«قتلى في بلاد العجائب» تفكيك عالم المتناقضات في النفس البشرية.

«قتلى في بلاد العجائب» يُحلِّق مرجان أوديك بالقارئ في رحلةطويلة يتردّد صداها في ثنايا الرواية فتثير بين أفراد الشرطة، الباحثين عن المشتبه فيهم، علامات استفهام كثيرة حول حوادث قتلغامضة.

ربما تكون الرواية هي النوع الأدبي الوحيد القادر على طرح أسئلةعن ماهية الحياة الإنسانية بحُلوها ومُرّها، وهي بذلك تمتاز عنغيرها من الفنون الأدبية الأخرى بأنها تتيح للروائي، بالإضافة إلىإمكانية الغوص في أعماق النفس البشرية والدخول إلى عوالمالإنسان بخيرها وشرها، الكشف عن حالة الشخصية المحوريةالمحمّلة بعُقَد نفسية ناتجة عن ضغوطات اقتصادية تعانيها داخلالمجتمع، وعلاقة ذلك بدلالة الفضاء المكاني، مسرح الجريمة، فيمحاولة منه لتأطير صورة المشهد المخيف والإفصاح عن الحالةالمضطربة للجاني الذي يسعى الى تقويض أسس وقواعد الأمنالمجتمعي من حيث كونها وحدة سيميائية تتحرّك داخل النظامالروائي السردي وتقود، في نهاية المطاف، الى الكشف عن وقوعالجاني تحت طائلة المسؤولية الجنائية أو إمكانية انتفاء المسؤوليةعنه.

يستثمر مرجان أوديك موهبته الأدبية وإحساسه بمختلف المشاعرالإنسانية في الكتابة عن أدب الجريمة؛ وذلك لما يحمله هذا الأخيرمن إثارة وتشويق وغموض وتعقيد في التفاصيل وتفاصيلالتفاصيل وفقاً لخيال كاتبنا عند تناوله للأحداث، وما يترتب علىذلك من استعراض لمسرح الجريمة وأساليب المجرم في إخفاء الأدلة، ومحاولات الشرطة المضنية في إماطة اللثام عن دوافع الجريمةوملابساتها عبر تقنيات علمية وراثية في علم الإجرام. فمسرحالجريمة الذي يشكل البنية الأساسية لنصنا السردي جاء ليعكسجغرافيا مكانية مخيفة أثَّرت تأثيرا مباشرا في إنتاج حزمة منالدلالات السلبية: الخوف، القلق، الفزع، المعاناة. هكذا يتشكل البعدالدلالي لمسرح الجريمة عبر السياق الزمني من حياة الجاني. كمايكشف مسرح الجريمة في هذا العمل الروائي عن خصوصية المكانالذي يحمل بين ثناياه آلام الفقد والخوف من القتل.

إن طبيعة العلاقة بين المكان والحالة النفسية لبطل الرواية، فرضتنفسها على القارئ وجعلته يغوص مع الكاتب في أعماق النفسالتي يمكن أن تدفع الإنسان الى ارتكاب أفعال اجرامية على مسرحلا فوضى فيه ولا صخب ويُخيّم عليه صمت كصمت القبورفأكسبته بعدا رمزيا جردت الضحايا من حولها وقوتها وجعلتهمينساقون الى حتفهم بأرجلهم. استطاع مرجان أوديك أن يطرحرؤيته عن نفس الإنسان غير السوي؛ إذ يشير عنوان الرواية إلىدلالة المكان المحورية «بلاد العجائب»، والدور الذي يؤديه المكان فيالسرد، إلى جانب شخصية الفتاة «أليس» التي استمر حضورهاعلى الرغم من اختفائها.

بطل هذه الرواية زوج فقد زوجته ومتّهمٌ بقتلها، ورجال الشرطةيبحثون عن قاتل هذه السيدة، وعن قاتل أوقتلة سيدات أخريات تمّ قتلهنّ في ظروف غامضة. يغوص الروائي الفرنسي مورجان أوديكفي أعماق النفس البشرية بدافع المغامرة لسبر أغوار أسرار هذهالجرائم، وأساليب المجرمين، وما يصاحب ذلك من عناصر تتعلقبالتشويق والإثارة؛ إذ تختلط مشاعر الخوف بالغضب، وذلك لجذبالقارئ وجعله متابعاً للقصة من بدايتها حتى نهايتها. ستختفيالسيدة ألِيس زوجة أندرسن المحامي المقيَّد في نقابة المحامينبباريس منذ ثلاث سنوات. كل الناس من حوله يطرحون نفسالسؤال: هل قتل أندرسن زوجته؟ يفقد أندرسن الذاكرة نتيجةلتعرضه لحادث قوي بعد أيام قليلة من اختفاء أليس. لمدة ثلاثسنوات وهو يحاول جاهدا استعادة ذاكرته. يتم رصد مبلغ كبيرمكافأة لمن يدلي بمعلومات عن الزوجة المختفية. يتسلَّم أندرسنرسائل نصية غامضة علي شكل أسئلة مشفرة تفيد بأن زوجته لاتزال على قيد الحياة. يستأجر الزوج المهموم مخبرا خاصا من أجلالبحث عن زوجته الشقراء التي أصبح اختفاؤها لغزا محيرا. موتعدد من الضحايا الأخريات اللاتي تم قتلهن أصبح أيضا لغزامحيرا. باءت محاولات الزوج في العثور على زوجته كما باءتمحاولات رجال الشرطة بالفشل وأصبحت محاولاتهم كمن يبحث عنقطة سوداء في غرفة حالكة الظلام. ما الذي حدث للزوجة؟ ألا تزالحية؟ أم أنها ماتت؟ وما علاقة اختفائها بوقائع مقتل نساء أخريات؟

استغل الكاتب أيضاً اختفاء هذه الشخصية عن الأنظار ليُعبّر، منخلالها، عن رؤيته حول ملابسات اختفاء فتيات أخريات ضمن مناخقاتم تحاول فكّ طلاسمه ضابطة شرطة سابقة، وتتداخل محاولاتهاالبائسة مع محاولات فاشلة لفريق من شرطة مكافحة الجريمة. ولأنرواية «قتلى في بلاد العجائب» تنتمي إلى عالم القصص الجنائيالواقعي شديد التعقيد، فقد استثمر الكاتب مجال أدب الخيالالإجرامي است ثماراً ذكياً من أجل أن تكون عقدة قصته لغزاً غامضاً تستدعي القارئ النموذجي القادر على فك شفراته.

من جانبه، يحاول كاتب رواية «قتلى في بلاد العجائب» تفكيك عالمالمتناقضات في النفس البشرية، وقد تمكن من أن يجول بالقارئ بينجريمة وأخرى؛ وهذا ما أضفى على الرواية نكهة خاصة جعلتمسرح الجريمة يمثل شكلاً من أشكال القبح، الذي يثير في القارئمشاعر الشفقة على الضحية، والنقمة على الجاني.

د.أيمن منير

المصدر: جريدة الجزيرة

العائق هو ما يجعل الرغبة أكثر وضوحًا وظهورًا .. من مذكرات إرنستو ساباتو

يوم الأحد، قبل المغادرة.

 

كانت الأمتعة جاهزة في وقت مبكر من الصباح. أشرب القهوة وألقي نظرة على الصحف. وقرابة الساعة التاسعة صباحاً، ستحلّق الطائرة التي ستعيدنا إلى بوينس آيرس.

وبعد ذلك، كما هو الحال في أوقات أخرى، حينما أشاهد الأخبار، أو أقرأ الصحف، أو أستمع إلى الناس؛ غالباً لا أفكر كثيراً فيما يُقال، ولكن فيمن يظل صامتاً؛ فهو من يقول أشياء كثيرة. أفكر في الكلمات التي لم تعد تردد على المسامع؛ مثل: التنفس، والخير، والتلقائية، واللامتناهي، والروح؛ تلك الكلمات التي استخدمناها في شبابنا على الأقل عند إهانتهم وانتقادهم، ولكن -رغم كل ذلك- كنَّا نقدرهم، وعرفنا وشعرنا بثقلهم وخطورتهم.

بعد ذلك، وخلال سنوات، يتم استعادة أحدهم، ولكن يعتريني حينها -في كثير من الأحيان- حزن لا يوصف، حزن يشوبه رعب؛ بأنهم لن يعودوا موجودين بين أيديهم لكي تتمكن الأجيال الجديدة من معرفتهم، ومعرفة وجودها.

 أرى أنهم اختفوا من الثقافة، بكل بساطة ليسوا موجودين.

هناك مثل هذا الاستبداد «للواقع» التاريخي، والسياسي، والاقتصادي؛ حيث لا يتم حتى توقع حدوده.

ومع ذلك يفتقر الإنسان اليوم، ربما كما لم يحدث من قبل في مجال الشعر الأسطوري الذي يحمي الوجود. أنا لا أشير إلى «الأفكار» بل أقصد أن أشير إلى وعاء يمتلئ بالحياة، ومؤامرة إلى أين تذهب بذرة الوجود، وعن كيفية إظهار ذلك. لا أعرف كيف أشرحها.

طالما أُلقيت اللوم على احتياجاتي إلى المطلقة التي تظهر من ناحية أخرى في شخصيتي. هذه الحاجة المُلحة تنفذ عبر حياتي كقناة أو نفق؛ مثل الحنين إلى الماضي، الذي لم أكن لأصل إليه أبداً. ربما تكون بعض الأشياء المُلحة، والعلامات غير المفهومة؛ مثل الضباب الخفيف في الأفق اللامتناهي، صامتة لمطالب الرجال.

حتى لآلام الرجال، حتى لآلام الأطفال.

لمحات تتساقط في المساء، لحظات من النشوة في نهاية عمل تتجاوزني، أو في مواجهة الهاوية. حنين لا يمكن تحمله من المفاهيم، ولكن بلا شك يقول ذلك، وقد أظهر له كل تجعد في جسدي، وكل تلجلج في نبرة في صوتي.

الحنين إلى الماضي هو شوق، ذكرى المشاعر اللامتناهية الموجودة في العالم. لا يمكنني شرح ذلك؛ لكن الذاكرة المتسقة بدت كأنها طريقة للوجود. نظراً إلى أننا لم نختبرها أبداً، فإننا نميلُ إلى وضعها في مرحلة الطفولة، ربما لإعطائها قسطاً من الراحة.

لم أستطع أبداً تهدئة حنيني إلى الماضي أو تسكينه، أو ترويضه، وأقول لنفسي إن هذا الاتساق كان وقتاً في طفولتي؛ كنت أتمنى لو كان ذلك، ولكن لم يحدث. كنت فتى شديد الحساسية، كما قلت بالفعل، وعرضة للمخاوف والشكوك وعدم اليقين. لذا إن الشعور بالحنين إلى الماضي بالنسبة إليّ هو شوقٌ لم يتحقق أبداً، ولاسيما هو ذلك المكان الذي لم أتمكن من الوصول إليه أبداً.

ولكن هذا ما أردنا أن نكونه؛ هذه هي أمنيتنا. إلى درجة أنكَ لا تستطيع أن تعيشها، إلى درجة أنك تصدق أنها خارج الطبيعة. إذا لم يكن الأمر كذلك، فإن أي إنسان يحمل في نفسه هذا الأمل في الوجود، هذا الشعور بأن شيئاً ما مفقود.

 إن الحنين إلى الماضي هذا الشيء المُطلق يشبه خلفية غير مرئية، وغير معروفة، لكننا نقيس بها كل الحياة، وإلا فإننا نسميها «محدودة لوقت وزمان معلوم»، كما لا نسميها «محدودة» لامتلاك ذراعين فقط. هناك شيء داخلنا يرفض تقبل الموت. ربما، كل ما نفعله ضد هذه الأدلة، وقولنا «لا» هو «نعم» لذلك الشيء الآخر، ولذلك الانتماء إلى حياة بلا موت، من دون عنف كثير، ومن دون حروب… تلك الحياة التي هي صورة لطريقة حياة مغايرة للعيش، ولحياة أخرى، حتى لو كنَّا نعيشها فقط على الهامش أو في وضع سلبي. أفتقدها، وأشتاق إليها… وكذا أفكر في كافكا الذي قمت برسم عدة لوحات له! يبدو أن كل أعماله قد تخطتها تلك الأمنية فيما يعرف بالمطلق، وهي رغبة مدفونة تحت الوساطات التي يضعها النظام لتغطية أعماق الإنسان، والتي لن تجعل أحداً يؤمن بـــــــ«المطلقات» الدوجماطيقية  اليقينية. لكن لا شيء -في عمله- يمكن أن يمنع شخصياته من الاستمرار في التمني، وفي الاستمرار والتمسك بالأمل… ولا حتى الفشل.

ربما كافكا، مثله مثل أي شخصٍ آخر، قد وضع موضوع القرن العشرين بأنه: العقبة. وعلى الرغم من ذلك؛ مثل حجر في نهر، إن هذا العائق هو ما يجعل الرغبة أكثر وضوحاً وظهوراً. كالحجر في مجرى النهر.

 

 

 

مرّ من هنا ، قصة بعنوان : خدوش على ظهري ، غازي

قطّب الطبيب حاجبيه في ذهول، بدأ يتلمس أماكن الخدوش بحذر كي لا يؤلمني، لكنه آلمني جدًا، صرخت بقوة أوقعت القلم الموضوع على حافة الطاولة، قال: “لا بأس، سأكتب لك ورقة للمضمد، أريدك قويًا لتتعافى بسرعة”، نهضت دون أن أجيبه، ألبسني أخي ردائي الداكن لنخرج.

