الفنية وتجربة الحياة تختلفان شديد الاختلاف من ناحية وجود الشكل الأدبيّ أو غيابه. لكن، من خلال تجارب الحياة، ثمة ما يقترب كثيراً من الاختبار الذي تؤمّنه التحفة الفنية. إنه الانفعال الذي يسببه الموت.

نحن نعجز عن خوض تجربة الموت. لكن، بين وقت وآخر، يُقدّر لنا أن نختبر الموت. نختبر الموت من خلال فكرة الموت بحد ذاتها: موت الأهل، أو موت شخص عزيز علينا. باختصار، الموت هو الشكل الإبداعيّ الوحيد للحياة.”

يوضّح الاقتباس السابق فكرة ميشيما الغريبة التي تربط بين الموت والجمال.

أيضاً:

” ازدواجية الوجود هذه [الموت والحياة، الوجود والعدم] هي التي تقترب إلى اللانهاية، التحفة الفنية التي ترسم جمال الطبيعة.”

وهذا يعني عنده أن وجود الأشياء بالتالي يُثبت بغيابها:

“اثبات الروح بغياب الروح، اثبات الأفكار بغياب الأفكار، واثبات الحياة بغياب أي حياة. هذا في الواقع ما كانت عليه المهمة المتناقضة للتحفة الفنية.”

كيف إذاً سيستغل “شنسوكي” جمال “يوشي” للانتقام بتطبيق نظرية اللوحة الفنية؟

وفي نهاية الرواية كيف سينتهي هوس “شنسوكي” وهذيانه الشديد بالجمال والانتقام؟

وهل سيجد في ذاته، هو العجوز الستينيّ الذي خبر الحياة جداً في الواقع وفي الأدب وبكثافة، عمقاً مختلفاً لم تمنحه بعد سنواته الستين؟

وما نهاية “يوشي” بالضبط، هل سيبقى الجمال هنا مجرد حجر على لوحة شطرنج الانتقام والموت؟

أليس للجمال وجوداً آخر حقاً؟

سنجد أيضاً أفكار أخرى تحليلية يطول شرحها تُثبت على التحوّل سابق الذكر.

ويذكّرنا التحليل البارع جداً في الرواية بأسلوب كاتب آخر غربيّ من نفس الجيل وسيظهر بعد ميشيما: كونديرا.

لكنّ ميشيما سيخالف إيجاز كونديرا إلى تفصيل شديد وسيسمح للصبغة الشرقية الواضحة في رواياته بأن تطغى على التحليل: “في الشرق، يبدو الموت أوضح بكثير من الحياة.

وإذا بالتحفة الفنية [الشرقية]، نوع من الموت المشذّب، وهي القوة الوحيدة التي تسمح للحياة بالارتقاء.”

وفي مشهد لشخصية “يوشي” يصف الكاتب وجه الشرق بعد الحرب، متعباً خالٍ من التعابير، مشلول الأطراف، يحمل ذنوبه على ظهره، ورذائله الكثيرة فوق رأسه، يتاجر بالمخدرات ويسرق ويحتال بالمال وبالكاد يرى أين يضع رجله.

وعلى حدّ تعبيره: للأدب الياباني “نكهة” لا يدركها الغرب.

“لا يُشفى المرء في غالب الأحيان، من الفكرة المتسلطة إلا بعد أن يترجمها واقعاً، غير أن الشفاء من الفكرة لا يُلغي سببها.”

انتحر ميشيما عام ١٩٧٠م في انقلاب عسكريّ شهير.

ومن عباراته الأخيرة التي وردت في المراسلات:
“قد لا يكون عام ١٩٧٠ إلا مجرد وهم أحمق”.

“ما أخشاه ليس الموت، وإنما ما قد يصيب شرف عائلتي بعد موتي”.

“كل قطرة زمن تسيل تبدو لي ثمينة كجرعة نبيذ فاخر، وفقدتُ تقريباً كل اهتمام بالبعد المكاني للأشياء”.

حُمّل انتحاره معانٍ كثيرة.

فهل أراد ميشيما اثبات أفكاره القديمة بغيابها، اثبات نفسه بغيابها، أم التخلص من الفكرة المتسلطة؟! لكن.. :
“الانتحار سواء أكان لهدف شريف أم قبيح، هو فعل يرتكبه العقل بحق نفسه، ولا يترافق أي انتحار مع تفكيرٍ مفرط.”

كلمات مفتاحية لأدب ميشيما وحياته: النقاء، الكمال، الليل، الجمال، الموت، العدَم، الشباب، الشرق، اليابان، الأدب، الاكتشاف.

انتحر دازاي “المتشائم غريب الأطوار” قبل ميشميا بعدة أعوام، وانتحر كاواباتا المعلم بعد تلميذه بعامين.