دخلنا غرفة التضميد التي حفظتها، سلّم المضمد عليّ كما يفعل غيره، تكفّل أخي بالإجابة هذه المرة: “أنا في عجلة، هل يمكنك إنجاز الأمر بسرعة من أجلي؟”، يفعل ذلك في كل موقف يكلمني فيه الناس، بعد ذلك عدنا إلى البيت ودخل معي، فلم يكن هناك مشوار ولا عمل ليُنجز، لكنه يعلم أني لا أحب الرد على الغرباء.

ظل ممسكًا يدي بقوة كما يفعل عادة، لا يحب الأمر كثيرًا، لكن أمي دائمًا تطلب منه ومن أخواتي ذلك، فحرارة جسمي إن غضبت لا تنخفض إن بقيت في نفس المكان، أحب أن أخرج دون إذن أو إخطار، لا أنوي العودة إليهم، لكنهم يجدونني في كل مرة.

دخلنا للبيت؛ فاستقبلتني أمي بذراعين مفتوحتين، تجاهلتها وذهبت لألعب سباق السيارات في المضمار الدائري البلاستيكي، لا أملّ هذه اللعبة أبدًا، بل لا أتركها إلا حين أحن للعبة الدوّامة المربوطة بحبل صغير، أو حين أجد كرسيًا قريبًا من الخزانة؛ فأصعدها وأقفز إلى الأرض، ثم أعيد الكرّة مرات ومرات، تألمت من بعض قفزاتي، لكن سعادتي فيه تشجعني لتكراره.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يضربني بها أبي، في كل مرة يغضب مني؛ يكرر ضرباته القاسية حتى تصل لهذا الحد، وفي مناسبتين سابقتين زاد قوة ضرباته، فاستدعى الطبيب المحقق المناوب في المستشفى، وفي كلا المرتين يخرج بلا خطيئة، أوقّع ورقة يسمونها تنازلًا، أبي يأمرني بالتوقيع، أمي وأخي يصمتان، أما الضابط فيستمر بالإلحاح بصوت منخفض لئلا أفعل، لا أعلم ما الأمر، أكتب اسمي نهاية الورقة، فلا أرى ابتسامة إلا من أبي، ثم نخرج من تلك الغرفة، ونعود للبيت لتبكي أمي، ويغضب أخي.

أنا أتحمل جزءًا من اللوم، فحين يسألني الضابط لا أجيب، يظنني في البداية خائفًا من غضب أبي، يحاول طمأنتي بأن الأذى لن يمسني لو تكلمت، بل كان يقسم أن يحميني من أي سوء قد يطالني، كل هذا في سبيل وضع حدّ لما يسمّونه: (تعنيف الأبناء)، لكني لا أتكلم؛ لأني ببساطة لا أريد.

أنا أكره أبي، لا أدري لماذا لا يريد أن يفهمني، رأيته مرة جالسًا في الصالة؛ اقتربت منه وارتميت في أحضانه، أمسكت بيده الكبيرة، وضعتها على رقبتي من الخلف كي يتلمسها وينزل بلمساته إلى ظهري، يفعل ذلك إن كان مزاجه بخير، ونادرًا ما يكون كذلك، لكن في تلك المرة أمسك شعري بكلتا يديه وهزّني، بصق عليّ وصفعني، ثم قذفني بعيدًا عنه، لم أبكِ… فضرباته لم تؤلمني، أحسستها لمسات ثقيلة قليلًا، لكنها غير مؤلمة، نزل ماء من عينيه، أخفاه بسرعة ومسحه، صرخ في وجهي لأذهب إلى غرفتي، هذه المياه تخرج من عيني أحيانًا، لكني لا أصرخ في وجه أحد، أمي كذلك لا تصرخ، فقط أبي يفعل.

دخل عليّ الغرفة بعد دقائق، جلبه صوت التكسير والضرب إليّ، هكذا أفعل منذ كنت طفلًا، إما أن أحظى بما أريده، أو أكسّر كل شيء حولي، الأشياء في غرفتي لا تنكسر، بعكس تلك الموجودة في الصالة التي يُدخلون إليها الغرباء.

أضرب رأسي بالحائط وبالأرض، لا أتألم أبدًا، بل أراهم هم الذين يبكون من ضربي لنفسي، فأزيد الضرب كي ينتبهوا لي، يمسكوني بقوة ويتلمسون يدي وظهري وكل جسمي، أشعر بالراحة قليلًا، أصرخ بشدة إن لم يفعلوا ذلك.

حاول إمساكي ومنعي من الضرب، دفعته دون أن أنظر إليه وأسقطته أرضًا، يريد أن ينتقم لنفسه مني، لكنه لا يستطيع، أنا أضخم منه جسمًا، عمره كبير، وجهه مجعد ومرتخ، أما أنا فأستطيع حمل الكرسي بيد واحدة، وأدفع بعض الأغراض بسهولة.

تدخلت أمي أخيرًا، وساعدها أخي، صرختْ في وجهه: “ابنك توحدّي، افهم”.

 

الجمال والقبح .. الجمال هو الحقيقة

الجماليات المجسمة

في مقالةٍ نُشرت في الدورية الأدبية السياسية المراجعة الفصلية (Quarterly Review) لـ شهر نيسان/أبريل 1900، تتناول السؤال في مقالة تولستوي (Tolstoi) «ما هو الفن؟»، اغتنمتُ الفرصة لألمح إلى علم جديد في الجماليات أراه قادراً بالفعل على حسم بعضٍ من الحجج التي ساقها الروسيُّ الكبير، ويمكن أن يُظهر مصالحةً بين الفن والحياة تختلف عن استنتاجاته المتقشفة. يهدف موضوعُ الصفحات التالية إلى توصيف بعض هذه الميزات الجمالية الجديدة لتحديد المشاكل المختلفة في سعيٍ تدريجي لحلها، وللإشارة إلى المسارات الدراسية التي قد تفضي في نهاية المطاف إلى حلها.

لقد قلتُ إن هذه الجماليات جديدة، وعليّ أن أضيف أنها لا تزال أوّليّة ومليئة بفرضياتٍ غير مبرهَنة بعْد، وبثلّة حقائق تحتاج إلى أن تُربط بِصلةٍ جليّة مفهومة. لا يمكن للأمر أن يكون خلاف ذلك. وفي حين أن جماليات الماضي كانت، في الأساس، فرعاً من الفلسفة الاستدلالية الصرفة، التي تعتني بالأحرى بتماسك المنطق أكثر من اعتنائها بالتحقق من وجود الشيء، وهي لهذا تُعدّ فلسفة نظامٍ منهجي وعقائدي؛ إن جماليات اليوم، على نقيض ذلك، ليست كما يشرح كاتبٌ مفرد أنها ما ينتج عن اتفاقٍ عرَضي بين مختلف الطلاب، وأنها التقارب -الحتمي أكثر منه الفعليّ- بين أنواعٍ عدة من الدراسات. وسبب هذا الأمر أن المشكلات المتعلقة بالجمال والقبح، والمتعلقة بتلك الأنشطة الفنية، التي تزيد من مشكلات جمالياتِ أحدهما وتقلل من مشكلات الآخر -هاتين المشكلتين في الجماليات- تتم مقاربتها من جهتين، ومن مجموعتين من الباحثين الذين غالباً ما تجهل مجموعتهما وجودَ المجموعة الأخرى، وغالباً أيضاً ما يجهلون المسائل ذاتها التي يضيّقونها، في ما بينهم هم وشركائهم المجهولين لهم، لتصبح وجوداً قطعياً محدداً.

هذه الدراسات غير المترابطة، التي تتجمع بشكلٍ لا واعٍ في العلم الجديد للجماليات، هي نفسها حديثة وغير ناضجة. إنها دراساتٌ تشمل، على التوالي، علمَ العقل، الذي لم يَفصل نفسَه عن الفلسفة العامة إلا مؤخراً فقط، وأيضاً مختلفَ العلوم التي تتناول مقارنةَ الشكل الفني وأصلَه وتطورَه، وهي لا تزال تعتمد على دراسات الأعراق البشرية الإثنوغرافيا ودراسة المجتمعات والثقافات البشرية الأنثروبولوجيا من ناحية، وعلى علم الآثار وما يسمى خبرة التذوق من الناحية الأخرى. ومن ثم من المهم معرفة أن الموادَ اللازمة لعلم الجماليات،

 

التي خلّفها الماضي لنا، موجودةٌ كحقائق متفرقة، وملاحظات جزئية وفرضيات غير مكتملة، مبعثرة في أعمال الفلاسفة مثل “أفلاطون” و”أرسطو” و”كانط” و”شيلر” و”شوبنهاور” و”سبنسر” من جهة، ومن جهة أخرى، في أعمال متخصصين في بعض فروعٍ فنية محددة مثل “وينكلمان” و”موريللي”، أو في أعمالِ مرافِعين عن قضيةِ فنان معين مثل “راسكين” في «الرسامون الحديثون» (Modern Painters)، و”نيتشه” في «قضية فاغنر» (Wagner Case). وإلى جانب هذا، تتبقى كمية كبيرة من الحقيقة والنظرية القابلة في المحصلة للتطبيق على جمالياتٍ في كتبٍ حول الأطفال والبدائيين والمختلّين، وكل الأدب بأكمله الذي يمثله، بما يثير الإعجاب، الأساتذةُ “إرنست جروس”، و”يرجو هيرن”، و”هنري بلفور” أما فيما يتعلق بالأساليبِ التي سيتم توظيفها، والمقارباتِ التناظرية التي ستُتّبع، بل الأسبابِ الكامنة وراء هذه الظاهرة قيد النظر، فسيتم تعلّمها بشكل أساسي من علماء الأحياء، وعلماء النفس، وطلاب التطور العقلي والجسماني، الذين يسيئون، في أغلب الوقت، فَهمَ وجود الجماليات ذاته، أو يزدرونه.

الهدف من ورقة البحث الحالي هو إظهار بعض النقاط التي تنحو لتلتقي عندها كل هذه الدراسات المنفصلة، على أملِ أن تسهم محاولةُ رسمِ المجال الملتبس للجماليات في تعريف حدوده ومساراته، ومن ثم في تطويره المنهجي الشامل.

……..

تتضمن المشكلة الأولى لعلم الجمال تعريفاً للصفة التي تأخذ منها هذه الدراسة اسمَها؛ وتعريفاً للدراسة نفسها. لا نحتاج إلى أن نشقّ على أنفسنا، أكثر مما نفعل مع مسائل تاريخية أخرى، بمغامراتِ كلمة «الجَماليّ aesthetic»، وتحوّلِها من صفةٍ فلسفية مرتبطة بالإدراك إلى صفةٍ حالية ترتبط بالفن (art) وبالجميل (beautiful). ولكن من المهم أن يقرر المرء في ما إذا كان ينبغي أن يعدَّ الكلمةَ، تبعاً للاستخدام الخاطئ لها حالياً، صفةً تشير إلى الفن  (art)أو صفةً تشير إلى الجمال (beauty)؛ فاستخدامُ المعنَيين لهما تناوباً قد ساهم، لدى معظم الكتّاب، بدرجة لا يستهان بها، في تشويش هذه الأسئلة المعقدة أصلاً. لَئِن كانت صفة «الجَماليّ aesthetic» تُطلَق على «ما له علاقة بالفن»، وتعني كذلك «ما له علاقة بالجمال beauty»، فيجب، إذاً، تحديد المفهومَين وسلسلة لاحقة بهما من المناقضات الذاتية. لا يمكن لأحدٍ، على سبيل المثال، إنكار أن المسرحية والرواية والشعر هي، بشكل عام، من طبيعة الفن، لكنّ أحداً لا يمكنه إنكار أنه يوجد فيها كلها، إضافة إلى ما يستميل رغبتنا إلى الجمال، ما يستميل أيضاً مطالبَ مختلفة تماماً في النفس البشرية، مثل مطلب النشاط المنطقي، ومطلب إشباع الرغبة الأخلاقية، وكل ما هنالك من تحفيزٍ عاطفي، من الأجلف إلى الأرفع؛ ناهيك عن مطلب التعبير عن الذات، والبناء، والصنعة الماهرة. كل هذه المطالب، المتضمَّنة في كل شكلٍ من أشكال الفن، هي بطبيعة الحال مَطالب للسعادة والمتعة، لكنّ بعضَها لا يتناغم مع إنتاج الجمال وتصوره، بل مع القبح.

 الآن، إنْ كانت صفة «جَماليّaesthetic » مرادفة لـ «فنيّ artistic»، وتستحضرُ أيضاً دلالة ما هو «جميل beautiful»، فسوف يتم الخلط والتشويش بين متعة الفن وبين المتعة المستمدة من الجَمال (beauty). سيصل الأمر بنا إلى المغالطة التي تقول إن الجمال يعتمد على الوضوح المنطقي، أو المهارة الآلية، أو اللياقة العملية، أو الأهلية الأخلاقية، أو الدقة العلمية، أو الاهتمام المسرحي؛ أي فعلياً الجمال الذي له كل الصفات ما عدا صفة عدم القبح. وبهذا إن صيغة كيتس (John Keats) -«الجمال هو الحقيقة، والحقيقة هي الجمال»- إما أنها تحدّ من معنى الحقيقة وإما تُوسّع معنى الجمال ليشمل الكثير من العناصر غير الجميلة إطلاقاً. إن استعمال عالِم الجماليات لكلمة «جميل beautiful»، لأيّما ميزة في العمل الفني تشعره بالإشباع والرضى، هو السبب الرئيس إلى الآن في أن مشكلةَ الجمال والقبح قد سُلبتْ احتيالاً من أي دراسةٍ تُناسب أهميتها وصعوبتها. لذلك من الضروري العاجل، كخطوة أولى في كل مجال الجماليات (aesthetics)، أن تكون هناك تعبيرات منفصلة للتعبير عما «يتعلق بالفن art»، و«عمّا يتعلق بالجميلbeautiful »؛ ونظراً إلى أننا نمتلك مسبقاً صفةً مفهومة على التمام وهي صفة «فنيّ artistic»، إذاً هناك ما يكفي من الأسباب التي تحدونا لنُفرد للصفة الأخرى «جَماليّ aesthetic» تسميةَ ظاهرةِ الجمال وأيضاً القبح؛ إذْ إنّ له علاقة ارتباطٍ وثيق اللزوم بهذه الظاهرة، بدلاً من تعقيد بحوثٍ هي مسبقاً كثيرة التعقيد بسبب التغيير الحاصل في المعاني أو إدخال كلمات غريبة غير مألوفة.

ربما تبدو المناقشة الآنفة مجرد نزاعٍ حول المصطلحات، بَيد أننا سنجد أن الحال ليس كذلك، وأن تعريف كلمة «جَماليّaesthetic » يقدم دليلاً على جملةِ سؤال «ما هو الفن، وما علاقة الجميل (beautiful) بالفن؟» سنجد أن مطلب الجمال (beauty) هو الذي يؤهل جميع المطالب الأخرى، التي قد تسعى إلى الإشباع من خلال الفن، ومن ثم إنه يوحّد، بوصفه عاملاً مشتركاً في الاختلاف، بين كل الغرائز والأنشطة غير المتجانسة التي تذهب لتؤلف الفروعَ المختلفة للفن.

في الوقت الحاضر استُبدل هذا الرأي من الجميع بنسخةٍ من النظرية التي تطرّق إليها أولاً “شيلر”(Friedrich Schiller) في عمله “رسائل حول الجماليات”، ثم أعاد إحياءها السيد “هربرت سبنسر” (Herbert Spencer)، والتي تنص على أن الفن يتمايز عن التوظيفات الأخرى للنشاط البشري لكونه نوعاً من اللعب. تنسحبُ نظريةُ “اللعب” هذه على جميع فروع الفن المختلفة، لكنها تركز بشكل خاص على الفروع الأدبية وتتجاهل، كقاعدة عامة، تلك الفروع التي يكون فيها الجمال متحداً مع المنفعة، وتربط ُبين الفروع بخاصيةٍ مشتركة هي التأمل المنزّه عن الحرص، أما حقيقةُ هذا الزعم، سواء كانت صحيحة أم خاطئة، فهي أن هذه الفروع لا تخدم أي هدفٍ عملي بل تشكل نوعاً من العطلة في الحياة. وأضاف السيد سبنسر إلى نظرية “شيلر” عن الفن، بوصفه نوعاً من اللعب ويستمد قيمته من تحرره من أي حرص، فكرةَ أن الفن، مثله في هذا مثل جميع أشكال اللعب الأخرى، هو نتيجة لتخزين الطاقة التي لم تجد تنفيساً لها بطرقٍ أخرى، لكنّ الفرضية المحدِّدة «لغريزة اللعب» هذه، والتي يكون الفنّ فيها مجرد واحدٍ من تجسيداتها، تغاضت عن حقيقةِ أن جميع الأعمال الكفؤة تقريباً، وبالتأكيد كل الأعمال الإبداعية، مهما توجهت إلى غاياتٍ عملية، لا بدّ أن تعتمد على فائضٍ من الطاقة، وأنها -تقريباً في كلٍّ منها- تحضر المتعة المختصة بالصرف المحسوب لمثل هذه الوفرة في الطاقة.

ولأن البروفيسور جروس ليس فقط أحد أبرز علماء الجماليات(aesthetics)  الأحياء، بل هو أكبر سلطة مرجعية لما يخص اللعب  (Play)وفق هذه الطريقة، فإنه قد أضرّ كثيراً بنظريته الخاصة في الفن، أقصدُ عندما اضطر، في كتبه المتميزة حول لعب الإنسان ولعب الحيوان، إلى الاعتراف بأنه لَمِن الخطأ التحدث عن أية «غريزة لعبٍ» بهذه الطريقة، وأن اللعب ليس نشاطاً محدداً، بل هو مجرد نمطٍ من الأنماط قد يُقضى فيه كثيرٌ من الأنشطةِ البشرية أو معظمها؛ ولذلك رفض البروفسور جروس صيغة “الفن بوصفه لعباً” في نظرية السيد سبنسر. بَيد أنه بعد أن ألغى الفكرة السبنسرية عن “فائض الطاقة”، قام ببساطة بالعودة إلى نظرية “شيلر” القائلة إنّ الإمتاعَ المستقى من الفن يرجع إلى خاصيةٍ تميز جميع أنواع اللعب الأخرى، وهذه الخاصية هي الإحساس بالحرية أو العطلة.

لكنّ هذا بالتأكيد قلبٌ للترتيب الصحيح للحقائق، فنحن لا نستمتع باللعب لأن اللعبَ يجعلنا نشعر بالحرية، بل على العكس، نحن نحصل على متعةٍ أكبر وأكثر صفاء أثناء اللعب؛ لأننا أحرارٌ في التوقف وإجراء تغيير؛ أي فعلياً نحن أحرارٌ في فِعل ما لا نستطيع فعله أثناء العمل. لقد أجرى البروفيسور “جروس” نفسه، في صيغة لا تُنسى سنعرض لها تواً، ربطاً بين الإمتاعِ الخاص الذي يُسعى له عبر الفن وبين نشاطٍ مختلف تماماً عن اللعب وفق ما تَقدّم. وآمل أن أبيّن أن التعارضَ، الذي أقامه “شيلر” بين السكينة والراحة في الفن من جهة، وقسوة الحياة من جهة أخرى، هو بعيد كل البعد عن أن يكون من الأساسيات. آمل، بما أعانتني عليه بعضُ فرضيات الأستاذ “جروس”، أن أطرح أن الحالةَ الجمالية هي نقيض ذلك؛ إذْ إنها حصيلة كل أفعال الانتباه الصحية المستمرة والمتكررة؛ وأن الفن ببساطةٍ، وبعيداً عن إقصائنا عن الإحساس الحقيقي بالعيش، ينتقي ويكثف ويضاعف حالات الصفاء التي مُنحنا منها عينةً نادرة جداً، وقليلة جداً، ومختلَطة للغاية، في سياق حياتنا العملية العادية.

وهنا يحضُرنا مرة ثانية التمايز بين لفظتَي فنيّ(artistic)  وجماليّ (aesthetic)، وضرورةَ تخصيص المصطلح الثاني لوصف انطباعاتنا حول الجمال والقبح؛ إذْ بعد أن وجدنا أن التوظيفَ الفني لبعض الملَكات لا يمكن له أن يتمايز إنْ سميناه لعباً، سنجد أن أرقى الأعمال الفنية قد أُنتجت عندما وُظفت الأنشطة التعبيرية والمفيدة والمنطقية وغيرها من الأنشطة في أقصى توظيف عمليّ لها، ومع إقصاءٍ حتى لكل ديكور الزخرفة، ما قد يفسَّر كزوائد طُفيلية من اللعب على العمل. لا يوجد لعبٌ عندما يحسّن الخزّافُ أو المهندسُ المعماري شكلَ إناء أو مبنى إلى أن يصل إلى ما نسميه جميلاً (beautiful)؛ ولا عندما يرتب كاتبٌ جُملَه، أو قاطعُ حجارةٍ نقشَه، بطريقةٍ لا نتعلمها فحسب بل نشعر بالسرور في سيرِ التعلم. وإنْ كان التحررُ من الاعتبارات العملية داخلاً، دونما ريب، في مثل هذه الصناعة، التي تجعل الأشياءَ الضرورية جميلةً، فإن تلك الحرية ليست هدفاً لهذه العملية الفنية، بل هي شرطها الضروري؛ إذْ نحن لا نتصرف بحريةٍ من أجل التمتع بالحرية، بل نمتع أنفسَنا لأنه حدثَ أن كنّا أحراراً لنفعل هذا.

لذلك، إذا أعطينا مسمى الفن لكل محاولةٍ من هذا القبيل تضيف صفة أخرى إلى جانب صفة المنفعة على الأشياء المفيدة أو الأعمال المفيدة، فهناك، إذاً، طبيعة مشتركة يتمايز بها الفن عن جميع الأنشطة الأخرى، سواء في العمل أم اللعب. وهذه الطبيعة المشتركة، التي تجعل اللعبَ أحياناً فنياً، وأحياناً أخرى تجعل العملَ فنياً، والتي إنْ غابتْ فسيؤدي غيابُها إلى إقصاء اللعب والعمل على حدٍّ سواء خارج فئة الفن (art)، هي بالضبط ذلك الطابع القائم بذاته الذي أرغب في أن أخصص له كلمة «جماليّ aesthetic». إنْ نحن تفحصنا جميعَ فئات الفن، بغض النظر عن هدفها الرئيس، سواء كان بناءَ شيءٍ مفيد، أم شرحَ شيءٍ مهم أو تسجيلَه، أو التعبيرَ عن عاطفةٍ، أو إشباعَ رغبةٍ، أو فعلَ شيءٍ ما سواء كان عملياً أم غير عملي، مفيداً أم مؤذياً، فسنجد أن تحقيق هذا الهدف الرئيس يتمايز من خلال محاولةِ تجنب القبح قدر المستطاع، وتحقيقِ أكبر قدر ممكن من الجمال (beauty) الذي تسمح به الظروف الخاصة. ربما يكون المبنى أو الآلة المطلوبة خرقاء في أجزاء منها لا شك؛ وربما يكون الشخص المراد رسم صورته قبيحاً بالطبيعة؛ والحقيقة المراد توصيفها ربما مثيرة للاشمئزاز؛ وربما تكون الغريزة التي تبغي الإشباع وحشيةً أو بذيئة؛ ورغم ذلك، إنْ كان المبنى أو الآلة، أو الصورة، أو الوصف، أو الرقص، أو الإيماءة، أو الثوب، سيؤثر فينا بفنيّته، فلا بد بالضرورة أنه يمتلك، بدرجة أو بأخرى، الميزة الخاصة بما يكون جميلاً (beautiful). وفي حالة العكس، حيثما لا يكون مطلبُ الجمال (beauty) واضحاً جلياً، وحيثما لا توجد محاولة لإحلال الجميل محل القبيح، في الخط مثلاً أو في الفراغ أو اللون أو الصوت أو الكلمات أو الحركات، هناك لا تنطبق كلمة فنيّ (artistic)، بل تستخدم بدلاً منها عباراتٌ مخالفة لها في التمييز، مثل عبارة بارع تقنياً، أو معقول منطقياً، أو مناسب عملياً، أو مقبول حسياً، أو مثير عاطفياً، أو يستحق الثناء أخلاقياً، أو أي من النعوت الأخرى التي تصف جدارةَ العمل البشري أو اللعب البشري. الفن، إذاً، هو إظهارٌ لأية مجموعةٍ كانت من الملَكات، وتعبيرٌ عن أية غريزةٍ كانت من الغرائز، واستجابةٌ لأية حاجةٍ كانت من الاحتياجات، وهو كفوء بأية درجة كانت؛ أيْ بمعنى أنه منضبط وقابل للإضافةِ إليه وتعديلِه أو انعطافِه، في طاعةٍ لرغبةٍ منفصلة تماماً عن أي من هذه، ممتلكاً أسبابه الخاصة ومعاييره الخاصة ومقتضاه الخاص؛ حيث رغبته هي الرغبة الجمالية (aesthetic). أما الميزة التي تلبي هذه الرغبة الجمالية فهي ما نسميه الجمال (Beauty)؛ أما الصفة التي يجتنبها أو يقلل منها فهي القبح (Ugliness).

نأتي الآن إلى المشكلة الرئيسة الثانية في مسألة الجماليات: ما الجمال (Beauty)؟ أَهو صفة محددة بعينها، يسعى الجميعُ إليه قاطبة بدرجة أو بأخرى، ويدركونه، أم الجمال مجرد التعبير عن علاقات متغيرة معينة، عن علاقات ملائمةٍ أو تجديدٍ أو تقليدٍ، وهكذا دواليك؟ يستمر عدد من المتخصصين في الجماليات، كتفسيرٍ كلي أو جزئي، في القول إن الجمال هو تكيف مرئي لغاية مقصودة سواء كانت بشرية أم إلهية. نجد هذه الفكرة موجودة ضمناً، على سبيل المثال، في إصرار “راسكين” فقط على الضروريات المفيدة والعملية في العمارة. ورغم ذلك، إن هذا التفسير له القليل من المصداقية الفلسفية، وقد تم دحضه سابقاً وبشكل معمق من قِبل “كانط”، وللتذكير فقط إنه مَن أسهمت قدرتُه على التمييز والحكم مساهمةً مهمة في مجال الجماليات. هناك شرح آخر للجمال يخلط بينه وبين المهارة الفنية أو الوضوح المنطقي، اللذَين يحتاجهما الجمالُ ليظهر؛ وهناك فكرة أخرى تتكرر بشكل أكثر خفية ضمن التوجه مؤخراً لجعل سهولة الإدراك ليست شرطاً للجمال، بل معادِلاً للجمال وتساويه؛ فعملية التعريف بالصورة مثلاً أو التمثال، وفق مثل هذا التبسيط للخطوط والأسطح المستوية، لكي يصبحا مفهومَين بسهولة بمثل هذا الترتيب، تعني كأننا نجعل الصورةَ أو التمثال يدفعان لنا ثمن فهمنا لهما. ومن الصعب للغاية تفادي هذه النظرة الخاطئة حالياً؛ حيث توجد في أقصى درجات الفهم الفني دقة بين المشتغلين بالجماليات.

أما الفكرة البديلة، أي حتى يكون الشيءُ جميلاً تجب علاقة فريدة قائمة بذاتها بين الأشكال المنظورة والمسموعة وبيننا نحن أنفسنا، فيمكن استنتاجها من المقارنة بين الأعمال الفنية مِن أنواعٍ وفتراتٍ ومناخاتٍ مختلفة؛ إذْ إن مثل هذه المقارنة ستُظهر أن نِسَباً محددة وأشكالاً ونماذجَ وتكوينات تميل نحو التكرار حينما لا تعيق الفنَّ رغبةٌ واعيةٌ تتعمد التجديد. سوف تُظهر مثل هذه المقارنة أن الجنسَ البشري يفضل دائماً أن يكون أثاثه وحاجياته المنظورة، مثلاً، مجسِّدةً لبعض ميزات خاصة من التناظر وعدم التناظر، ومن التوازن، وأيضاً تأكيد جانب على آخر؛ وهو دائماً، عند التصرف بشكل عفوي ومن دون تَفكّر، يعدّل الأشكالَ التي يوفرها الواقعُ له، أو توحي بها المتطلباتُ العملية إلى أن يطابقها مع أنماطٍ متكررة محددة. مثل هذه الدراسة المقارِنة، التي بدأت للتو في أيامنا هذه (والفضل يعود جزئياً إلى التسهيلات الميكانيكية مثل صبّ قوالب الأشكال والتصوير الفوتوغرافي)، يجب أن تصبح جوهر علم الجماليات كله. لا يمكن إلا لدراسة عمل الفن أن تجيب عما ينضوي تحت اسم الجمال، وما ميزات الشكل الرئيسة التي تعتمد خاصية الجمال عليها. وإلى أن نعلم هذا، سنستمر في التكهنات المبهمة أو حتى غير المجدية للفلاسفة السابقين حول الكيفية والسبب اللذَين يؤثر بهما الجمالُ فينا بالمطلق، وسنستمر في التخمينات العشوائية لنقاد الفن حول الأسلوب الذي تأتّى فيه الحصول على مثل هذا الجمال.

اعتمدت هذه الدراسة المقارنة للفن –أي مقارنة فئة بفئة، عمل بعمل، تفصيل بتفصيل- حتى الآن، بشكل أساسي، على المحاولات التي بُذلَت للتأكد من هوية مؤلّفي الأعمال الفنية الفردية، على سبيل المثال، محاولات علماء الآثار من نوع “جوستاف فيلهلم فورتفانغلر” (Gustav Wilhelm Furtwängler)، و”جوزف لوي” (Josef Löwy)، و”ويكو” (Wickow)، ومحاولات ذواقة الرسم من مدرسة “موريللي”. ومن ناحية أخرى، كان مما ساعد هذه الدراسة بشكل كبير هو الدراسات والتوضيحات، التي قام بها عدد قليل من الفنانين العمليين، مثل النحات “أدولف فون هيلدبراند” (Adolf von Hildebrand) في كتابه (حول الشكل النحتيّ)، ومثل “راسكين” نفسه، ليس فقط في كتاباته، بل في الرسوم البيانية والرسوم التوضيحية التي أضافها كتكملةٍ مساعِدة لكتاباته.

من المحتمل أن يتم رفد هذه الدراسة للبنية الحقيقية للعمل الفني، عاجلاً أم آجلاً، ليس فقط بالمقارنة المنهجية للشكل كما يوجد في الفن -فن الحائك أو الخزّاف أو صانع الأسلحة، وبالقدر نفسه فن المهندس المعماري أو الرسام- وكما يوجد في العمل، رفيعاً كان أم متدنياً، بل أيضاً عبر مقارنة الشكل الموجود في الأجسام الواقعية والشكل المعدّل بالفن أو «البعيد عن الأشكال الواقعية». في أرقى المنحوتات، من العصور القديمة والقروسطية، لا تؤدي العضلات، على سبيل المثال، دوراً وفق النظام الحركي الواقعي، فالكثير من حقائق بنية الجسم يجري الابتعاد عنها لمصلحة البحث عن سطحٍ وكتلةٍ تروقان للفنان. وبطريقة مشابهة، يتعارض منظور؛ أي تكوين الصور العظيمة مع تكوين المنظر الواقعي؛ وعلى هذا النسق، تُجعَلُ الأشكالُ الحيوانية والنباتية متناظرة وإيقاعية ومنسجمة مع المقتضى الجمالي الذي يمكن رؤيته على حد سواء في صنع السلال من عملِ البدائيين، وأيضاً في المنحوتات القوطية من عملِ نحّاتي الحجارة.

 لقد استخدمتُ أكثر من مرة تعبيرَ “المقتضى الجمالي” (aesthetic imperative). بطبيعة الحال هذا المقتضى يكون مضمراً ضمناً في كل التقاليد الفنية، ويوجه ممارسةَ كل حِرفيّ وكل مدرسة فنية، بل حتى لو تمكنا من أن نترجم إلى مصطلحات منطقية؛ أي إلى كلمات مفهومة، ذاك غير المنطوق به، وتلك الخيارات التفضيلية التي لم تجرِ صياغتها، والتي يخضع لها كل فنان ويطيعها، عظيماً كان أم قليل الشأن، فسنعرف وقتئذٍ بدقةٍ ما هو الجميل وما ليس بالجميل، وأين تكمن الميزة الأساسية لكل عملٍ فني وكل مدرسة، لكن لأنّ الممارسةَ الفنية هي التعبير الخاص والوحيد للجمال، ولأنّ الأسبابَ التي تحدد مستوى الحِرفيّ تنبع بالضرورة من اللاوعي –طالما أننا نربط الوعي بالمنطق والكلمات- فإنه لا يمكن أن نواصل دراسة ماهية الجمال إلا بالأساليب العلمية للمقارنة والحذف. نستطيع أن نرمز لهذه الطريقة، وأن نجعل منها مثالاً بتطبيقها على الفن البصري، فنأخذ صورة فوتوغرافية لموضوع واقعي، وصورة أخرى معدّلة فنياً لهذا الموضوع نفسه، ثم نمحو ونضيف ونعدّل في الصورتين إلى أن تصبح كلتاهما متشابهتين، باتّباع نظام التحليل والتوليف العملي نفسه وتطبيقه على مختلف أنواع الأعمال ودرجات تَميزها؛ فنحدد من خلال هذا الحذف والدمج ما الذي يمثل ما نسميه “جمالاً”، ومن ثم نتثبت من صحة استنتاجاتنا عن طريق المقارنة المعالَجة إحصائياً لـلأشكال الفنية المتكررة، التي ستُثبت قبولَها عالمياً حال وجود انتظامٍ متماثلٍ في تكرارها.

 ولكن ما السبب الذي يجعلنا نفضّل ترتيباً محدداً للخطوط والألوان والأسطح والأصوات، ناهيك عن الكلمات؟ الجانب النفسي من الجماليات، واعتماده المتبادل على كل أسئلة العلوم العقلية، يبدأ بهذا السؤال الذي سيكون تعبيره العلمي كالآتي: ما هي أولاً حقائق الوعي، وما هي ثانياً العمليات الفيسيولوجية، التي تترافق مع الرضا والإشباع من أشكالٍ معينة لكونها جميلة وتكمن وراءها، وتترافق مع عدم الرضا من أشكال أخرى معينة لكونها قبيحة؟

 هذه المسألة، التي حلها النهائي مشروطٌ، بشكل طبيعي، بتقدم علم النفس عموماً -لا شك- تطرح نفسها مجدداً فيما يتعلق بكل نوع من الفن، وكل حرفة تنطوي على مسائل الجمال والقبح. بَيْدَ أنّ هذه المسألة معقدةٌ للغاية في الأدب بفعل اهتماماتٍ أخرى، منطقية وعاطفية وعملية، تؤلف القسم الأكبر مما هو جزءٌ فقط من الفنون جميلة؛ وتحجب وضوحَها مسائلُ تفصيلية لم يتم تفحص أيٍّ منها بشكل صحيح، وتتعلق بالعمل المباشر للكلمات. حتى جماليات الموسيقى -إنْ أمكن القول- لا تزال في حالة أكثر تخلفاً بسبب الصعوبة الكبيرة في المراقبة الذاتية والخلط الذي لا يُرتجى منه خيرٌ في المصطلحات المستخدمة. لذلك، وعلى الرغم من قيمة أشخاص مثل “ستومبف”(Stumpf)  و”هانسليك” (Hanslick) و”دورياك”(Dauriac)، لم ألحظ كثيراً من التقدم منذ التحليل البارع للراحل “إدموند جورني” (Edmund Gurney)، الذي دحض عملُه العظيم (قوة الصوت) كل ما وجِد من التفسيرات، لكن دون إحلالٍ لأية تفسيرات جديدة محلها. على أنّ الفنون الجذابة للعين قد أثبتت طواعيةً أكثر للتحليل النفسي، فقد خضعت أكثر بكثيرٍ للفحص العلمي بفضل الخبراء المتذوقين، وعلماء الآثار، وعلماء دراسة المجتمعات والثقافات البشرية. وفيما يتعلق بهم، من الممكن بالفعل أن تظهر المسارات الرئيسة التي تتحرك وفقها الملاحظةُ والفرضيةُ؛ أي الاتجاه الذي سيكون ملزِماً لكل فئات فلسفة الفن بأن تذهب فيه.

حكايات “هدى جعفر” عن الحاجة لامتداد السينما فيما تكتب

حكايات “هدى جعفر” عن الحاجة لامتداد السينما فيما تكتب

بقلم: عبير اليوسفي

 

في إحدى المقالات التي كتبتها الناقدة السينمائية هدى جعفر، اقتبست جملة جاءت في رواية الإيطالي إيتالو كالفينو: “هل كنت سأكتب جيدًا لو لم أكن موجودًا؟”، لتسقطها على شغفها تجاه الكتابة السينمائية منذ حديثها عن نفسها أرادت هدى أن نقرأها بعيدًا عن محاولات تقييمها بصفتها امرأة يمنية اكتسحت الكتابة عن السينما وترتدي الحجاب الأسود في وقت لم يكن اليمن يهتم بهذه الصناعة، ويفتقر لهذا النوع من الكتابات، ونجحت في ذلك. مؤخرًا، أعلنت عن صدور مجموعتها القصصية، التي حملت عنوان “اليد التي علقت المرآة” عن دار جدل، ويعد هذا الإصدار الأول لها. تأتي المجموعة في سبع قصص قصيرة، تنوّعت في شخوصها وعناصرها ومواضيعها، رغم غلبة المصير المأساوي للشخصيات.

منذ القصة الأولى، وعند المشهد الأول، تلتقط ذاكرة الكاتبة السينمائية، فتأثيرها حاضرٌ في التفاصيل الصغيرة التي تواجدت. تستفتح المجموعة بـ”الباب وأنا وعنايات أبو سنة”، لتشدّ انتباهك نحو الدمية القطنية والسجادة الأصفهانية والمسرح الحاضر بجريمته، التي أفزعت طفلة ذات خمس سنوات، في مشهد كان وقعه مضحكًا على المشاهدين، بينما فتحت السكين المستقرة في منتصف جسد الراقصة البابَ نحو الأسئلة: “هل يكون الحضور عن طريق الغياب؟ أين ذهبت عنايات أبو سنَّة بعد السكِّين التي اخترقَتها؟ من أيِّ باب انسلَّت؟ في أي قصة كانت قبل هذه القصَّة؟ لماذا سمح المشاهدون للضحك بأن يأخذهم بعيدًا عن جثة الجميلة المقتولة؟”.

يظهر اليمن بحقائقه الواقعية ومجتمعه الخانق، في ثلاث حكايات وثلاث مدن مختلفة. الأولى صنعاء في “حديث الساعات” وجبالها فج عطان ونقم، وأحياؤها وبيوتها، وفتاة يمنية ترقص على أنغام أبو بكر سالم وتحاول فهم علاقتها بالزمن غير المستقر حين قادها عملها لمصادفة امرأة مجهولة تطالبها بسرد القصة التي تخصها. ليمتد السرد من نهار صنعاء حتى فجرها وينتهي بتساؤلها عن العلاقة مع الزمن “اليوم الغريب الذي انتهى بقصةٍ عن ساعةٍ قديمةٍ، صنعاء التي ابتلعت ساعتي، أو صنعاء التي ألقمتها ساعتي، أنا وصنعاء، من مِنَّا أوقف ساعة الآخر؟”. ثم تدرك حالما تطأ قدمها خارج المنزل، أن لا شيء سيعود كما كان، فثمة تغير في زمنها، لتقلب تلك الليلة مسار حياتها، وتصبح الساعات المعلقة على الحائط هي الشيء الوحيد الذي يؤكّد حقيقة ما حدث.

على خلاف مدينة صنعاء وزمنها الحاضر، ظهر مجتمع القرية بزمنه القديم في قصة “شعرة على صحن العالم” بمدرجاته الزراعية، وبيوته الحجرية ولهجته البسيطة. استردت الكاتبة واقعية حياة الريف من تفاصيل صغيرة ارتبطت به، ونجحت في تصوير تفاصيل المرأة الريفية التي تعمل في الأرض عبر جليلة “كانت جليلة قوية وجميلة، لها عينان صغيرتان، وأنف أخنس، وفلجة بين الأسنان، وبشرة لم تغيرها الشمس بسبب الكُركم الذي تفرده على وجهها كل يوم، وقد انسابت خصلات شعرها المتعرِّج البُنيِّ من تحت غطاء الرأس”. ومن الشطر الشمالي الذي يقع تحت حكم الأئمة الزيدية، تنتقل البطولة بكل خفة إلى عدن، التي تقع تحت حكم الإنجليز، المنفتحة على مختلف الجنسيات، وشهقة “علي” عند اللقاء الأول: “وعندها رأيتُ الله؛ رأيتُ بحر عدن. وفي تلك اللحظة بالذات من حياتي، في تلك الثانية التي شهدَتْ عيناي الموجات العالية تضربُ الصخور، شعرتُ بيدٍ تكسر كلَّ الأشواك داخلي”.

يختزل السردُ التغيراتِ السياسيةَ والمجتمعية التي شهدتها عدن وحروبها الداخلية وتأزم العيش فيها، ممّا دفع عليًّا للهروب منها، لينتهي مشهده الأخير داخل دكان.

تتلاشى القرية في ذاكرته لتحل عدن مكانها بتفاصيلها التي استوقفته “بنايات نظيفة متجانسة الألوان من خمسة وستة وسبعة طوابق، شوارع عريضة مُعبّدة، دكاكين تبيع كل شيء من البِسباس (الفلفل) الهَرري، وحتى السيارات الأوروبيَّة، شوارع وأزقة يرتدي الناس فيها ملابس مختلفة عن الزقاق المُجاور: فساتين إنجليزية، سواري هنديَّة، فُوطًا يرتديها الرجال حول خواصرهم تزينها مربعات كثيرة، طواقي زنجبارية، بنطلونات من أقمشة سميكة، كعوبًا عالية تدق الشوارع طوال اليوم، ملابس إفريقية فاقعة، دروعًا شفافة تكشف خصور النساء الدقيقة، وشومًا بدويَّة على الجباه والذقون. عدن كانت بلادًا لكل شيء، وأنا كنتُ في قلب هذا الكُلّ”.

لا تغيب السينما عن الذكر، فقد ظهرت في مشهدين ضمن معجزات عدن الكثيرة، وأهمّها “البحر والسينما”؛ الأول عن تجربة “علي” حين دخلها للمرة الأولى، والآخر مشهد بكائه بخيبة أمام سينما “هريكن”. يختزل السردُ التغيرات السياسية والمجتمعية التي شهدتها عدن وحروبها الداخلية وتأزم العيش فيها، مما دفع عليًّا للهروب منها، ينتهي مشهده الأخير داخل دكان، ودون أن يدرك أنّها الليلة المأساوية، يقرر إعداد الزربيان الذي امتهن صنعته في عدن.

في “صلاة مسعود”، تقابلك تعز بعتبة منزل عاقل الحارة، والقطط الخمسة التي تلتهم بقايا الطعام، أربعة رجال يناقشون الحدث المهم، ومسعود أمام المرآة يتساءل: “ما الذي جعل حَلَمة النهد هذه تنبتُ فجأةً على جبينه!”، تتضح لك معالم المدينة بسوق الشنيني والمجلية وشارعها ٢٦ سبتمبر أو شارع الحب الذي يضج بقصة “جبهة مسعود”. وبعد أن سعى في الأرض بحثًا عن علاج لتلك الحلمة البارزة، يقترح الشيخ طه على مسعود أن يغطيها بقطعة قماش، كون “جسد المرأة عورة” وجبينه تتزين بحلمة لأنثى لذا وجب سترها، لكنه يقرر كسب المال عن طريقها بالتقاط الصور معه. يشتهر مسعود بحدثه الغريب، وبين التساؤل إذا ما كانت تلك حلمة رجل أم أنثى، يسيل الحليب ذات يوم ليؤكد أنوثتها، ويجد مسعود نفسه يُلقمها لطفلة ألقيت في القمامة بعد أن جرته العجوز “جمالة”، ثم يأتي الحدث الذي أفزعه ليدرك أنّه الحلمة لم تكن فقط للأطفال المنبوذين، بل للرجال الذين ليس لهم إمكانيات لمس امرأة.

“تعز غافية في إشفاقٍ ككلبٍ ينتظر كرم سيِّده، تعز تأتي بإقدامٍ كسيّدٍ يعرف أنَّ عبيده وكلابه في انتظار كرمِه، المدينة تنظر إلى مسعود من علٍ، مسعود ينظر إلى الأشياءِ من جبينِه لأول مرَّة في عمره الذي تجاوز الأربعين، ما هذه المدينة التي تقتر على كل شيء، لكنَّها تمنح حَلَمة فائضة عن الحاجة؟!”، في اللحظة التي تصالح مع وجودها على جبينه واعتبرها جزءًا منه لا يحتاج إلى التغطية، يختفي ويظل الناسُ يتناقلون مصيره المجهول.

جاءت هذه الحكايات عن حاجة امتداد السينما في كتاباتها، مما جعلها تمتاز في إطعام عملها نصوصًا ذات مشاهد تصويرية بديعة.

ما يميز أسلوب هدى جعفر، هو أنها كونت علاقة وثيقة مع القارئ في نبش ذاكرته للمدن والأماكن والأغنيات، وملامسة أزماته الداخلية عبر شخوصها، فضلًا عن نجاحها في وصف أبسط الأشياء التي تستدعي الحنين. وصفت الروائح وأعطتها صورة شاعرية، كالضيفة الخضراء التي لها رائحة الكتب المهجورة، والحقيبة الزرقاء التي لها رائحة الهجران، والبيت الذي له رائحة القماش الذي لم يجف جيدًا. كما أنّ للمدن روائحها؛ وصفت رائحة عدن، “الأبخرة المُتصاعدة من قدور الطبخ التي تحمل نكهات البصل، والبهارات، واللحوم، والسميد، والسكر، فكانت رائحة عدن، تطيرُ حتى تترسخ في ذاكرة الغيم وقمم الجبالِ، حيث كان يقف والداي ذات يوم”، وكانت رائحة تعز تفوح من الجبن البلدي، “الرفوف الخشبية مشبعة برائحة اللفَح المُستخرج من أمعاء صغار الماعز، الهواء بارد، وجبل صَبِر يبدو من بعيد، كظهر رجلٍ يغادر مطأطئ الرأس؛ لأنَّه فضَّل تفحُّص الأرض على تأمل السماء”.

عودة إلى مقالها المنشور على مجلة المدنية، صرحت عن شغفها في اختيارها الكتابة عن السينما، بأنه “نتيجة لإشباع حاجة بداخلي”، وربما جاءت هذه الحكايات عن حاجة امتداد السينما في كتاباتها، ممّا جعلها تمتاز في إطعام عملها نصوصًا ذات مشاهد تصويرية بديعة. وقد تبدو الكتابة مع شخص يمتلك هذا الشغف، خاليةً من التعقيدات، فاستدعاء تفاصيل المكان يأتي من ذاكرة أتقنت التقاط الأحداث اليومية، ممّا خلق الواقعية على الشخصيات حتى يخيل أنك تقرؤها وتراها، وكما هي شخصيات نجيب محفوظ التي عاشت في ذاكرة أعماله، تعيش فجر وبدور وعلي ومسعود في ذاكرة قارئ هدى جعفر.

 

المصدر: مع خيوط

هنا القاهرة : تسريد الوصف، الإيقاع البطيء والانتقال المفاجيء، التوغّل في أغوار البنية النفسية للشخصيات والمراوحة بين بناء النموذج ورسم النمط.

نافذة على الإبداع – د. محمد صالح الشنطي

تضم هذه المجموعة ثماني عشرة قصة، الأولى منها ( هنا القاهرة) القصة الرئيسة في المجموعة التي عنونت بها المجموعة، وهو عنوان لافت لأنه يشير إلى الفضاء بمفردتيْه (هنا) اسم الإشارة إلى المكان متضمناً اللحظة الزمنيّة المقترنة بلحظة الإشارة، ثم (القاهرة) الاسم العلم بما ينطوي عليه من عنصر بشريّ وثقافي وحضاريّ، فهذه الجملة (العتبة الرئيسة) تختزل الرؤيا، وتومئ على نحو مبكّر إلى لحظة التنوير بعد تتبعٍ متأنٍّ ومخاتل لتطور الحدث الذي يتماهى مع الوصف الدقيق لحركة الشخصية الرئيسة، حيث الاندماج و توحّد الوصف و السرد في اللوحة التي تحدّد ملامح الشخصيّة (البروتريه) الذي تشكّل عبر الملاحظة الدقيقة للشخصية في حالة ترقّب يقظ، وجدل متواصل بين الرؤية البصريّة و الباصرة الذهنيّة، التقاط رهيف وصبور لكل حركة، فضلاً عن الإمعان في تضاريس الجسد وملامح الوجه، واشتغال الذهن في إيقاع دؤوب في التفسير و التأويل و التوقّع والتعبير عن الهواجس ومضيّها في ارتياب واثق انتظاراً لحدوث المفاجأة، و بناء المفارقة والاشتغال على نسج الحركة الداخلية التي تستثمر ذلك كله في إذكاء لحاسّة التشويق لدى المتلقي ؛ لذا لجأ الكاتب إلى استبطاء الحركة عبر الاستغراق في المتابعة وإدارة آلة التفسير و التأويل، وإذكاء ظاهرة التوتّر و الوصول بها إلى مشارف الترقب الفادح للنهاية، ثم التدخّل المباغت والانعطاف عبر استدعاء مشاهد جديدة تكسر أفق التوقّع و الانتظار لتفجّر لحظة التنوير و إحداث المفارقة الكبرى التي تقلب المشهد رأسا على عقب،فكان الانسحاب المفاجئ من ساحة التوقع، والارتقاء المفاجئ من حضيض الرذيلة إلى ذروة الفضيلة.
الموقف شديد الوضوح حيث استكمل الكاتب شروط ( الانطباع الموحد) بوصفه مقوّما أساسيّا لفن القصة القصيرة كما ورد في أدبياتها عند إلان إدجار بو وتشيكوف ونقادها من شكري عياد إلى رشاد رشدي إلى الطاهر مكي و الشاروني وغيرهم ؛ وهذا واضح كما جاء في صفحة الإهداء ؛ ولكن حِرَفيّة الكاتب و مهارته تتبدّى في قدرته على التشكيل الجمالي البارع الذي تبيّن في استطاعته تسخير الوصف لخدمة السّرد أو بمعنى أدق (تسريد الوصف) وهي ظاهرة لافتة ؛ ثم توظيف الإيقاع والعمل على تبطئته لحشد عناصر التشويق و تفجير المفارقة، واستثمار التحوّلات المشهديّة و الانتقالات المكانيّة لحقن اللحظة بعنصر التوتر وصولاً إلى لحظة التأزّم، حيث بلغ الحدث ذروته، ثم الانحدار السريع نحو النهاية ولحظة التنوير، لقد بدا جليّاً أن الكاتب عزف على وتر اللغة وتطويعها فبدت ليّنة طيّعة استنقذت الموقف من آلية الاعتياد وروتينية المألوف إلى مستوىً يثير الدهشة و يحقق المفاجأة ويفجّر المفارقة,
ينتقل الكاتب في قصصه بين هذا اللون من ألوان البناء الفني المحكم إلى لون آخر في السياق ذاته الذي يريد من خلاله أن يطوف بقارئه في فضاء المكان الذي اختاره لقصص المجموغة ؛ فمن النسج البطيء على نول الفن القصصي القصير إلى الانتقال المفاجئ السريع من المقدمة إلى النتيجة دون إغفال للمفارقة في لحظة وامضة خاطفة، متعجّلة يغلب عليها أمران : الأول استبداد الفكرة و مباشرتها عبر الحوار و التعليق عليه، كما في قصته (الجرس) فالمفارقة قريبة (الحديث عن التمسك بالدين قوام الخلق) والاكتشاف المفاجئ لمسيحية السائق، واستثمار هذه الثنائية في لحظة التنوير .
ظاهرة أخرى لافتة في هذه المجموعة تقدم لنا نموذجا بشريّا يتجاوز الملامح الخارجية ليوغل في الأغوار النفسية لتصل إلى جوهر البنية السيكولوجية وتلامس عقدها الباطنة، مركّب النقص من خلال مرآوية السلوك مع الآخر الأنثى متقصيّا أبعادها عبر المثلث المتمثل فما يمكن أن نسميها المرايا المتقابلة أو المحيطة التي يعكس كل منها جانبا من جوانب الشخصية لدى الأنا و الآخرين، والأنثى في العلاقات المتقاطعة بين أقطابها، المرأة التي يجتذبها لون من ألوان السلوك الذكوري تفتقده الأنا الساردة، وعجز الذات وإحساسها بمركّب النقص إزاءها، ثم القفز من خلال الحدث فوق هذا الشعور المستقر في أعماق الذات لدى السارد في تحوّل نوعي عبر إدارة الوقائع الطارئة وصولاً إلى ذروة المثلث الأرسطي للحدث بداية وذروة وانتهاءً بلحظة التنوير ممثلة في انطفاء الأمل والانتهاء إلى الخيبة ؛ ففد سلك الكاتب سبيل التراكم في بناء الحدث عبر التفاصيل الصغيرة، أملاً في إحداث التحوّل المأمول في تفكيك مركّب النقص، ولكنه انتهى إلى الفشل ؛ فقد انقطع حبل التواصل وتبعثرت التراكمات، فنحن أمام جملة من التقنيات : البوح الصريح ؛ الامتياح المباشر من الداخل، الاعتراف ، والتصاعدة في تنمية الموقف، والبناء على الوهم، المفارقة التي تمثلت في التضاد بين الذروة التي وصل إليها، حيث التقاطغ بين هاجس الأمل وحضيض اليأس الذي انتهت إليه خاتمة المطاف في قصته ( مقطع تافه) وقد ظلت سمة التوتّر سائدة لتؤكد جوهر هذا الفن .
ظاهرة أخرى في هذه المجموعة القصصيّة لافتة، تتمثّل فيما يشبه المنحى التسجيلي الواقعي الذي يعنى بتقديم أنماط من السلوك الباشري لشريحة اجتماعية تختلف عن النموذج ؛ فالنمط عيّنة تمتاز بسلوكيات معروفة و متكرّرة، تعرف بها طائفة مهنية أوشريحة هامشيّة معتادة، أما النموذج فيختلف عن النمط في كونه يمتاز بخصوصية ما، فضلاً عن الصفات الجوهريّة التي تمثل الطبقة التي ينتمي إليها، من هنا كان البناء في هذه القصة دائرياً بدأ بالعنون المصاغ باللهجة العامية (ما يخافوش ربنا) وانتهى بالعبارة ذاتها.
ظاهرة أخرى تتمثّل في خطاب الآخر والحديث إليه وعنه في آن واحد واصطناع ما يشبه القناع، مُمثلاً في شخصية أخرى لم يفصح عنها ؛ و لكنه (أعني الراوي) يتمثّلها ؛ فهو يخاطب السيدة النموذج، ويعمد إلى رصد سلوكها عبر الشخصية الأخرى التي تناقضها في المستوى الاحتماعي و النفسي : الأولى المرأة الأرستقراطية المتعالية التي تقف في الأوتوبيس معتدة بذاتها من خلال وصفه لمظهرها الخارجي وسلوكها و حوارها مع المرأة االمسكينة حول ابنها المعاق، والآخر القناع؛ و لعله سائق الحافلة، ورصد التحوّل المفاجئ الذي طرأ على الموقف كله كما تبدّى في انهيار المرأة الأرستقراطية أمام المشهد الإنساني، والسلوك العدواني للسائق تجاهها، ثم الإشفاق عليها بعد أن طردها و أذلّها، رؤية تحليلية للحظات معبأة بالتوتر : الاكتظاظ بالرّكاب و الطفل البدين المعاق و السلوك العدواني للسيدة الأرستقراطية، ثم اجتماع الضعف و التعاطف بين السائق والسيدة، حشد متراكم من التوتّرات وتظل لحظة التنوير مفتوحة على فيض من المشاعر المزدوجة.
ثمة ظاهرة أخرى تتّصل بغيرها من الظواهر السابقة، تتمثل في تركيزه على بناء الشخصية و سبر أغوارها النفسيّة و تحوّلاتها، وأثر الزمن في تشكيلها من جديد بأبعادها الفكرية و الوجدانيّة، كما يتضح في قصته(ليس خطأي) فقد أسرف في التأمل واستثمار الحديث النفسي ورصد الهواجس، وما إلى ذلك، لقد أهمل الإشارة إلى اسم الشخصية متعمّدا ذلك ليمنحها سمة التجريد و التعميم ؛ بدا وكأنه يعرض لموقف مزدوج يتمثل فيه نموذجاً بشريّا، وما اعتراه بفعل الزمن من تحوّل وتعبير عن حالة نموذجية من الترقّب و القلق ؛ تماثل مقصود بين لحظة التوتر واسترخاء النموذج، وهنا تكمن المفارقة و الخاتمة المفاجئة .
لقد بدا واضحاً اهتمام الكاتب بالبعد الإنساني من خلال استحضار الحالات المرضيّة للأطفال في بعض قصصه، و الاهتمام باللحظات الحرجة التي تحيط بهم في بعض نماذج منها، و للمكان رمزيته في هذه المجموعة القصصية فالأمكان الضيقة و المحدودة،المساحة والمناطق المكتظّة، والأسواق ومساكن الصفيح تمثل حيّزاً تدور فيه الحوادث الدّالة على أنماط من السلوك و الثقافة الشعبية ، وكذلك وسائل المواصلات من حافلات وسيارات، ولها رمزيّتها المعنويّة؛ فضلاً عن دورها في تطوير الحدث القصصي ؛ فالنقلات المكانية ؛ فضلا عن النقلات الزمانية أدت إلى التحوّلات النفسية، كما نلاحظ فيما طرأ على الصديق الغائب و السيدة الأرستقراطية و السائق الجهم و العجوز المسنّة .
إن النزعة الاستكشافية بارزة تكاد تقودنا إلى مربع السرد المألوف في أدب الرحلات، حيث الاهتمام بالطوبقرافيا و الديمغرافيا و السلوك ما يحيلنا إلى العنوان وخصوصية المكان بعناصره البشرية وعاداته.
لقد قدم الكاتب في قصصه نماذج متنوعة من النساء : المرأة المتعالية الغنية و المرأة الفقيرة البائسة و المرأة المسنة القاسية و المرأة المتعلمة المرحة التي تخفي وراء مرحها مأساة، وهي التي أفاض في تحليل شخصيتها ورصد سلوكها و البحث في سيرتها و الحوار معها، واستكشاف أزمتها في ثصتع (العقل نقمة) وكانت الطفولة المعذبة رفيقا ملازما للمرأة في معظم قصصه التي التقطت هذه الثيمة.
لقد بدا واضحاً اهتمام الكاتب بتشكيل شخصياته وتقديم نماذج متنوّعة منها، وخصوصاً فيما يتعلق بالمرأة وتعاطفه معها، وربما ذهبت بعيداً في استنتاج أن بعضاً من هذه الشخصيات كانت أقرب إلى العلامات الرمزية، مستحضرا رواية (عودة الروح) لتوفيق الحكيم الذي جعل من بطلة قصته (سنية) الفتاة الجميلة رمزاً أسطورياً لإيزيس في الأسطورة الفرعونية المعرروفة (إيزيس و أوزيريس) فسنيّة (إيزيس) تمثل مصر، و الفتاة الجميلة في قصة (صورة سيئة) يمكن أن تكون كذلك، ولعلي أكون مخطئاً إذا استنتجت من سرقة الكاميرا و الربط بينها و بين الفتاة الجميلة مثل هذا المعنى الرمزي الذي يفسر اختيار العنوان (صورة سيئة) شوّهت جمال الفتاة الرمز ,
وأخيرا فقد بدا واضحاً أن النَّفَس الروائي يغلب على هذه المجموعة، فالشريط اللغوي فيها ممتد؛ وكذلك العناية بالتفاصيل ورسم الشخوص والحس السّردي التراكمي، كل ذلك يشير إلى كاتب روائي له باع طويل في السرد، ورؤيا تتجاوز الانطباع الذي تخلّفه القصة القصيرة عادة .

 

المصدر: مجلة اليمامة

المكتبة مغلقة وصرنا يتامى.. تذوّقوا كنوز مئة وخمسين ألف سنة من القراءة

 

 

عالمُ أشباح أسود منهار، أماكنُ العبادة فيه مغلقة، ومتاجره محطّمة؛ ذلك هو الارتباك الإشكالي الذي يتسلّل نغمة حزينة لدى كاتبٍ/قارئٍ بحجم سيريل مارتينيز في روايته «المكتبة المظلمة»، لكنها نغمة ناقدة في الوقت ذاته استدعت السرد آليةً لنقل شظايا انفجار أزمة الكتابة، وبالتبعية أزمة القراءة، فمنذ الافتتاحية يضعنا في قلب الحدث معنوناً الفصل الأول بوصفه «قارئاً في خطر»، وأنّ كتاباً ما ينتظرنه هناك دون شكّ، فخبرته القرائية تعلمنا وتعلمه أن «الكتب تعرفنا أكثر مما نعرفها»؛ تلك الكتب التي نعشق تفاصيل لمساتها الساحرة: الأغلفة الناعمة البراقة، والغبار المتكوم على الأغلفة، والأغلفة القبيحة… لكن العنوان الذي يبحث عنه يختفي عنوةً، في انتظار حلول لحظته التي هي لحظة شرود أو انشغال القارئ… لم يظهر ذلك العنوان، وهنا بدأت الرحلة عنه في المكتبة الوطنية في المملكة أو الجمهورية لا فرق، المهم أنها المكتبة الوطنية ذات الكنوز الوفيرة… إنها رحلة تحقيق حلم كلاسيكية لإيجاد كتاب لم يقرأه بعد.
وبأسلوبه الساخر، يضعنا مارتينيز أمام تاريخ هذه المكتبة الذي هو تاريخ النظريات السياسية من الملكية إلى الجمهورية… ففي الملكية الأمر للملك، «هو من يأذَن بإنشاء مكتبة ملكية في مملكته… سيتلقّى تبرّعات بالكتب، وسيلجأ إلى المصادرة لو اقتضى الأمر، وسوف يستولي على وثائق الكهنة»، أما في الجمهورية: «فسوف يُؤمَّم الكنز… لا أحد يعلم ما الذي كان ليحدث لولا تدخل الرئيس المثقّف… الذي قرّر تشييد مكتبة عصرية… ها هو الرئيس يدشّن المؤسسة، ويضع حجر الأساس. وهكذا تمّ افتتاح المكتبة الكبرى؛ فحوّلت بذلك محطة قطارات بضائع قديمة إلى قطب اقتصادي حديث ولامع وجذّاب، وما إلى ذلك من النعوت المضنية، التي لا رابط يجمعها بالمطالعة العمومية، وإنما بأولئك الذين كانوا يعملون في المصارف والمؤسسات المالية».
في ظل هذا الاحتفاء السلطوي بالمكتبة والقراءة، أو -إذا أردنا الدقة- احتفاء السلطة بذاتها باستغلال المكتبة، يقتصر الألم على الكتب، الكتب التي تشيخ وتنفق تحت نظرات الرواد اللامبالية، التي تفضل الاطلاع على قائمة المشروبات والأطعمة. لم تكن تلك الكتب خداعاً بصرياً أو ورقاً للجدران، بل كانت كتباً حقيقية، لكنها في الوقت ذاته كتب ميّتة؛ إذ كيف يمكنك التعرّف إلى قارئ يشغله هاتفه ويحمل في يده مشروباً، فيما برج التراث المقدّس يملك حماية مشددة، ويغدو معيار الأكثر قراءة هو معيار الاختيار للقراءة، ولهذا كله دلالته الموجعة.
على أية حال أُقِيمت المكتبة، واحتفل الجميع بهذا الصرح، وباتت كلّ وسائل النقل من باصات وقطارات تؤدي إليها، وانتعشت المطاعم والدكاكين والحدائق والمنتزهات حولها؛ لكن كون المكتبة كنزاً وطنياً بقي مجرد شعار سياسي كاذب هدفه السيطرة على العقول واستغلال العشق البشري لأيّ شيء سياسياً.. إنه شعار يدفع إلى المغالاة والسخرية.
وهنا تبدأ لعبة السياسة، التي تفرض، بوقاحتها، أن يُرفع من قدر كتبٍ تتصدر عناوينها رأس الكاتالوجات، فيما ترفض إدراج أخرى لكونها، من وجهة نظرها، أقلّ قيمة، وهي، في الحقيقة، أكثر من يسبّب لها المشاكل، فتستثنيها ومن ثمّ تهملها، فكما في الحياة ثمّة مُقصَى ومهمَّش كذلك الكتب ثمة منها ما هو مقصى ومهمش…
وكما يتلاشى حلم البحث عن كتاب، يتلاشى حلم المكان القرائي، المكتبة، فهنا تتشظى أزمة الكتابة، ثم تتجسد في أكثر من شخصية في الرواية: شخصية «الكتاب الشاب الحانق» المجهول الهوية، وشخصية الكتاب المعاق، المهمَّشَين، ليشكلا علامتين سيميائيتين قام المؤلف بأنسنتهما، ليلملما، حواراً، كلَّ القضايا التي تثيرها أزمة الكتابة:
«أتظن أنك تعلم شيئاً عن حياة الكتب؟ أراهن أنك تتخيل الكتب سعيدة في المكتبة العظمى، وقد تم حفظها في ظروف مثالية.. أهذا ما تظنّه؟ أنت لا ترى الحقيقة. لا تعرف حجم المخاطر التي تحدق بالكتب، ولا تدري إلى أي مدى فصيلتنا مهدّدة بالانقراض».
«أنت وسيم وطيب، وأصابعك نظيفة؛ لذلك أنت قارئ حقيقي».
«أجفلتُ حين أخذني أحدهم بين يديه، وراح يطّلع على محتواي. كانت رائحة التبغ تتضوع من أصابعه، ونظرته حادة قوية، وكان يقرأ جيداً وسريعاً: كنت أمام قارئ كبير على ما يبدو».
هنا تأتي حكاية هذا القارئ الكبير المؤرخ، الذي اكتشف الشرَّ الذي كان هو يتجسّس عليه، فقرر الشرُّ قتله، فنبّهته أمينة المكتبة، فهرب معها، لكنه اختفى.. ليس الكتب وحدها تختفي فالقراء أيضاً يختفون.. ويبدأ البحث عنه في حكاية موازية أشبه بالعبثية.. وفيما الكلُّ يبحث عن ذلك المؤرخ القارئ، تظهر ابنته، بعبثيةٍ أيضاً، مهتمةً بأزمة من نوع آخر: «النصوص المتحوّلة جنسياً». بالنسبة إلى المؤسسات الأدبية، على الرواية أن تبقى رواية، والشعر شعراً، وإلا فالأدب إلى زوال، لكن، عموماً، الروايات الضخمة توفر سعراً أعلى من كتب الشعر.
في خضمّ هذه التجسيدات والأنسنة لكلّ شيء، تأتي المجموعة القرائية المفترضة التي تطلق تحذيراً بأنّ القراءة قد تمثّل خطراً محدقاً؛ «ففتحُ كتابٍ ما قد يعرضك إلى خطر الابتلاع، أو الزج بك في بؤرة ما»؛ فأصبح القراء «ينظرون إلى الكتب بشيء من الريبة، ولا سيما الكتب الأدبية، ليس لأنها تحمل قيماً غامضة تقوض السلم الاجتماعي فحسب، بل أيضاً لأن سلامة القارئ معها لم تكن مضمونة تماماً». لكن أزمة القراء كما سنكتشف تحيل على أزمة الذوق القرائي، وهنا تتجسد بوضوح رؤية الكاتب في روايته، فالقراء اليوم يريدون مكتبة تحقق لهم الترفيه لا كتباً نرجسية، وصعبة المنال، ومنعزلة عن الواقع، أو كتباً نخبوية وتافهة ودعيّة. قراءة الأدب لا تدرّ ربحاً؛ فما يعني القراء اليوم كتب توصلهم إلى الثروة، وتحقق لهم النشوة الجنسية، وتمكنهم من الفوز بمهنة أحلامهم، وحتى العثور على نصفهم الآخر، وتساعدهم في تعلم لغة أجنبية في عشرة أيام، وكتابة رسالة عزاء محتشمة، وقصائد بلسان الايموجي، وروايات من صفحتين…
لكن إدارة المكتبة لم تتجاهل رغبات القراء فحسب بل تتجاهل حتى وجود المكتبة، وتسير في خطّة رقمنة الكتب، فتأتي بالقراء المتعاقدين ذوي المعاطف والأحذية المتشابهة، الذين لم تكن القراءة تثير أيّ عاطفة لديهم: وجوههم باردة القسمات، لا أثر للضحك أو الدموع فيها، دون أيّ علامة قلق أو انزعاج، ولا حتى أدنى إشارة للحماسة والمتعة. وبعد ثلاثة أشهر من مسح الكتب رقمياً، غادر القراء المتعاقدون المكتبة عبر الأرصفة المظلمة. وبمحاذاة نهر كئيب، راحت أفكارهم نحو أشهر القراءة الثلاثة التي تركت فيهم أثرها الذي لا يمكن مغادرته هو أيضاً:
المكتبة مغلقة
وصرنا يتامى
تذوقوا كنوز مئة وخمسين ألف سنة من القراءة.
استمتعوا اليوم بلحظات القراءة؛ لأن مختبرات المكاتب الكبرى قرّرت إنهاء مسيرة الكتب الورقية، والتركيز على المواد الرقمية الخفيفة، ولأنكم ستغدون بعدها يتامى، وستغادرون العاصمة نحو الأحياء… وستشاركون هؤلاء القراء المتعاقدين رحلتهم، وقد اجتازوا مدينة أشباحٍ بلديتُها منهارة، وأماكن العبادة فيها مغلقة، ومتاجرها محطّمة؛ ثم ستدخلون معهم مدينة خالية أخرى، وستختبئون داخل منزل خرّبته الفيضانات. بعد ذلك ستجتازون قرى ريفية كئيبة، ومراعيَ محروقة، وبِركاً قذرة، وشواطئ كمصبّ الفضلات، وستصنّفون كاليتامى الكتبَ وترصفونها فوق رفوف من ألواح التحميل. افتتحوا الآن فضاءكم الوحيد من نوعه، المضياف، السهل الدخول، وأسّسوا مكتبتكم؛ المكتبة السوداء، وردّدوا نشيد القراء:
افتح عينيك جيّداً، وأنصت إليّ.
لن تعني لك أسماؤنا شيئاً
ننتمي إلى العائلة السعيدة
إلى القرّاء المجهولي الهويّة
نحن اليتامى
.

 

تشومسكي وبابيه ووقائع استعمار استيطاني : حوار مع فرانك بارات

 

لو نظرنا إلى الحشود التي تخترق مدن العالَم اليوم، تضامناً مع القضية الفلسطينية، ونظرنا إلى دوافع هؤلاء الشابّات والشبان، وإلى خلفيّاتهم الاجتماعية، سنجد أنّ توقاً إلى الفاعلية السياسية يُحرّكُهم، هُم لا يتضامنون مع فلسطين “إنسانياً” فقط؛ ولو افترضنا أن العدوان انتهى الآن، أيّ أثر سيتركه تحرُّكهم في مجتمعاتهم؟

 

الناشط والكاتب الفرنسي فرانك بارات (1977)، هو نموذج عن هؤلاء، وفي مقدّمة كتابه الذي حرّره وأدار الحوار فيه بين نعوم تشومسكي (1928) وإيلان بابيه (1954)، وصدر عام 2015، بعنوان “عن فلسطين”، يُعطي تصوُّراً عن هذه الحالة. نحن أمام شاب قدّم استقالته من وظيفته، وبدأت “الناشطية” تشكِّل له همّاً اجتماعياً خصوصاً بعد زيارته لفلسطين عام 2007 والتي تبعتها زيارات أُخرى كشفت أمامه الواقع الاستعماري وثبّته كمناضل مثابر ضد هذا الواقع. بدأ بقراءة أسماء مثل جون بيرغر وغسان كنفاني، وإدوارد سعيد، وأرونداتي روي، وتشومسكي، ونورمن فنكلشتاين، ونعومي كلاين، وآخرين. وعلى وقع أفكار هؤلاء، رسم الحوار بين تشومسكي وبابيه، في الفترة التي امتدّت من العدوان الإسرائيلي على غزّة عام 2008، حتى عدوان عام 2014.

 

التطهير العِرقي كبُنية تحتيّة

 

الكتاب، الصادرة ترجمتُه حديثاً عن “منشورات جدل”، بتوقيع سالم عادل الشهاب، يضمّ زوايا عديدة لا يمكن الإحاطة بها في هذا الحيّز المُتاح لهذه المقالة، لكن تجدر الإشارة إلى بعضها، وكذلك الوقوف عندها. الأهمّ، أو ربّما الأكثر راهنيّة فيه، هي مقاربته بين الحالتين الجنوب إفريقية والفلسطينية، على أنّهما قضيّتا صراع ضدّ الإمبريالية وأنظمة الفصل العنصري، وكذلك تناوله “حركة مقاطعة إسرائيل” (BDS)؛ وكلاهما حاضرتان اليوم وبقوّة. حيث يُمهّد بابيه لمضمون الكتاب بفصلٍ أول، تحت عنوان “حوارات”؛ يُوضّح فيه أنّ النقاش في هذا العمل ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: نقاشٌ عن الماضي، وتركيزٌ على فهم الصهيونية بوصفها ظاهرة تاريخية، ونقاش على الحاضر، مع تركيز مكثّف على صلاحيّة واستحقاق تطبيق نموذج الفصل العنصري على “إسرائيل”، وعلى فعالية “حركة مقاطعة إسرائيل” (BDS)، بوصفها استراتيجية رئيسة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وأخيراً الحديث عن المستقبل، وخيار الدولة الواحدة أو الدولتين.

مقاربة بين قضيّتَي جنوب أفريقيا وفلسطين كصراع ضدّ الإمبريالية

حكاية فلسطين، كما يُشير صاحب “التطهير العِرقي في فلسطين”، “من البداية حتى يومنا هذا عبارة عن قصة بسيطة للاستعمار والاستيطان. ومع ذلك فإنّ العالَم يُعاملُها على أنها قصة معقّدة ومتعدّدة الوجوه – صعبة الفهم وصعبة الحلّ أيضاً. لقد تمّ إخبار قصة فلسطين سابقاً عبر التاريخ، حقّاً: تذهب مجموعة من المستوطنين الأوروبيّين إلى أرض أجنبية، يستوطنونها، ثم يقومون بارتكاب المجازر أو طرد السكان الأصليّين”. ويتابع: “لم يقُم الصهاينة باختراع جديد في هذا الشأن؛ لكنّ إسرائيل نجحت بمساعدة حلفائها، في بناء تفسير متعدّد الطبقات للقضية، ومعقّد إلى درجة لا يستطيع أحدٌ فهمه باستثنائها”.

ويتناول بابيه نكبة عام 1948، مؤكّداً أنّ المقاربة الصحيحة لها أنها “تطهير عِرقي”، هذا الأخير هو “البُنية التحتية التي تقوم عليها إسرائيل، والحمض النووي للمجتمع الإسرائيلي، وما يزال يُمارَس بشكل يومي من قبل من هُم في السلطة”. ويُنبّه أنه لم يُمارس بحقّ الفلسطينيين فحسب، بل تجاه ملايين اليهود الذين قدموا من بلاد عربية وإسلامية، الذين توجّب عليهم الانسلاخ من عروبتهم، والالتحاق بـ”الحلم الصهيوني”، بل كان عليهم “أن يستبقوا الأحداث في إظهار عدم عروبتهم، عن طريق التعبير عن كرههم لهذا الجانب من هويّتهم”.

 

نسيان الماضي هو نسيان المستقبل

 

في فصل بعنوان “الماضي”، يوجّه فرانك بارات سؤالاً واحداً لكلّ من تشومسكي وبابيه؛ يدور حول “أهمية الماضي في فهم الحاضر”، بناءً على من يدعو الفلسطينيّين إلى نسيان النكبة وحق عودة اللاجئين. يُجيب تشومسكي بداية، معتبراً “أن هذا المنطق يعني نسيان المستقبل بالضرورة”. ويضيف: “هذه ظاهرة عالمية، يقول أوباما لننسَ الجرائم التي تم ارتكابُها؛ مثل غزو العراق والمضي قدماً، بكلماتٍ أُخرى لنستمرّ على هذا النهج نفسه الذي كنّا نمارسُه. هذا هو سلاح القوي”.

 

ويُبيّن تشومسكي، أيضاً، في فصل آخر “المستقبل”، هيمنة اليمين المتطرّف على العقلية الإسرائيلية، مثلما حدث في الأيام الأخيرة لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ حيث تسود فكرة “العالم يكرهنا لأنهم جميعاً معادون للسامية؛ لذلك سنفعل ما نريد”. وبالتالي فإنّ كل ما يحدث مع “إسرائيل” هو بسبب الآخرين المتوحّشين، ربّما هذا ما يُفسّر لنا، يُتابع عالم اللّغويات الأميركي، كيف يجلس الكثير من الإسرائيليّين ليصفّقوا كلّما سقطت قنبلة على غزّة.

الصورة

عن فلسطين – القسم الثقافي

 

القسم الثاني من الكتاب، بعنوان “انعكاسات”، ويمتدّ من الفصل السابع إلى الثاني عشر، ويضمّ مقالات لكلا المُفكّرين تتناول قضايا كانت راهنة في الوقت الذي كُتب فيه الكتاب. حيث نجد تشومسكي يتطرّق إلى “حصار غزّة وجرائم إسرائيل ومسؤوليتنا تجاه ذلك” (9 تموز/ يوليو 2014)، يكتب بالإشارة إلى تقارير من الطبيب النرويجي مادس غيلبيرت: “حينما تتصرّف إسرائيل بشكل جيّد، يُقتل طفلان فلسطينيّان على الأقل كلّ أسبوع وهي عادة تعود إلى أكثر من 14 عاماً”. ويكتب بابيه تحت عنوان “تاريخ مختصر: حول تصاعد الإبادات الجماعية في الأراضي المحتلّة” (13 تموز/ يوليو 2014): “يشعر الناس في غزّة بخيبة أمل بسبب عدم وجود أي ردّ فعل دولي على المذابح والدمار الذي خلّفه الهجوم الإسرائيلي، يبدو أن عدم القدرة أو عدم الرغبة في التصرّف هو أولاً وقبل كلّ شيء قبول بالرواية الإسرائيلية”.

أخيراً، كيف ننظر اليوم إلى هذا الكتاب الذي وُضع قبل عشر سنوات؟ فكلّ المعطيات قد انقلبت، تقريباً، إلى حالة أشدّ من التوحُّش، وعُدوانا 2008 و2014 يبدوان جُزءاً صغيراً من الصورة التي فرضتها الإبادة المستمرّة منذ أكثر من مئة يوم. مع ذلك فإنّ كِلَا المُفكّرَين، ومن موقع كُلٍّ منهما الخاصّ والمختلف عن الآخر، ما يزالان مُحافظَين على موقفيهما المؤمن بعدالة قضيّة فلسطين، حتى مع بلوغ سياسات الإرهاب والتكميم الغربي لكلّ الأصوات المُناهضة للصهيونية، إلى ذُرى لم تكُن مُتخيَّلة.

  

 

المصدر: العربي الجديد

تفكيك سلطة الذكر واستعادة المهمّش الأنثوي حضورَه المُقصى

«ضحك النساء»… تفكيك سلطة الذكر واستعادة المهمّش الأنثوي حضورَه المُقصى

ثق بي إذا قلت لك إن هناك الكثير من الأشياء التي يمكن أن تكون رأيتها أو سمعتها أو قرأت عنها، لكن الكتاب الذي يستولي على شغفك ويمسك بك ويأسرك هو ما يقدّم لك ما رأيت وما سمعت وما قرأت عنه كما لم ترَ ولم تسمع ولم تقرأ… هذا هو كتاب «ضحك النساء»، الذي تقرأه وفي الخلفية موسيقا كلِّ الدراسات المضادة المتمرّدة التي رفعت شعار تفكيك السائد والمهيمن والسلطوي واستعادة المُقصَى والمهمَّش… فالنصوص المهيمنة والسائدة والسلطوية، على كل حال، تحمل في كلماتها بذور تفكيكها، فإذا كان إدوارد سعيد قد استطاع أن يهز أركان عرش الاستشراق، وأن يسقط تماثيل معبوداته المرمّمة، وأن يعري ثقافة الغرب الإمبريالية الروائية والسينمائية والموسيقية، وإذا استطاع ميشيل فوكو أن يسقط سلطة صناعة السجون ومستشفيات الأمراض العقلية الخفية، وإذ استطاع جاك دريدا أن يسقط المركز الذي لا يكون مركزاً بلا هوامش، نقرأ سابين مليكيور بونيه وهي تسقط عرش الذكر من خلال سرد قصة صراع النساء المهمَّشات والمقصيّات في استعادة سلطتهنّ على الضحك؛ ضحك النساء، في عرض تاريخي شيّق وغزير ومتخم بأناقة البحث والعرض والتحليل والنقد... إنه كما يقول الفيلسوف آلان: «انتقام جميلٌ من الاحترام الذي لم يكن مستحقاً».

تاريخياً وكعادته لم يطلب النصّ الذكوري تغطية جسد المرأة فحسب، بل أراد تغطية عقلها، فبعناوين مثل اللباقة، وقواعد المحادثة الجدية والمحترمة، والأخلاق، أراد النص الذكوري للمرأة أن تكون قلباً نقياً وجسداً صامتاً، بعيداً عن الإغواء الذي يفجره الضحك بقوته الجنسية التدميرية، فللمرأة فموان فمها الذي تتحدث به وتضحك وفم رحمها، وقد اجتهد الرجالتاريخياً كثيراً ليؤكدوا أن الفم الأول يستحضر الفم الثاني، وأن اهتزاز الأول بالضحك يؤدي إلى اهتزاز الثاني.

منذ أرسطو وأريستوفانس وكلاسيكيات الأدب والأسطورة،إلى النصوص المقدسة، إلى فرجينيا وولف، وكوليت، ومارجريت دوراس، وناتالي ساروت، إلى عروض النساء الكوميدية اليوم، خاضت المرأة رحلة طويلة لاستعادة سلطتها على حريتها، وضحكها، وجسدها، لتكون امرأة ضاحكة ومضحكة، جميلة وربما شريرة، لا مبالية وربما سخيفة، لكنها ملكة منتقمة من كلّ ما حرمها حريتها باسم الاحترام الذي يسمح لها بأن تبتسم فحسب بدافع الرقة والتسلية، أو تبتسم، كما وُصفت ابتسامة الموناليزا الغامضة والمغلقة، ابتسامةً تكون «أفضل تعبير عن الانسجام الداخلي».

تقدم الباحثة والمؤرخة في الكوليج دو فرانس سابين ملكيور بونيه لنا قصة رحلة النساء هذه في استعادة ذواتهن وحريتهن بعد تاريخ طويل من الإقصاء والتهميش، واستعادة قدرتهن على الضحك وقدرتهن على إضحاك الناس، ورفض احتواء لغة أجسادهنّ باسم الجمال الأنثوي ونعومته تارةًوباسم الأدب والاحتشام تارة أخرى، لكن إذا كانت هذه الدراسة تطلق اليوم صوت المهمَّش والمقصَى، فإنها تؤكدأيضاً أن النساء على مر التاريخ لم يرضخنَ يوماً لتلك الكراسات الإكراهية، فقد كنّ يضحكن رغم كل شيء في الأرياف والمدن، في الأحياء الفقيرة والراقية، لكن متوارياتٍ عن أنظار الذكور، في الحمامات، وفي مخادعهن، وفي الأسواق، وفي الصالونات الأرستقراطية، وأحياناً في البلاط، متجاوزات قوانين الطبقية، حيث في المجتمع الراقي النبيلاتُ يتواطأن في الضحك مع الخادمات، حتى إنهن كسرن في ما بعد جدران الجليد بما يتمتعنَ به من محادثات مرحة وممتعة مع الرجال المتسللين إلى جلساتهنّ، لينتقل من ثَمَّ الضحكُ إلى كتاباتهنّ الممتلئة بالسخرية والاستهزاء من سلطة الذكر متحرراتٍ من صنميّة المرأة المشتهاة، كما نقرأ روايات كريستين دو بيزان ومارغريت دي نافار، ثمّ يظهرن في الكوميديات الساخرة الإيطالية والفرنسية يضحكن ويسخرن من الرجال والزواج، إلى أن يعلنّ ثورتهنَ فيصعدن مع بدايات القرن العشرين المسارح يرقصنَ في قاعات الموسيقا بفساتينهن القصيرة المضحكة.

هذا السرد التاريخي لقصة ضحك النساء لم يكتفِ برصد الحوارية الجدلية بين الذكر والأنثى، بل امتد ليرصد الأحداث الكبرى التي أثرت في الضحك صعوداً وانحداراً، حركةًوجموداً، فالثورة الفرنسية، بعد عقودٍ ازدهر فيها الضحك فيالمسارح والملاهي وحفلات المقاهي، أدت إلى جموده وانحداره، حيث ساد العمل الجاد كما سادت البرجوازية ومن ثم أحاديث السياسة والأعمال، فاختفت البهجة مع اعتزال الرجال وعزل النساء عن الجلسات المختلطة.  

وكما كشف إدوارد سعيد تورط روايات جين أوستن وجوزيف كونراد كولونيالياً في «الثقافة والإمبريالية» تكشف هنا سابين تورط روايات بلزاك وزولا في إقصاء النساء وتهميشهن، ولا سيما أولئك الجريئات اللواتي يرغبن في إظهار براعتهنّ، لكن النساء حتى لو أظهرنَ أنهن امتثلنَ لما هو متوقّع منهنَّ، كنّ دوماً نساء لا ينخدعنَ؛ إنهنَّ يعرفنَ جيداً عيوب الرجال، كما يلمسنَ بحدسهنّ الأنثوي الادعاءات الكاذبة، والفجوة بين استيهام الخطاب و صدق الواقع.

لقد نجحت النساء، في النهاية، في تحدي قدرتهنّ على الضحك وإضحاك الناس، ونزع وصمة العار عن ضحكهنّ،وفي تحدي احتكاره من قبل الرجال بوصفه ترفيهاً لهم وعزاءً لحزنهم، بل إن إحدى نقاط القوة العظيمة لضحك النساءهي أنهن تَمكنَّ من تجسيد الاستهزاء الذاتي. لقد سخرنَ من أنفسهنَّ، معترفاتٍ بعيوبهنَّ، كانتظار الأمير الفاتن على حصانه الأبيض، والسعي وراء السعادة بأيّ ثمن، ومكانةالأمّهات ضمن العائلة، وعمل النساء... إن ضحك النساء حقيقةً يؤكّد شفافيتهن أمام جدية الرجل الفارغة وغموضه وانخداعه وتعلّقه بالأوهام؛ إنّه الضحك الذي، كما تقول فرجينيا وولف، «يظهر الكائنات كما هي، خالعةً رداء الثروة والمكانة الاجتماعية والتعليم»؛ إنه الضحك الذي ينقذ الحياة، الضحك الذي يجب أن نظفر به، الضحك الذي يستمدّجذوره من الطفولة ببراءتها ونقائها؛ إنه ضحك النساء الذي يقدم العالم بشكل هزلي من وجهة نظرهنّ.

أختم بقول ميلان كونديرا الذي اختتمت به سابين كتابها: «ليست أفضل القصص الساخرة تلك التي تجعلك تضحك أكثر، بل تلك التي تكشف آفاقاً جديدة». قد لا يجعلنا هذا الكتاب نضحك كثيراً لكنه لا شك يكشف لنا آفاقاً جديدة.  

هل اقتبس عبدالرحمن الكواكبي أفكار كتابه طبائع الاستبداد من كتاب الطاغية لفيتوريو آلفيري؟

فيتّوريو آماديو آليفيري

شاعر وكاتب وممثل مسرحي إيطالي، وُلد في مدينة آستي، في أقليم بيامونته، في ١٦ كانون الثاني ١٧٤٩، وتوفى في مدينة فلورنسا عام ١٨٠٣؛ حيث دُفن في كاتدرائية سانتا كروتشه، في فلورنسا.

ينحدر من عائلة نبيلة وشريفة السمعة. أبوه الأمير أنطونيو آماديو آليفيري، أمير مقاطعة كورتيميليه، إلا أنه فقده مبكراً. تزوجت أمه مونيكا مايلّراد دي توُرنون للمرة الثانية من الفارس كارلو دجياتشينتو آليفيري.

منذ نعومة أظفاره، كان فيتّوريو حساساً للغاية، مفعماً بالحيوية، لكنه في أغلب أوقاته كان يعيش منعزلاً، رافضاً قواعدَ مجتمعه. كان يعاني من مرض عصبي غالباً ما كان يسبب له الاكتئاب. في عام ١٧٥٨ حلّ ضيفاً على معلّمه وعمّه بلّيچرينو آليفيري، الذي كان حاكماً لمدينة كوُنيو في عام ١٧٦٢، ومن ثَمّ نائب ملك ساردينيا. ألحقه عمّه بالأكاديمية المَلَكية في مدينة تورينو؛ حيثأكمل دراسته في قواعد اللغة والبلاغة والفلسفة والقانون. لغته الأم كانت لغة مدينته تورينو، بالإضافة إلى اللغتين الفرنسية والإيطالية الكلاسيكية (لغة إقليم توسكانا).

كانت نشاطات ڤيتّوريو الأدبية قصيرة، لكنها كانت كثيفة وعاكسة لآلام روحه ولحياته المغامرة. درس، بعمقٍ، بلوتاركو، ودانته، وفرنشيسكو بيتراركا، وماكيافيللي، كما درس، باهتمامٍ، المتنورين؛ مثل: ڤولتير ومونتسكيو، ومنهم جميعاً استمدَّ نظرته الواقعيةالكلاسيكية. كان مؤيداً للحرية بشكلها المثالي. وبشكل قاطع، كان أيضاً معارضاً لكلّ ما هو استبداد.

خلال إقامته في فرنسا، شجّع الثورة الفرنسية، وبعدها عاد إلى إيطاليا، واستمر في الكتابة معارضاً نابوليون إلى حين وفاته عام ١٨٠٣. قبل موته، في سنواته الأخيرة، صار مصدر إلهام للكثير من الأدباء المتنورين مثل إوغو فوسكولو. من أهم أعمال فيتوريو ألفيري في الكوميديا ​​والهجاء والواقعية: من الاستبداد، مدح بليني لتراجان، في الفضيلة المجهولة وفي الأمير والرسائل: وفي هذا العمل بالذات يحلل الكاتب علاقته مع السلطة المطلقة. لكن هناك من يرى أنّ أهم أعماله كانت سيرته الذاتية؛ الحياة التي كتبها، واستعاد من خلالها القصة العاطفية لكيفية اكتشافه نفسه وميوله الأدبية. ألفيري كتب أيضاً الكثير من الأشعار، التي أعطت صوتاً لازدرائه الأرستقراطي للخسة والنفاق.

كتاب الطاغية وأهمية ترجمته

في كلّ كتابات ألفيري، بما فيهم كتابه هذا، سادت فكرتان أساسيتان هما: إعطاء شكل واضح لمفهوم الإنسانية، وبلورة شخصية الإنسان وربطها بالحرية. وهذه الفكرة، التي لا تُفارق فكر وحياة الكاتب، نراها جلية في كتابه هذا؛ إذ يبحث ألفيري في الآليات النفسية التي تؤثر في الشخصيتين: من يُسيطر ومن يجب أن يخضع، وهناك من يُهيمن عليه التعطش للسلطة، ومن يُسيطر عليه حبّه وتعطشه للحرية. هذه الفجوة العميقة بين الطرفين تظهر جليةً في كتاب آليفيري (الاستبداد)، الذي حلّل فيه المؤلف خصائص الطاغية، والأدوات التي يستخدمها لقمع الرعايا، وكذلك الطُرق التي يستطيع بها الرجال الأحرار، الذين يعانون من هذا الظلم، القضاء عليه.

في كلّ العصور، بما فيها عصرنا هذا، شكّل الاستبداد قوةً معادية للإنسان بشكل عام، وللرجال الأحرار الأبطال بشكلٍ خاص؛ لأن البطل يتربّى على كراهية كلّ ما يُعيق حريته وإنسانيته؛ أي على نبذ الطاغية.

من الواضح في هذا الكتاب أنه لا توجد إمكانية تفاهم بين البطل والطاغية، وغالباً ما يُصبح البطلُ الضحيةَ، وهذا ما يُخيف أكثر مخاوف الطاغي؛ لأن البطل الضحية يُثير في الناس ردود فعل كبيرة، ويُوقظ في داخلهم تعطشهم للحرية وللحياة الكريمة.

في الحقيقة، الطغيانُ والطاغي لا علاقة لهما بعالم السياسة، ولا يُشكّلان من الناحية التاريخية حالة طارئة محددة. منشأهما حتماً متعلقٌ بطبيعة الإنسان وخوفه من المجهول.

الكراهية الشديدة للطاغية تتحول في هذا الكتاب إلى دعوة لحب كلّ ما هو مُطلق، إلى توقان لتجاوز الظروف والقيود الإنسانية، من أجل التأكيد الكامل والشامل على الذات والإنسان الحر. يتوقف كثيراً آليفيري على أهمية تجاوز العقبات كي لا يشعر البطل المدافع عن الحرية بالإحباط، ولكي لا يرى الهزيمة كأنها قدر محتوم، وأنّ الإنتحار هو الحلّ اليائس المُتَبقي.

هذه المرحلة الهدّامة للأسس الإنسانيّة، التي يمّر بها العالم العربي بشكل خاص، والعالم بأسره بشكل عام، تجعل من ترجمة هذا الكتاب واجباً أخلاقياً ومعرفياً دقيقَ الخبر، الذي يهدف إلى دعوة البشرية إلى االتوحد من أجل إنقاذ كلّ ما يجعل الإنسان إنساناً، فالواقع الحالي للبشرية أليمٌ يكتنفه الجهل والغموض؛ لهذا حرية الإنسان من التعسف هي الحل الأول لبدايات حياة كريمة. المشكلة لا تكمن في السلطة أو الحكم، بل في السلطة التعسفية الشيطانية، والحكم الأرعن الذي لا هدف له إلا وجوده كغاية مطلقة وبأي ثمن.

هذا الكتاب أشبه بمخبرٍ طبي يشرّح أمراض الظالم، وأوجاع المظلوم، وطرح الحل الأسلم للطرفين، ومن منّا اليوم لا يبحث عن الحل الأسلم؟ لقد صار حاجة ملحةً لجميع البشر في كلّ أنحاء المعمورة من أجل العودة إلى ما أراده الله للبشرية جميعاً من خير، وهذا لا يأتي بالتخاذل والاستسلام أمام قوى الشر.